16 كانون1 2018

الأوضاع الاقتصادية السيئة.... الهجرة.... النزوح... التخريب والدمار، أسباب كثيرة أدت في النهاية إلى انحسار الطبقة الوسطى التي تعدّ الحامل الأساسي للاقتصاد الوطني في الدرجة الأولى، وللمستوى التعليمي والثقافي والاجتماعي للبلد في الدرجة الثانية...

وبعد أن كانت هذه الطبقة تشكل 60 % من السوريين، أصبحت أقل من 14 % حسب آخر التقديرات المتوفرة، فما هي تبعات انحسار هذه الطبقة؟ وهل من الممكن استعادتها؟ أو جزء منها على الأقل للنهوض بالمجتمع السوري على كافة المستويات من جديد؟

 في جميع المجتمعات تعدّ الطبقة الوسطى حامل مشاريعها وأهدافها الكبرى، وبالتالي سيشكل تآكلها خطرا حقيقيا.

 يقول المحلل السياسي د بسام أبو عبدلله، إن الطبقة الوسطى تآكلت كثيراً من المنظار الاقتصادي خلال 8 سنوات، بعد أن كانت تتوسع عام 2010. وتعدّ هذه الطبقة هي الحامل الأساسي في المشاريع الكبرى للدول، وحتى في سورية عبر التاريخ، وبشكل أو بآخر تسبّب الواقع الاقتصادي الحالي وهجرة العقول بانحسار هذه الطبقة، وهي التي تحمل الأهداف الكبرى على صعيد المجتمعات، وانحسارها بالتالي سيؤثر حتما على الوضع في سورية على كافة الأصعدة.

لا يوافقه المحلل الاقتصادي شادي أحمد في التوقيت الذي بدأ فيه انحسار هذه الطبقة فعليا، إذ يرى أن انحسارها كان سابقاً للأزمة في سورية، حيث أثرت السياسات الليبرالية منذ عام 2005 على المستوى الاجتماعي والمعيشي للطبقة الوسطى، والتي بدأت تنحرف عن دورها التاريخي كحامل للنهضة الاقتصادية والاجتماعية، وأصبح اهتمام بعضها بتأمين الاحتياجات الأساسية للحياة، واهتمام الجزء الآخر بالتسلق الطبقي للوصول إلى مستوى طبقة الأثرياء التي استفحلت بمظاهر الثراء، و بالتالي فقدت الطبقة الوسطى دورها الاقتصادي، ولم تستطع أن تحقق المشاركة السياسية المطلوبة لها.

أما من الناحية الاجتماعية فتؤكد الدكتورة جورجيت طنوس، وهي أستاذة في علم الاجتماعي، أنه لم يعد هناك ما يسمى «طبقة وسطى» اليوم بسبب الحرب، هناك طبقة عليا وطبقة فقيرة وشرخ وهوة كبيرتان بينهما، وهذه الهوة ستُملأ بالنهاية بقلة التعليم والفساد والاحتيال والسرقة، وسترجع فئة من الفئات للعمل البدائي والعمل اليدوي، وهو ما سيحطمهم اجتماعيا ونفسياً، رغم أن البعض استطاع التأقلم مع الواقع الجديد، إلا أن هناك فئات أخرى رفضت هذا الواقع «فقر- بطالة- تهجير- قلة في المداخيل» وحاولت التمرد عليه، عبر الاحتيال والنصب والفساد، وقلة تربية الأطفال، وترك التعليم، وبالنتيجة ازدياد الجرائم والسرقات والخطف والدعارة.

كيف انحسرتهذه الطبقة؟

 يرى فاتح جاموس رئيس «تيار طريق التغيير السلمي» أن الحرب أثرت على جميع فئات المجتمع، مضيفا أن طابع الأزمة الوطنية السورية، لم يسمح إطلاقا للطبقة أن تتصرف بذاتها ووعيها الذاتي كطبقة، وانطبق هذا على كل طبقات المجتمع السوري، فالشروط التي جاءت بالأزمة لم تكن ثورية، والأزمة بحد ذاتها لم تكن ثورية، فجاء الانقسام الوطني السوري غير ثوري أيضا، فمضت كتل وأجزاء من الطبقات المختلفة لتشكل حاضنا للسلطة، وكذلك للأصولية الفاشية، كما بقيت كتلة اجتماعية كبيرة غالبية، خارج صراع المشروعين الاستثنائيين ( أي غير الديموقراطيين)، وكانت كما بقيت مع نخبها طرفا وقطبا في الصراع غير فاعل لأسباب لسنا بصددها.

ويرى أنه من البديهي تماما أن تكون الطبقة الوسطى قد خضعت لتأثيرات واسعة وعميقة، إذ بمجرد انقطاع الدورة الاقتصادية الكبرى وتحولها لدورات صغرى، ومرتبطة بمراكز طرفية على الحدود، أو مراكز قوة لاقتصاد حرب متنوع وداخل البلد، فإن هذا سيصيب الطبقة الوسطى بعمليات إفقار وتهميش شديد، مقارنة بحالة وجود دورة اقتصادية واحدة، كما أن انقسام الطبقة الوسطى لتشكل حاضن اجتماعي للمشروعين المتصارعين، فإنها ستكون قد تعرضت لتدمير عبر القتال والعنف والأسْر والخطف، على الرغم من أنها بذلك كانت تتدبر جزءا من احتياجاتها بأجور حرب أحيانا. ويجب التأكيد أن الطبقة الوسطى في المدن الكبرى والمدن عموما، قد تعرضت لتهميش وإفقار أشد، بحكم التراجع الشديد في الإنتاج الرأسمالي السلعي أو التجاري أو الخدماتي، كانت في موقع مشابه للطبقة العاملة تقريبا، بينما في الريف كانت هذه الطبقة تستطيع تدبر العديد من الحاجات بالترابط مع دور الأرض. ولا شك أن سياسات أي نظام، حتى في ظل الأزمة غير الثورية، مسؤولة بصورة رئيسية عن أهم التطورات، لكن هناك سياسات حرب كبرى مرتبطة بالاستقطاب، دفعت مثلا بمجموعات هائلة من كتلة الطبقات السورية وعلى رأسها الوسطى إلى اللجوء، كما النزوح. بذلك يمكن القول جزئيا أن الطبقة الوسطى الموجودة داخل الوطن قد انحسرت باللجوء خارجا، والسيحان القسري داخليا، أما الخسائر البشرية الكمية بالموت، فهي قابلة للتعويض بالولادات والاصطفاف الطبقي المجتمعي.

 سقوط المجتمع

لتقوم الطبقة الوسطى بدور الرافعة للمجتمع لابد من حصولها على فرصة للنمو، وهنا يقول د. عارف دليلة الخبير الاقتصادي، إن الحال الأمثل للمجتمع والوطن والدولة، هو الوضع الذي تستطيع فيه الطبقة الوسطى، الأكثر تحررا عقليا ونزاهة أخلاقية بين الطبقات، أن تتمتع فيه بحرية وبفرصة الازدهار الذاتي لتقوم بدور الرافعة للعقل الكلي للمجتمع بكامله !

مضيفاً أن الأوضاع الشاذة التي نعيشها، جعلت «الطبقة الوسطى» ملحقة تابعة للطبقات الأخرى، وضحية بين أقدام المتصارعين، هذا في حال الصراع ذي الطابع المصلحي وغير العنفي، فكيف يكون وضعها في حال الصراع العنفي؟

والنتيجة المحتومة لذلك ليس سقوطها واندثارها وحسب، بل سقوط المجتمع والدولة واندثارهما.

ويرى دليلة أن بؤس حال «الطبقة الوسطى» في مجتمعنا هو سمة كبرى من سمات تخلفنا وانهياراتنا، هو سبب ونتيجة لذلك في نفس الوقت. وبلا تحميل المسؤولية عليها، فإن صلاحها، الضروري جدا، يتحقق من حيث تكون البداية، أي من صلاح الدولة والمجتمع.

 النخب السياسية

ومن وجهة نظر سياسية تحمل الطبقة الوسطى مسؤولية إنتاج النخب السياسية وحمل المشاريع الوطنية، ويؤكد هذا أبو عبدلله بقوله: إن هذه الطبقة حملت في فترة ما مشروع سياسي وطني كمشروع العروبة أو النضال السياسي في الحزب الشيوعي أو الحزب السوري القومي الاجتماعي، وتتشكل عادة النخب السياسية من هذه الطبقة، ورغم تراجع هذه الطبقة لايزال في سورية نخب سياسية من الممكن إنتاجها، والعمل عليها من خلال هامش جيد للحرية، وهو حاليا في ارتفاع معقول وجيد في ضوء التحديات الموجودة.

مضيفاً: خلال الأزمة لم نر بصمة واضحة للنخب السياسية، فالدور شعبي أكثر مما هو نخبوي.

بالمقابل يرى جاموس أن ما أصاب الطبقة الوسطى بفئاتها المختلفة، أصاب نخبها، خاصة في سوية الانقسام السياسي ومن الأسابيع الأولى للأزمة، إذ باسم الشروط الثورية والثورة، مضى قسم كبير من النخب للاصطفاف بصورة موضوعية وذاتية في صف الأصولية الفاشية ومشروعها، وحتى الآن قسم كبير منهم لم يراجع نفسه ليعود إلى صفوف الكتلة الغالبية من المجتمع، ومشروعها المختلف عن المشروعين الاستثنائيين المتصارعين، بذلك لا تزال تمثل لسان حال الأصولية الفاشية، بالمقارنة كانت كتلة السلطة، الحاضنة أكثر أصالة في الطبقة الوسطى، وأكثر تجذرا تاريخيا بحكم مشروع البعث وما مثله اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا، وبحكم تطويره لمشروع الدولة والنمط الرأسمالي الانتقالي الخاص بها، والأعداد الهائلة من الطبقة الوسطى العاملة في الدولة، ورؤيتها لمصالحها في ذلك الموقع.

 انحسار الخبرات والكفاءات

الاقتصاد الوطني أكثر المتضررين من انحسار الطبقة الوسطى حسب د. شادي أحمد، حيث يؤكد أن الاقتصاد السوري تأثر بشكل كبير نتيجة انحسار الطبقة الوسطى، «أصبحنا في سورية مع بداية إعادة الإعمار وإقلاع المنشآت الاقتصادية، نفتقر إلى الخبرات والكفاءات، كما نفتقر إلى أعداد كبيرة من الفنيين الذين تعبت الدولة من أجل أن يكملوا تعليمهم بشكل لائق، وبالتالي يمكن الاستثمار والاستفادة منهم في الاقتصاد الوطني، وتأثرنا بعدم وجود المطورين الأساسيين الذين يجب أن يكونوا موجودين في مفاصل الاقتصاد الوطني، وتأثرنا بشكل أكبر بما يتعلق بالإدارات الوسطى والعليا التي كنا بحاجة لها، فالطبقة الوسطى هي دائما المحرك والحامل للاقتصاد الوطني، ويأمل أحمد أن يكون هناك إعادة تأهيل للموارد البشرية الداخلية، وإعادة استقطاب للموارد الخارجية لتشكل حاملة ورافعة للاقتصاد الوطني من جديد.

من جانبه يؤكد دليلة أن مجتمعنا ودولتنا يعانيان من إفقار شديد، اقتصادي-مادي، وسياسي-وطني، وأخلاقي-معنوي، وثقافي-معرفي، لأسباب عديدة، ومن أهمها انمحاق «الطبقة الوسطى»، بتحول أفرادها إلى خدم عند كل من هب ودب، من غير الحريصين على المصالح العامة، ولن يبدأ النهوض إلا بإحيائها، كطبقة ذات دور اجتماعي تنويري، وكأفراد مستقلين ذوي كفاءة و كرامة وعزة نفس، محميين قانونيا وواقعيا ويتمتعون بفرص كافية للترقي في المعارف والخبرات، ونقلها إلى مجتمعهم، وكمجتمع مدني ديمقراطي يضمن الحقوق والحريات المصونة دستوريا وقانونيا، والمؤيدة في الممارسة الواقعية، لجميع أفراده على أساس واحد هو، المواطنة المتساوية بشكل لا يقبل الاستثناء .

 فقرها ليس عميقاً

يذكر د. كريم أبو حلاوة في دراسة أعدها لمركز «مداد» أن الطبقة الوسطى في سورية كانت تشكل نحو 60 % من السكان قبل 2011، بينما أصبحت تشكل نحو 15 % من السكان في عام 2016، وفقا لمعظم التقديرات، مع ملاحظة أن معظم الشرائح المفقرة هي من الطبقة الوسطى في سورية بسبب الأزمة.

في الوقت نفسه تؤكد الدراسة أن الطبقة المفقرة حديثاً مازالت تمتلك الكثير من القدرات والمهارات والمزايا التعليمية أي أن فقرها ليس عميقا، وتحتاج إلى توسيع فرص النمو الاقتصادي كي تستعيد عافيتها.

وتبقى الطبقة الوسطى السورية على اختلاف شرائحها وفئاتها ونظرا لما تمتلكه من إمكانيات بشرية ومادية وتعليمية، هي المرشح الأبرز للمشاركة بفاعلية في عملية إعادة البناء والإعمار ويبقى دورها الأهم والذي يشكل رهاناً تنموياً مطلوباً وهو المتصل ببناء قدرات الإنسان السوري لأنه سيكون الخيار الأنجح في صناعة المستقبل.

 ما الحل؟؟

أهمية وجود هذه الطبقة وتوسعها في المجتمع تعني ضرورة إيجاد حل لانحسارها، وتكمن أهمية هذه الطبقة بفئاتها العديدة حسب رئيس «تيار طريق التغيير السلمي» فاتح جاموس، من كتلتها الكبيرة، ذات الأهمية السياسية الكبرى في كل الأوطان، وحتى في تلك التي عرفت وتعرف نضالاً طبقياً واضحاً وصريحاً، بين الرأسمالية والطبقة العاملة، فإن للطبقة الوسطى في الكثير جداً من اللحظات التاريخية دورا حاسما في إمكانية انتصار الشروط الثورية أو تقهقرها، لافتاً إلى أن الإشكال في سورية كان أن الانقسامات لم تكن ثورية، وأن الطبقات لم تعمل لوعيها وذاتها، بل انقسمت إلى أطراف الانقسام، وعلى الرغم من ذلك فإن الطبقة الوسطى ونخبها بشكل خاص، لعبت دورا كبيرا في تغذية الشروط غير الثورية والانقسامات الناجمة عنها، وهذا مستمر حتى الآن، أي لعبت ولا تزال تلعب دورا سياسيا كبيرا، إنما لصالح مشاريع ووعي آخر، مقسم وكارثي، ولا شيء يستطيع إنقاذ الحالة إلا عودة القوانين الوضعية والدورة الاقتصادية الكبرى للعمل، وبالتالي تراجع العصبيات المتخلفة وتقديم العصبية الطبقية والاجتماعية والوعي الذاتي الخاص بالطبقات.

أما أبو عبد الله فيرى أن جيل الشباب اليوم غير متحمس للعمل السياسي، حيث يميل للعمل التطوعي وإلى الأشكال الجديدة للعمل الاجتماعي السياسي، موضحاً: كثير من الشباب اليوم لا ينتسبون لأي حزب، والمسؤولية تتحملها تلك الأحزاب وعدم قدرتها على جذب الشباب، إضافة إلى الواقع الاقتصادي الصعب، حيث ينعكس هذا الواقع بشكل مباشر على حياة الناس واهتماماتهم وثقافتهم، فالفقر يدفعهم إلى إعادة ترتيب أولوياتهم، وطبعا يكون لتأمين لقمة العيش الأولوية في حياتهم، وعندما يتحسن الواقع الاقتصادي وتعود الطبقة الوسطى للتزايد ستزداد النخب السياسية، ويصبح الناس يفكرون في شراء كتاب أو حضور نشاط ثقافي أو ممارسة نشاط سياسي.

وفي السياق يرى أحمد أن واقع الأزمة والحرب على سورية جعل مكونات كثيرة من هذه الطبقة يستفيق بدافع الشعور الوطني، والدفاع عن الوطن... ولكن الاستفاقة بدافع الشعور والانتماء كانت تحتاج إلى مشروع وطني يعيد إحياءها وإنتاجها من جديد وهذا لم يحدث.

أما طنوس فتؤكد أن الطبقة الوسطى مثل الميزان فهي التي تحافظ على توازن المجتمع، واليوم لا يوجد توازن في سورية نظرا لانحسار هذه الطبقة، فالغلاء الفاحش والمداخيل الضعيفة، واندماج البيئات المختلفة، وظهور تجار الحرب، كل ذلك أدى إلى غنى فئة معينة بشكل مفاجئ، وفقر فئة أخرى كبيرة، أيضا بشكل غير متوقع، ما يؤدي إلى حالات تمرد داخلي، وتعامل بردود الأفعال وانتشار للجريمة.

لافتة إلى أنه يجب أن يكون هناك جهود كبيرة للمحافظة على الطبقة الوسطى، وكل ما نراه اليوم هي مبادرات وجمعيات لا تغير الواقع الموجود على الإطلاق، فمن يقوم بتلك المبادرات همّه الأول التقاط الصور وتبيض الصفحة، بينما يبقى الفقراء بانتظار فرصة عمل تؤمن قوت يومهم ولا يجدونها.

لودي علي

09 كانون1 2018

لم تكن مدارسنا خلال السنوات التي سبقت الحرب لاسيما الرسمية منها، بيئة من الممكن استغلالها بالسهولة التي هي عليه اليوم.

لم تكن طالبات المدارس، تشاهدن زميلاتهن يرتدين الحجاب، إلا بعد أن يخرجن من حرم المدرسة.

 لم يتعرف الطلاب على صليب واضح في رقبة إحداهن داخل المدرسة من قبل، كان الحديث بالأمور الدينية داخل المدارس مرفوضا تماماً، وإظهار أي رمز له دلالة طائفية أو دينية ممنوع منعا باتا، ذلك بسبب التعليمات الصارمة في المدرسة من جهة، ورفض المجتمع الواضح لمن يعلن عن طائفته أو دينه داخل مؤسسات من المفترض أن هذا الموضوع لا يعنيها.

اليوم طلاب مدارسنا يتباهون بارتداء ما يشير إلى طوائفهم من رموز، وتسمح بعض المدارس بالاحتفالات ذات الطابع الديني، لا بل ووصل الأمر لتكون هدايا المتفوقين في بعضها لها دلالات دينية أيضاً.

حفلات «الحجاب»

في بعض المدارس تقيم الطالبات احتفالا عند ارتداء أي زميلة لهن «الحجاب»، وفي مدارس أخرى تقام الموالد الدينية كأنشطة لاصفية بعد انتهاء الدوام المدرسي... هذه المظاهر غير المألوفة من الممكن أن تشكل خطرا حقيقيا، لاسيما لو تدخّل فيها الأشخاص الذين لهم أهداف أخرى، فالتطرف الديني من الممكن أن يتسلل بسهولة، فيما لو استمر السماح بهذه النشاطات داخل المؤسسة التعليمية والتربوية.

الحرب التي تعيشها سورية حتى اليوم مع الإرهاب والمتطرفين، كانت من المفترض أن تقوي حرصنا في هذا المجال، لا أن تجعلنا أكثر تساهلاً. مثال آخر اطلعت عليه «الأيام»، قيام إحدى المدارس الخاصة بصنع مجسم للكعبة وجعل الطلاب من مختلف الطوائف والأديان يرتدون الزي الشرعي الإسلامي ليطوفوا حولها، ما جعل الأهالي يضجون ويستنكرون الموضوع بشكل كبير!

المشكلة ليست في ممارسة الشعائر الدينية، فهي حق لكل مواطن، وحرية شخصية، إلا أن لها مكانها المناسب في دور العبادة وليس في دور التعليم والتربية.

التربية تتحقق

وزارة التربية وعندما استوضحت منها «الأيام»  حول وجود مثل هذه الظواهر في المدارس، أكدت أنها لم تكن على علم بها، إلا أنها تابعت الموضوع بشكل مباشر وكلفت رئيسة دائرة البحوث في مديرية التربية إلهام محمد للتحقق من الأمر، وحصلت «الأيام» على نسخة من التقرير المقدم للوزارة بهذا الشأن، ويتضمن التقرير أنه و»بناء على توجيهات الوزارة تمت زيارة أربعة مدارس في دمشق فقط، والهدف من الزيارة كان التأكد من الالتزام بنظام المؤسسة التربوية من ناحية الاحتفالات وعدم ممارسة طقوس لا تناسب المؤسسة التربوية وتحديدا الاحتفال بارتداء الحجاب».

ونفى التقرير وجود مثل هذه الظواهر باستثناء حالتين في إحدى المدارس، الأولى قامت بها الطالبات ومن دون علم الإدارة بالاحتفال بارتداء زميلة لهن الحجاب، وأن الإدارة أوقفت هذا الموضوع. أما الحالة الثانية فهي عندما أجابت مدرسة التربية الدينية إجابة غير موفقة أثناء سؤال عن الحجاب ما أثار حفيظة طالبة غير محجبة.

وزارة التربية لم تتحقق من وجود هذه الظواهر إلا في المدارس التي أشارت لها «الأيام»، ووصول الوزارة إلى معلومات تؤكد ذلك ولو بشكل بسيط، يعني أن هذه الظواهر موجودة ومنتشرة في المدارس، فالتحقيق شمل 4 مدارس فقط!

ليست عفوية!

من جهته أكد الأستاذ في كلية التربية طاهر سلوم أن وجود مثل هذه الظواهر، يسهم في تربية القيم الدينية على حساب القيم الوطنية والإنسانية، وتكريس القيم من الممكن أن يكون عبر أنشطة في المدارس، سواء صفية أو لاصفية، فمشاركة الطلاب في نشاطات معينة يرسخ القيم الدينية على حساب الأخلاقية، وهذا الموضوع خطير جداً على الجيل، فهو يأخذه إلى غير اتجاه القيم التربوية.

مضيفاً أن هذا الموضوع يخلق شرخاً في قيم التلاميذ بتقديم قيم على أخرى، وهذه القيم التراكمية ستصل بالإنسان في النهاية إلى تجاهل القيم التي من المفترض أن تكون أساسية، كالقيم الاجتماعية والأخلاقية وكيفية التعامل مع الآخر، حيث سيؤدي التركيز على الجانب الديني إلى ترسيخ قيم دينية تسيطر عليها جوانب كثيرة جداً، منها قبول كل ما يطرحه المتطرفون الدينيون من خرافات وإرهاب وتخريب للأنفس.

ويؤكد سلوم، أن هذا من شأنه أن يشكل لدى الطلاب أرضية لقبول الأفكار الهدّامة التي يمكن أن يطرحها السلفيون أو أصحاب التطرف، والإيديولوجية الدينية، فالإسلام السياسي يُبنى أساساً على مجموعة من الأفكار الهدّامة، والأنشطة الدينية اللاصفية تغرس تلك الإيديولوجيا على أقل تقدير.

ويرى الأستاذ في كلية التربية أن مثل هذه الأمور لا تنفذ بشكل عفوي بل يتم التخطيط لها، من الممكن عبر تنظيم ما، أو خلايا نائمة تظهر بشكل ناعم عبر الاحتفالات، لافتاً إلى أن الموضوع بحاجة ماسة إلى إعادة نظر ومراجعة، وإيلاء الأنشطة اللاصفية في المدارس أهمية بالنسبة للبرامج الدراسية، ليكون لدينا بدائل عن الفكر الديني من خلال غرس قيم العقل والفكر العلمي بعيداً عن تغييب العقل، والذي من الممكن أن يدفع إلى أشياء ليست ذات قيمة حتى بالنسبة لجوهر الدين، فالأخذ بالشكليات هو ما يجعل البعض لقمة سائغة لدى تلك الجهات.

مادة «الأخلاق»

في محافظة طرطوس قامت إحدى المدارس الخاصة بمبادرة متميزة عندما استطاعت الحصول على موافقة لاستبدال مادة التربية الدينية لمرحلة التعليم الأولى بمادة الأخلاق، وكانت المادة تحتوي على تعاليم وقيمة أخلاقية وتستشهد بآيات قرآنية ونصوص إنجيلية ولجميع الطلاب من دون فصلهم حسب الدين، ولاقت التجربة التي استمرت أكثر من سنتين قبولا وترحيبا من الأهالي والمجتمع، وتمنت المدارس الأخرى أن تعمم عليها، إلى أن تغيرت المناهج فأجبرت التربية المدرسة بالتقيد بالمنهاج مرة أخرى، والتوقف عن تدريس مادة الأخلاق نهائياً، من دون توضيح السبب وراء ذلك التراجع، وهكذا قتلت التجربة قبل حتى أن تنضج!

وكان مجلس الشعب في أواخر عام 2016، ناقش إلغاء مادة التربية الدنية واستبدالها بمادة الأخلاق، واختلفت الآراء بين مؤيد ومعارض.

وكان الحديث عن استبدال التربية الدينية بالأخلاق منذ عامين تقريبا حديث الشارع وحديث بعض قادة الرأي إلا أنه لم يتجاوز «الكلام»...

وفي تلك الفترة صرح الفنان دريد لحام، أن «التربية الدينية في المدارس سببًا لما تعيشه سورية من طائفية في الوقت الحالي، والمدارس في سورية لم تعلمنا الإيمان وإنما علمتنا الطائفية».

وأشار إلى أن «أستاذ الديانة كان يُخرج تلاميذ الديانة المسيحية من الصف وكذلك الأمر في المدارس المسيحية، وانطلاقًا من هذا الأمر علمونا أن هناك فرقًا كبيرًا بيني وبين الآخر من الطوائف».

وانتهت كل تلك المحاولات آنذاك بأن يقرر وزير التربية السابق أن الحل بتغير بسيط في مناهج التربية الدينية ليس أكثر، فعدّل مجلس الشعب بقرار أصدره في أيلول 2016 بعض المناهج الدراسية منها التربية الدينية.

وإضافة إلى أننا لم نستطع منذ عامين الوصول إلى مادة «الأخلاق» كبديل لمادة التربية الدينية، تركنا مدارسنا عرضة لخرق قيمها من قبل البعض.

أين حزب البعث؟

والسؤال أين الرقيب وأين البديل؟ وكيف تُمارس هكذا نشاطات في مدارسنا في غفلة من وزارة التربية بالدرجة الأولى؟ ومن حزب البعث ومنظماته بالدرجة الثانية؟ خاصة كونها الوحيدة التي من المسموح لها دخول المدارس والقيام بالأنشطة داخلها.

 وعلمت «الأيام» من مصادر مطلعة أن منظمة الشبيبة على علم ببعض تلك الممارسات، إلا أنها حاولت أن تحلها بشكل فردي وخجول، بدلا من الوقوف المباشر والعلني في وجهها لمنع تكرارها، بالإضافة إلى أن وجود مثل تلك الأنشطة دليل واضح أن الأنشطة اللاصفية التي من المفترض أن يحصل عليها الطلاب في مدارسنا ليست كافية، ما يدفعهم إلى البحث عن أنشطة بديلة، ويتركهم لقمة سائغة بيد أي متطرف يحاول تمرير أفكاره عبر تلك النشاطات.

الفراغ يهيئ للتفكير الخرافي

ويؤكد هذا الكلام الدكتور طاهر سلوم، فيقول إن البديل وجود أنشطة كافية في المدارس، تغرس القيم التربوية والأخلاقية والوطنية، فالطلاب بحاجة إلى الأنشطة الموازية، لأنها تتماشى مع رغباتهم وحبهم للاحتفال، لذا يجب أن تكون الأنشطة مدروسة وموظفة بشكل تربوي لغرس قيم سليمة، وهذه مهمة وزارة التربية، وحزب البعث كونه الوحيد الذي ينشط في المدارس.

موضحاً أن المدارس والجهات المتعاونة معها تغفل فكرة «جماعات النشاط»، وهي موجودة بكل البلدان المتقدمة وتعمل وفق أسس تربوية وأحد أهدافها غرس وبناء القيم.

ويلفت سلوم إلى أن رغبة الطالب في مرحلة عمرية معينة، لاسيما المراهقة، في أن يكون له شأن في المجتمع، يدفعه إلى التوجه إلى الأنشطة المتاحة، لذلك لابد أن تكون هذه الأنشطة تربوية وهادفة، فوجود مجموعات نشاط، من شأنها أن تشغل الطالب بما هو مفيد وتنمي مهاراته. والتزام الطالب مع مجموعة نشاط بيئي، أو اجتماعي، أو علمي، أو فني، أو رياضي، والتحضير للأنشطة الجماعية في مجال معين، تغني تفكيرهم وقيمهم، وتملأ الفراغ الموجود لديهم حاليا، والذي يتم استغلاله لدى الطلاب لزرع أشياء غير سليمة عبر إدخال التفكير الخرافي والشكلي في الدين، والذي يشكل أرضية لخرافات أخرى.

التركيز على مدرسي التربية الدينية

وعن الإجراءات التي اتخذتها وزارة التربية للوقوف في وجه هذه الظاهر الخطيرة، أكدت إلهام محمد أنه تم التوجيه لإدارات المدارس لعقد اجتماعات متكررة، ودائمة مع الكادر الإداري والتدريسي، والتأكيد على الالتزام بنظام المؤسسة التربوية، والالتزام بما ورد في مناهج وزارة التربية فيما يخص مادة التربية الدينية وعدم الإفاضة بأية معلومة غير موثقة، خاصة بسبب الاختلاف والتنوع بين الطلاب، مؤكدة أن التركيز سيكون خلال الفترة القادمة على مدرسي مادة التربية الدينية، والتأكيد على منع بناء علاقات خاصة مع الطلاب، حتى لا يكون هناك احتمال لجذبهم لنشاطات خارج المدرسة، إضافة إلى أنه تم الإيعاز للمرشدات النفسيات في المدارس من أجل التجول بين الطالبات في الباحات للتأكد من أن العلاقة جيدة بين الطالبات جميعاً.

وأضافت محمد أنه تم التوجيه بعدم ممارسة أي طقوس في المدارس تخرج من إطار المؤسسة التعليمية، مؤكدة أنه سيتم متابعة الموضوع مع إدارات المدارس بشكل مستمر.

باب متاح

السماح في أن تكون المدارس بيئة خصبة ومدخلا سهلا ومتاحا للوصول إلى عقول الأطفال والمراهقين، وتغذيتها بشكل عشوائي وغير تربوي، خاصة بتكريس القيم الدينية لاسيما المتطرفة منها، بدلا من الأخلاق، هو أمر في غاية الخطورة لأنه يعني تأطير جيل بكامله في نطاق ديني ضيق بأفضل الأحوال، ودفعه إلى التخلف والتطرف والإرهاب في أسوئها!

لودي علي


 
Top
نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط لتحسين موقعنا. بتصفحك هذا الموقع أنت توافق على ذلك. إذا لم توافق، فرجاء غادر هذا الموقع.. More details…