14 نيسان 2019

العلمانية في سورية: عنب العقل وناطور الانفعال

السجالات الحامية التي تشهدها وسائل التواصل الاجتماعي بين مؤيدي العلمانية ومعارضيها، باتت تجعل الكثير من الناس يتلمسون رقابهم خوفا من وصول أي منهما للسلطة. في البداية، يُصر العلمانيون أن ما شهدته سورية من قتل ودمار كان بسبب الأفكار الدينية المتطرفة التي سادت خلال العقود الماضية، في حين يؤكد المتدينون أن الدين من أصحابها براء، وبعدها يحمى الوطيس لينقسم المنخرطون به بين (متخلف) و(مرتد)، عندها يتدخل "الأوادم" ليذكّروا الجميع بأنهم مواطنون ليبدأ العلمانيون بالاستشهاد بالدين ليثبتوا وجهة نظرهم، وليستشهد المتدينون بنسبية أينشتاين، كلّه بانتظار "العلقة" القادمة.

السلطة الشرعية ـ بمفهومها السياسي أو الاجتماعي أو الروحي ـ لا تُكتسب إلا بالأفكار الناشئة عن استخدام العقل معرفياً، وتحديدا في التعاطي مع قضايا الشأن العام، هذا الاستخدام يبدأ باعتراف الجميع بمبدأ المواطنة المُكرس دستوريا، بوصفه الناظم للعلاقات بين الدولة ومواطنيها على اختلاف انتماءاتهم، هذا يستتبع حتما الفصل بين واجبات المواطن تجاه الدولة وواجباته تجاه الله، فهذا الفصل هو إحدى نتائج الاستخدام المعرفي للعقل.

بتقديري المشكلة لا تكمن في الدين أو العلمانية، كما أن الحل لن يكون بيد أحدهما، مشكلتنا تكمن في الاستخدام المعرفي للعقل من قبل المؤيدين لكلا الفكرتين، فمجتمعنا فقد الكثير لكن العقل هو أكثر ما يشتاق إليه، العقل الذي يُترجم مؤسساتياً عبر قوانين تحوُلُ دون أن يدعي البعض أن القانون الإلهي يمنحهم صلاحيات تجعلهم فوق القانون الوضعي المُصاغ بعقل جمعي، أو أن يدعي فريق آخر بأن العلمانية توجب إقصاء الدين، والعقلاء يدركون أن التطرف قد يكون وليد عقل متدين أو عقل علماني، فـ "ديدرو" كان يرى خلاص العالم بإعدام آخر ملك بأحشاء آخر رجل دين، و يدركون أيضا أن العلمانية وليدة مسار تاريخي يقوم على الإقناع لا على معاداة الأديان فعلمانية فرنسا بدأت عام 1789 و لن تنتهي بقانون 2004 الذي منع على الطلاب والمعلمين في المدارس العامة "ارتداء الملابس والرموز الدينية التي تسمح بالتعرف الفوري على انتماء صاحبها الديني"، والمقصود بها "الحجاب الإسلامي، أو القلنسوة اليهودية، أو الصليب المسيحي"، كما أن الاستخدام المعرفي للعقل -لا تقديس البقرـ هو من مكّن غاندي و أتباعه من جمع الهند.

في سورية، السجال بين العلمانية والدين يخفي أزمة هوية، لذلك لن يتم حسمه توافقيا إلا بفتح حوار جريء ونظيف، وبعيد عن الإيديولوجيات المُتسلطة، فوجود سورية هو اليوم على المِحك، سورية وطن الجميع اليوم وغدا... وحتى آخر الأيام...


 

Facebook Google Plus Twitter LinkedIn
Top
نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط لتحسين موقعنا. بتصفحك هذا الموقع أنت توافق على ذلك. إذا لم توافق، فرجاء غادر هذا الموقع.. More details…