25 شباط 2018

انا ضيف على « الأيام » ... بدعوة من الصديق الأستاذ علي حسون.. لطالما أحببت اسم الأيام منذ تيسر لي قراءة شيء من أيام طه حسين،  ومن  أيام المرحوم نصوح بابيل اليومية الدمشقية..  كنا نقرأ عناوين الصحف من واجهات العرض للمكتبات.. فمن أين لنا بثمن جريدة ؟.

مرت بنا الأيام تقلبنا على صفحات من ورق. وقد وقعت في الهوى..

ذات يوم خرجت بعشرة قروش سورية «فرنكين» و قصدت دكان محمود زروف شديد القرب إلى بيتنا ناوياً على بعض المشبّك الجميل الغارق بالقطر .. زان محمود المشبّك «100 غرام» على ورقة اجتثها من دفتر مستعمل. كنت أهوى ما أقرأه على صفحات الدفاتر و الكتب القديمة بعد أن تتحول إلى ورقة صرّ لشهواتنا. و إذ أنا أمارس تلك الهواية تسلّل قطر المشبّك إلى الأسطر المكتوبة فتحلّل حبرها و صَعُب استيضاح كلماتها.. انتهت قطعة المشبّك و أنا أحاول تلمس الكلمات الذائبة بالقطر ... مرّ جارنا و هو صديق لأبي .. فرآني أتفرس الورقة الملوثة بالقطر . لم يسألني عن شيء ، فقط نظر إلي بقليل من التأمل وذهب لوالدي و أخبره أنه ضبطني أقبض على ورقة مرميّة على باب الدكان لألحس القطر العالق عليها.

من يومها أصبت بهوى الورق.. وما زلت..  نصف قرن سلختها من عمري ونسختها على ورق الجرائد ... وألّفت كتاباً قيّماً بعنوان «أعمدة من ورق» صدر عن الهيئة العامة للكتاب في سورية.

اليوم وأنا متقاعد.. ويبحث المتقاعد عمن  يتذكره .. أعترف أن أكثر من صديق تذكّرني و دعاني للكتابة في صحيفة إلكترونية.. اعتذرت قبل أن أسأل كم تدفعون.. ؟

أما أنّ الدعوة على ورق فأنا أسقط في الهوى .. هذه مجرد خاطرة تقديمية تعريفية .. فإن تم و استمر الوصال ، آمل أن تقابلونني بأفكار أغنى .. على صفحات الأيام.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أسعد عبود

مقالات ذات صلة:

18 شباط 2018

في الحرب ، يحدث أنْ تعلن الحرب براءتها من الخراب، يحدث أن تصرخ في وجه الجميع: "أنا لم أجلب الدمار... أنا فقط من كشفَ عنه "،

في الحرب ، في أول أيامها، يحدث أنْ يتبادل أصحاب الرؤوس الحامية إطلاق التُهم الفراغية و الرصاص. أما أصحاب الرؤوس الباردة، فيكتفون بعدّ الجثث، تصنيف المشتبكين ومراقبة سعر الصرف، في حين يردد العقلاء عبارة الشاعر الألماني هاينه: " نادراً ما فهمتكم و نادراً ما فهمتموني، ولكن عندما نسقط في الوحل سنتفاهم بسرعة ".

في الحرب، في آخر أيامها، يصبح التباكي على الخراب أحد مقاييس الوطنية، بينما يصبح الاستثمار فيه مُتاحا لفريقين: الأول بقي في الوطن واستثمر بجوع أهله و دم أبطاله، و الثاني عاد إليه بعدما استثمر بمأساته وثمّر ما سرقه من أمواله.

بين هذين الفريقين يقف فريق من الحيارى وهم يرددون " شكرا للوحل الذي أوقعتمونا فيه، فبفضله صرنا ندرك أن وقت التفاهم معكم قد فات"،

وعلى مقربة من هؤلاء يجثو محمد الماغوط الطفل مُنقباً عما بقي من وحل تحت أظافره ليأكله، ويصيح " لقد أخذت حصتي منك يا وطن".

في آخر الحرب ، آخر الأيام، يصيح المُثقَّف:" أنا في القاع"، فتجيبه البلاد " انظر إلى يمينك ... تراني ".

في آخر الحرب ، آخر الأيام، ، يصبح اليقين حجراّ لتبدأ العقول الناجية بحزم الحقائب و الرحيل، آخذة بنصيحة الإمام الشافعي "من ذلّ بين أهاليه ببلدته، فالاغتراب له من أحسن الخُلق".

ربما كانت عبارة "العقول التي تحزم الحقائب" عبارة  مؤلمة، لكن ما يشفع للعبارات المؤلمة هو أنّها ـ بحسب الفيلسوف الفرنسي دينيس ديدروـ تشبه  المسامير الحادة في قدرتها على فرض الحقيقة على ذاكرتنا،

نعم، إنهم يحزمون الحقائب،

إنهم يرحلون،

إنها "آخر الأيام".

عصام التكروري

الصفحة 26 من 26
Top
نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط لتحسين موقعنا. بتصفحك هذا الموقع أنت توافق على ذلك. إذا لم توافق، فرجاء غادر هذا الموقع.. More details…