14 نيسان 2019

منذ ألفي سنة، أو أكثر صاغ الرواقيون مبدأهم في اليونان القديمة "الإنسان مواطن العالم"، وفيه تجاوزوا الهوة بين الطوائف، والأعراق، وغيرها مما يُفرق بين البشر، أي أنهم تجاوزوا في تفكيرهم حتى زمننا الآن، وذلك عندما دعوا كل إنسان لتحقيق إنسانية مشتركة... فإذا كان الفيلسوف الرواقي، يجسد في تفكيره، ورغم كل العوائق التي كانت ماثلة في ذلك الزمان، الكرامة المشتركة لكل إنسان في هذا الكون، غير أن الرواقية مع الأسف بقيت بلا غد...!

وأما أسباب هذا التقهقر، فيذكر الكاتب الفرنسي جان إيف لوبيتال -المتخصص بالتصوف الإسلامي- أنها تكمن في تغلّب فكرة التراتبية على المساواة، والمنافسة بين الحضارات على مبدأ التكامل والحوار فيما بينها، وحتى عندما ظهر التوحيد، فقد احتكر "الحقيقة" لنفسه، فكانت أن حدثت "صليبيات" متعددة فيما بينها، مع أنهم جميعاً كما يذكرون يعبدون إلهاً واحداً، وكأن الإنسان الكوني لم يأتِ، فلا تزال تكرّس القوة على الضعيف، ولايزال هناك شمال وجنوب، وشرق وغرب، الأمر الذي يحاول أن يختزل الغنى الثقافي وتنوعه...!

وهنا ثمة "جدلية" يُشير إليها لوبيتال، وهي هذه الحركة المزدوجة... إذ كيف للإنسان أن يكون عالمياً من دون أن يفقد خصوصيته، فنحن حساسون للتنوع، ومع ذلك نتوق للوحدة...؟!

منذ أول القرن الماضي نشأ مارد الاقتصاد، وها هو يتجاوز بسلطانه كل الحدود، ومنذ ذلك الوقت الغرب ينتصر على الشرق، والعدوانية تنتصر على الفكر التأملي، ومع أن جان إيف لوبيتال يؤكد أن سوء الفهم سيتفاقم، وذلك لأننا أمام فكر غربي لا يستسيغ الدين، أمام فكر متديّن آخر على الطرف المقابل. مع أن "مالرو" تحدث ذات مرة عن إمكانية روحانية القرن الحالي، غير أن العقل العالمي على طرفي البحر هو الذي يوفر الحكمة التي تقرّب بين الشعوب، هنا لابد للفكر الغربي من التواضع، ولابد للفكر الإسلامي من التنوع وقبوله الآخر، وحسب ابن سينا: "فالناس حقل إمكاني، وكذلك النص..." فيما يؤكد أدونيس: "إن النصوص ليست نفقاً، بل هي أفق مفتوح على كل التساؤلات..."، وثمة عالم صوفي إسلامي كان يردد: "أفتح نوافذي لكل رياح العالم، من دون أن أسمح لها أن تقتلعني من جذوري...!!"


Facebook Google Plus Twitter LinkedIn
Top
نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط لتحسين موقعنا. بتصفحك هذا الموقع أنت توافق على ذلك. إذا لم توافق، فرجاء غادر هذا الموقع.. More details…