14 نيسان 2019

المبادرات الفردية تكافل اجتماعي صادق... على أمل الوصول إلى مؤسسات اجتماعية

سنوات الحرب الطويلة... والقلة... والوضع المعيشي الصعب الذي يعيشه السوريون، ورغم كل الأزمات الاجتماعية والنفسية التي نتجت عن الحرب، بات السوريون اليوم يبحثون عن حل يخفف معاناة بعضهم البعض ويدعمهم ولو بشكل معنوي أو بسيط.

 نحن معكم...

مبادرات فردية بسيطة، أبطالها سوريون، حاولوا بإمكانيات متواضعة أن يقولوا للأشد حاجة منهم: نحن معكم...

الكثير منهم جعلوا "فيس بوك" منبرهم وأعلنوا عن مبادرات من شأنها أن تسد حاجة محتاج وترفع معنويات وأمل مراقب...

أحد هذه المبادرات كانت لمحال بيع الخضار حيث طلبت المبادرة من البائعين المشاركين فيها، بوضع صندوق فارغ كتب عليه "اترك شيئا لمحتاج" على أن يأخذ المحتاجون حاجتهم من الصندوق من دون أن يدفعوا ثمنها.

المبادرة لقيت قبولا لدى العديد من الأشخاص فقاموا بتنفيذها، كما لقيت قبولا من زبائن تلك المحلات لإحساسهم أنهم قدموا مساعدة لمحتاج حتى لو كانت عدة حبات من البطاطا أو البندورة.

مبادرة أخرى قامت بها إحدى الصيدليات حيث تستطيع بالدخول إليها أن تشتري دواء وتتركه في كيس معلق ليراه مريض غير قادر على شرائه، فتخفف ألمه الجسدي وتأخذ بدلا عن ذلك طاقة إيجابية لأنك أحسنت المساعدة.

على "فيس بوك" حملة أخرى دعا فيها مجموعة من الشبان والشابات، أصحاب العقارات ليسامحوا المستأجرين بإيجار شهر رمضان، في محاولة لتذكيرهم بحاجة هذا المستأجر وعبء الإيجار الكبير الذي يدفعه شهريا، ولقيت هذه المبادرة القبول أيضاً حيث أعلن العديد من أصحاب البيوت انضمامهم إليها.

 

منظومة القيم

تقول الأخصائية الاجتماعية حنان ديابي أن فكرة التكافل الاجتماعي مطلوبة ومفيدة، خلال الظروف الصعبة التي تمر بها البلاد، لكنها لاتزال تنحصر بمبادرات فردية فقط، ومع وجود كثافة سكانية كبيرة وعدد كبير من المحتاجين، يجب أن تكون منظمة بشكل أكبر.

وتلفت ديابي إلى تقرير الأمم المتحدة الذي يكشف أن 89 % من السوريين تحت خط الفقر، لولا المساعدات التي تصلهم من الأفراد الموجودين خارج البلد، وتوضح: تدني الأجور التي لا تكفي الحد الأدنى من متطلبات المعيشة، ونفاذ مدخرات السوريين بعد سنوات الحرب الطويلة، وبعد أن كانت أعداد من يمتلكون البيوت التي يسكنوها تفوق عدد المستأجرين أصبح الموضوع بالعكس فتفوقت نسبة المستأجرين.

وتؤكد الأخصائية الاجتماعية أن التكافل الاجتماعي كظاهرة، هو من أساسيات المجتمع السوري حتى قبل الحرب، مضيفة: على الرغم من أن الأزمات والحروب تخفض منظومة القيم، لكن ما نراه اليوم لاسيما مع عودة الاستقرار والأمان، وارتفاع حاجة الناس، عاد التكافل الاجتماعي لينشط في المجتمع السوري، لذا بدأنا نرى مبادرات فردية، لكنها ليست منظمة.

وترى ديابي أن هذه المبادرات على قلتها وقلة عدد المحتاجين الذين تصلهم تعدّ جيدة، وتعطي انطباعا بوقوف السوريين إلى جانب بعضهم في الأزمات، من جانب آخر تسهم في إعادة منظومة القيم الإيجابية إلى الاستقرار، لينهض المجتمع من جديد.

ويمكن من خلال هذه المبادرات الفردية أن تنضج فكرة المواطنة بشكل أكبر وتصبح المساعدة من مبدأ المواطنة وليس لانتماء ديني أو طائفي.

موضحة أن موضوع التكافل الاجتماعي سيعطي نتائج أفضل عندما تنضج فكرة المواطنة، وعندما يكون هناك مؤسسات بهذا الخصوص، مع الانتباه للأشخاص الذين سيكونون قائمين على تلك المؤسسات حتى لا يتم استغلالها كقنوات للقيام بنشاطات لها غايات أخرى لا تناسبنا.

ففي العديد من الدول هناك مؤسسات اجتماعية هي التي تقوم بهذا الدور، لذا يكون دورها واضحا أكثر وتأثيره أقوى، فهي تعرف من هي الفئات المحتاجة وما هي حاجاتها، نتيجة تنظيم العمل ووجود قاعدة بيانات.

 

مبادرة مجدية

البعض أيضاً جعل من صفحته على فيس بوك صلة وصل رحيمة بين صاحب الحاجة ومن يقضيها، الدكتورة نسرين زريق مثلا تنشر يوميا على صفحتها الشخصية، حالات أصحاب الحاجة على اختلاف حاجاتهم وتطلب لهم المساعدة، ودائما تستطيع بجهود مميزة أن تصلهم إلى من يقدم لهم ما يقضي حاجتهم، حتى باتت مقصدا لكل ذي حاجة اضطرارية، إن كانت هذه الحاجة عمل جراحي أو مبلغ مالي أو حتى فرصة عمل.

وحول مبادرة زريق تقول الإخصائية الاجتماعية، أشجّع مبادرة الدكتورة نسرين زريق، وأعتبرها مجدية أكثر من المبادرات الفردية المذكورة سابقاً، لأنني أجد أنها تجمع حاجات الناس وتحاول ربط الحالات التي تصلها مع من يقدمون لهم الدعم وبهذه الحالة يكون عملها مؤثرا أكثر، فنحن بحاجة فعلا لينظم التكافل الاجتماعي ويصبح لدينا مؤسسات اجتماعية لهذا الغرض.

مضيفة: حتى الآن لا يوجد لدينا توصيف لمثل هذه المؤسسات وعملها لا يزال غير واضح في سورية، لأن مؤسسات المجتمع المدني كتجربة لم تنضج بعد.

وتفضل ديابي هذه المبادرات الفردية على الجمعيات الخيرية لأنها وبمعظمها لها إيديولوجيا معينة ومرتبطة بفئات معينة.

أشعِل شمعة..

عندما تقدم المساعدة فإنك تحصل على أجرك مباشرة، فتقديم العون لمحتاج، يرفع الشعور بالمواطنة وبفعل الخير، ما يكسبك ثقة بنفسك وبقدرتك على القيام بعمل مفيد، أمام الواقع الصعب الذي يعيشه المجتمع، فلا تلعن الظلام... أشعل شمعة...


Facebook Google Plus Twitter LinkedIn
Top
نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط لتحسين موقعنا. بتصفحك هذا الموقع أنت توافق على ذلك. إذا لم توافق، فرجاء غادر هذا الموقع.. More details…