14 نيسان 2019

شرطي مرور يضرب سائقاً مسناً في دمشق: الدرس الذي نرفض أن نتعلمه!

ضجت مواقع التواصل الاجتماعي الأسبوع الماضي بصورة تظهر سائق سيارة أجرة وهو يجلس بحزن قرب سيارته ويقف أمامه شرطي مرور تحت عنوان "شرطي مرور يضرب سائقاً مسناً في دمشق". انتشرت الصورة على نطاق واسع، وتداولها المئات من السوريين، وغير السوريين.

ووسط هذا الضجيج، نشرت صفحة "الشرطة" على موقع "فيسبوك" التي يديرها مجموعة من ضباط وعناصر شرطة توضيحاً حول الحادثة، فنّد كل ما تم نشره حولها، حيث بينت الصفحة أن "ما جرى يوم الاربعاء 2019-4-10 عند تقاطع الأزبكية في دمشق هو إشكال بين سائق سيارة سابا عامة وسائق سيارة شاحنة مغلقة على أفضلية المرور، وقد تدخل عناصر شرطة المرور لحل الإشكال بينهما بالقرب من كازية الأزبكية، ولم يقم الشرطي بالاعتداء على أحد من السائقين ولم يدّعي أي سائق على الآخر، وإن سبب جلوس الرجل على الأرض هو انخفاض ضغطه من الملاسنة الحاصلة بينه وبين السائق الآخر"، كذلك، نشرت ذات الصفحة تسجيلاً مصوراً يظهر السائق "محمد أمجد عبد العال"، يؤكد خلاله أنه فوجئ بانتشار صورته، وأن ما جرى مجرد دوار شعر به خلال المشكلة لا أكثر.

القصة بمجملها لا تنفع لأن تكون حتى حكاية يمكن أن يرويها حلاق يشعر بالضجر لأحد زبائنه، ولكنها وبتحريف بسيط وجدت طريقاً للانتشار، والتداول، لتتحول خلال ساعات إلى خبر مهم وقضية رأي عام، حيث تعاطف المئات مع السائق "المظلوم"، وشنوا هجوماً على الشرطي "الظالم" افتراضياً، ولمن يشكك في الرواية فإن الصورة خير دليل!

تمثل "السوشيال ميديا" أحد أهم مصادر الأخبار بالنسبة للسوريين، الذين يرتادونها باستمرار ويتناقلون ما ينشر على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي كحقائق لا يمكن التشكيك فيها، خصوصاً إن أُرفقت الأخبار بصور، أو بتسجيلات مصورة، في ظل غياب البدائل الموثوقة في سورية، أو ندرتها، حيث تنشط بضعة وسائل إعلام خاصة إلى جانب وسائل الإعلام الحكومية التي تتصدر المشهد.

خلال الحرب، عانى السوريون من "السوشيال ميديا" بشكل كبير، آلاف الأخبار الكاذبة تم ضخها على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي في سياق الحرب المندلعة في سورية، تفجيرات وهمية، واغتيالات لم تحدث، وانهيارات اقتصادية، وغيرها، رغم ذلك لم يفقد السوريون ثقتهم بـ "السوشيال ميديا" وأخبارها، بل طوروا أساليبهم في تحديد المصادر الموثوقة بالنسبة لهم، وفقاً لميولهم السياسية، حيث أصبح مصدر الخبر وميوله السياسية أساس تقييم الخبر ومقدار الثقة به، فالأخبار التي تنشر على الصفحات المعارضة غير حقيقية، أما الأخبار التي يتم تداولها على الصفحات الموالية فهي موثوقة.

كمثال على ذلك، فإن الصورة المزعومة للمواطن الذي تعرض للضرب من قبل شرطي مرور تداولتها صفحات سورية تحمل صفة الموالاة للحكومة، بينها صفحات ترفيهية لا أكثر، هذا السبب كان كافياً لانتشارها بشكل كبير، حتى أن بعض المواقع المعارضة تناقلت الخبر ونسبته إلى "صفحات موالية"!

ولا تعدّ قضية تداول الأخبار الكاذبة قضية محلية مرتبطة بالسوريين فحسب، حيث يعاني معظم مرتادي "السوشيال ميديا" من هذه المشكلة، الأمر الذي أعلنت مواقع التواصل الاجتماعي سعيها للقضاء عليه عن طريق منع نشر أخبار كاذبة، خصوصاً بعد الأثر الكبير الذي تسببت به الأخبار الكاذبة على الانتخابات الرئاسية الأمريكية، حيث حصدت 20 قصة كاذبة أكبر نسبة تفاعل على موقع "فيسبوك"، على حساب الأخبار الحقيقية، وفق ما ذكر موقع "بازفيد" الأمريكي حينها.

كذلك، خلصت دراسة أجراها ثلاثة باحثين من "معهد ماساشوستس للتكنولوجيا"، ونُشرت في مجلة "ساينس" العلمية، إلى أن مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي يميلون إلى مشاركة الأخبار الزائفة على نحو أوسع وأسرع، مقارنة بالأخبار الحقيقية والوقائع. وأوضحت الدراسة التي اعتمدت على تحليل 127 ألف خبر، نشر على موقع تويتر أن الأخبار الحقيقية احتاجت وقتا أكثر بـ 6 مرات للوصول إلى 1500 شخص مقارنة بالأخبار الكاذبة، وأن الأخبار الكاذبة المتعلقة بالسياسة كانت الأكثر تداولاً، إضافة إلى أن الأخبار الزائفة لديها قابلية إعادة التغريد بنسبة 70% أكثر من الأخبار الصحيحة على موقع "تويتر".

التدفق الكبير للأخبار الكاذبة وتداولها سواء عبر على مواقع التواصل الاجتماعي، أو حتى بعض المواقع والصحف، دفع إلى نشوء منصات خاصة تسعى إلى التأكد من بعض الأخبار المتداولة، والبحث عن مصدرها الحقيقي، أحدثها مدونة أطلقتها وكالة الصحافة الفرنسية تحمل اسم "في ميزان فرانس برس"، حيث يعمل في هذه المدونة عدد من الصحافيين الذين يقومون برصد بعض الأخبار الشائعة والبحث في حقيقتها، ومصدرها الرئيسي.

نظرة على مدونة الوكالة الفرنسية تكشف حقيقة عدد من الأخبار تورطت في نشرها مواقع وصحف عربية وحتى عالمية وصفحات مشهورة على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث قامت وسائل الإعلام هذه بنقل الخبر عن وسيلة إعلامية قامت بنقله عن وسيلة أخرى نقلته بدورها عن أحد المواقع، ضمن سلسلة طويلة من النقل والنسخ وإعادة النشر، من دون أن تقوم أية وسيلة إعلامية بالتأكد من الخبر، أو البحث فيه حتى.

أمام ذلك، لا يمكن أن يلام المواطن البسيط على تفاعله وتعاطفه مع خبر محلي يلعب ناشره على وتر العاطفة، ولكن بالتأكيد يلام كثيرون ممن يعدون "قادة رأي عام"، ومثقفون أو صحفيون أو حتى وسائل إعلام بسبب استسهالهم نشر الأخبار، من دون أي بحث أو تحقق، أو حتى شك.


Facebook Google Plus Twitter LinkedIn
Top
نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط لتحسين موقعنا. بتصفحك هذا الموقع أنت توافق على ذلك. إذا لم توافق، فرجاء غادر هذا الموقع.. More details…