06 كانون2 2019

أكثر ما يثير دهشتي في الفنون أنَّ القائمين على تصنيفها، من كانط إلى سوريو مرورا بهيغل، لم يعتبروا الإهانة فناً رغم أنها من أكثر الفنون حضوراً و تطوراً و مسّاً بالكرامة. مع بداية ظهوره على الأرض اكتفى الإنسان بـ «الشتيمة» للتعبير عن سخطه، لكنه اكتشف مع الزمن أنها لا تجدي مع خصمٍ أطرش، لذلك اخترع «الصفعة» ليكتشف لاحقاً محدودية استعمالها نظراً لاختلاف أحجام البشر، فضلاً عن المخاطر الناجمة عن استعمالها من مسافة قريبة، كذلك لم تُجدِه «البصقة» لأن البعض كان يعتقد أنها رذاذ من السماء، لذلك؛ و نظرا للحاجة «الإنسانية» المُلحة لإهانة الخصم في الحروب، فقد اخترع البشر سبي النساء والتمثيل بالجثث، إلى أن تم اختراع المسدس عندها اضطروا للاقتصاد في الإهانة تطبيقا لقاعدة «لا تهن رجلا يحمل مسدسا» قاعدة تم استنباطها ـ ربما ـ من عبارة مخترع المسدس صموئيل كولت (1839) الذي قال: «الآن يتساوى الشجاع مع الجبان».

مع الزمن، انتقل البشر إلى ممارسة «فن الإهانة» في فترات السلم فاخترعوا ما أستطيع تسميته بـ (الإهانة المؤسساتية) و التي تعني «تفريغ الحقوق من محتواها، عبر تجريد من تثبت لهم من وسائل ممارستها»، والأمثلة عليها كثيرة منها: ممارسة حرية التعبير من دون أن يكون للفكر معنى، الحق في الحياة مقابل ارتفاع نسبة الانتحار بسبب اليأس من مستقبل أفضل، الحق في التطوير والتحديث مقابل تصدي «الصدئ» لهذه المهمة، الحق في التعددية الحزبية مقابل الجمود العقائدي، الحق في الصحة مقابل ثلاجات فارغة إلا من الجليد، الحق في الشفافية مقابل مسؤولين لا يصرحون عن أملاكهم، حق الشعب في ممارسة السيادة عبر مجالس تمثيلية مقابل عجز ممثليه في الدفاع عن حقوقه، الحق في حرية التنقل مقابل غياب وسائله أو تهتك بنيته التحتية أو العجز عن دفع كلفته، الحق في توفر السلع مقابل انعدام القدرة الشرائية، واجب تطوير البحث العلمي مقابل «تطفيش» أصحاب العقول.

«الإهانة المؤسساتية» تنتشر اليوم بنسب متفاوتة في كل دول العالم، خطورتها أنها تُوجه لشعب بأكمله لذلك يردّها عبر تدمير المؤسسات التي وجهتها له، إما بإضعاف الثقة فيها (السترات الصفر نموذجا)، أو بتدميرها بكل الوسائل المُتاحة (الارتهان للخارج ضمنا)، «الإهانة المؤسساتية» تعني دمار الأوطان و لو بعد حين، العزّة لسورية اليوم وغدا وإلى آخر الأيام.

عصام التكروري

16 كانون1 2018

لا بأس.... كُلكم حزانى إذاً.... فها أنتم تسكبون الوقت في فناجين القهوة، وتطربون لبكائيات مظفر النواب وفراقيات ياس خضر، وتستعدون لهبوط وحي الإبداع فتصبحون شعراء وأدباء مشهورين، وفي أول حديث صحفي ستعلنون أنَّ الحزن هو الذي أوصلكم إلى ما صرتم إليه، هو الذي ألهمكم أفكاراً تسحُّ منها الدموع، وتقطر منها حبوب الصداع، وهو الذي زرع الحكمة في عقولكم بدليل اللمعة في عيونكم، واستهلاككم الزائد لمحارم «الكلينكس» ، قد يكون بعضكم صادقاً في حزنه لدرجة لم يلحظ معها بأنّ الإبداع القائم على الحزن المحض هو إبداع مُعاق، لأنه يتخذ من العاطفة البشرية الأكثر هشاشة هذه مدادا له، وقد يكون بعضكم ـوهم الأغلبية بتقديري-  ممن يتلحف بالكآبة كي لا تظهر عورة «موهبته»، التي لا تعرف إلا النشيج  ناسيا أو متناسيا بأنّ سَوقَ غربان الفقدان إلى روح الإنسان أمر لا يحتاج إلى موهبة استثنائية، لكون حياتنا قد رُكّبت على سلسلة لا تنتهي من الفقدان بدءا من فقدان الجنة، مرورا بفقدان رحم الأم وانتهاءً بحياة سنفقدها، بحكم الطواف الطبيعي لعزرائيل أو لكوارث لن يكون له يد فيها، لكن أكثر ما يثير الغيظ هو أنَّ الكثير من «حزانى الأدب» ليسوا حزينين إلا في كتاباتهم (كُثر هم في المشهد الثقافي السوري)، فهم يغرفون ما استطاعوا من مباهج الحياة، بإنفاقهم المال الذي حصّلوه من إغراقنا في بحر الدموع فـ «موهبتهم» أعجز من أن تجعلنا نبكي فرحاً، ليت «حزانى الأدب» ينتبهون إلى أنَّ تحذير محمود درويش من «قسوة الفرح عندما يخون»، لم تجعله يتقوقع في كتابات سوداوية، فموهبته الشعرية الملّونة كانت أرحب من تابوت اللون الأوحد فأطلق صيحته :»أدخل الفرح، وانفجر!»، وعبارة اندريه جيد «لا تُهيئ أفراحك»، لم تكن دعوة لمصاحبة الحزن فصاحب «السمفونية الرعوية» قد اختار لبطلتها «غيرتريد»، أن تموت فرحا لاستعادتها بصرها رغم ما اكتشفته بعد ذلك من نواقص هذا العالم .

عاقروا الفرح ما استطعتم إلى دنانه سبيلا، فهذا العالم محكوم عليه بألا يكتمل إلا بمزيد من النقصان... اليوم، وغداً وحتى آخر الأيام.

عصام التكروري

Top
نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط لتحسين موقعنا. بتصفحك هذا الموقع أنت توافق على ذلك. إذا لم توافق، فرجاء غادر هذا الموقع.. More details…