سورية , شاملة , مستقلة
Click Here
تصدر كل يوم اثنين
Click Here

سائقات وعاملات نظافة وبائعات فلافل
نساء سوريا اللواتي واجهن خشونة الفقر بأيدٍ ناعمة

مروة ياسين

“عن ماذا أتحدث عن أصبعي الذي قُطع وعاد في طحن الحمص أم عن بقية أصابعي التي تحرق كل يوم وأنا أقلي الفلافل” هذا ما قالته ابتسام الفتاة الثلاثينية لـ”الأيام” عن مصاعب عملها في محل فلافل تديره بكامله لوحدها ومنذ أربع سنوات.
ابتسام للوهلة الأولى كانت اسماً على مسمى فلا تغادر الابتسامة وجهها أثناء تعاملها مع الزبائن، بالرغم من أنها تحمل عبء كل شيء من طحن الحمص وقلي الفلافل وحتى تحضير السندويتشات، لكن سرعان ما غابت الابتسامة عند حديثها عما دفعها لهذا العمل كل تلك السنوات، فتبن بأن هناك جيشاً أُنثوياً كاملاً مكوناً من الأخوات الست يعمل لإعالة والديهما اللذين تعرضا كليهما لجلطة بعد رؤية منزلهما مهدماً بالكامل.
لكن السندويتشات المحضرة بأيدٍ ناعمة تتلقى نظرات استغراب دونما أخواتها اللواتي يعمل في مهن كالبِقالة أو الخياطة، إضافة لكونها تعتبر أن عملها لا يجب أن يكون محط استهجان لكونها تكتسب لقمتها “بالحلال” حسب وصفها، حيث أن هناك الكثير من بنات جيلها اللواتي سلكن طرقاً أسهل ولكنها طرق “حرام”، وعملها الذي يمتد من الساعة السادسة صباحاً وحتى السادسة مساءاً يومياً وحتى يوم الجمعة وفي الأعياد لا تتلقى كامل مردوده المادي بل نسبة منه فقط لأن صاحب المحل يقاسمها الأرباح.
على بُعد أمتار من ” محل “ابتسام” نجد شبيهة لها تستلم محل فروج بكامله تبيع وتهتم بالدجاج الحي، والجانب المظلم في قصتها هي أنها تقوم بالذبح أيضاً، ثياب العمل التي ترتديها توحي بكل ما تقوم به، كما أنها لا تفرقها عن زملائها في المهنة من الرجال.
في الثانية عشر بتوقيت عادات وتقاليد دمشق، كان يمنع على الفتاة التواجد خارج منزلها بمفردها بعد هذا الوقت، ويستهجن وقد تكون محط شكوك حتى عند تواجدها مع شخص آخر ولكن هذا قبل الحرب، حيث زعزعت الحرب الكثير من القواعد المجتمعية السائدة وخروج الفتاة بعد منتصف الليل ليست أولها ولا آخرها، فتواجد الأنثى تعدى حدود الوقت كما تعدى حتى حدود أُنوثتها التي وُضعت سابقاً، حيث دخلت ميادين عملٍ لم يكن من المقبول أو المتوقع حتى دخولها إليها.
وُضعت “رهف” ابنة السبعة عشر عاماً بين خيارين إما العيش مع زوجة الأب أو العيش مع الأم مع تحمل مشقة العمل لتأمين تكاليف معيشتهم، فاختارت الأخير مما اضطرها للعمل في الفرن بمناوبة ليلية تبدأ بعد منتصف الليل.
كانت المرة الأولى التي ادخل فيها إلى غرف الفرن التي يتم فيها وضع أقراص الخبز في أكياسها، كنت أدخل والخجل ينتابني كوني أعلم مسبقاً بأنني ادخل إلى مكان يعمل به الرجال حصراً والوقت متأخر، ولكن كانت المفاجأة أن أجد فتاة لم تغادرها ملامح الطفولة بعد، تعمل مع ما يقارب العشرين شاب.
حوار قصير دار مع “رهف” خلال انشغالها بعد الأرغفة التي طلبتُها، قالت أنها تعمل في الفرن منذ عامين أي بدأت بعمر الخامسة عشر، وأنها منذ فترة قصيرة لم تكن الفتاة الوحيدة في الفرن بل كانت أًختها تعمل معها إلا أنها تركت العمل لأنها تتحضر لزفافها.
الظروف التي كانت سبباً في عمل “رهف”، لم تكن ذاتها لدى “يارا” التي تعمل “موديل” لترويج أحد ماركات السجائر، تجلس خلف طاولتها التي تعرض علب السجائر بالقرب من باب الجامعة.
كنزة سوداء تحمل الشعار وكحلة سوداء لتتناسب مع لون العلبة، ودخان كثيف يشكل مع أحمر الشفاه عاملي جذب مهمين للمنتج الذي تبيعه “يارا” والتي تجد في الأنظار التي تلتف إليها باستغراب أو إعجاب متعة كونها تعلم بأنها تشكل مشهداً غير مألوف.
“بائعة السجائر” قصتها ليست محزنة كـ “بائعة الكبريت”، كون مردود عملها جيد وكاف ليساعدها على ترتيب نفسها بالشكل اللازم لبيع منتجها.
“ابتسام”، “رهف”، و”يارا” ليسوا الوحيدات فهناك من قادت حافلة نقل، أو عملت في الميكانيك، أو عاملات حفر وعاملات نظافة وحتى عاملات في خراطة المعادن، ولكن مازال للطرف الذكوري رأي آخر، فالبعض تقبل العمل غير المألوف في حال كانت مضطرة، والبعض رأى بعملها هذا إهانة لها، وآخرون وجدوها مصدر إغراء لهم.
وآراء العاملين في محلات “زقاق الجن” المتخصصة بقطع الغيار والميكانيك، بأن تعمل فتاة معهم في هذا المجال مثلاً كانت تتراوح بين “الله لا يعيزها لهيك شغل تعب وبهدلة” إلى “أنا أول واحد بصلح عندها”، ومنهم من وجد أنها غير جديرة بهذه المهن ولا يأتمنها على تصليح سيارته.
لا نعلم كيف سمح بتشغيل رهف بعمر الخامسة عشر بمناوبة ليلية بالرغم من أن قانون العمل الصادر عام 2003 يمنع تشغيل الإناث بعد الساعة 12 صباحاً بالإضافة لكونها بعمر القاصر فهذا يمنعها من العمل بالمطلق، ولا كيف سمحت ل “يارا” بالترويج لعلب السجائر، علماً بأنها منتجات التبغ يُمنع ترويجها قانوناً، ولكن على أي حال على القانون السوري أن يواكب تطور الحال الراهن بما يناسب المرأة بأن يحاول توفير السلامة الحماية اللازمة على أقل تقدير.
وسواء اضطرتها الظروف للعمل أم خاضت المجال برغبتها فبكلا الحالتين تعتبر ظاهرة إيجابية من ناحية تقبل المجتمع للفتاة في جميع المجالات، والتخلص على الأقل من نظرة النقص في العقل وأو حتى في الجسد.
ويبدو أن علينا أن ننهي اي موضوع مهما كان بجملة واحدة: تباً للحرب، تباً للفقر.

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram
Share on twitter
Twitter

صحيفة الأيام@2019.

جميع الحقوق محفوظة