04 تشرين2 2018

تجلس سما كما تحب أن تسمي نفسها في أحد شوارع بيروت، تحتضن رضيعةً لا يتجاوز عمرها خمسة أشهر فيما تركض فتاة لا يتعدى عمرها السنتين حولها، تستجدي سما وابنتها المارة بضع ليرات تجمعها في نهاية اليوم.

بعد يومين من العودة إلى المكان ذاته تختفي سما. انتظرت معدّة التحقيق يومين آخرين على أمل أن تعود سما لكن من دون أمل. فتاة جديدة احتلت ذات المكان، لكن الفتاة الجديدة تبدو أصغر عمراً من سما.

لا ترد الفتاة الجديدة على أسئلة حول اسمها وكم عمرها، لكن ملامحها تشي بسنوات لم تتجاوز 16، تحمل هذه الفتاة بدورها طفلاً صغيراً لم يتجاوز عمره الشهرين.

متسولات رغماً عنهن!

في اليوم الثاني من تواجدها في نفس المكان، تقبل الفتاة بالحديث. وصلت مريم إلى لبنان قبل سنة عن طريق الجبل على أمل للزواج من ابن عمها الذي يعمل بالزراعة في منطقة البقاع، ويهاجران معا إلى ألمانيا. بعد ثلاثة أشهر حملت مريم بطفلها الأول فطردهما صاحب العمل الذي كان زوجها يعمل لديه، كونه لا يملك أوراق إقامة نظامية داخل لبنان، فاضطرا للعمل في أكثر من مكان، لكن أصحاب العمل كانوا يطردونهما بعد شهر أو شهرين إلى أن استقر بهما الحال لدى رجل يعيش على أطراف مدينة بيروت وعد بأن يؤمن عملا لمريم كخادمة في أحد المنازل ويعمل الزوج كناطور. لكن الوعد لم يتحقق وانتهى الأمر بتشغيل مريم بالتسول مع عدد من الفتيات، كل يومين يتغير المكان الذي يضع فيه صاحب العمل الفتيات كي يتسولن.

لا تحفظ مريم الشوارع جيدا، لكن ثمّة امرأة تراقب الفتيات من بعيد، وهي أيضا تتسول لكنها تراقب الفتيات.

تقول مريم هناك نساء سوريات ولبنانيات يعملن لدى هذا الرجل، في اليوم التالي لم تعد مريم إلى المكان، وكان من الصعب البحث عنها في شوارع بيروت الكثيرة والمزدحمة.

دعارة أم اتجار؟؟

تنشر قوى الأمن العام اللبناني بشكل دوري أخباراً عن عملياتها في مكافحة الدعارة والإتجار بالبشر، وغالبا ما تتضمن هذه النشرات جنسيات الأشخاص الذين تم إلقاء القبض عليهم ومعظمهم يكونون من جنسيات أجنبية، إضافة إلى عدد من الجنسيات العربية من ضمنها سوريون.

في العام 2016 أعلنت قوى الأمن اللبناني أنها قامت بتفكيك أكبر شبكة للدعارة في لبنان بعد بدء الحرب السورية، وكانت معظم الفتيات سوريات، حيث أطلقت قوى الأمن سراح 75 سيدة سورية بعد تفكيك الشبكة.

إحدى الناشطات السوريات فضلت عدم ذكر اسمها قالت لـ «الأيام» إن السوريات كن محظوظات في تلك العملية، حيث كان الفريق الذي قام بعمليات التحقيق يتشكل من ضباط خضعوا لتدريبات عن الإتجار بالبشر، وإلا لكان تم تصنيف الفتيات على أنهن عاملات في الدعارة وتم اعتبارهن مجرمات.

وتضيف: في حادثة 2016 تم استغلال الفتيات واستجرارهن وفق عقود عمل وهمية، وبعد تجميعهن في المكان الذي كان من المفترض وفق عقود العمل أن يكون فندقا محترما، وكل فتاة كان من المفترض أن تعمل في وظيفة معينة ومحددة في العقد، لكن بعد قدوم الفتيات تم احتجازهن في المكان الذي تحول لأشهر إلى سجن لم يخرجن منه إلا عندما قمن بعملية هروب جماعية.

وتضيف الناشطة التي التقت عدداً من الناجيات في إحدى الجمعيات اللبنانية المتخصصة بحماية النساء، أن الفتيات اللواتي تم تشغليهن بالدعارة كن يتعرضن للضرب من قبل المشغّلين، وكان المشغلون يقومون بسلبهن كل المال، ولم يكن يحدد لهن ساعات محددة للعمل أو عدد الزبائن، إضافة إلى عدم وجود رعاية طبية، وحرمانهن من التواصل مع ذويهم.

تتابع: في إحدى المرات حملت إحداهن، فتم اصطحابها من قبل أحد المشغّلين ومعه سيدة كانت تحمل مفاتيح غرف الفتيات إلى خارج مكان عملهن، من أجل إجهاض الفتاة بعد أن حملت نتيجة عدم تناولها لدواء منع الحمل الذي كانوا يقومون بإجبار الفتيات على تناوله، لكن الحبوب كانت تتسبب للفتاة بألم في الرأس وهي صغيرة، ولم تكن تعرف أن عدم تناوله سيؤدي إلى حملها.

وتقول الناشطة: حفظت الفتيات مكان الباب الخلفي الذي كانت تحرسه سجانتهن، وقررن جمع القليل من المال الذي يتركه الزبون كإكرامية، وهو المال الذي تعرضن للضرب بسبب إخفائه عن المشغلين، حيث كانوا يطالبوهن بالإكرامية رغم حصولهم على الأجر كاملاً.

وبعد أن تمكنت الفتيات من جمع مبلغ من المال، رسمن خطة الهروب، وبالفعل ادّعت إحداهن المرض وعندما أتت السجانة قمن بضربها وأخذن المفاتيح منها وخرجن إلى الشارع بعد أكثر من ستة أشهر من الاحتجاز، ولم يكنّ يعرفن في أي منطقة هنّ، وكان أول أمر يقمن به هو التوجه إلى مخفر الشرطة والادعاء على الرجل الذي قام باحتجازهن وتم بالفعل إلقاء القبض على الشبكة.

حاولت «الأيام» اللقاء بالناجيات من هذه الواقعة، لكن الجهات القائمة على حماية هؤلاء الفتيات فضلت عدم خروجهن للإعلام لحمايتهن، حيث تقوم إحدى الجمعيات اللبنانية بوضع الفتيات بمن فيهن السوريات في مراكز للحماية. وتخضع هذه المراكز لحراسة مشددة وعادة ما تكون في أماكن لا يتم الكشف عنها من أجل ضمان حمايتهن.

ويتم علاج الفتيات وتقديم الدعم النفسي، إلى جانب تقديم مهارات عمل تساعد، الفتيات اللواتي يرغبن في الخروج من جديد إلى الحياة، في إيجاد عمل يضمن لهن حياة جيدة.

سورية... قانون للإتجار بالبشر

تقول مديرة مشروع مكافحة الإتجار بالأشخاص، عضو اللجنة الوطنية لمكافحة الإتجار بالبشر مها العلي إن قانون مكافحة الإتجار بالأشخاص، صدر بالمرسوم التشريعي رقم 3 لعام 2010، وبالتالي فقد تجاوز في نفاذه 8 سنوات، موضحةً في حديث لـ «الأيام» أن القانون المذكور من حيث الشكل والنصوص القانونية موائم للاتفاقيات الدولية لمكافحة الرقيق والإتجار بالأشخاص والجريمة المنظمة.

وتضيف العلي: كان صدور القانون بسبب الضرورات المتعلقة بالتعاون الدولي في مكافحة هذه الجريمة، حيث أن سورية في عام 2010 لم تكن أرضاً خصبة لهذا النوع من الجرائم ولكنها كانت دولة عبور. وتتابع العلي: اليوم وخلال فترة الأزمة وبعد انتهائها أصبحت الحاجة ملحة إلى هذا القانون وإلى تعديله لمواجهة التطورات في انتشار هذه الجريمة، وإن إصدار سورية لهذا القانون قبل الأزمة ساعد إلى حد ما في مواجهة الإتجار بالأشخاص على صعيد وجود الوسائل القانونية لمحاربة هذه الجريمة، حتى وإن كانت الوسائل المادية على الأرض غير كافية.

بين مرحلتين...

وعن المراحل التي يمر بها المشروع تقول العلي: إن تجربة مكافحة هذه الجريمة كانت تجربة جيدة وقد شاركت بها، حيث تم تشكيل فريق عمل وبيئة عمل جيدة، تم من خلالها مساعدة ضحايا الإتجار بالأشخاص وتمكين الجهات ذات الصلة من مفاهيم الإتجار بالأشخاص، وكان ذلك على مرحلتين:

-المرحلة الأولى قبل الأزمة؛ وبدأت في عام 2004 ورشات عمل للتوعية بمفاهيم الإتجار بالأشخاص ومن ثم التحضير للقانون وصدوره عام 2010 وتم في نهاية عام 2008 افتتاح مأوى لمساعدة ضحايا الإتجار في دمشق وفي منتصف 2009 مأوى في حلب، وتم إغلاقهما في منتصف 2011 وذلك بسبب الأحداث في سورية، حيث كان معظم الضحايا من العمالة الأجنبية المستقدمة، ومن النساء العراقيات، وتم تسفيرهن بناء على طلبهن، بالإضافة إلى تشكيل اللجنة الوطنية لمكافحة الإتجار بالأشخاص وإدارة مكافحة الإتجار بالأشخاص التابعة لوزارة الداخلية.

-المرحلة الثانية، خلال الأزمة؛ وكانت من خلال مشروع مكافحة الإتجار بالأشخاص، الذي تم فيه التوعية والتعريف بقانون الإتجار بالأشخاص من خلال دورات تدريبية لقضاة وضباط وصف ضباط من الشرطة، وموظفين وعاملين في وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، والجمعيات الأهلية، وعاملين في وزارة الأوقاف وفي وزارة الإعلام، وكافة جهات الدولة المعنية. كما تم افتتاح مأوى لضحايا التجنيد من الأطفال في نهاية عام 2013 حتى نهاية 2015، حيث توقف المشروع بسبب ضعف التمويل رغم أن الوقت الذي توقف فيه المشروع هو أحوج وقت إليه.

اعتراف... بحاجة إلى تفعيل

 وعن الآليات التي يجب أن يتم العمل بها من أجل تفعيل جيد للقانون خاصة بعد أن اعترف معاون وزير الداخلية اللواء حسان معروف في حديث سابق بزيادة في جرائم الإتجار بالبشر في سورية، تقول العلي إن أهم الآليات لمكافحة هذه الجريمة تتجلى بقانون محكم قابل للتطبيق يتضمن عقوبات رادعة لمرتكبي هذه الجريمة، بالإضافة إلى حماية حقيقية للضحايا. كما أنه من أهم الآليات حملات التوعية العامة، بمعنى ومفهوم هذه الجريمة وتفريقها عن غيرها، وخاصة لوجود المزايا القانونية التي يمنحها القانون لضحايا هذه الجريمة برعايتهم وعدم معاملتهم كمجرمين، وأيضاً العمل التعاوني بين الحكومة والقضاء، وسلطات إنفاذ القانون، وجمعيات المجتمع الأهلي في العمل على مكافحة هذه الجريمة، والإبلاغ عنها، ورعاية الضحايا، وكذلك التوعية بمخاطرها وبضرورة الإبلاغ.

 تختم العلي حديثها بالحاجة إلى قانون لمكافحة الإتجار بالأشخاص وتفعيله في الوقت الراهن، وهذه الجريمة أكبر ما تكون حالياً، حيث من المعروف أنه أثناء الحروب والأزمات وبعدها، يكثر الأشخاص البعيدون عن مجتمعاتهم وأهلهم، وبالتالي هم ضعفاء وهم الضحايا المحتملون. كما تضعف رقابة الدولة على الأرض وكذلك فإن الحالة الاقتصادية للأفراد تكون ضعيفة جداً، فيصبحون جاهزين لاستغلالهم في أعضائهم أو في عمالتهم أو في الاستعباد الجنسي...

بين سورية... والعالم

يقول بيان صادر عن وزارة الداخلية إنّ عدد حالات الإتجار بالبشر المضبوطة في عام 2016، بلغت نحو 1500 حالة معظمها لشبكات تعمل خارج سورية، وتتواصل مع سوريّين في الداخل، وتشير «الداخلية» في بيانها إلى أنّ نسبة الضحايا من النساء بلغت 65% من إجمالي الحالات التي تمّ ضبطها.

ونشطت في سورية خلال سنوات الحرب الأعمال غير الأخلاقية، بما فيها شبكات الدعارة التي تعمل بشكل متخف سواء في أماكن المسّاج والتدليك، أو غيرها من الخدمات التي يتم استدراج الفتيات والفتيان للعمل تحت غطائها بأعمال غير أخلاقية، لكن العديد من المحامين والناشطين الحقوقيين يؤكدون، أن العمل القضائي في سورية يلزمه التدريب للكوادر الشرطية والقضائية للتفريق بين قانون العقوبات العام وقانون الإتجار بالأشخاص، حيث يتحول المتهم أو المتهمة من مجرم إلى ضحية، يتوجب تقديم العلاج والرعاية لها، وتجنب وقوعها مرة ثانية في ذات الخطأ.

 يذكر تقرير صادر عن الأمم المتحدة لمكافحة الإتجار بالبشر لعام 2015 بعض النسب بحسب الغرض المراد به التجارة، فقد كان الاستغلال الجنسي للنساء بنسبة 79%، و14% للعمل القسري وسرقة الأعضاء.

في حين يتعرض 83% من الضحايا الرجال، للعمل القسري، ممثلا في التنظيف والبناء والخدمات الغذائية والمطاعم والعمل المنزلي وإنتاج النسيج، و8% للاستغلال الجنسي، و1% لسرقة الأعضاء فضلًا عن التجنيد غير القانوني للأطفال.

كما يمكن اعتبار بعض الأشخاص ضحايا للجريمة بغض النظر عما إذا كانوا قد ولدوا في حالة من العبودية، أو تم استغلالهم في بلدانهم، أو نُقلوا إلى الوضع الاستغلالي، أو وافقوا سابقًا على العمل لصالح متّجر بالأشخاص، أو شاركوا في ارتكاب جريمة كنتيجة مباشرة للإتجار بهم.

وبحسب التقرير، يشكل الإتجار بالأشخاص، وبخاصة النساء والأطفال، انتهاكاً جسيماً لحقوق الإنسان. وهو أيضاً جريمة مربحة تدرّ ما يعادل 150.2 مليار دولار من الأرباح غير المشروعة.

نسرين علاء الدين
 

28 تشرين1 2018

« ميشيل إيكوشار» كان وسيبقى أشهر اسم يتداوله المهندسون المعماريون السوريون، وهو المهندس الفرنسي الذي وضع المخطط التنظيمي الأول لمدينة دمشق أثناء فترة الاحتلال الفرنسي عام 1936، ثم كلف «إيكوشار» بالتعاون مع المهندس «بانشويا» الياباني لوضع مخطط تنظيمي جديد للعاصمة خلال فترة امتدت ما يقرب أربع سنوات 1964-1968، وعلى الرغم من أن محافظة دمشق تتهم مخطط «إيكوشار» بالقصور وغياب الرؤية المستقبلية رغم اختلاف الفترة الزمنية، لكن لم يستطع أحد أن يفسر عدم وجود مصور تنظيمي لمدينة دمشق منذ أكثر من 50 عاماً حتى اللحظة، ما أسهم في خلق كيانات عشوائية موازية دمرت جمال العاصمة، وزحفت على المساحات الخضراء، حتى وصف أحد أعضاء غرفة تجارة دمشق الأمر بأن «دمشق أكلت غوطتها».

يؤكد مدير مكتب التنظيم والتخطيط العمراني في محافظة دمشق إبراهيم دياب في لقاء مع «الأيام» أن المصور العام المصدق لدمشق وضعه إيكوشار منذ عام 1968، كما صدرت عدة قرارات تنظيمية ومراسيم وقوانين، وأحدثت عدة مناطق تنظيمية خلال هذه الفترة مثل تنظيم كفرسوسة والعدوي إنشاءات وشرقي باب شرقي، وفي عام 2007 تم التعاقد مع شركة «خطيب وعلمي» اللبنانية،  لدراسة جديدة للمصور العام لدمشق، وتمت دراسة أول مرحلة وثاني مرحلة، وعندما وصلت الدراسة إلى المرحلة الثالثة بدأت الأزمة وغادرت الشركة البلاد، أما بعد الأزمة فقد تغيرت معالم كثيرة على الأرض بفعل الحرب والدمار، لذلك حدث اجتماع بين رئيس الوزارة وجامعة دمشق والمحافظة لإعادة دراسة مراحل المصور العام وتقديم رؤى له، فإما أن يتم تحديث المعطيات الموجودة أو أن يتم إعادة دراسة المصور بشكل جديد، ثم صدر  بعد ذلك المرسوم التنظيمي (66) وأحدث بموجبه منطقتين تنظيميتين هما  (101) و (102) خلف الرازي وهما «ماروتا» و»باسيليا».

 المصور ما زال قيد الدراسة

ينوّه دياب أن المصور الآن قيد الدراسة، لكن بعد صدور المرسوم الجديد أصبح هناك أريحية أكبر بموضوع المصورات التنظيمية من حيث بقاء شاغلي المناطق المنظمة ضمن المنطقة التنظيمية، عبر تأمين سكن بديل بنفس المنطقة التنظيمية مع دفع بدلات آجار لهم لحين استلامهم السكن البديل، وبالنسبة لمالكي الأسهم لم يكن التوزيع إجبارياً كما كان سابقاً؛ بل باختيارهم عبر تجميعهم الحصص السهمية للمقسم الذي يريدونه وفق تسلسل الأفضلية.

 يوضح دياب بأنه بعد مخطط إيكوشار وقبل الأزمة كانت المقاسم التنظيمية والأبنية في دمشق بلا إبداع معماري أو جمالية فقط أشكال مكعبة، وكانت دول الجوار تأتي إلى دمشق قديماً لكي تستلهم أشكال وتصاميم أبنيتها لكن الآية الآن قلبت بالعكس، مع الأسف.

عندما لا يلبي المصوَّر حاجة المواطن يلجأ إلى المخالفة

يقول دياب: إنه عندما لا يلبي المصور حاجة المواطن فهو سيلجأ إلى المخالفة، وقد كانت دراسة المصور لا تتضمن دراسة الواقع الاجتماعي للمنطقة بدقة، مثل المنطقة الرابعة بالشركسية على سفح قاسيون، وهي منطقة مخالفات، فعندما بدأوا بدراسة المصور كان عدد السكان محدودا، لكنه ازداد خلال فترة إعداد المصور التنظيمي، ما أدى لتغير الوضع الديموغرافي لهذه المناطق عند الانتهاء من المصورات التنظيمية، عما كانت عليه عند بدء الدراسات بسبب طول فترة الدراسة، ما اضطر سكان هذه المناطق لبناء بيوت مخالفة فوق عقاراتهم الأساسية بسبب غلاء العقارات وعدم قدرة الأهالي على شرائها وازدياد عدد أفراد العائلات بهذه المناطق، الأمر الذي أسهم بتحويلها إلى  سكن عشوائي ومخالفات، كما أن تأخر إعداد المصورات التنظيمية يؤدي لعدم ملائمتها للواقع الحالي لاسيما بعد فترة الحرب التي مرت على البلد وما سببته من تخريب . علاوة على ذلك، فقد تم تكليف نقابة المهندسين مؤخراً بإعداد المصورات التنظيمية لمناطق السكن العشوائي بمناطق نهر عيشه والزاهرة والتضامن ودف الشوك والدويلعة والطبالة ودمّر (جبل الرز) والمزة ٨٦ واستملاك قاسيون والمعضمية.

تأخر المخطط التنظيمي سبّب العشوائيات

يقول أ.د سليمان مهنا (كلية الهندسة المعمارية- جامعة دمشق) في تصريحات خاصة لـ «الأيام» إن محافظة دمشق قد وقّعت عقداً مع الشركة العامة للدراسات وأنه تم حينها تقديم الاقتراحات وسيناريوهات التوسع المستقبلي لوضع مصور جديد عام لدمشق، إلا أن ذلك المخطط لم يصدق حينها لعدة أسباب من وجهة نظره، إذ لم يتم إنجاز وتطبيق كامل مخطط إيكوشار وتراوحت نسبة الإنجاز بحدود (60%) فقط. وأيضاً بسبب الإشغالات المختلفة للمناطق التي لحظها المخطط الجديد، ومتابعة تنفيذ مخطط إيكوشار وتطوير أو تعديل الصفات التخطيطية لبعض الزونات التخطيطية في مخطط إيكوشار بقرارات من المحافظة، بالإضافة إلى تداخل بعض المناطق التنظيمية مع ريف المدينة، يضاف إلى ذلك المعطيات القانونية والتشريعية وكذلك عدم دعم المؤسسات التخطيطية بالخبرات وخصوصاً المحلية منها وتشجيع البحث العلمي للجامعات وأهمية مساهمتها.

ويوضح مهنا أنه ما لا شك فيه أن المخططات التنظيمية كانت متأخرة، وخصوصاً عدم احترام عامل الزمن لإنجاز هذه المخططات، وانعدام آليات المتابعة وإيجاد التوجهات الحديثة في المدن، وخصوصاً العوامل البيئية والانسانية والاجتماعية والتقنيات الحديثة ومعايير الاستدامة والمدن الذكية، أما بالنسبة لظهور العشوائيات فتعددت أسبابها منها الهجرة من الريف إلى المدينة، وغياب التخطيط الإقليمي والتنموي، ومما لا شك فيه التأخير في إنجاز المخططات التنظيمية الهيكلية، والبنى التحتية كالطرقات والمحاور التنموية، وانعكاس بعض التشريعات العمرانية وتأخر تطبيقها.

 انتشار المخالفات دمّر المناطق الزراعية

يقول مهنا: «إن الحفاظ على المساحات الخضراء والتنوع الحيوي وخصوصاً الغوطة، والاهتمام بتلك المساحات هو أمر حيوي، وكما أن انتشار المخالفات على الأراضي الزراعية شكّل خطأ كبيراً نتيجة رخص الأراضي وعدم تطبيق القوانين، ولا بد من الإشارة بشكل عام إلى أخطاء السياسات التنظيمية في الريف واستهلاك الموارد وتدمير المناطق الزراعية، وعدم الوعي لأهمية التخطيط البيئي والحفاظ على الأراضي الزراعية كوننا بلدا زراعيا بامتياز». وعلى سبيل المثال، لقد تم لحظ منطقة زراعات محلية في مخطط دمشق عام 1968 خاصة بالزراعات المروية، لتزود المدينة بمشتقات الخضار والفاكهة وهي مناطق كانت تروى من مياه نهر بردى وحالياً أصبحت تلك المناطق مناطق سكن عشوائي.

 معاون وزير الإدارة المحلية: مخطط إيكوشار كان مقبولاً

من جهته يعتقد حسن جنيدان معاون وزير الإدارة المحلية والبيئة لشؤون الدراسات والأثر البيئي في تصريح لـ «الأيام» أن مخطط المهندس «ميشل ايكوشار» كان مقبول جداً في وقت تنفيذه، فالحدائق كانت كبيرة والشوارع عريضة أيضاً، وكذلك كان المتحلقان الجنوبي والشمالي  نتيجة لتخطيط «إيكوشار»، ولقد حافظ المخطط على الشام القديمة لأنه لا يمكن لمخطط في كل دول العالم أن يلغي التراث وأن يحوّله إلى منطقة حديثة، في حين عمل المخطط براحة أكبر في منطقة 66 من حيث عرض الشوارع،  فهي أساساً ملكيات زراعية وليست عقارية بحسب مخطط «إيكوشار»، لذلك يعد تخطيط 66 جيد جداً، فهم سيقيمون أبراجاً مع ترك مسطحات خضراء بالمقابل، ولا يمكن للمخطط أن يتعدى على أسس التخطيط، بالطبع مع التوسع العمراني انخفضت المساحات الخضراء الموجودة قبل 20 عاماً لضرورة سكنية، لكن المهم هو مراعاة أسس التخطيط، فلن تبقى المساحات الخضراء كما كانت من قبل.

انتشار العشوائيات بسبب عدم تنفيذ المخطط

ويشير جنيدان إلى أن هناك أسباب كثيرة لانتشار المناطق العشوائية منها عدم تنفيذ المخططات، إذ نجد أن هناك مخططات تنظيمية تفي عدد السكان، لكن توزيعها ربما كان خاطئاً أو لم ينفذ كما يجب، مثل أن يكون لديك مخطط تنظيمي لكن لم تستطع تنفيذ البنى التحتية فيه نتيجة ضعف موارد الوحدات الإرادية، وأحياناً ظهرت مناطق المخالفات بشكل مجاور للتنظيم بسبب إنجاز هذه المناطق التنظيمية، فعندما انطلقت الحكومة بإنجاز مشروع دمّر، احتاج إلى عمالة للبناء، فقام العمال الذين قدموا من غير محافظات ببناء غرف عشوائية للسكن بالقرب منه، ثم توسّعت هذه العشوائيات مثل جبل الرز، وكان الحل الأفضل أن يتم تأمين سكن مؤقت للعاملين ضمن المشروع إلى حين الانتهاء من التنفيذ، وهو ما يجب الانتباه إليه في الفترة المستقبلية، ما يحتم إيجاد سكن بديل.

مخطط دمشق الكبرى لن يلغي محافظة ريف دمشق

ويكمل جنيدان « كان هناك دراسة  لشركة (خطيب وعلمي) لتوسيع مخطط ما يسمى دمشق الكبرى إلى (59) ألف هكتار، لكن الدراسة توقفت مع بداية الأزمة، فالدراسة كانت على ثلاث مراحل وتوقفت عند المرحلة الثالثة، ويعود ذلك إلى ضعف الموارد والسيولة  لدى الوحدات الإداري، في حين أن الكتلة الإدارية لمحافظة دمشق كانت قوية ولديها القدرة على تخديم مخطط أكبر، لذلك يختلف مستوى الخدمات بين مدينة دمشق وجرمانا، كما لن يلغي مخطط دمشق الكبرى محافظة ريف دمشق التي تمتد من الحدود اللبنانية حتى العراقية، أي أن المخطط التنظيمي لدمشق سيشمل المحيط الحيوي لها فقط».

 ويضيف معاون الوزير بالقول: «يجب أن تكون النظرة بزيادة المخططات التنظيمية ضمن الأراضي المرغوبة للسكن والاستثمار مثل محيط دمشق، إذ أن خطة التنظيم على المساحات تغطي الزيادة السكنية، فمثلاً كان لدينا زيادة سنوية للسكان بنسبة (2.4%) سنوياً قبل الأزمة، وكان عدد سكان سورية نحو (25) مليونا، فكانت تلك الزيادة بحدود (400) ألف نسمة سنوياً، في حين كانت الخطة السنوية لوزارة الأشغال أو الإدارة المحلية للتخطيط العمراني من مخططات وأراض منظمة أو توسيع المخططات الراهنة، تكفي لمليون نسمة أي ضعف الزيادة السكانية، لكن المشكلة  كانت بالتوزيع الجغرافي، فقانون الإدارة المحلية ينص بأنه لا يجوز توسيع المخطط  إلا بناء على طلب الوحدة الإدارية، وبالنسبة لهذه الوحدات كان هناك أراض كثيرة ليست تابعة لها، وعندما صدر قانون الإدارة المحلية 107 في عام 2011، فرض أن تتبع كل الأراضي بوحدة إدارية وبالتالي أوجب إصدار مخططات تنظيمية لكل الأراضي، لكن أوقف العمل بها مع بداية الأزمة».

 وزارة الأشغال العامة تدافع

تصر وزارة الأشغال العامة والإسكان بأن عدم تأمين الأراضي المعدة للسكن ليست ناجمة عن قصور في المخططات التنظيمية، حيث أن جميع الوحدات الإدارية في القطر من مدن وبلدات مخدّمة بالمخططات التنظيمية، وهذه المخططات مدروسة بمساحات كافية وأغلبها بمساحات تزيد عن الحاجة الفعلية للتجمع العمراني.

أما بالنسبة للتنظيم في سورية وبأنه متأخر عن العمران، تؤكد الوزارة بأن التنظيم هو السابق للعمران، حيث يوجد في بعض المحافظات فائض بالمساحات المنظمة، كما أن الأمر يتعلق بضرورة حث الوحدات الإدارية على تنفيذ تلك المخططات المصدقة أصولاً للحصول على مقاسم معدة للبناء وتجهيز المرافق والبنى التحتية لتخديم هذه المقاسم، وذلك بالاستفادة من تطبيق التشريعات النافذة وخاصة المرسوم الخاص بإعمار العرصات رقم (82) لعام 2010، مع التنويه إلى ضعف الإمكانيات المادية للوحدات الإدارية والنقص بالكوادر الفنية وتمركز النشاطات الاقتصادية والخدمية والتعليمية وغيرها في المدن الكبرى، لذلك يتوجب تأمين فرص عمل بمشاريع اقتصادية كبرى، ومنشآت التعليم العالي وغيرها خارج المدن التي تعاني من أزمة السكن.

بغض النظر عن مساوئ خطط «إيكوشار» ومحاسنه، فإن عدم وجود مخطط تنظيمي متكامل وعام للعاصمة دمشق سيزيد من أزمة السكن وانتشار العشوائيات بشكل يخنق المدينة، وعلى الرغم من وعود محافظة دمشق بإزالة العشوائيات حتى لو بعد (50) عاماً، فإن تأمين السكن البديل المناسب لفقراء هذا الوطن سيؤزم المشكلة ولن يحلها، كما أننا لا ندري كيف ستصبح العاصمة وعشوائياتها مع تضاعف السكان خلال الـ 50 سنة القادمة.

محمد الواوي 
 
Top
نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط لتحسين موقعنا. بتصفحك هذا الموقع أنت توافق على ذلك. إذا لم توافق، فرجاء غادر هذا الموقع.. More details…