09 كانون1 2018

بخطى حثيثة تسير تونس باتجاه المساواة بين الرجل والمرأة، لكن الخطوة الأحدث، أي إقرار تساويهما في الإرث قد تثير أعنف الردود وأوسعها، لأنها ببساطة تهدد التفوق الذكوري المستمد من السطوة الاقتصادية والهيمنة المالية.

ردود الأفعال تجاوزت الحلقة التونسية الوطنية، إلى ما جاورها عملا من أمصار وأقطار الأمة الإسلامية... ردود تجاوزت بمجملها حدود النقد إلى إقامة الحد بسبب التكفير، عملا بمبدأ أن لا فتوى في مورد النص.

والنص « لطبقة الكهنوت» لا يشمل فقط القرآن الكريم والسنة الصحيحة، بل يضيف الإجماع الثابت على شرح أو تأويل ما للنص كان -بالضرورة- محكوما بظرفه التاريخي وأفقه المعرفي، إن لم نقل مستظلا بمنظومة قيم ومصالح أو ما نسميه بلغتنا المعاصرة هيمنة الإيديولوجيا والدور السياسي في الإطارين التكتيكي والاستراتيجي...

إن ما تعارف عليه العلماء من تفسير لنص أن «للذكر مثل حظ الأنثيين»، من أنه يعني أن الذكر يرث ضعفي ما ترثه الأنثى، يأوله بشكل مختلف باحث مجدد ومجل من وزن الدكتور محمد شحرور، إذ يرى أن المراد هنا التأكيد على التساوي في الحصص ما بين نصيب الذكر والإناث إن كان عددهن إثنين، وأن سبحانه لو أراد المعنى المتعارف عليه والذي طبقناه على مدى قرون لقال: للذكر مثلا حظ الأنثيين..

إن الاحتماء بإجماع العلماء على تفسير محدد أنجز قبل مئات السنين لنص يبدو للوهلة الأولى أنه أحادي المعنى، يعني أن نبقى أسيري الركود والسلفية، ولاحقا الانقراض لأن أمة لا تجدد نفسها تنتهي إلى الذبول والاندحار...

ثم أين يكون الاجتهاد؟ ألا ينبغي أن يكون هناك نص نتبارى على تفسيره بما هو أقرب إلى العقل والمنطق وأكثر استجابة لتحديات العصر.

ديانا جبور


   
02 كانون1 2018

بعد أن فشل عدة مرات في قتل نفسه، أمر خادمه أن ينفذ المهمة، وبينما كان يتضرج بدمائه رفع ناظريه إلى السماء صارخاً: «أي فنان سيخسر هذا العالم برحيلي»، وقيل إن علامات الرضا اعترت وجهه حينما ألقى الخادم/ القاتل سكينه وشرع بالتصفيق. حدث ذلك في عام 68 م بعد مرور أربع سنوات على إحراقه روما ليس انتقاماً من جمالها وإنما رغبة منه في استعادة المشهد المسرحي الذي يصف فيه هوميروس حريق طروادة، ليتطاير رماد روما على أنغام قيثارته. كان نيرون (37 ـ 68 م) مسكونا بفكرة أنه ممثل، ومغني وعازف لا يشق له غبار، لذلك فقد جنّد خمسة آلاف فارس وجندي من الجيش الروماني، وأدخلهم إلى مدرسة خاصة لتعليم أصول التصفيق، وكانت مهمتهم الوحيدة هي مرافقته إلى مسارح اليونان، والتصفيق له حتى يبرر للجمهور إقدام لجان التحكيم ـ التي كان يُشكلها بنفسه ـ على منحه جوائزها من دون أن يكون بينهم رجل قادر على أن يصيح « الملك عارٍ يا سادة «. جوائز كانت تتولى كتيبة المصفقين حملها والطواف بها في شوارع روما، إنها ...» النيرونية الفكرية»!!

المتتبع للمشهد الثقافي العالمي يلحظ وجود «النيرونية الفكرية» في كل المحافل الثقافية بشكل يدفعنا للقول إن ما من جائزة بريئة بالمطلق، لكن الجوائز تكون حتماً مشبوهة عندما تُمنح من لجان تحكيم يكون أعضاؤها باهتين إبداعياً، ومعينون سلفاً لتلميع أسماء تُطرب طرشان الأدب، والفن والإعلام عبر جوائز تُمنح غالباً لثلة من مجهولي النسب الفكري، كل هذا يُحتمل! لكن الأمر الذي بات «يميز» المشهد الثقافي السوري هو أنّ الغالبية الساحقة من رموزه المشهود لها بالإبداع، والناجية من « النيرونية الفكرية « الرسمية باتت متواطئة معها، في عزوفها عن التصفيق للمواهب الحقيقية، وكأنهم ـ عن قصد أو مباهاة ـ يريدون قولبة المبدع الشاب بقالب المريد أو «الرديد» في حلقات زار تكرسهم «آخر ملوك الإبداع» بدل أن يكونوا «سفينة نوح» تضمن خلود الإبداع السوري وإبداعهم ضمناً.

 التصفيق للمبدعين الصاعدين ـ الذين غالباً ما يكونون ضحايا «النيرونية الفكرية» الرسمية ـ يحتاج للقليل من النُبل وللكثير من الحكمة كي يستمر نسل الإبداع اليوم وغدا وحتى آخر الأيام.

عصام التكروري


 

Top
نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط لتحسين موقعنا. بتصفحك هذا الموقع أنت توافق على ذلك. إذا لم توافق، فرجاء غادر هذا الموقع.. More details…