سورية , شاملة , مستقلة
Click Here
تصدر كل يوم اثنين
Click Here

لعنة الزمن المهم

أن نلعن شخصاً أو إبليساً
فنحن نقول له عبارات
مختلفة بالعربية تعود
جميعاً لأصل قديم معناه
الحرفي: (أدعو من قلبي أن
تغضب عليك الآلهة).
هذه هي الترجمة العميقة
لدعاء تمتلئ به قلوبنا اتجاه
شيء أو موضوع أو زمن.
بالمقابل لو وصل رجل صيني
لهذه الدرجة من الغضب
فما الذي سيقوله؟ سيقول
ما لفظه بالأحرف العربية:
“كايزل دا”، وهي كلمة تعود
لأصل قديم معناه الحرفي:
“أتمنى من كل قلبي ان تعيش
في زمن مهم”.
والعيش في الزمن المهم
هو أسوأ انماط العيش، فهو
مليء بالأحداث والمفاجآت
والتقلبات، مليء بالقسوة،
وفوق كل ذلك فصفته
الأساسية الاستهتار بحياة
البشر في سبيل “ضرورات
المرحلة والمصلحة العليا”،
فما معنى أن يموت ألف
شخص أو مليون من أجل
قضية كبرى تطفو في الزمن
فتجعله مهماً؟ ما معنى أن
يجوع مليون أو مائة مليون؟،
أن يخاف طفل؟ أن يغور بئر؟
لا شيء، فللتاريخ منطقه
البارد والقاسي، وهو يملأ
سجلاته بهدوء وروية، لذلك
هو يحتاج للأزمنة المهمة.
ما الذي يفعله التاريخ في الزمن المهم؟
إنه يراكم ما يريد، لا يهمه إن استمر ذلك ساعة
ً أو قرناً، لديه الكثير من
الزمن (حتى أن الفيزياء تظنه
يملكه كله) ولديه لذلك آلياته
وبروده الحجري، يتغاضى
عن التفاصيل السخيفة التي
هي نحن وحياتنا، فيما يملأ
نفسه بالعوامل الموضوعية
ليخلق أحداثه المفصلية.
العوامل الموضوعية التي
يستخدمها التاريخ هي
ألمنا نحن البشر العاديين،
جوعنا، موتنا، خوفنا، قلقنا،
كراهيتنا، مشاعرنا المتقلبة،
طيش قرارتنا، تراكم
ُ أخطائنا، فقد أحبتنا، نسيان
أحلامنا، تشظي خرائط
أرواحنا.
ويحول كل ذلك لأرقام
هامشية مهملة لا يعود
لذكرها أحد، ولا يهتم لها
أحد، (اللهم إلا شاعر أو رسام
أو ماشابه)، ينطلي علينا
التاريخ ونقرأه بتلك العين
الباردة التي يريدها لنا،
فنقول باستخفاف: دامت
حرب البسوس أربعين عاماً،
والدولة العثمانية أربعمائة
وحصار دير الزور أربعة،
واستمرت الحرب العالمية
أربع سنوات ونصف وقتل
فيها ٤٨ مليون إنسان، هكذا
ببساطة حتى أن كلمة “قتل”
ونبنيها للمجهول من تلقاء ّ نقرأها بضم القاف بالسليقة،
أنفسنا.
نحن نعيش زمناً مهماً، ونبني
للمجهول كل ما يجري فيه.

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram
Share on twitter
Twitter

من نفس التصنيف

صحيفة الأيام@2019.

جميع الحقوق محفوظة