سورية , شاملة , مستقلة
Click Here
تصدر كل يوم اثنين
Click Here

أحرف الجر المتقافزة

براءة الطرن

من ميزات أن تكون كاتباً بشكل خاص، وفناناً بشكل عام أنك دائم البحث عن فكرة، والفكرة بنت الوحي، وللوحي طقوس تختلف من شخص إلى آخر، هذا التبرير الجاهز دوماً، والمقبول غالباً لتصرفاتك الغريبة، والمريبة، الذي يمنع الآخرين من وصمك، أو إعابة أفعالك لأنك تحضر جن الكتابة، هذا ما لمسته حين صرت أكتب بشكل رسمي، وصار لي قراء ـ معدودون على أصابع يد واحدة ـ إلا أني لم أبرر تصرفات غريبة، أو مريبة، كما لم يؤمن أحد بأن كتابتي خارقة حد تحضير الجن.
كل ما في الأمر إذا أيقظتني أمي باكراً غضبت، وقلت “كنت أحلم بفكرة رائعة، طارت”، وإذا تأخرت في الحمام، وطرق أحدهم الباب غضبت، وقلت “كنت أفكر بفكرة رائعة، طارت”، إذا طلب أحدهم مني القيام من مكاني، في حال كان دوري في جلي الصحون، أو نشر الغسيل، أو إرسال المواد لرئيس التحرير.
أتذرع دوماً بأني أبحث عن فكرة، وأنها طارت بفعل فاعل لم يراعِ طقوسي، واستعجلني في فعل أمر لا أرغب في فعله.
مع الوقت صرت الراعي الكذاب، لم يصدقني أحد، وباتت الشتائم تنهال علي وعلى أفكاري، كان لا بد من تغيير الصورة التي لا تليق بكاتب مثلي، كان علي أن أشرع في الكتابة حقاً، المشكلة أن حياتي فارغة من الإثارة والتشويق، لا أبرع في كتابة القصص البوليسية، وفارغة من الحب، لا أبرع في كتابة القصص الرومنسية، ولا أحضر اجتماعات العائلة، أهرب من صبحيات الجيران، وأصدقائي سافروا جميعاً، لا أبرع أيضاً في كتابة القصص الاجتماعية!
فتحت فيسبوك بنية التقليب في صفحاته، والبحث عن شعلة لنار أطهو عليها طبختي المدللة، الكثير من المنشورات، المعلقين، والمعلقات، الكل يتحدث عن كل شيء، الحب، الكراهية، الفرح، الحزن، الألم، السرعة، البطء، الثقل، والتثاقل، الكثير من الكتّاب أيضاّ، شعراء بقافية، وآخرون بلا، حفلات توقيع لروائيين، وروائيات لم تتجاوز أعمارهم الخامسة والعشرون، كان جواً ثقافياً لا يليق براعٍ مثلي!

أدخل صفحة لا على التعيين، يتابع الصفحة الآلاف، بدا هذا مؤشراً جيداً لي قبل أن أكتشف من روح الصفحة أن من يديرها في غالب الظن أطفال لم يسمح لهم الموقع بعد بامتلاك حساب.
أطفال لم تعجبهم أراجيح الحدائق فـ”تمرجحوا” على المفاهيم، يدوسون في كل علو وهبوط شعوراً، أو ذكرى، قاعدة، أو فكرة، يرمون الكلام بغير هدف سوى تجميع المعجبين بصفحات تشبه فتاة في الخامسة ارتدت حذاء أمها ذو الكعب العالي، وضعت أحمر شفاهها، خرج عن خطه فوصل حتى أذنها، ثم جلست في صدر غرفة الضيوف في استقبال “النسوان” تشاركهم الحديث، وطقطقة الأصابع خوف الحسد، كان مكانها مريعاً، وقعدتها كذلك!
أدخل صفحة أخرى أقرأ شيئاً كان قد مر على ذهني قبل مرة، لا أشك في ذاكرتي مطلقاً، أبحث عن المنشور فأجده باسم شخص آخر بتاريخ سابق، أتوغل في البحث أكثر فإذا بي أقف أمام سرقة أدبية كما يسميها رواد الموقع الأزرق!
جرم يقوم به الكثيرون هناك، نسخ كلمات فلان ولصقها كما هي على حائط علان، فلان يكتب على كتف علان، ويصعد عليه أيضاً، فيحصل على المديح، والتصفيق، حتى حين يفتضح أمره، فالمصفقون للصفيق أكثر صفاقة منه!
أسجل خروجي من الموقع، أفتح صفحة لأكتب مادة عن فوائد حرف الجر، والفرق ما بين “من” و”عن” تسقط هذه المادة سهواً بخاتمة: تستطيع أن تكتب عن سرقة أدبية، لا تستطيع أن تكتب من سرقة أدبية.

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram
Share on twitter
Twitter

من نفس التصنيف

صحيفة الأيام@2019.

جميع الحقوق محفوظة