سورية , شاملة , مستقلة
Click Here
تصدر كل يوم اثنين
Click Here

بنك الخلايا الجذعية ككل البنوك السورية.. الجميع خاسرون

ناديا سوقية

يدفن ذاك الرجل “كيس الخلاص” لابنه المولد حديثاً في حديقة المسجد؛ هم أخبروه أنه سيكون أباً لطفلٍ تقيٍّ إذا قام بذلك، وآخر يدفنه في باحة المدرسة ليصبح طفله متعلما عبقرياً، وهناك من رماه في البحر ليكون الابن قوياً مُجذِّفاً فوق مشقات الحياة.. فالحبلُ السُّري يحدد مستقبل الأبناء وفق اعتقاد سائد في بعض بيئاتنا.

ماذا سيقول من لا يؤمن بذلك إن اكتشفَ أنه مُخطئ إذ رمى الحبل السُّري وخلاص طفله في قمامة المستشفى؟.

بحسب حملات على وسائل التواصل الاجتماعي تروج لبنوك الخلايا الجذعية، فإنَّ كل ولادة تُرمَى إثرها مشيمة الأمِّ والحبل السٌّري كـ “فضلات طبية” هي خسارة لكل الأطراف.

فدَمُّ الحبل السٌّري الذي يُرمى بعد الولادة يحتوي على خلايا جذعية فتية لها القدرة على الانقسام والتكاثر وتجديد نفسها، وتأتي أهميتها لقدرتها على تكوين أي نوع من أنواع الخلايا المتخصصة كخلايا العضلات والكبد والجلد والخلايا العصبية، ويمكن استخدامها بزرعها لمريض يعاني نقصاً في النخاع الشوكي، سرطان الدم، التلاسيميا أو غيرها من الأمراض الوراثية النادرة.

وانتشرت مؤخراً حملات تروج لمراكز تتوسط بين الزبون والبنك المُخزِّن. أحد هذه المراكز عنون حملته بعبرة تنطوي على استمالةٍ عاطفية للأم من خلال إلقاء المسؤولية عليها وتحذيرها من الندم في حال كانت جاهلة بأهمية هذه العملية، ورغم تكلفتها المرتفعة مقابل الدخل السوري لا يخجل المروجون للمراكز على مجموعات الفيسبوك من طرح أسعارهم حتى لو كانت تقارب الـ 3600 دولار بدون تقسيط للتخزين مُدة 25 عاماً، وهي قابلة للتمديد مقابل مبلغ رمزي إضافي مع إمكانية التعويض في حال تلف العينة بمبلغ 15 ألف دولار.

تقول جمانا وهي حامل في الشهر الثامن “أرفض التخزين في بنوك خارجية خشية من إعلاناتهم لأنني أجد بعض المسوقين يلجؤون إلى المبالغة في حجم الإفادة من هذه العملية واللعب على الوتر العاطفي”.

بينما تستعد رانيا الحامل في الشهر الرابع، نفسياً ومادياً، لخوض هذه التجربة إيماناً منها بفائدة العملية، حيث تقول”أنا اعلم أنها غير مؤلمة.. لن أخسر شيئاً ولا أريد أن أندم بتضييع فرصة شفاء أحد أطفالي لا سمح الله، ولو كانت بسعر أقل ستجد الكثير من الأمهات الحوامل أمام هذه البنوك”. 

في سوريا يوجد بنك للخلايا الجذعية في مستشفى الأسد الجامعي في دمشق، تم إنشاؤه في العام 2011 وهو خاص وعام في آن واحد، يتيح إمكانية الإيداع الخاص لحساب العائلة المودعة أو التبرع بها لصالح البنك، يقدم البنك خدمة استخلاص الخلايا الجذعية من دم الحبل السري وحفظها لفترة طويلة تمتد حتى 15 عاماً على الأقل مقابل مبلغ 1.2 مليون ل. س.

اليوم وبحسب المسؤولة عن البنك الدكتورة ريم كيلاني، فإن عمله يقتصر فقط على الإيداع، حيث يتم استخلاص الخلايا الجذعية من الحبل السري وحفظها إلى أن تقرر العائلة استخدامها وحالياً لم يتم طلب ما تم تخزينه، وعن سبب إيقاف التبرع تقول د.ريم: “فُتح باب التبرع سابقا ولم نجد متبرعين ربما بسبب المبلغ المكلف”.

وثمة فيديو وحيد على قناة البنك على “يوتيوب”، يوضح آلية العمل هنا، وقد نُشر الفيديو في العام 2015، وفيه تقول الدكتورة فوزة منعم رئيسة قسم المخابر آنذاك: “إنَّ جمع دم الحبل السري لا يسبب ألماً فهو يستخلص من الحبل السري بعد ولادة الطفل وفصل الحبل عنه، وتبقى الخلايا حيَّة لمدة يومين بدرجة الغرفة، وهذا يتيح نقل الدم إلى المخبر الموجود بنفس المدينة أو مدينة أخرى، ليعالج في المخبر ويجمَّد، وتبقى الخلايا قابلة للحياة لعشرات السنين”.

على “فيسبوك” كتب رجلٌ منشوراً يستجدي فيه المتبرعين لتغطية تكاليف عملية زرع الخلايا الجذعية لطفل اسمه خالد، عمره أحد عشر عاماً، ومصاب بالتلاسيميا. ويحث الرجل الحكومة على النظر في أمثال خالد، ويقول إن ما دفعه لكتابة المنشور على مجموعة عامة هو حال الأسرة المتردي مقارنةً بالمبلغ المطلوب للعملية.

سألنا كاتب المنشور هذا عن التفاصيل، فأكد أنَّ العملية ستكون في مشفى سوري ولكن بوجود طبيب لبناني، وكلفتها 25 مليون ليرة سورية.

تستخدم الحملات الدعائية عبارات عاطفية حادة، وصوراً ميلودرامية، وتحذيرات فجة أحياناً.. ونحن إذ لا نرغب في تقليد هذا الأسلوب فإننا نملك أسئلة نراها مشروعة: ماذا لو كنا في مجتمع تنتشر فيه ثقافة التبرع بالخلايا الجذعية؟ كيف سيغدو حال خالد والكثير من أمثاله؟.. أي أمل سنمنحه لأنفسنا في معركتنا الأزلية ضد المرض.. في مسيرتنا الطويلة المضنية نحو حياة أطول وألم أقل؟.

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram
Share on twitter
Twitter

صحيفة الأيام@2019.

جميع الحقوق محفوظة