kinghairstyles.com maphandbook.com

فيروزتان في قلب شجاع | صحيفة الأيام

سورية , شاملة , مستقلة
Click Here
تصدر كل يوم اثنين
Click Here

فيروزتان في قلب شجاع

براءة الطرن

السادسة صباحاً، تستيقظ عمتي، تفتح المذياع، وتتجول في أرجاء المنزل، لا توقظنا، ولا تنادي أحداً باسمه، تترك المهمة لفيروز إذ ترفع صوتها فتقول “أحب دمشقا”، عمتي التي لا تسمح لنا بسماع الأغاني تستثني فيروز من القاعدة، بل تحشرها في آذاننا حشراً، تربطها بعقدة لا حل لها بالأشياء الأولى، الصباح، الاستيقاظ، الفراش، عروسة الزعتر، قهوة أبي التي يترك نصفها، ويرحل على عجل، صوت أمي المنادي للحاق بباص المدرسة، وصوت جرس المدرسة.

كانت فيروز صنماً من أصنام الساحات، نخفض الرأس عند المرور به كي لا يعرف أحد ماذا يلمع في رأسنا من أفكار إذ تلمع عيوننا، واجب علينا تأديته بفم مغلق، لها هالة من القدسية لا يجرؤ أي منا على مد يده للتأكد من ثباتها، كما لا يجرؤ أي منا على مد يده وتغيير المحطة، لا جدوى من ذلك أصلاً فكل الإذاعات تبث صوتها، وحده لا شريك له، قد يصدح صوت أختها في الخلفية أحياناً، لكنه لا يلبث أن يخفت، وقد يعلو صوت ابنها متشدقاً بفكرة ثورية، لا تلبث أن تهمد.

معرفتنا فيها “اجت ع زعل”، كنا صغاراً، وكانت تتدخل في كل شيء دون إذن مسبق، تغني لكل شيء كي لا تترك لنا حجة فنبحث عن آخر يحل محلها، غنت لكل العواصم العربية، والأوروبية، لليل، والصباح، للسكون، والحركة، للفظ، والأرز، العتاب، والغيرة، ليالي الشمال، وبيت الجنوب، لكل ما يخطر في البال، ما لا يخطر، وللبال أيضاً، أعطت الحب شكلاً، الفراق لوناً، الوداع بُعداً، والاحترام حجماً، متحلية بتلك الابتسامة الهادئة، والنظرة الثابتة، ذات الابتسامة التي تسميها عمتي “الابتسامة الصفراء” لو كانت صاحبتها سيدة أخرى غير فيروز.

كبرت وأنا أفهم الذين لا يحبون فيروز، أشعر تجاههم برابطة أخوية، أخاطبهم دون تكلف، أحدثهم عن عمتي، وشباك غرفتها المقفل دوماً، بينما يحدثونني عن الأغاني التي لطالما أثارت غضبهم، ضعف الحبال الصوتية لفيروز، والموسيقى المسروقة من ألحان غربية.

كان كرهنا لفيروز حلالاً، وصافياً أياً كان سببه، فالاضطرار للتمثيل أمام العائلة، والتمثيل أمام الأوساط الثقافية لا بأس به كدافع لثورة كامنة، تُطهى على نار هادئة، أو جمر إن صح القول.

وحين أتاحت لنا وسائل التواصل الاجتماعي وسيلة للإطاحة بالتماثيل بخسائر أقل من الوسائل الأخرى صرّحنا بكرهنا لهذه الظاهرة التي لن تتكرر حقاً ـوإن كان هذا ما يجعلها مقدسة إلى هذا الحد أحياناًـ كرهنا لآرائها السياسية التي لا تقل سذاجة عن آراء جارتنا أم خالد حين تبدي امتعاضها وهي تحفر الباذنجان، نظرتها إلينا كشعوب لا تقل فوقية عن نظرة البرجوازية التي تسكن في البناء الذي أعمل فيه، ولم تتنازل وتخبرني اسمها لأضعه هنا، وما إلى آخره من أسباب أرفقناها بطلب الاسترحام الذي نقدمه للـ”سميعة” ليكفوا عن “دحش” اسمها في عيوننا، صوتها في آذاننا، وأصابعهم الوسطى حين يلاحظوا عدم إعجابنا.

وكما كل الثورات التي تنحت كحبة مطر في صخرة يابسة، استطاع الممتعضون، والكارهون لفيروز مرة تلو الأخرى أن يخففوا حدة رد متعصبيها، وتثبيت وجهات نظرهم بدليل أن بعض الإذاعات وإن لم تتوقف عن تشغيل أغانيها عند الصباح، إلا أنها وعلى الأقل قللت الساعتين إلى ساعة ونصف.

لم تدم تلك الحقبة الهانئة طويلاً، جاءت فايا يونان لتقتل إنجازنا، وكما جاء ستالين أكثر قسوة من لينين، وأكثر بطشاً، جاءت “فيروز الجديدة” أكثر صفراوية، وأكثر تدخلاً، تغني لفيروز الأولى بـ”مطة” لم تستخدمها هي أصلاً، لها جمهور واسع، ومتعصبين أيضاً، بتناسب طردي مع قدرتها على اللعب بالعاطفة.

إلا أن حظها السيء جمعها بنا في حقبة كنا فيها كباراً هذه المرة، غير مجبرين على التمثيل أمام العمة، العائلة، والأوساط الثقافية، جمعنا أسبابنا لكرهها كـ”ظاهرة” في أقل من شهر، قبل أن يشيد أحدهم تمثالاً لها مثلاً، وهذا ما لم نقدر على فعله في عهد الأم التي سبقتها، صرّحنا بذلك في كل مرة ورد اسمها، اللحن الذي تستخدمه، أو الرأي الذي تحمله، الساذج ذاته، والفوقية ذاتها!

لم نعرف خير فيروز القديمة حتى جربنا غيرها.

فيروز الجديدة أكثر غلاظة ليس إلا.

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram
Share on twitter
Twitter

من نفس التصنيف

صحيفة الأيام@2019.

جميع الحقوق محفوظة