19 أيار 2019

الإعلام الرسمي رافعة الربيع العربي

إذا كان " الربيع العربي" قد دشن لحظة تدفق الطوفان، إلا أن تراكماته كانت تعود إلى عقود سبقته، وكان الإعلام الرسمي أحد المكونات التي أسهمت في تشكيل هذا المزاج العام ولا أقول الوعي العام، لغيابه...

في الوقت الذي انكمش فيه التفاعل بين وسائل الإعلام التقليدية والمتلقين إلى حدوده الدنيا، بل إن إلغاء هذا التفاعل ومن ثم ضرورة الاستجابة لما يتطلبه، تمدد حتى إلى برامج الترفيه بدءا من برنامج ما يطلبه الجمهور، إلى التصويت في برامج المسابقات، إلى المداخلات الحية في برامج الخدمات لما تسببه من  تصديع في الرأس وإعفاء لصغار الكسبة من معدين، وصولا إلى مدراء الفترات وربما القنوات من مناصبهم وامتيازاتهم... بهذا التوقيت، كانت وسائل التواصل الاجتماعي تحصد شعبية متمددة، لكن إتاحة فرصة التعبير أمام الجميع دون علم أو معرف، ودون الالتزام بأخلاق المهنة ومواثيقها، بل ودون لغة سليمة، قزمت الديمقراطية إلى مسخ شعبوي هدم كل الإيقونات والنماذج الملهمة، فانكمشت ديمقراطية التعبير كحق واع، أمام الشعبوية كأداء منفلت وغريزي، وهو ما أخاف أصحاب القلم والقامات، فتواروا مذعورين أمام دهماء كلمة الذين تسيدوا ساحات التعبير في وسائل التواصل الاجتماعي.

 بالتزامن مع تشكل هذه الظاهرة، كانت مؤسسات إعلامية صاعدة بقوة، ومسلحة بإمكانات كبيرة مالية وتقنية ومهنية، تدرب المدربين على تحويل جمهور المتلقين إلى صناع حدث، تحت عنوان بدا جذابا للجديين، أو طريفا للمستخفين، ألا وهو المواطن الصحفي.

لكم أن تتخيلوا حجم الرضا والامتلاء الذي يشعر به مواطن مهمل مركون وهو يرى شغل يديه متداولا على قنوات ومواقع إلكترونية... هذا المواطن الصحفي وبعد أن استبعد من حقه بطلب أغنية، صار مصدرا للمعلومة، ثم مصدرا وصانعا للحدث نفسه، فكم وجدنا من مظاهرات طيارة في بداية "الربيع" يتناوب فيها المواطنون على عمليات التصوير والهتاف أو الركوب على الأكتاف.

من أسف، لم تبادر إلى الآن المؤسسات الراسخة إلى الاستفادة من هذه التجربة، بالتوازي مع استبعاد (أو استقالة) النخب المهنية، أو الروحية، أو الفكرية عن رسم ميثاق شرف وضوابط تحمي الحياة المهنية والعامة من جحافل عامية، امتشقت الكاميرا وصالت وجالت على ساحات شاشات الكومبيوتر والأجهزة الذكية وصولا إلى القنوات الفضائية... وبذلك تتلاشى الايجابية الوحيدة للخطأ، أي تحويله إلى درس.


Facebook Google Plus Twitter LinkedIn
Top
نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط لتحسين موقعنا. بتصفحك هذا الموقع أنت توافق على ذلك. إذا لم توافق، فرجاء غادر هذا الموقع.. More details…