06 نيسان 2019

الإعفاءات الضريبية للمنشآت المتضررة: صناعيون يتهمون الحكومة بأن "ما تعطيه باليمين تأخذه باليسار"!

لم تترك الحرب التي تعيشها البلاد باباً إلا وحطمته، وكان القطاع الصناعي من أكثر القطاعات التي شهدت تدميراً وخراباً سواء في بنيته التحتية ومنشآته ومصانعه وطرق المواصلات إليه، أو في تراجع مستوى الإنتاج فيه إلى مستويات قياسية متدنية.

 قرارات عديدة صدرت من قبل الحكومة في محاولة منها لإعادة عجلة العمل الاقتصادي ودعم الصناعيين المتضررين ومنها الإعفاءات الضريبية ضمن مدة قصيرة.

 

لم يشمل الجميع ...

ينتقد هاني الشكري، صاحب شركة تصنيع ألبسة، القرارات التي صدرت عن الحكومة خلال الفترة الماضية لتحسين ما تبقى من منشآت صناعية، والتي لم تنفذ بشكل دقيق كما قال، لافتاً في تصريحه لـ "الأيام" أن موضوع الإعفاء من الضرائب والذي تحدث عنه وزير المالية لم يشمل جميع المنشآت الصناعية ولم يطبق بشكل دقيق.

وأضاف الشكري بأن الصناعيين عرضوا مجموعة من المعوقات التي تواجههم وقاموا باقتراح الحلول، ومنها إيقاف تحصيل الرسوم والضرائب المترتبة عليهم في المناطق المتضررة والعائدة لما قبل العام 2012، وتأجيل التحصيل لمدة 5 سنوات تبدأ بعد انتهاء العمليات العسكرية في تلك المناطق، إضافة لإعادة النظر في إجراءات الحجز على المنشآت الصناعية ووقف الإجراءات التنفيذية المتخذة بحق المنشآت وأصحابها، وتكليف مصرف سورية المركزي بإعداد الدراسة المتعلقة باستئناف منح القروض التشغيلية من قبل المصارف العامة وبفوائد مخفضة، وإعادة تمويل استيراد خطوط الإنتاج ضمن تسهيلات ائتمانية وبفوائد مخفضة بضمانة المنشأة، ولكن معظم القرارات بقيت في الحفظ ضمن درج الحكومة ولم ينظر بها أو تتم دراستها .

 

ما تأخذه باليمين تعطيه باليسار

وفي السياق ذاته، يوضح عبد الرحمن، وهو من مصنعي الألبسة الرجالية في تصريحه لـ "الأيام" أن الحكومة تشجع التجار والصناعيين للعودة إلى أعمالهم عبر إصدار بعض مراسيم الإعفاء من الغرامات والجزاءات والفوائد على الضرائب، وتأخذ باليد الأخرى هذه الضرائب عبر العودة لسنين طويلة إلى الخلف لمن أخذ براءة ذمة من المالية عنها من التجار والصناعيين، وهي بذلك تعود إلى فرض ضرائب غير طبيعية وغير منطقية رغم توفر الأوراق النظامية والثبوتيات المطلوبة، لافتاً إلى أن الصناعة السورية تقع تحت أعباء كبيرة، فعلى سبيل المثال هناك مبلغ شهري يقدر بنحو 3 ملايين ليرة سورية يدفع لتأمين مادة المازوت فحسب، بالإضافة إلى مشاكل العمالة والقدرة على تأمين مواقع مناسبة للعمل إضافة إلى ضعف الإجراءات والسياسات الحكومية المتبعة لمعالجة آثار الأزمة، والتي اعتمدت طريقة الحلول الإسعافية بدلاً من إيجاد نوع من التدابير والإجراءات المتكاملة والكفيلة بإنعاش هذا القطاع.

وبحسب الرحمن، فإن الوعود الوردية التي أعلنت عنها الحكومة عبر وسائل الإعلام لم تنفذ وكان أهمها تعويض نسبة 10% للمنشآت الصناعية المتضررة والخاسرة وجدولة الديون المترتبة وإعفائها من الفوائد في حال التسديد خلال فترة معينة.

 

غرفة صناعة دمشق لا تملك إحصائيات...

في الوقت الذي يدعو به رئيس غرفة صناعة دمشق سامر الدبس إلى تنفيذ توصيات المؤتمر الصناعي التي وصفها بالبسيطة، وخاصة ما يتعلق بإعفاء أصحاب المنشآت الصناعية من الضرائب والرسوم بما يسمح لهم بالعودة التدريجية لنشاطهم الإنتاجي، نجد أن الغرفة لا تملك أي إحصائيات عن عدد هذه المنشآت.

أما الإحصائيات الصادرة عن وزارة الصناعة والتي تمكّنت "الأيام" من الحصول عليها فقد بلغت خسائر القطاع الصناعي الخاص 295 مليار ليرة في (حلب 239 مليار، 2.5 مليار في حماه، 3 مليار في حمص، الباقي في دمشق وريفها) ناجم عن التدمير الكلي أو الجزئي لمنشآته ومعامله.

وبحسب التقرير فقد دمرت الحرب أكثر من 1500 منشأة صناعية خاصة في حين تعمل 4000 منشأة في حلب من أصل 40 ألف صناعية وحرفية حيث بلغت نسبة المنشآت الحرفية التي تعرضت للتخريب 70% .

 

لا نية للمالية تمديد الإعفاءات

يبدو أن الحكومة لا تريد الوقوع في ذات المطب الذي وقعت فيه عندما طبقت رسم الإنفاق الاستهلاكي، إذ كان يصب في جيوب المكلفين بدلاً من خزينة الدولة بحسب ما أكده مصدر مسؤول من وزارة المالية في تصريح لـ "الأيام" مؤكداً عدم وجود أي مشروع حالياً في وزارة المالية لمنح إعفاءات خاصة للصناعيين، علماً بأن ملف الصناعيين يبحث ويتابع بشكل دوري في رئاسة مجلس الوزراء، وهناك اهتمام عال في هذا الملف، خاصة معالجة أوضاع الصناعيين المتضررين خلال سنوات الحرب، وذلك عبر تعرض منشآتهم لأعمال التدمير والتخريب أو السرقة، وأن الحكومة تعمل على منح كل التسهيلات الممكنة للصناعيين كونهم شركاء في دعم وتنشيط الاقتصاد الوطني.

وبحسب المصدر "ليس من العدل أن يتم إعفاء الصناعي من التكاليف المالية المترتبة عليه من رسوم وضرائب، بينما يلتزم الموظف في القطاع العام باقتطاع ضريبة الدخل منه كل شهر، وأنه لابد من التأكيد على أن هذه الواردات هي للخزينة العامة التي تمول مشروعات البنية التحتية، والخدمات التي يحتاجها المواطن والصناعي والتاجر وكل شرائح المجتمع، علماً أنه تم صدور إعفاءات خاصة من الضرائب للصناعيين في المناطق المتضررة في مختلف المحافظات السورية".

اعتراضات من دون جدوى ...

اعتراضات كثيرة من قبل الصناعيين متعلقة بالضرائب لكنها لم ترق للإدارة الضريبية، فردت على معظم تلك المطالبات بالرفض لعدم وجود أي مسوّغ للموافقة عليها بحسب رأيهم، علماً أن المهندس فارس الشهابي رئيس اتحاد غرف الصناعة السورية اعتبر تلك المطالب مشجعة لعودة عجلة الإنتاج الصناعي ونوعاً من الدعم الحكومي للصناعيين.

وكان الشهابي كشف في تصريح له خلال المؤتمر الصناعي الثالث الذي عقد في حلب، عن أهم التوصيات التي خرج بها المؤتمر، وهي: الإعفاء من الفوائد والغرامات للمكلفين، وتقسيط الضرائب من دون الفوائد والغرامات بالنسبة للمنشآت في المناطق المتضررة، وتخفيض نسب الشرائح الضريبية للأرباح الصافية وفق المادة 16 من القانون 24 لعام 2003 والمعدلة بالمادة 3 من المرسوم 51 لعام 2006، وضرورة تخفيض الإقراض لما دون 7% لتنشيط حركة الإقراض لإصلاح وتشغيل المنشآت.

وأشار الشهابي إلى جملة التوصيات التي تتعلق بوزارة المالية أيضاً وهي: التنسيق مع الجهاز المركزي للرقابة المالية على ضرورة عدم الرجوع إلى المكلفين على الضريبة في حال كان التكليف قطعياً وذلك حسب ما نص عليه قانون الدخل، والإعفاء من الغرامة المفروضة على عدم تصديق الوثائق التجارية من القنصليات السورية في البلدان التي لا يوجد فيها سفارات أو قنصليات سورية، وإعداد قانون جديد لجدولة القروض المتعثرة وتعويم الدين.

 

القرار يشمل محافظات محدودة...

أغلبية المعامل التي بدأت تتعافى هي معامل أعادت إنتاج نفسها بقدراتٍ وأيدٍ وخبراتٍ وطنية. ومع تعافي هذه المعامل يتقبل الصناعيين على مضض الأعباء المالية المتراكمة التي تنعكس على تكاليف الإنتاج.

 يبيّن مدير الهيئة العامة للضرائب والرسوم عبد الكريم الحسين في تصريح لـ "الأيام"، عدم وجود شروط محددة لإعفاء المنشآت المتضررة من الضرائب، مشيراً إلى أن القرار 19 لعام 2019، لا يشمل جميع المحافظات في الوقت الراهن، بل يطبق على ريف حلب، ريف حماه، إدلب، الرقة لأنها مناطق خارج سيطرة الدولة.

لافتاً لعدم وجود رقم دقيق حول المنشآت التي تم إعفاؤها حالياً، ولكن جميع المناطق المحررة من قبل الجيش مطالَبة بدفع الضرائب المتراكمة عليها.

ويكشف الحسين، عن بعض المخالفات المذهلة على حد وصفه بهذا الخصوص ضاربا كمثال "محل" رقم أعماله المسجل لا يتجاوز 9 ملايين ليرة في حين أن أرباحه فلكية، وبعض التجار الذين يملكون مستودعات كبيرة في الريف ليس لها قيود مالية ويبيعون بالملايين، مشيراً إلى أن هؤلاء لا يستطيعون الاستفادة من مراسيم الإعفاءات والغرامات والفوائد والجزاءات نتيجة التواري عن التسجيل لدى المالية.

 

خطوة إيجابية...

إعفاء المناطق الصناعية المتضررة والمتوقفة بسبب الحرب من الضرائب المالية والرسوم خطوة إيجابية بالاتجاه الصحيح بحسب د حسن حزوري "أستاذ الاقتصاد في جامعة حلب" مؤكداً في تصريحه لـ "الأيام" أن تنفيذ القرار ينعكس إيجابا على القطاعات الإنتاجية ولاسيما القطاع الصناعي في حلب... فإذا كنا نريد لعجلة الإنتاج أن تدور، فعلينا أن نمهل الصناعي والمنتج الحرفي حتى يعيد ترميم منشآته أو يعيد بناءها، وبعد دوران عملية الإنتاج نطالبه بدفع التزاماته تجاه الدولة، ولذلك القرار هو خطوة بالاتجاه الصحيح.

ويضيف: "من وجهة نظري يجب أن يستكمل بعدد من الإجراءات الأخرى حتى تدور عجلة الاقتصاد السوري بشكل عام والصناعي بشكل خاص...

ويرى حزوري أن منح تسهيلات ائتمانية للصناعيين ولكل منشاة إنتاجية لإعادة البناء أو الترميم، بقصد تشغيل المصانع وتخفيض فوائد القروض إلى ٧% أو ما دون ولمدد زمنية بين ٥ و ١٠سنوات، وإحداث صندوق إقراض وطني وهذا ما طالب به المؤتمر الصناعي الثالث الذي عقد في حلب، وكذلك اعتماد أصل الدين للقروض المصرفية والإعفاء من الفوائد للمعامل المتوقفة عن الإنتاج والإسراع بإحداث هيئة ضمان القروض، وإحداث صندوق إقراض وطني بفوائد تشجيعية لا تزيد عن 7% .

 

تحريض النمو الاقتصادي ...

يشير دكتور الاقتصاد في جامعة حلب إلى أن تشجيع المصارف الإسلامية على تمويل القطاع الصناعي، من خلال صيغ التمويل المختلفة التي تتلاءم والوضع الراهن للمنشآت الصناعية وعدم الاكتفاء بصيغ المرابحة السائدة حاليا... فعليها اللجوء إلى الاستئجار التمويلي وصيغ المشاركات والمضاربة، والمعلوم أن تخفيض تكلفة التمويل سيؤدي إلى تخفيض تكلفة المنتج وبالتالي تخفيض أسعار المستهلك مما يخفف من التضخم وينشط الاستهلاك ويزيد الطلب، ويدفع عملية الإنتاج إلى الأمام وهذا يعني موارد للخزينة العامة نتيجة الرسوم والضرائب بعد إقلاع العملية الإنتاجية...

 

أخيراً...

وفي النهاية إن الخلل في النظام الضريبي موجود، والمشكلة أنه لا يتم أخذ حالات ودراسة كيفية تطبيقها على الواقع، وبشكل فعلي بما يتيح المنفعة للطرفين، فهناك الكثير من التشريعات غير القابلة للتطبيق والدليل أن كل الفعاليات التي تعمل في الأسواق صناعة أو تجارة أو استيراداً أو سياحة... لا تستطيع أن تطبق هذه التشريعات، ما يعني أن هناك مشكلة وخللاً واضحاً في التشريعات إذا كانت الحرب... لذلك لا بد أن نقول أنه إذا تمكنت الحرب من وضع العصي في عجلات عربة النمو الاقتصادي، فلا بد من وضع حصان قوي أمام تلك العربة قادر على جرها وإعادة دوران عجلاتها، وليس ذلك الحصان إلا القطاع الصناعي الذي أثبت التاريخ التنموي في جميع البلدان المتقدمة اقتصادياً بأنه القاطرة الحقيقية للتنمية الشاملة.


Facebook Google Plus Twitter LinkedIn
Top
نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط لتحسين موقعنا. بتصفحك هذا الموقع أنت توافق على ذلك. إذا لم توافق، فرجاء غادر هذا الموقع.. More details…