لنتفق على أن تجربة الإعلام الميداني "الحربي" في سورية هي وليدة الأزمة التي تمر بها البلاد منذ ثمان سنوات، ولنتفق أيضا على أن هذا الشق من التجربة الإعلامية التي حاولت أن تلعب دوراً مضادا لماكينات الإعلام التي صوبت نحو سورية، اشتغل على نفسه بما تيسر من إمكانات، إلا أن الأمر لا يخلو من سلبيات تقتل أي بادرة للتطوير الذاتي من قبل العاملين في الإعلام الحربي خصوصاً، والإعلام السوري بشكل عام.

 

ثلاثة عقود على انتشار البث الفضائي، الذي شكّل تحدياً كبيراً وعائقاً أمام الإعلام السوري في تقديم وتصنيع نجوم إعلام مميزين، في حين قدّم في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي علامات فارقة (نجوماً) على مستوى المقروء، المسموع، والمرئي، سواء على الصعيد المحلي أو العربي.

سئم عشاق وجماهير الرياضة من واقع التعليق الذي يرافق نقل مباريات الدوري السوري، فأصبحت المفردات المستخدمة من قبل معلقي التلفزيون السوري دعابة يستخدمها الناس في أحاديثهم اليومية.

يرى جوزيف بوليتزرـ مؤسس أول كلّية للصّحافة في العالم ـ بأنَّ الصحافة القديرة "هي تلك التي تهتم بالصّالح العامّ، والمتمتّعة بعقول ذكيّة مُدرَّبة لمعرفة ما هو صائب، والتي تملك الشّجاعة لتحقيقه، بإمكانها المحافظة على الفضائل العامّة وذلك خلافا للصّحافة المتهكّمة التي تُشكّك في الفضائل البشريّة وتنتهي بإنتاج شعب خسيس مثلها".

إذا كان " الربيع العربي" قد دشن لحظة تدفق الطوفان، إلا أن تراكماته كانت تعود إلى عقود سبقته، وكان الإعلام الرسمي أحد المكونات التي أسهمت في تشكيل هذا المزاج العام ولا أقول الوعي العام، لغيابه...

ليس غريباً أن تجد خريجي كلية الإعلام حتى الأوائل منهم يعملون في محل للوجبات السريعة متخلّين عن مهنتهم الأساسية لأسباب شتى، في حين يتهافت آلاف آخرون غير أكاديميين للعمل في الوسط إما حباً للمهنة أو جرياً خلف الشهرة، فتجد الخريجين من كل الكليات الأدبية والهندسية وحتى الطبية يكتسحون وسائل الإعلام الرسمية والخاصة، فمنهم من تفوق بعد أن تشبع بقواعدها المهنية وطور إمكانياته، خاصة من امتلك ثقافة عالية إلى جانب ظهور بهي أو خامة صوتية وتحريرية وغيرها من المهارات، ومنهم من أساء إلى المهنة وقدم الإعلام السوري على أنه مسخ مشوه يشمئز الجمهور من متابعته، بل أن بعضهم انطلق للتدريب -وهنا الحلقة الأهم- دون أن يكون لديه دراية كافية أو خبرة مهنية وأكاديمية رغم ما يشكله ذلك من خطر نقل الأخطاء والتشوهات إلى أجيال جديدة ستقود دفة الإعلام لاحقاً وبالتالي تتحكم بالرأي العام.

يلجأ العديد من خريجي كلية الإعلام إلى العمل في مجال بعيد كل البعد عن اختصاصهم وشهادتهم الجامعية لأسبابٍ عديدة، أرجعها البعض منهم لكون سورية لا تملك بيئة حقيقية للعمل الإعلامي بدءاً من عدم اكتساب الطالب خلال دراسته الجامعية لأي خبرة عملية تخوله من الدخول إلى سوق العمل، ومروراً بقلة الوسائل الإعلامية التي تستقطب الطلاب وعدم جهوزيتها أو حاجتها "لواسطة توظيف كبيرة"، وليس انتهاءً بالأجور الزهيدة التي يتقاضاها العامل في الحقل الإعلامي على الرغم من الجهد الكبير الذي يتطلبه عمله.

على إدارة الجريدة بعده، وهي لا تعدو أن تكون أكثر من هبّات موسمية، قد تأتي المواسم وافرة أحياناً، لكنها نادرة، ذلك أن القحط في تأملٍ خارطة الثقافة في وسائل النشر والإعلام السورية؛ فإنّ نظرة سريعة، قد توحي بالمساحة الشاسعة التي تشملها هذه الخارطة، فإضافة إلى وزارتين مهمتين تعنيان بشكلٍ مُباشر بالمشهد الثقافي في سوريّا، وهما وزارتا الثقافة والإعلام، غير أن ثمة الكثير من الوزارات والهيئات والاتحادات والمنظمات والنقابات الأخرى، وهي كثيرة ومُتعددة؛ تُعطي حيزاً ما، لنشر الثقافة بما تصدره من خلال وسائلها الإعلامية.. وهو الأمر الذي يوحي باتساع خارطة الثقافة السورية، لاسيما في مسألة تنوّع هذه الوسائل التي تبدأ من الكتاب والجريدة والمجلة الورقيات، وتنتهي عند وسائل النشر الحديثة المتمثلة في صفحات الفيسبوك ومواقع النشر الالكترونية، ومروراً بالإذاعة والتلفزيون بقنواتهما المُتعددة..

لا يمكن لأي كيان أو شخص أن ينجح دون أن يكون له قاعدة شعبية ضاقت أو اتسعت، من هذا المنطلق يمكن للناس أن تثق أو تبدأ الثقة به، فالإعلام السوري بشقيه العام والخاص يحاول جاهداً أن ينال ثقة جمهوره، فهل امتلك هذا الإعلام القدرة على إشباع حاجات ورغبات السوريين للمعلومات والبرامج حتى ينال ثقتهم؟!

 

"كنا نمسك بأقلامنا إيمانا منا أننا صوت من لا صوت له، أملٌ كنا نمني أنفسنا به كي نستمر على قيد العمل، لكننا اليوم لسنا بخير. يؤلمنا قلمنا ويؤلمنا الواقع الذي وصلنا إليه، حيث بتنا الحلقة الأضعف بعد أن ضاقت مساحتنا"، هذا لسان حال الصحفيين السوريين هذه الأيام.

الصفحة 1 من 116
Top
نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط لتحسين موقعنا. بتصفحك هذا الموقع أنت توافق على ذلك. إذا لم توافق، فرجاء غادر هذا الموقع.. More details…