25 تشرين2 2018

في دلالة على القطيعة مع حقبة السّكير يلتسن ،كان أول ما فعله الرئيس بوتين لبعث الأمة الروسية من حطام البروسترويكا و إذلال الغرب هو إعادته الحليب و الزبدة إلى وجبة الطفل الروسي عبر برامج دعم الأسرة التي رأى فيها قاطرة الانتقال من دولة مُدَمَّرة إلى دولة عظمى. تاريخياً ، كانت برامج دعم الأسرة الخطوة الأولى في إعادة إعمار الدول التي دمّرتها الحروب و التجربة الأوروبية ( تجربة بسمارك تحديداً) خير دليل حيث آمن صنّاع القرار بأنَّ صناعة العقول و الحدّ من مستوى الإجرام يبدأ من طفولة سويّة تولد من برامج دعم الأسرة ماديا و نفسيا بشكل يمكّنها من صناعة جيل شاب يبعد عن أوروبا تهمة « القارة العجوز».. في تعاطيها مع الطفولة مازالت الدولُ « النامية « ترى أنَّ الأرضَ لا يضيرها «نمو» المقابر سواء كان سكّانها أطفالاً أو ضحايا لأطفال كنت طفولتهم فصلاً من الجحيم، من هنا فإن برامجها المُعدة لحماية الطفولة تقتصر على تقديم اللقاح و علاج المرضى و دفن الموتى، و ما عدا ذلك فهو يخضع لقاعدة « الإنتقاء الطبيعي «، و النتيجة أنه بوصوله لسن الرشد يكون الطفل قد تشبّع بقاعدة « إن لم تكن ذئباً أكلتك الكلاب»، لتبدأ بعدها مسيرة النهش في جسد المجتمع و الدولة فكيف الحال إذا كنّا أمام جيل من الأطفال نشأ في ظل حرب كالحرب السوريّة، أطفال رؤوا النور في مخيمات اللجوء و مراكز الإيواء ، و تنقلوا ما بين الملاجئ و المنافي ، زحفوا على الحصى و الطين و بين أفخاذهم تحوَّلت أكياس الإغاثة إلى فوط ، سفَّوا التراب و ابتلعوا النمل لقلة وجبات الخبز و الشاي ، وحدهم المحظوظون الذين بدؤوا «بعضضة « الشحاطات البلاستيكية قبل أن يجفَّ حليب الأم، فتلك إشارة على بداية نمو أسنان ستعضُّ على حياة يبدأها « الطفل « شحّاذا بالوكالة ، و من ثم  بالأصالة على الإشارات الضوئية، ليرتقي بعدها أجيرا في «نكش القمامة»، و من ثم ضمّاناً لعدد من الحاويات ، قبل أن تستقطبه شبكات الإجرام ليجد مكانه في دورة العنف اللاحقة ... الخراب يتسع للجميع.. طوابير الأطفال الذين كانوا يشترون المازوت بعبوات الكولا الكبيرة كانت من ضمن القشّ الذي أشعلَ الفتنة في سورية، إعادة الإعمار تبدأ بدعم الأسرة  اليوم و غداً و حتى آخر الأيام.

عصام التكروري


 
28 تشرين1 2018

هل اليابان كوكب فوق أرضي أم أننا أسرى فضاء ضيق وخانق، فنرى المثالي استثنائيا، والمكتمل ماردا؟

المفارقة انبثقت من المقارنة فيما بيننا، بعد زيارة سريعة لهيروشيما للاطلاع على تجربة المدينة المنكوبة في التعافي وإعادة الإعمار.

بالمعنى الحرفي للكلمة، سويت المدينة بالأرض، تفحمت أجساد مائة وأربعين ألفا في مركز المدينة في ثانية، أما الأبعد فكانت ميتتهم أفظع وأبشع، وقد شاهدوا لحمهم يسقط سائلا عن عظامهم بسبب الموجة الثانية من الحرارة الحارقة، أما الدفعات اللاحقة من الضحايا فكانوا بدورهم يعدون بمئات الآلاف وعلى مدى أجيال بسبب المطر الأسود الذي أعاد زرع السم في الأرض والهواء...

قامت المدينة من تحت الأنقاض، لكن الأهم أن ساكنيها تحرروا من الضغينة وانشغلوا ببناء مستقبلهم.

التقيت بناجين تساموا على آلامهم، مع أنهم ظلوا صدفة على قيد الحياة بعد أن فقدوا كل شيء (مأوى وأهل وزاد ومال وصحة...)، والحق أنني لم أستغرب فقط... بل أكاد أقول إنني استنكرت كيف لشاهد عيان أن يغمض عينيه عن جريمة روعت الإنسانية...

وكان الجواب أن هؤلاء لم يتعافوا بكبسة زر، لكن تيار التسامح كان من القوة والتواتر والتدفق أنه وضعهم أمام خيارين: إما أن يغرقهم إلى قاعه أو يسبحون معه إلى أمام.

بدأ ضخ التيار في المدارس والمطبوعات والإعلام، ما يعني أن للدولة هدفا واضحا وخطة مدروسة أتت أكلها بعد جيلين، حتى بات الثأريون أو الساموراي القدامى أقلية مرفوضة وفي أحيان مدانة.

طيب تعالوا ننظر إلى مستقبلنا بعد جيلين.

ماذا نغرس وماذا سنحصد؟

يفترض أن المناهج المدرسية الجديدة في سورية تتجنب التلقين وتعتمد التفاعلية بما يتيح للطلبة الابتكار والتعبير الحر عن الذات، وهو أفق يصادره الكادر التدريسي المحافظ، فعلى سبيل المثال؛ تفرض المعلمة على تلاميذها إجابة وحيدة على سؤالين متناقضين، عمّا عليهم أن يفعلوا عندما يشعرون بالفرح أو بالغضب، هل عليهم أن يتوضؤوا ويفرشوا سجادة الصلاة ليبتهلوا شكرا أو طلبا للثأر بركعتين.

مثال يمكننا أن نقيس عليه طبيعة التيار الذي سيسود ويحاصر المختلف بعد عقدين.

اليابان ليس كوكبا، لكننا مستمرون في إعادة اختراع العجلة.

ديانا جبور


 

Top
نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط لتحسين موقعنا. بتصفحك هذا الموقع أنت توافق على ذلك. إذا لم توافق، فرجاء غادر هذا الموقع.. More details…