09 آذار 2019

انهالت السهام على المسكين نزار علي بدر من طرفي النزاع، لأنه ببساطة استعاد خطابا إنسانيا في بلاد لم يعد فيها أثر للإنسانية... في بلاد نزفت إنسانيتها من جروح أدمت الأرواح وثقبت الأجساد فحولتها إلى أقفاص تحبس لكنها لا تستطيع أن تمنع تسرب شمس يوم جديد.

 مشكلته بالنسبة لهم أنه لم يؤدلج خطابه ومنجزه بما يكفي ليقطع الشك باليقين، فتمت محاكمة عمله الممتع والبسيط بسيف إحدى محكمتين: إما شرعية أو بوليسية.

الموالاة لاموا الرجل على ظهوره على قناة تعود لبلد أدمى السوريين، وأن بكاء طاقم عمل البرنامج ليس إلا تطهرا مكشوفا من ذنوب تنوء بحملها الجبال...

 طيب هل تكون الرسالة أقوى إن خرجت على قناة سورية أو حتى موالية لسورية؟

إن الحوار شيء والمونولوج شيء مختلف تماما.

أما هجوم المعارضة فكان أشرس، وقد سبق أن اختبرنا نحن المقيمين في الداخل السوري محاولات الإلغاء والإقصاء تجاه أي عمل فني يخرج من سورية، لأنهم يعرفون التأثير الخارق الذي يتشكل تجاه منجز في بلد يعاني الحصار، خاصة إذا ما كان العمل ذا توجه إنساني بعيدا عن الإقصاء والاستقطاب.

مما رمي به الرجل غير التهم السياسية، أنه لا يمت للفن بصلة لأن الفنان الحق لا يحمل السلاح وقد اكتشفوا أدلة إدانته وهو يرتدي بنطلونا مموها...

لن نبحث في ميكانيكية الربط، لكننا نكتفي بإيراد أسماء بعض المبدعين الذين حملوا السلاح دفاعا عن قضيتهم مثل رينيه شار الفرنسي، وعز الدين المناصرة الفلسطيني...

وبعد...  كفوا عن خلع أذرعنا وأنتم تتجاذبون أي منجز سوري... أليس من خادمة ترأف بالوليد السوري؟ بسوريتنا التي تتسع لنا جميعا.

02 آذار 2019

في تصنيفه للحواس اعتبر "ديدرو" ( 1713 ـ 1784م) أنَّ الشمّ هو حاسة الرغبة، هذه الملاحظة تفسر انحيازي للعناق الأول كأجمل بداية للحب، فرائحة الآخر أفيون الذاكرة في مواسم القسوة، وهذه الملاحظةٌ تفسر أيضا الضغينة التي أضمرها لـ "اوغستو بينوشيه" -ديكتاتور تشيلي- الذي قذف بالعم "سانشو" إلى شوارع باريس ليغدو أفضل مدرب لرقصة الفالس وغريمي في آن، إذ ما من عناق أول إلا وكان هو يسابقني إليه، ليس من باب السطو على أحلامي بقدر ما هو بدافع الجاذب الذي كان يتمتع به، جاذب هو مزيج من التبغ وخمر "الروم" والانكسار المشوب بالتحدي الذي تتركه الديكتاتوريات في عيون ضحاياها.

في الحقيقة، لم يكن "المعلم سانشو" غريمي لوحدي، وإنما لثلة من أصدقاء لي، قادهم حظهم العاثر لأنَّ يكون هو معلمهم، وجميعنا كنّا نلقى الضنى لنقنع بعض جميلات "السوربون" ليكنّ شركاءنا في الرقص أملاً بعناق يكون فاتحةً لحبًّ عاثر، لكنهنَّ ما أن يلمحنَّ "المعلم سانشو" حتى يتنافسنَ على الرقص بين ذراعيه كغيمة في حضن فهد مُسن، ويتركننا نتضرع للنيزك.

عشية وفاة الديكتاتور بينوشيه ـ في العاشر من كانون الأول 2006 ـ قرر "المعلم سانشو" العودة إلى تشيلي، وفي حفل الوداع ـ الذي اقتصر على الذكور من تلامذته ـ كشف لنا عن السرّ الذي يجعل من راقص الفالس محطَّ رغبة في العناق لدى نساء الأرض قاطبة: "ما من شبيه للفالس إلا الأوطان، كلّما كرّست طاقتك لخدمتها كلما وجدتها بين ذراعيك... أتقنوا الفالس بروحكم تهفوا النساء إليكم، فالنساء كما الأوطان لا يستجبن إلا لنداء الدم الذي يرقص على إيقاع الرغبة في العناق، كلّ عناق بلا رغبة هو اغتصاب واسألوا الديكتاتوريات".

في أيلول 2009 دخل "المعلم سانشو" في عناق أبدي مع الأرض التي أحب، على شاهدة قبره نُقشت أبيات للماغوط، أبيات تقول:

"في دمي رقصة الفالس

وفي عظامي عويل كربلاء

وما من قوة في العالم

ترغمني على محبة ما لا أحب

وكراهية ما لا أكره

ما دام هناك

تبغٌ وثقابٌ وشوارع"... اليوم... وغدا ... وحتى آخر الأيام .


Top
نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط لتحسين موقعنا. بتصفحك هذا الموقع أنت توافق على ذلك. إذا لم توافق، فرجاء غادر هذا الموقع.. More details…