03 شباط 2019

ممنوع ... مسموح ... محدود، هذه الكلمات الأكثر تداولاً في مجال الاستيراد إلى سورية، هذا القطاع الذي لا يخلو من المشاكل ما بين التجار والحكومة، فلكل منهم نظرته الخاصة للوضع الاقتصادي الذي يمر به البلد وتحليله حول إمكانية تمويل المستوردات، والتي تبدأ من إجازات الاستيراد ومنح القطع الأجنبي لتنتهي بالمخلص الجمركي وأوراقه المخفية.

خلال الاجتماعات العلنية للتجار والتي تقام في غرفة تجارة دمشق، لم يتردد غسان القلاع رئيس غرف التجارة السورية بمواجهة حاكم مصرف سورية المركزي السابق، عندما قال له «إن مشكلة تمويل المستوردات تبدأ من إجازات الاستيراد، التي قد نتغاضى فيها عن منح إجازة لمادة السكر أو الأرز لتاجر دون غيره، لكن ليس مقبولاً رفض إجازة استيراد لمادة غذائية ومنح أخرى لمواد التجميل».

حصر الاستيراد بأشخاص محدودين

«حصر استيراد العديد من المواد الأساسية في سورية ليس ناتجا عن الأزمة في سورية كما يتردد»، هذا ما قاله عبد الله العظيم في تصريحه لـ «الأيام»، مبيناً أن التجاوزات كثيرة ومعروفة من قبل الحرب، فهناك العديد من المواد المحصور استيرادها ضمن رجال أعمال ومستوردين محدودين، ونسميهم نحن في السوق « الحيتان» وذلك لمنعهم دخول أي شخص في قطاعهم، وفي حال دخل أحدهم وأراد العمل فإن العواقب ستكون وخيمة عليه. ويضيف العظيم، الحكومة بررت الموقف أكثر من مرة خلال اجتماعاتنا الدورية أنه «ليس من المعقول منح إجازات استيراد للسكر والأرز لتهرب إلى دول الجوار كالعراق ولبنان»، مبيناً أن الكثير من التجار يتبعون أسلوب دفع المبالغ الكبيرة للحصول على إجازة استيراد لمادة معينة في بعض الأحيان، وخاصة أن وزارة الاقتصاد لا تمتلك برنامجاً واضحاً للمستوردات، ما يضع التاجر في قلق مستمر.

لكل تاجر شبكة سرية...

لم تعمد الحكومة إلى إيقاف حركة الاستيراد نهائياً خلال الحرب، لكنّها اتبعت سياسة أسمتها «ترشيد الاستيراد»، أي اقتصر الاستيراد على المواد الأساسية، لاسيما الغذائية منها دون الكماليات، وأحد أسباب هذا الترشيد هو الحفاظ على القطع الأجنبي الموجود، خاصة وأن مصرف سورية المركزي هو من قام بتمويل المستوردات لفترة معينة، والسبب الآخر هو منع التجار من الحصول على إجازات استيراد لسلع لا تحتاجها الأسواق، وذلك خشية هدر القطع الأجنبي.

يقول المستورد سليم الحسامي العامل في مجال استيراد البن في تصريحه لـ «الأيام»: إن لكل تاجر شبكة سرية تعمل على إدخال البضائع والمنتجات الأجنبية، وذلك ناتج عن القرارات الصادرة عن وزارة الاقتصاد.

 ويضيف: عقدنا اجتماعات مع الوزارة، طرحنا فيها وجهة نظرنا حول وجوب إيجاد نوع من التوازن بين حركتي العرض والطلب في الأسواق، فإيقاف الاستيراد يؤدي إلى ارتفاع سعر المادة في السوق كما حصل بالنسبة لمادة البطاطا، التي وصل سعرها إلى 550 ليرة للكيلوغرام الواحد، أي أكثر من دولار.

وأشار إلى أن «حصر الاستيراد بتجار محدّدين يكون بالنسبة للسلع الأساسية يهدف إلى تغطية العجز الحاصل في الاقتصاد السوري، لافتاً إلى أن سياسة منح إجازات تصدير لأشخاص لا ترضي نسبة كبيرة من التجار والمستوردين، فالسوق قادرة على تحقيق التوازن بين العرض والطلب على أي مادة، من دون اللجوء إلى سياسات محددة تربك المستوردين في التعامل، كما حصل في الفترة التي تولى فيها المصرف المركزي مهمة تحديد المستوردات التي سيقوم بتمويلها للتجار المحليين.

إجازات وهمية ...

تبرر وزارة الاقتصاد موقفها بمنح إجازات استيراد لأشخاص «موثوقين» بأنه نتيجة فساد بعض التجار بما يتعلق بإجازات الاستيراد الوهمية، وذلك بحسب تصريح مصدر من وزارة الاقتصاد لصحيفة «الأيام»، موضحاً أن المشكلة الفعلية في مجال الاستيراد تكمن في كثرة الأسماء الوهمية عبر تقدّم تجار للحصول على إجازات والبضاعة ليست لهم. ومع ذلك، لا يمكن رفض طلب أي تاجر طالما أن أوراقه نظامية لتكون مسؤولية تحديد دخول أشخاص جدد ليسوا تجاراً إلى السوق مهمة اتحاد غرف التجارة، علماً بأن الوزارة طلبت من جميع الاتحادات تحديد مستوردي السلع الأساسية الفعليين بغية تنظيم عملية الاستيراد من دون أي استجابة.

ويكشف المصدر أن ثلثي إجازات الاستيراد الممنوحة في عام 2018 منحت لاستيراد المواد الأساسية اللازمة للصناعة، وخصوصا المشتقات النفطية، والمنتجات الزراعية كالسكر والرز والطحين والأدوية، حيث أن قيمة طلبات الاستيراد الموافَق عليها خلال الربع الأول من العام الحالي بلغت 1,3 مليار يورو لـ 7486 طلبا، أما قيمة الإجازات والموافقات الممنوحة خلال الفترة المدروسة فقد وصلت إلى 1659 مليون يورو، 64% منها للقطاع الخاص بقيمة مليار و58 مليون يورو لـ 4324 إجازة استيراد، و718 موافقة استيراد من دول عربية، في حين بلغت قيمة الإجازات الممنوحة للقطاع العام 601 مليون يورو، وفيما يتعلق بخارطة الشراكات التجارية فتعدّ الصين وروسيا ومصر من أهم الشركاء التجاريين للإجازات الممنوحة للقطاع الخاص، من حيث دولة المنشأ بحسب المصدر، حيث بلغت حصتها من الإجمالي ما يقارب ( 9,4% – 9,1% – 8,7% ) على الترتيب، ومن حيث الدولة المصدر احتلت الصين ومصر وروسيا المراتب الثلاثة الأولى، وبمؤشر النسبية (20%-11%- 9% ) على التوالي من إجمالي الإجازات والموافقات الممنوحة.

محسوبيات وفساد ...

«لا تجاوزات في منح إجازات الاستيراد على الإطلاق، وهناك مراقبة دقيقة لكل إجازة تمنح ،علماً أن كل الإجازات التي يتم منحها تتم بعيدا عن أية استثناءات أو مخالفات»، كثيراً ما سمعنا بهذه التصريحات، ولكن المستورد جمال الهاشمي يرى أن شروط منح وزارة الاقتصاد والتجارة لإجازات الاستيراد تفتح الباب للمحسوبية والفساد، مبيناً في تصريحات لـ «الأيام» أن العراقيل كثيرة، وفي الوقت ذاته فإن عملية حصر استيراد المواد الأساسية بتجار معينين يؤثر على قلة السلع في السوق، في حين يفترض خلال هذه الأزمة تسهيل الإجراءات أمام التجار وليس تعقيدها من أجل ضمان ملء المستودعات تحسباً لأي طارئ. مضيفاً أن المطلوب في هذه المرحلة الاستثنائية إصدار قرارات واضحة وشفافة، تسهل عمل التجار والصناعيين وتشجعهم على العودة إلى الوطن بما يخدم في النهاية الاقتصاد الوطني والمواطن.

ويلفت الهاشمي إلى أن تأمين الاحتياجات الضرورية للسوق من السلع الغذائية والمواد الأساسية الداخلة في الصناعات الغذائية، مثل الرز والشاي والزيوت والسمون والمعلبات وخاصة التون والسردين والتمور، يجب أن يكون له الأولوية، منوهاً في الوقت ذاته إلى أن «الأولوية في تمويل المستوردات للمواد الأولية، فتح باب الاستيراد لمستلزمات الإنتاج وخاصة الغذائية، يفتح المجال للمنافسة والحد من ارتفاع الأسعار في الأسواق حين يتواجد أكثر من نوع.

الحكومة تعِد... ولكن

خلال الاجتماعات الأسبوعية للحكومة وعد رئيس مجلس الوزراء المهندس عماد خميس بمراجعة آلية عمل الموانئ والجمارك، وآلية الاستيراد والتصدير لتطوير العمل والحد من مظاهر الفساد، لافتا إلى أنه يتم العمل على وضع آلية تنظيمية بشفافية وعدالة لمنح إجازات الاستيراد لمحاربة الاحتكار.

وأوضح خميس أن الحرب تشكل أرضا خصبة للفاسدين وتجار الأزمة، وهؤلاء شركاء للإرهاب، لكن ذلك لا يعفي الحكومة من مسؤوليتها، لأن الفساد ليس فقط ماليا وإنما هناك فساد إداري ينتج عنه ترهل وضعف ويفتح ثغرات للغش والخلل في أداء الحكومة، مشددا على أنه لن يكون هناك تهاون في محاربة الفساد بكل أشكاله.

التجار والمستوردين تأملوا الخير من هذا التصريح، ولكنهم يؤكدون بأنهم لم يجدوا حتى اليوم تنفيذاً حقيقياً للعمل الجاد بآلية الاستيراد، وبقي الوضع على ما هو عليه كما قالوا، وعلى مبدأ «على الوعد يا كمون»!

تقنين الاستيراد

اعتبر رئيس جمعية العلوم الاقتصادية في اللاذقية الدكتور سنان ديب في تصريحه لـ «الأيام»، أن الفساد بإجازات الاستيراد «يتقاطع جزئياً مع سياسات إدارة الأزمة، ومن أسف، السلوكيات الفاسدة المُحتمية بالأزمة الأكثر استفادةً بتخصيصها بسلع معينة ومنعها عن آخرين عبر معرقلات روتينية، والتلاعب بسعر القطع لحصر الاستيراد بتجار محددين».

ويبيّن أن قضية الاستيراد مثل التصدير تماماً، وذلك وفقا لنظرية التماثل الاقتصادي، مشيرا إلى أنه يجب ترشيد الاستيراد والتصدير «من قبل الأزمة، فما بالك أثناء الأزمة». ووضع علي ديب جدول أولويات للاثنين معاً منذ بداية الأزمة، إلا أنه يلفت إلى أن المشكلة الاقتصادية لم تكن يوما في كل الدول المحتكرة للاقتصاد من صنع التجار، لافتا إلى أن المقولة التي تقول «في حال تم إيقاف استيراد المواد قد يشجع ذلك على التهريب» مقولة ممكنة، ولكن التهريب قضية غير قانونية ويجب أن يعاقب عليها القانون وهو يتم من قبل جهة أو فئة ما.

مؤكداً على أن أهمية تقنين الاستيراد أو ترشيده، حيث يجب منح إجازات الاستيراد وفق الاحتياجات والقانون، أما الكماليات فيجب منع استيرادها قبل سد الحاجة إلى الضروريات، مؤكدا أن المنتج المحلي قادر على تغطية السوق واحتياجاته رغم الأزمة.

مستوردون «بسمنة» ومستوردون «بزيت»

في سياق متصل تظهر الأرقام الصادرة عن مديرية التجارة الخارجية في وزارة الاقتصاد والتجارة الخارجية، أن لا تغيير يذكر على أعداد المستوردين وذلك بعد صدور الدليل الجديد لمنح إجازات الاستيراد. إلا أن الجديد في الدليل هو فتح سقوف الاستيراد بعد أن كانت محددة بكميات، وإن كان هناك بعض التغييرات فهي محدودة جداً، وتعود لرغبة المستورد بالحصول على هذه المادة أو تلك أو لتغيير طبيعة المواد التي يستوردها.

وتشير البيانات إلى أن أعداد المستوردين من القطاع الخاص لمادة الشاي 2018 وصل إلى 31 مستوردا، في حين كان العدد خلال الربع الرابع من العام الماضي 35 مستورداً على مستوى القطر، بينما يستورد مادة المتة مستورد واحد خلال الربع الرابع من العام الماضي، ومستوردان خلال الربع الأول من العام الحالي. وبالنسبة لمادة السكر الخام فقد اقتصرت على مستورد واحد ليس فقط خلال الربع الأول من العام الحالي أو العام الماضي وإنما لفترة الأزمة وما قبلها، في حين أن استيراد مادة السكر المكرر يتم عبر 25 مستورداً خلال الربع الأول من العام الحالي، بينما كان العدد 29 مستورداً خلال الربع الرابع من العام الماضي، ووصلت أعداد المستوردين لمادة الأرز إلى 50 مستورداً خلال العام الماضي وخلال الربع الأول من العام الحالي.

في حين كان لزيت الزيتون مستورد واحد خلال الربع الأول من العام الحالي والربع الرابع من العام الماضي، بينما وصل عدد مستوردي مادة الزيوت النباتية المهدرجة 13 مستورداً، خلال الربع الأول من العام الحالي و10 مستوردين للربع الرابع من العام الماضي، ويقارب عدد مستوردي مادة السمنة عدد مستوردي الزيوت، حيث وصل العدد خلال الربع الرابع من العام الماضي إلى 15 مستورداً في حين كان خلال الربع الأول من العام الحالي 9 مستوردين...

وبالنسبة لعدد مستوردي الأدوية البشرية، فإن بيانات وزارة الاقتصاد تظهر أن هناك 32 مستورداً خلال الربع الرابع من العام الماضي، وقد انخفض العدد إلى نحو 25 مستورداً خلال الربع الأول من العام الحالي.

نور ملحم

03 شباط 2019

تعددت الآراء حول الطريقة التي يجب على مصرف سورية المركزي التعامل من خلالها، لإيقاف تدهور العملة السورية أمام الدولار الأمريكي.

خبراء وأكاديميون أدلوا بدلوهم في هذا الشأن، وخاصةً الارتفاع الأخير لسعر صرف الدولار، فيقول عميد كلية الاقتصاد سابقا د.عصام قريط «إن المركزي فرّط في الاحتياطي لديه، ولن يتم إصلاح تلك السياسات الخاطئة إلا بالتصدير، خاصة وأن بيع القطع الأجنبي في السابق أدى إلى سياسات غير مدروسة».

وحول سبب ارتفاع سعر صرف الدولار يشير قريط إلى أنه «بسبب البدء بحركة إعادة الإعمار، فإن التجار في القطاع الخاص، بدؤوا بجمع العملة، فعلى سبيل المثال إذا رغب أحد الوكلاء باستيراد قطع غيار للسيارات من إيران، يبدأ بعملية جمع القطع الأجنبي»، لافتاً إلى أنه «حتى اليوم في مرات كثيرة يتم رفع سعر القطع كي يتم سحب الفائض النقدي».

غير منطقي

من جهته، يرى معاون وزير الصناعة السابق بركات شاهين أنه «من غير المنطقي أن تبقى الليرة السورية بحدود الـ 10% من قيمتها السابقة قبل الحرب، فالحرب توقفت». لكنه يرى أن «توقف العديد من المعامل المنتجة هو من الأسباب الأساسية أيضا التي أدت إلى انخفاض قيمة العملة، وأما السبب الثاني فهو فوضى السوق بما فيه من سياسات تسعيرية واحتكار، إذ بدأ العديد من المواطنين تخبئة السلع الأساسية مثل الرز والسكر وما شابه».

ولفت إلى «أنه ليست هذه هي المرة الأولى التي تقع فيها سوريا بأزمة، ففي الثمانينيات كانت الأزمة كبيرة جدا، والحكومة في ذلك الحين عالجتها بمنع الاحتكار عن طريق دخول السوق وتحقيق توازن سلعي، وبهذه الطريقة لم يتمكن التجار من الاحتكار».

صادرات غير مدعومة

على الرغم من الأحاديث والتصريحات التي دأب على ترديدها اتحاد المصدرين، والتي تتناول دعم الصادرات أو زيادتها، إلا أن الواقع يعاكس تلك «الفقاعات».

المختص في النقد بجامعة دمشق (شادي دهام) يقول في حديث لـ «الأيام» إن «أحد أسباب ارتفاع سعر الدولار هو زيادة المستوردات وقلة الصادرات، خاصة وأن الدولة لم تدعم الصادرات كما يجب».

ويلفت إلى أن «الصعود الكبير أو الهبوط المفاجئ اللذين يحدثان بشكل متكرر، يشيران إلى تحسن كبير أو انهيار، والأمران يوحيان بعدم المنطقية، فعندما صرّح حاكم المركزي أن الدولة قادرة أن تخفّض الدولار إلى ما دون الـ 200 ليرة سورية، حدث صعود عكسي مفاجئ، وبدأ التجار يسخرون من هذا التصريح».

ويضيف دهام بأن «سعر الدولار في المصرف المركزي ثابت، وتم تثبيته بموازنة الـ 2019 عند حدود 435 ليرة سورية، ولذلك على المركزي أن يسمح بالبيع والشراء ضمن هذا السعر، فعلى سبيل المثال عندما تأتي مبالغ مالية من خارج البلاد، يتم تسليمها للشخص في داخل سورية بالليرة السورية بحسب سعر الدولار في المركزي، فلو تم التعامل مع التجار بهذه الطريقة، عندها سيستقر سعر الصرف ويثبت».

لا سياسات واضحة

يعتقد عدد من الخبراء أنه «لا توجد سياسة نقدية واضحة، وكل القوانين التي تصدر تكون فورية ومن دون دراسة، ولذلك من غير الممكن تقديم أسباب واضحة حول انهيار الدولار، خاصة وأنه في ظل الحرب كان الدولار أقل من اليوم، مما يعني الفصل بين الوضعين الأمني والاقتصادي، وهو ما يعاكس المنطق».

ويلفت هؤلاء إلى أنه «من الاقتراحات التي كانت تُقدّم هي أن يجتمع المركزي مع التجار، أو مجموعة من أعضاء غرفتي الصناعة أو التجارة، على الرغم من أنهم غير مهتمين كما يجب، ولكل شخص منهم عمله الخاص ومصالحه الخاصة، وبعد سلسلة من هذا النوع من الاجتماعات لا بد أن يتم وضع سياسات واضحة تشكل حلا منطقيا».

طلب على الواردات

 أستاذ النقد في جامعة دمشق د.علي كنعان يرى أن «المشكلة الكبيرة هي في زيادة الطلب على الاستيراد، خاصة بعد القرار الذي اتخذته الحكومة باستيراد المواد ذات المنشأ الآسيوي من الأردن، لأنه وقبل صدور هذا القرار كان يتم الاستعانة بالتجار اللبنانيين كوسطاء إلا أنهم كانوا يقومون بإضافة مبالغ بقيمة 300% أو أكثر، مستغلين العقوبات المفروضة على سورية».

«وأما اليوم فقد بات من المسموح أن يتم الاستيراد عن طريق مجموعة من التجار الأردنيين، وفي هذه الحالة فإن التاجر الأردني يلعب دور الوسيط، وهو ما سيؤدي إلى زيادة الطلب على الدولار».

ولفت كنعان إلى أن «زيادة الطلب على المحروقات، خاصة في فصل الشتاء يزيد الطلب على مشتقات الطاقة، والفاتورة النفطية تتجاوز الـ 200 مليون دولار شهريا، وهذا يعدّ من أسباب انخفاض سعر صرف الليرة».

ثلاثة أسباب..

من جهته، الاقتصادي والأستاذ في جامعة دمشق د. عدنان سليمان يشير إلى ثلاثة أسباب رئيسية أدت إلى انخفاض سعر الليرة السورية: الأول هو الحديث الدائم عن وجود أزمة معيشية، وهو ما ولّد الضغوط على السوق ودفع التجار إلى تخزين مواد إضافية، الأمر الذي شكل ضغطا جديدا على القطع الأجنبي.

ثانياً، الحديث مؤخرا عن وجود أزمة محروقات سواء في مجلس الشعب أو من قبل الحكومة، وهو أدى إلى مزيد من الضغط على القطع الأجنبي.

وأما السبب الثالث فهو العقوبات الاقتصادية على سورية، خاصة بعد المبالغة الحكومية في الحديث عن هذه العقوبات وكأن سورية تشهد هذا النوع من الحصار لأول مرة.

ولفت سليمان إلى خطورة تجيير مشاكل الأزمات المعيشية إلى العقوبات اقتصادية، لأنه هروب من المشكلة ويفاقم مشكلة أخرى ويولّد ضغوطا على العملة المحلية.

أثر الموازنة

على الرغم من أن الموازنة العامة صدرت بأرقام إعلامية غير حقيقية، إلا أن أثرها لم يكن إعلاميا فقط، بل اضطرت الحكومة إلى أن تقوم بطباعة مزيد من العملة السورية، وهو ما أدى إلى زيادة حجم السيولة الموجودة في الأسواق بما يفوق طاقة الاقتصاد السوري، خاصة وأن العملة المطروحة في الأسواق لا تتناسب مع الإنتاج بحدود مرة إلى مرتين ونصف، وهو ما أدى إلى تخفيض سعر الليرة».

وهنا رأى كنعان أن «الهدف من القرار بتخفيض فوائد البنوك هو أن تأخذ الناس ودائعها لتقوم بتشغيلها، على الرغم من أنه في حالات التضخم من غير المجدي تخفيض سعر الفائدة بل على العكس تماما يجب أن يتم رفعه، ولكن بحسب وجهة نظر الجهات الحكومية بما أننا نحيا في سورية اليوم حالة أقرب إلى إعادة الإعمار، فقد ارتأوا أنهم مضطرون لتشجيع الاستثمار وتخفيض سعر الفائدة، مع أنه من الأفضل أن يبقى سعر الفائدة مرتفعا، ليس فقط على المبالغ الموضوعة بالليرة السورية، وإنما بالدولار أيضا».

وأشار كنعان إلى أن «البنوك السورية لديها اليوم ما يقارب الـ 3.2 تريليون ليرة سورية كودائع، أي لديها أطنان من العملة السورية وليست قادرة على توظيفها، وهو ما أدى إلى زيادة حجم التمويل من البنك المركز.

ويضيف: حتى اليوم تعدّ الإيرادات الحكومية متدنية، ولا تؤمن أكثر من 30إلى 40% من الإنفاق العام والباقي يتم اقتراضه من البنك المركزي، ما أدى إلى زيادة السيولة بالليرة السورية».

استقطاب أموال السوريين

يؤكد كنعان على «أهمية رفع سعر الفائدة على الدولار لاستقطاب مدخرات السوريين من لبنان، ليقوم النظام المصرفي بتمويل المستوردات وتخفيف الضغط على الليرة السورية، خاصة وأن لبنان يعطي للمدخرات الموضوعة بالدولار ما يقارب الـ 5%، وأما في سورية فإن الودائع بالدولار لا تذكر».

ويلفت د. كنعان إلى «أن الودائع السورية الموجودة في لبنان تتراوح بين 30 إلى 40 مليار دولار، وفي حال اعترض لبنان أي أزمة مالية ستذهب تلك الأموال أدراج الرياح، ولذلك من الضروري تشجيع الناس على وضع أموالها في البلاد، فهل يعقل وجود دولة تطرد أموالها إلى الخارج، وكأن القائمين على هذه المفاصل يعملون كموظفين للأحوال المدنية»؟

وهنا يكشف د.عدنان سليمان عن أن «ودائع السوريين في المصارف الخارجية كافة تصل إلى 180 مليار دولار، ولذلك من الضروري جذبها إلى الداخل لوضعها في البنوك ورفع الفائدة على القطع الأجنبي كي يخلق نوعا من المنافسة مع دول الجوار».

كما تساءل عن سبب «عدم قيام الحكومة بإصدار سندات وأذونات خزينة بالليرة السورية والقطع الأجنبي، مؤكدا على ضرورة تفعيل عملية التصدير لزيادة القطع الأجنبي، مع جذب الاستثمارات الأجنبة من الخارج».

لجين سليمان

الصفحة 5 من 194
Top
نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط لتحسين موقعنا. بتصفحك هذا الموقع أنت توافق على ذلك. إذا لم توافق، فرجاء غادر هذا الموقع.. More details…