“مؤسسة ضمان المخاطر” أحد الإسعافات الأولية لليرة

د. سلمان الحكيم

من البديهي في أي اقتصاد يعاني من أثر تضخمي او انكماشي، او أي خلل هيكلي، أن يتجه التفكير لزيادة الانتاجية، للبدء بتصحيح الخلل، ولزيادة الانتاجية لا بد من زيادة المنتجين، ولتحقيق ذلك لا بد من تشجيع العمل والمشروعات، وأول خطوة في تنمية المشروعات هي تأمين الفرص التمويلية لأصحاب المشاريع ولرواد الأعمال، وخصوصاً على المستويات الصغيرة والمتوسطة.

وأمام المشهد الحالي في الاقتصاد السوري، والذي يعرفه الجميع، ولا معنى لإعادة شرح تفاصيله، فالواجب أن نبحث عن حلول، ونسلط الضوء على الاجراءات والمواضيع التي يمكن أن تساهم في وقف نزيف الليرة، وتنشيط الانتاج في القطاعات المختلفة، وهذا يتطلب تفعيل عملية الاقراض وتوسيعها، خصوصاً أن حجم الموجودات لدى المصارف يقارب 1500 مليار ليرة، وهي بوضعها الحالي تشكل عبئاً على المصارف، وتفوّت فرصاً على الاقتصاد الوطني.

ومن أهم الأدوات الازمة لتنشيط القروض هو مؤسسة ضمان مخاطر القروض للمشروعات الصغيرة والمتوسطة، لأسباب سيأتي ذكرها في هذا المقال.

تعدّ المعاملة التفضيلية التي تحصل عليها المشروعات الكبيرة الحجم الدافع الرئيس لاستحداث برامج ضمان مخاطر القروض، بهدف تسهيل التمويل للمشروعات الصغيرة والمتوسطة المستهدفة، وتمكينها من الحصول على التسهيلات الائتمانية، عن طريق ضمان مخاطر هذه القروض لدى المصارف والمؤسسات المالية، مما يؤدي إلى زيادة إقبال المصارف على منح التسهيلات الائتمانية لشريحة أوسع من المستثمرين، وأصحاب المشاريع ذات الجدوى الاقتصادية، الذين لا تتوافر لديهم الضمانات التقليدية الكافية.

انطلاقاً من ذلك، فإن إعلان مصرف سورية المركزي عن تأسيس مؤسسة ضمان مخاطر القروض للمشروعات الصغيرة والمتوسطة الحجم يعتبر من الخطوات الهامة التي قد تنعكس بشكل إيجابي على الاقتصاد السوري عموماً وعلى سعر صرف الليرة خصوصاً وذلك على اعتبار أن تفعيل التمويل للعمليات الإنتاجية والمشروعات الاستثمارية سيساعد في زيادة الإنتاج المحلي ودفع عجلة الاقتصاد، وما لذلك من تأثير كبير وايجابي على قيمة الليرة.

من حيث المبدأ، هناك أهمية استراتيجية كبيرة في فكرة إنشاء مؤسسة ضمان مخاطر القروض، وخاصة أنها قد تؤدي إلى تحسن في قيمة الليرة وإن كان ذلك على المدى الطويل. ووفقاً للمعلومات المتاحة لنا حتى الآن، فإنه من المؤشرات الإيجابية أن المؤسسة ستحدث على شكل شركة مساهمة خاصة مغفلة، وهذا الشكل القانوني يتناسب أكثر مع الآلية المالية التي تتطلب المرونة والسرعة بالمقارنة مع صناديق الضمان الحكومية التي تتسم بالجمود، كما أنها عرضة وبشكل كبير للفساد. ومن جهة أخرى، يساهم في تأسيس الشركة المصارف العامة الستة بنسبة 41.16%، والمصارف الخاصة بنسبة 54.28%، والمؤسسات المصرفية الاجتماعية بنسبة 4.56%، مما يعني توزيع واقتسام مخاطر القروض الممنوحة بين هذه المؤسسات المالية المؤسسة للشركة.

وهنا لابد من لفت انتباه الأطراف المعنية بضرورة عرض أنظمة المؤسسة على ذوي الاختصاص لإبداء الرأي، وخاصة فيما يتعلق بنظام ضمان مخاطر القروض، فمثلاً باعتقادي أنه من الأفضل تبني نظام الضمان غير المباشر، بحيث يقوم المقترض بتقديم الطلب إلى المصرف أو المؤسسة المالية أولاً، حيث من المفترض أن تمتلك المؤسسات المالية الخبرة في دراسة مثل هذه الملفات وفي تقييم الجدارة الائتمانية للمقترضين، ثم يرسل الطلب إلى مؤسسة الضمان للموافقة عليه. بالإضافة إلى ذلك، فإن نظام الضمان غير المباشر يبقي باب المنافسة مفتوحاً بين المصارف والمؤسسات المالية كون هذا النظام يتطلب من العميل أو المقترض التوجه إليها أولاً، أي أن العميل هو من يختار المصرف الذي سيقترض منه، وهذا يبقي التنافس بين المصارف قائماً، ويترك للمقترض خيار المفاضلة بين المؤسسات المالية، وبالتالي فإن المصارف ذات الأداء الأفضل سوف تكون جاذبة أكثر للعملاء بالمقارنة مع بقية المصارف والمؤسسات المالية. كما نؤكد على ضرورة أن لا تكون نسبة المشاركة في المخاطر مرتفعة، أي أن لا ترتفع النسبة التي يتوجب على مؤسسة الضمان تغطيتها في حال التعثر أو التخلف عن السداد من قبل المقترضين. علماً بأن نسبة المشاركة في المخاطر عالمياً تتراوح بين 60% وحتى 80% من قيمة القرض. كما أنه من الضروري أن نشير إلى أهمية أن تكون عمولات الضمان مرضية للطرفين، وذلك بحيث لا تكون عالية جداً بما يؤدي إلى زيادة تكلفة القرض بالنسبة للمقترضين، كما يجب أن لا تكون منخفضة إلى الحد الذي لا تستطيع معه مؤسسة الضمان المحافظة على استمراريتها.

لكن هناك سؤال لابد من طرحه: هل قامت الحكومة بتهيئة المناخ الملائم لإحداث هذا النوع من المؤسسات المالية؟

بما أن الفئة المستهدفة من قبل مؤسسة الضمان هي المشروعات الصغيرة والمتوسطة الحجم، لذلك وحتى يكتب النجاح لمؤسسة الضمان لابد من توفير بنية تشريعية قوية قادرة على تنظيم عمل تلك المشروعات.

إن هيئة تنمية المشروعات الصغيرة والمتوسطة التابعة لوزارة الاقتصاد والتجارة الخارجية هي الجهة الرسمية المسؤولة عن تلك المشروعات، حيث تم إحداثها بموجب القانون رقم 2 لعام 2016 لتحل محل الهيئة العامة للتشغيل وتنمية المشروعات التي كانت تتبع لوزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، وهذه الأخيرة حلت بموجب المرسوم التشريعي رقم 39 لعام 2006 محل هيئة مكافحة البطالة التي كانت تتبع لهيئة تخطيط الدولة. وما أريد الوصول إليه يتمثل بضرورة امتلاك الحكومة لرؤية واستراتيجية واضحة فيما يتعلق بقطاع المشروعات الصغيرة والمتوسطة، بالإضافة إلى وجود قانون خاص بتلك المشروعات يكون بمثابة دستور أو مظلة تعمل تحت سقفها كافة الهيئات والجهات الرسمية وغير الرسمية المعنية بتنمية قطاع المشروعات الصغيرة والمتوسطة الحجم.

كما أنه من المعلوم بأن المقومات اللازمة لتقييم الجدارة الائتمانية للمشروعات الصغيرة والمتوسطة الحجم هي من أهم المقومات الواجب توفيرها لكي تنجح مؤسسات ضمان مخاطر القروض. إن تقييم الجدارة الائتمانية تعني تقدير مدى قدرة الجهات المقترضة (المشروعات الصغيرة والمتوسطة) على سداد القروض وأقساطها بمواعيد استحقاقها، وتعتمد عملية التقييم هذه على مصدرين أساسيين من المعلومات. المصدر الأول هو أنظمة الاستعلام الائتماني التي يمكن من خلالها الحصول على المعلومات الائتمانية المتعلقة بالعملاء والمقترضين بما يساعد على تحسين جودة القرار الائتماني. في سورية يدار نظام الاستعلام الائتماني من قبل المصرف المركزي، لكن كان من الأفضل وقبل الشروع بتأسيس مؤسسة الضمان السماح بتأسيس وكالات أو مكاتب خاصة للاستعلام الائتماني توفر المعلومات الائتمانية وتسمح بتبادلها بين المؤسسات المصرفية وغير المصرفية. أما المصدر الثاني فهو البيانات المحاسبية للمشروعات الصغيرة والمتوسطة الحجم والتي يمكن من خلالها معرفة الوضع المالي لتلك المشروعات ومدى قدرتها على توليد الأرباح. لكن معظم المشروعات الصغيرة والمتوسطة الحجم في سورية تعمل ضمن اقتصاد الظل ولا تمسك سجلات محاسبية منظمة. فضلاً عن ذلك، وفي حال توافر المعلومات المحاسبية، فإنها وفي معظم الأحيان لا تتمتع بالدقة ولا بالموضوعية وبالتالي لا يمكن الاعتماد عليها في تقييم الجدارة الائتمانية لتلك المشروعات. بناءً عليه، فإنني أرى ضرورة الإسراع في تنظيم الأمور المحاسبية والمالية لقطاع المشروعات الصغيرة والمتوسطة الحجم، ويمكن تحقيق ذلك من خلال العديد من الأدوات والوسائل، فمثلاً بالإمكان إجراء مسح شامل لتلك المشروعات وإخضاعها لضريبة الأرباح الحقيقية وما يترتب على ذلك من إلزامها بمعايير محاسبية محلية أو بالمعايير الدولية لإعداد التقارير المالية الخاصة بالمشروعات الصغيرة والمتوسطة IFRSs for SMEs.

اليد التي صفّقت لوحدها

فاطمة عمراني

العاشرة مساءً..

أصعد درج البناء بخطىً متثاقلة وأنفاسٍ متقطعة، أقرع جرس الباب على عجل فيما لا أزال ألهث، أحاول أن أتمالك نفسي وألّا أظهر ارتجافي.

فتحَتْ الباب ووقفَتْ خلفه، لم تكن أمّي، لم أستطع أن أحدد ملامح وجهها. إلا أنني عرفتها حين قالت: “فوتي يا خالتي”.

جلسَتْ بجانبي ممسكةً يدي، فيما كنت أخبرها عن الشاب الذي تبعني طوال الطريق، ممطراً إياي بجرعة من التحرشات اللفظية تعادل التي تلك سمعتها خلال سنة كاملة، وحين أجبته بكلمة “شو إنك وقح وبلا أخلاق”، انهال عليّ بنوعية مختلفة من التحرشات الجنسية ذات العيار الأثقل، ولم يكفّ عن اللحاق بي حتى منزلي.

لم تستطع المرأة أن تكتم غضبها، فراحت تشتم الشاب بحدّة، وشدت على يدي قائلة: “ما عرفتي تشلحي كندرتك وتضربيه على راسو”، وبدأت تخبرني كيف تعلمَتْ رد إساءة المعتدي والمتحرش “من كيسها”:

“لما كان عمري 15 سنة، كنت صبية حلوة وشايفة حالي كتير، أخدتني عمتي إلى السيلما (أي السينما) مع إخواتي، كان في 3 شباب قاعدين بالكراسي يلي خلفنا، واحد منهم كل شوي يمد إيدو على جنب الكرسي تبعي، ويحاول يتحرّش فيي، طلبت دبوس من إمي، وكلما يمد إيدو إنغزو بالدبوس، لحتى طلع فيي وقلي أنا بورجيكي بس لنطلع، ركدت سبقتو وقلت للشباب يلي برّا إنو في واحد تحرش فيي بالصالة، فنزلوا فيه ضرب كسروه تكسير”.

نفشت أم نضال ريشها ورفعت رأسها، وتابعت: “ولما كان عمري 9 سنين، طلعت مع أمي بالباص، وكان في شب حاول يتحرّش فينا، خبرت أمي وقالتلي سكتي لا تفضحينا، بس أنا ما سكتت، هجمت عليه وضربتو، إمي خجلت فيي كتير، بس أنا كنت مبسوطة وفخورة بحالي”.

لم تسلم المرأة السبعينية من محاولات التحرش التي امتدّت لعمر الستين، فأم نضال (حين عاشت في صيدا فترة من حياتها بعد وفاة زوجها) تعرّضت لمحاولة تحرّش من نوع آخر، حيث أوقفها رجل دين في الشارع طالباً منها “زواجاً سرياً”، فـ “لمّيت عليه الناس بالشارع وصار بس بدو يهرب” قالتها بمزيد من الفخر.

منذ وفاة زوجها اللبناني في الحرب الأهلية، اختبرت أم نضال أنواعاً مختلفة من المضايقات والتحرشات التي تجاوزت شباب الشوارع قليلي التربية، حاولت الانتحار من أعلى قلعة صيدا، بعد أن طالبها أخوها بالعودة لمنزل العائلة فهي أرملة لا يجب أن تعيش لوحدها، وطالبها القضاء بالتخلي عن أطفالها لعائلة زوجها المتوفى، ولطالما طالبها أصحاب الشقق التي كانت تستأجرها بالإخلاء، فهم ليسوا واثقين بقدرة امرأة أرملة على دفع مبالغ الإيجار بشكل منتظم.

نامت وأولادها ليالٍ طويلة، ناموا جوعى، عطشى، ناموا دون أن يمسح أحد على رؤوسهم، ناموا دون أن يجدوا ما يتدثروا به، ناموا دون ابتسامة واحدة، أو حتى دمعة!

“ما حدا كان يطّلع فينا، كان الأقارب يعاملونا كأعداء، ولا مرّة حدا اشترى لولادي سندويشة، اشتغلت كلشي، حتى المهن يلي صعب المرا تشتغلها”. فتاجرت أم نضال بالملابس، بمستحضرات التجميل، الحنّة، وحتى القباقيب. اشترت البضائع من سوق الحميدية والعصرونية والبزوريّة وباعتها لجاراتها اللبنانيات، عملت في الخياطة، التجميل، عملت كناطور، لم تترك مهنة في العالم إلا وعملت بها، ربّت أولادها الخمسة حتى كبروا ورأت أحفادهم كما تمنّت دائماً.

لم تحتج هذه المرأة من يقف بجانبها، لم تطلب مساعدةً من أحد، لم تستعن بيدٍ أخرى حتى تصفّق، صفّقت لوحدها، صفّقت لقدرتها على المضيّ قدماً، صفقت لإيمانها بنفسها، بمسؤوليتها، بإنجازها. حين تخلى كل العالم عنها، لم تتخلَّ أم نضال عن نفسها.

يومَ ذرفنا الدمع.. “عنتر” وأنا!

علي حسون

لطالما نفّره واستفزه منظر الدم إلى حد الغثيان؛ وأياً كان مصدره: دجاجةً كانت أم خروفأً، أو حتى جرح صغير في إصبع طفل، ولذلك استحق لقب ” أبو قلب رهيّف” من أقرانه المراهقين الذين كانوا يتسابقون للفوز بمهمة ذبح دجاجة، لنيل اعتراف الأهل والمحيط بأن هذا الفتى “صار رجّال وقلبو قوي”!

ما زال يذكر اليوم الذي شكّل بالنسبة له نقطة اللاعودة فيما وصل إليه من “ضعف” تجاه أي نقطة دم تسيل، في أي مكان، وأياً كان شكل أو جنس الضحية المهدور دمها: كان مراهقاً في الخامسة عشر حين سمع من نافذة المطبخ المطلة على أرض الجيران صوت خوارٍ يشبه الاستغاثة. عندما نظر من خلف الزجاج رأى جموعاً تتعاون على تثبيت ثورٍ “مراهق” هو الآخر، كانوا قد ربطوا قوائمه الأربعة ليتولى بعضهم تثبيت الخلفيتين وآخرون لتثبيت الأماميتين، فيما تحلق ثلاثة منهم لتثبيت رأسه، وفي المنتصف ثمة “شيخ” ممتشقاً سكيناً كبيراً ثبّتها على رقبة “الضحية” وهو يتمتم بكلمات لم يفهمها.

كان ذلك العجل هو صديق أولاد الحارة الذين أطلقوا عليه اسم “عنتر” منذ ولادته في “حاكورة” الجيران، فكانوا يتراكضون خلف بعضهم حتى تنقطع أنفاسهم، وها هو قد استسلم أخيراً للجموع الغفيرة فخارت قواه، وسكنت مقاومته ليعلو صوت أنفاسه بشكل مسموع، إنها آخر الأنفاس هذه المرة. تكثّفت كل حركته وقتها في عينيه اللتان كانتا تبحثان بلا رجاء عن منقذٍ ما، لتلتقي في هذه اللحظة التي لن ينساها “المراهق البشري”، عيناه بعيني عنتر، وينتقل حينها كل الخوف والرعب وحبّ البقاء من عيني ذلك العجل إلى عينيه، توحّدا في تلك اللحظة، حدث أمرٌ عجيب، خيّل إليه أن السكين كانت على رقبته هو، حتى أنه شعر بدفق الدم ينطلق مغادراً كل أنحاء جسده ليتجمع في رأسه، في رقبته تحديداً، تماماً تحت حد السكين ما قبل الانفجار الكبير للدم، حينها صرخ بأعلى صوته الذي تحول إلى ما يشبه الخوار “اتركوه.. اتركوه لا تدبحوه.. حرام عليكن…شيلوا السكين “. ساد للحظات صمتٌ مطبق؛ لتلتفت أعين الجموع كلها نحو مصدر الصوت مصحوبةً بذهولٍ سرعان ما تحول إلى استهجان جماعي لهذا التصرف الأرعن من صاحب الصوت، بدأت بعدها التمتمات والتعليقات والتهديدات: “شو هالمجنون.. بعّدوه من هون.. حدا يضبّو”، تلتها اعتذارات بالجملة من ذلك الرجل في الوسط الذي رمقه بنظرة احتقار مشفوعة بشفقة المؤمن على الضال: “ما تآخذنا شيخنا”.

رغم مرور عقود من الزمن على تلك الحادثة، ما زال يتذكّر حتى اليوم الدموع التي نزلت من عيني العجل امتناناً ربما على محاولة إنقاذه؛ في الوقت الذي كانت عيناه هو أيضاً تنفجران بالدموع لفشله في إنقاذه، لينتهي الأمر بأن ينقضّ عليه شقيقاه وأبناء عمه، جرّوه خارج المطبخ، حبسوه في غرفة بعيداً عن أعين الناس حتى انتهت طقوس “العيد” وذهب الجميع سعداء وقد أكلوا ما تيسّر لهم من لحم عنتر!.

يتذكّر اليوم تلك “المأثرة” المجنونة ضاحكاً من نفسه، حين توهّم بأن صرخته ستوقف ما هو محتوم، صرخته تلك التي حولته إلى حديث أهله وأقربائه وأقرانه يتندّرون عليها حتى الآن.

 يسألونه اليوم ضاحكين: بماذا كنت تفكّر حينها، كيف امتلكت كل تلك الجرأة، وبالأصح؛ الجنون لتقوم بما قمت به؟

يشاركهم الضحك هو أيضاً، يفكّر للحظة دون أن يفصح عما يجول في خاطره أمامهم، تلمع فكرة مجنونة أخرى في رأسه: ربما كنت أرى منذ ذلك الوقت ما سيحدث اليوم، حين سنتحول جميعاً إلى “أضاحي” على مذبحٍ ما تحت عنوان أو شعار ما، ربما عرفت باكراً بأن الدور قادم على الجميع، وأن ثمّة من سيستل السكين لذبحنا على غفلةٍ منا أو بتواطؤنا على أنفسنا، وقد يكون هؤلاء مؤمنون من نوع ما (بالخالق، أو بأنهم الفئة الناجية، أو بأعظم القضايا؛ الأمة الواحدة، التاريخ والمصير المشترك..).

 يطلق ضحكةً قويةً تشبه تلك الصرخة قبل عقود، وفيما يسود الصمت بين الجميع مجدداً، يفكّر بصوت مرتفع هذه المرة: لقد كانت نبوءة..اعتبروني متنبئاً..!!

كيف يمكن التوجيه نحو مركز التوجيه؟

شام الحريري

فعلياً لا أحد يربط عيوننا نحن جيل الشباب، ولكننا نسير في الحياة وكأن عيوننا معصوبة، نمدّ أيدينا للأمام لنبحث عن اي شيء يمكن لمسه والتحقق منه لنعرف خطوتنا التالية.

وبالمقابل لا يكاد يمر يوم دون أن نسمع عن مبادرة او مشروع أو جمعية او نشاط او مناسبة تهدف لمساعدة الشباب وإرشادهم والأخذ بيدهم، ومساعدتهم على دخول سوق العمل، واستكمال مهاراتهم، وتزويدهم بما يحتاجون.

وتقدم هذه المبادرات جمعيات ومؤسسات وحتى شركات خاصة، ولكنها جميعاً تنتهي كما بدأت دون اي تغيير.

بقيت سنوات في الجامعة (بصراحة أكثر بسنتين مما يجب) أذهب كل يوم إلى الجامعة وأتبادل أحاديث المستقبل مع زملائي، وأتبادل معهم روابط لدورات تدريبية أو طلبات عمل، او ندوات او غيرها.

وبعد تخرجي من الجامعة وبدء العمل كلفت من إدارة الصحيفة التي أعمل بها بزيارة مركز التوجيه المهني التباع لجامعة دمشق، سررت بالمهمة، وشعرت كما كل مرة أن هناك شيئاً جدياً وجديداً سيقدم خدمة للشباب الخريجين الجدد أو من هم على وشك التخرج.

حين وصلت للمكان أصابني الإحباط لأني تذكرت أنني رأيت هذه الآرمة مرات كثيرة، ومررت قرب المركز مئات المرات، ولكني لم أشعر بأثره لا علي ولا على أحد ممن أعرفهم.

حاولت الحصول على اكبر قدر ممكن من المعلومات عن المركز وأنشطته وأهدافه، لأني لمست بشكل حقيقي لدى كادر المركز رغبة في تقديم شيء مفيد لجيل الشباب.

ولكن المشكلة هي في ضعف حلقة الوصل بين المركز وبين المستهدفين بخدماته، فحاولت ان أسلط الضوء على تفاصيل هذا المركز، لعلّه يصل لشريحة الشباب ويستفيدوا من خدماته، ويكون حظهم افضل من حظ من سبقهم.

تأسس المركز في عام 2008 كمشروع بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، ليقدم خدمات إرشادية متميزة للطالب المتوقع تخرجه لتدعم طموحاته وتطلعاته المهنية وتؤهله لدخول معترك الحياة العلمية بتمكن واقتدار وإيجاد فرص التدريب والتوظيف في سوق العمل. واستمر المشروع لمدة 3 سنوات ومن ثم أصبح المركز تابعاً لجامعة دمشق فقط.

يعمل المركز على إستراتيجية تقوم على ثلاث محاور وهي تنمية المهارات العامة للطلاب من خلال سلسلة من الدورات وتقديم الاستشارات الفردية المتعلقة بحالات خاصة ومساعدة الطلاب على اتخاذ قرارات محددة سواء كان خلال دراستهم الجامعية لاختيار اختصاص أو فرع أو لتوجيهات سوق العمل بعد الدراسة الجامعية وكذلك يقوم على مبادرات وأنشطة لربط سوق العمل بالجامعة.

لكن المفارقة بإني طالبة في جامعة دمشق لم يحالفني لحظ كثيرا خلال سنوات دراستي لأحظى بفرصة التدرب أو حتى السماع بهذا المركز الحكومي، الذي كان من الممكن أن يساعدني كثيراً وينمي مهاراتي ويكسبني الخبرة العملية خصوصاً أن مجال دراستي يتطلب مني ذلك قبل البدء الفعلي بالعمل.

فهل نحن عاجزون أن ننير كل ما قد يفيد المواطن ويساعده على أن يطور من نفسه ومن عمله، هل نعاني من مشاكل تجاه التطور أم لدينا حساسية من التعامل معه، حتى لا نلقي الضوء على هكذا مشروع حكومي من شأنه أن يساعد الكثيرين على أن يجد ذاته ويطورها قبل الخوض في سوق العمل وحتى في مسيرته التعليمية، فللمركز رسالته التي يسعى إلى تحقيقها بأكبر قدر ممكن، فهدفه تقديم خدمات منافسة تتميز بجودتها العالية في مجالات التدريب الاحترافي والاستشارات لتكون قادرة على مواكبة العصر ومواجهة التحديات، من خطط وبرامج مدروسة تعتمد المنهجية العلمية مستفيدين من الكفاءات العلمية والإدارية والفنية العالية، بما يضمن تأهيل الكوادر البشرية وتنمية المواهب وصناعة الإبداع لبناء مجتمع معرفي مستدام يحقق التنافسية، فأهم أهدافه تقديم خدمات إرشادية متميزة للطالب المتوقع تخرجه لتدعم طموحاته وتطلعاته المهنية وتطوير مهارات البحث عن فرصة عمل لدى الطلاب وتقديم الاستشارات المهنية والمساعدة على تخطيط المسار الوظيفي حيث يقوم كذلك على استضافة أرباب العمل بهدف التعريف بسوق العمل والتوظيف كما يوفر التدريب العملي للطلاب ضمن الشركات مساعداً على تنمية المهارات الشخصية ويقوم بتنظيم معارض فرص العمل في الجامعة وتنسيق شراكة بين الجامعة وقطاع الأعمال واحتضان المبادرات الطلابية وتقديم الدعم اللازم لها، نحن اليوم بحاجة لندعم مثل هذه المراكز الحكومية ونسلط الضوء عليها ونغير النظرة المجتمعية تجاه كل ما هو حكومي فما يقدمه المركز يعتبر خطوة متميزة أن تستحق منا أن نبرزها أكثر ومن حق الطلاب أن يكونوا على علم بتواجد مثل هذه المراكز بعيداً عن المراكز الخاصة التي تحتاج إلى مبالغ لا يقوى الطالب على تحملها.

إنها الحرب: نصف مليون أرملة ومليون عانس

ياسر جمعة

كشف تقرير ديموغرافي صادر عن المكتب المركزي للاحصاء، وجود 518 ألف أرملة في سورية (احصاءات 2018) مقابل 43 ألف رجل أرمل.

ويظهر الرقم الكبير واحداً من أهم المؤشرات الديموغرافية لنتائج الحرب، فهو يقول أن واحدة من بين كل ست نساء متزوجات فقدت زوجها. 

ويشير التقرير أيضاً إلى وجود 84 ألف امرأة مطلقة مقابل 17 ألف رجل (الفارق هو بسبب زواج الرجل من اخرى بعد طلاقه وغالباً قبله).

وبعد أن تكرر نشر مقالات وأرقام صادرة عن تقديرات جهات مختلفة حول ارتفاع معدلات العنوسة في سوريا، يكشف التقرير عن الرقم الحقيقي من خلال حساب عدد النساء المتزوجات وعدد النساء اللواتي لم يسبق لهن الزواج من ضمن الشرائح العمرية المختلفة، ففي التقرير نجد أن 2.676 مليون امرأة لم يسبق لهن الزواج، ولكن هذا الاحصاء يشمل كل الإناث اللواتي يزيد عمرهن عن عشر سنوات، وبحذف الشريحة العمرية (10 -20) من هذا الرقم نجد أن 950 ألف امرأة عمرها فوق العشرين عاماً ولم يسبق لها الزواج.

ولا يصح استخدام مصطلح عنوسة لوصف فتاة في مطلع العشرينات (ربما ما زالت تدرس) ومع ذلك فالرقم احصائياً يشير إلى من هنّ في سن الزواج.

وكشف التقرير أيضاً عن 130 ألف زوجة ثانية، حيث بيّن أن عدد الرجال المتزوجين 2.929 مليون رجل، مقابل 3.059 مليون امرأة.

أعداؤنا الباصات والسرافيس ومعركتنا يومية تستخدم فيها مختلف صنوف الأسلحة

شام الحريري

في كل يوم نخوض معركة من نوع مختلف، لست بحاجة لاستخدام الأسلحة أو حتى الدروع المضادة للرصاص بها، كل ما يتطلبه الأمر منك أن تخضع لدورات مكثفة للوثب(الجري) فمارثون اللحاق بباص النقل الداخلي أو السرفيس يتطلب منك ذلك، بالإضافة لامتلاك مهارات أخرى يجب التدرب عليها، ففي حال حالفك الحظ بالركوب ستكون قد أنجزت المهمة الأصعب يليها مهام أخرى، فبداخل باص النقل الداخلي يتوجب عليك الثبات والصمود كحال أي مقاتل في ميدان المعركة، فعدا عن التزاحم والأعداد الهائلة التي ستواجهك وتدافعك بقصد وبغير قصد، ستتاح الفرصة للبعض ليفرغ غرائزه متذرعاً عند فضح أمره بالتزاحم، ولا يخفى على أحد من رواد باصات النقل أو حتى السرافيس حالات النهب والسرقة التي قد يتعرض لها الركاب من قبل ضعاف النفوس، لذلك يتوجب عليك أخذ الحيطة والحذر وحماية نفسك وممتلكاتك عند دخول معركة الركوب، فسائقو الباصات يطبقون مثل “مكان الضيق بيوسع 300 راكب”، فالسائقون لا يوفرون الجهد ليلقوا اللوم على المواطن الذي رغم امتلاء الباص يزاحم للركوب وكأن لديه خيارات أخرى عدا ذلك تجنبه الخوض في هذا الزحام فلعلهم معولين على قدرته المالية في ان يستقل سيارة تكسي مثلا، ولا يخفى على أحد عدم حرص هؤلاء على مراعاة أبسط واجبات السلامة والمسؤولية فمنذ عدة أشهر ترددت أخبار عن تسبب التزاحم في إحدى باصات النقل على خط جرمانا إلى سقوط امرأة ثم وفاتها، كما برر بعض السائقين وخصوصا على خط جرمانا بتعرضهم للاعتداءات في حال عدم التوقف وحشد المزيد من الركاب، مما دفع البعض منهم للتوقف عن العمل هرباً من الاعتداءات، مما ضاعف أزمة السير هناك دون وجود حلول لتلافي هذه المشاكل من قبل المؤسسة العامة للنقل، والحال ليس بمختلف كثيراً عند ركوبك بسرفيس فيتحجج أحدهم بالنعاس ليضع رأسه على كتفك، أو حتى تنزلق يد أحدهم لتصل إلى فخذك فيتعذر مسقطاً اللوم على سلطان النوم، فلا تزال شكاوى المواطنين لا تجد أذناً تسمعها، فالمبررات موجودة دائما والحجج ما أكثرها، فكذلك لسائقي السرفيس ذرائعهم الخاصة بهم، فيقومون بتغيير خط السير بما يناسبه مما يدفعه لتقاضي أجراً زائداً من الراكب مبرراً ذلك بإنه في حال اكتشف أمره من قبل شرطي المرور ستكون المخالفة كبيرة، وكأنه يحمل الركاب “منية” أنه يقدم لهم خدمة مأجورة وكأنه هو غير مستفيد، فالسرفيس الذي يتسع لـ 15 راكب يتضاعف عدد راكبيه ليتجاوز ل 20 في وقت الذروة وخصوصاً أن عدداً كبيراً من السائقين توجهوا إلى نقل طلاب المدارس لما يعود عليه بأجر أعلى فهذه الأشهر تعتبر موسماً هاماً دون النظر إلى حال الآلاف من الركاب الذين ينتظرون بالطرقات بظروف جوية متقلبة رغم وجود قرار يمنع ذلك وهذا كان أحد أسباب الازدحام الخانق وفق اعتراف بعض السائقين.

تقول براءة (براءتنا ذاتها) وبكل براءة: إنها “تضحي بقميصها المكوي وحذائها اللامع وإنسانيها، فالمقاتل الذي لا يملك شيئاً يخسره هو من يربح الكرسي الأفضل والكرسي الأفضل في هذه الحالة يقع في زاوية السرفيس مما يوفر عليها الجهد في جمع الأجرة وعدم فضح فشلها في الحساب وكذلك لا تضطر للقيام والقعود والنزول والصعود”، ولا يزال لسان حال المواطن مواضباً على جملة الشكوى لغير الله مذلة، فهل الحلول للتخفيف من هذه المشاكل غير ممكنة هل يصعب ايجاد بدائل لتلافي الازدحام الخانق هل وجود مترو في الأفق البعيد غير موجود ضمن خطط إعادة الإعمار أو حتى توفير عدد أكبر من الباصات والسرافيس، هل سوريا الجديدة بمنظور التطور الذي يتكلمون عنه سيجد حلاً لهذه المشاكل، إذا ليس علينا سوى الانتظار والعيش على قيد الأمل، والأهم أن تبقى متأهباً للحاق بالسرفيس فالأمل قد ينقطع في حال استمرارك بالحلم ولم تشارك في مرتون الركض مما يتوجب عليك المكوث فترة أطول على موقف الإنتظار.

البدء بزراعة الرز هذا الموسم واعتماد أربعة أصناف تناسب مناخنا

علي محمود جديد

رغم أنّ الخطة الزراعية القادمة/2019 – 2020/قد أوضحت أن وزارة الزراعة اعتمدت أربعة أصناف من الرز الهوائي لزراعته في سهل عكار، فإن تلك الخطة لم تضع باعتبارها تحديد أي مساحة لزراعة هذا الأرز بعد، ولم تُحدد أي كمية متوقعة للإنتاج منه، أسوةً ببقية المحاصيل.

وكانت الهيئة العامة للبحوث العلمية الزراعية قد أعلنت مؤخراً تسجيل واعتماد الأصناف الأربعة من الأرز الهوائي كأصنافٍ مخصصة للزراعة في منطقة سهل عكار بمحافظة طرطوس، وهي الصنف (GZ 8450) يُعتمد في الجمهورية العربية السورية، ويُتداول تحت اسم (زاهد 1)

والصنف (LUXOr) يعتمد في الجمهورية العربية السورية أيضاً، ويُتداول تحت اسم (زاهد 2)

وكذلك الصنف (LB 469 PB 08) يُعتمدُ أيضاً ويُتداول تحت اسم (زاهد 3)

أما الصنف الرابع (Nericall) فيُعتمد أيضاً ويُتداول تحت اسم (زاهد 4)

ومنذ بداية العام الماضي 2018 كانت البحوث العلمية الزراعية قد بدأت استعداداتها لتطبيق زراعة الرز السوري الهوائي غير المغمور في بعض المناطق بعد أن عملت واشتغلت عليه خلال سنوات الأزمة التي سببت في ارتفاع أسعار المستوردات.

وقد أجريت العديد من التجارب على مدى ثلاث سنوات في سهل عكار وفي محطة بحوث زاهد بالتزامن مع قيام بعض الفلاحين بالتجربة وكذلك في محطة دبا في اللاذقية وكانت النتائج مبشرة حيث يصل إنتاج الرز في الهكتار إلى 6 طن باحتياج مائي من 8 آلاف إلى 9 آلاف متر مكعب مياه في الهكتار، إذ تجري الاستفادة من الرطوبة الجوية والأرضية في زراعة هذا النوع من الرز، وتشير بعض المعطيات إلى أن عدد الأصناف التي نجحت بلغت 19 صنفاً على أن يتم اختيار أفضل صنف من النوع القصير، كما نجحت زراعته في محافظة الرقة قبل الأزمة وتم تأمين المياه من نهر الفرات.

وتُقدّر تكلفة كيلو الرز الهوائي السوري الواحد بنحو 70 ليرة في حين يباع حالياً في السوق بـ 500 ليرة، أي أقل بمقدار 7، 1 مرة عما هو في السوق.

وكبداية سيزرع المحصول في مساحات بسيطة في سهل عكار ومنطقة الغاب، حيث تتم زراعته في نهاية الشهر الخامس ويحصد في بداية الشهر التاسع وينصح بالأصناف المبكرة كون الاحتياج المائي أقل وقبل هطول الأمطار، وينجح في التربة الطينية.

والمعروف أن الرز يزرع مروياً ويحتاج إلى الغمر المستمر، ولكن نظراً لوجود مشكلة نقص المياه ومحدودية مصادرها التي تعاني منها دول العالم، فقد بدأت مراكز أبحاث الأرز بالاتجاه إلى استنباط أصناف أرز جديدة، مبكرة في النضج ومقاومة للآفات وأكثر تحملاً للجفاف وذلك بالتهجين بين الأرز المروي عالي الإنتاج وأرز الأراضي المرتفعة المتحمل للجفاف، مع الاحتفاظ بمواصفات جودة الطهي والتخلص من الأمراض الناجمة عن زراعة الأرز المروي، وقد سميت الأصناف الجديدة بالأرز المتحمل للجفاف وغير المغمور بالمياه أو (الأرز الهوائي) يروى على فترات من 12- 15 يوماً بين الرية والأخرى في الأراضي الطينية الثقيلة والتي تحتفظ بالرطوبة لفترات طويلة.

الدكتور بسام سليمان، المدير العام للمؤسسة العامة لإكثار البذار، أوضح لل “الأيام” أن مؤسسة إكثار البذار هي عضو في لجنة تقييم الأصناف على مستوى سورية، فهي كانت مشاركة في تقييم هذه الأصناف الأربعة من الأرز الهوائي، موضحاً أنها أصناف هجينة تعتمد على مياه الأمطار وعلى الري أيضاً، ولم تعد بحاجة إلى الغمر الدائم كما هو معروف عن زراعة الأرز، فقد هجّنت هذه الأصناف الأربعة بطريقة تجعلها تتحمّل مياه الأمطار الغزيرة حتى ولو غُمرت الأراضي بالأمطار، وتتحمل الجفاف أيضاً – كما يتحمّل القمح – وعندها يُكتفى بريها مرة أو مرتين أو ثلاثة تبعاً لشدة الجفاف.

وبيّن الدكتور سليمان أن مؤسسة إكثار البذار كان لديها بعض الملاحظات عند تقييم هذه الأصناف، التي تعتمد في زراعتها على سلسلة إنتاجية، فهي تحتاج إلى مكنات خاصة للحصاد، ومن ثم إلى تقشير وتجفيف، سلسلة ما قبل الحصاد وما بعده، وقد تم الاهتمام بهذه الملاحظات واعتمادها، مؤكداً أن مؤسسة إكثار البذار ستقوم بدورها في تأمين بذار هذه الأصناف من الأرز عندما تبدأ زراعتها بشكل فعلي وواسع، ولكنها حتى الآن ما تزال في طور الاختبار والتجربة.

الحب. الحب. الحب

براءة الطرن

قبل عقد تقريباً بدّلت وزارة التربية المناهج الدراسية تبديلاً جذرياً من الشكل إلى المضمون، لم يعد الكتاب متوسط الحجم، ولم تعد الصور بالأبيض، والأسود، كانت خطة حكومية مدروسة لإضفاء اللون على حياة السوريين من أصغر التفاصيل إلى أكبرها، وإضافة النشاطات المنزلية، والترفيهية، كانت نقلة نوعية في التعليم أثارت الكثير من المفاضلات بين الماضي، والحاضر، مصلحة الوزارة، ومصلحة المواطن، الأمر الذي لا يعلق في الذاكرة كما تعلق تلك الشائعة التي تداولناها حينها: هدف الوزارة الأول حذف القصائد الغزلية من كتب اللغة العربية، واستبدالها بأخرى قومية تتغنى بالأمة، وعزيمتها.

أذكر جيداً ـ كما يذكر أصدقائي أيضاً ـ أننا في ذلك العام فتحنا كتاب اللغة العربية دوناً عن كل الكتب، وبحثنا بأكف متعرقة عن القصائد المقررة، لنتأكد من صحة اتهامنا الوزارة بالتشدد، والتزمت، وصحة اتهام الوزارة لنا بعدم صلاحيتنا للحب!

كانت غالبية القصائد عائمة في بحر من الأمجاد الماضية، العروش، الجماهير، والحرب، أما ما تبقى منها فيكتب عن المرأة بوصفها أرضاً، ووطناً، أو عن الأرض، والوطن بوصفهما امرأة، مما أثار حفيظتنا كمراهقين لدقائق معدودة، ما لبثت أن انتهت بدق الطبول ـ المقاعد المدرسية ـ توزيع العصائر، والشطائر، والاحتفال، لقد “نفدنا” من لغة امرؤ القيس، جميل، وبثيناه.

 كان احتفالنا ذاك سقطتنا الأولى، دفعنا ثمن الراحة، والتقاعس غالياً، ولكي لا نضطر لإعراب البيت هدمناه على رؤوسنا، التصقت بنا تهمة جاهزة، ومفصلّة على قياسنا ـ كما كل التهم حينها ـ وأصبح الجميع يعرفنا كأجيال باعت الحب بثمن بخس، لم يبحث أحد في الدوافع، ولا الأعذار المحلة، ولم يتكلف أحد عناء الغوص إلى دواخلنا، واستكشاف ما تحت الغوغاء، والضوضاء.

لم نمتلك الحب لنبيعه، لم نعرف شكله، ولا ماهيته، لم نصلح للكتابة عن الحب، القراءة عن الحب، والحب، كل ما عرفناه عن الأمر كان مشوهاً، ومشروطاً لا يستحق، لم نسمع الكلمة تنطق بشكل صحيح، لم نعش التجربة، ولم نتعلم أن “نحب أنفسنا أولاً”، لم نحدق في انعكاسنا على المرآة، لم نتعرف على أجسادنا، ولا أرواحنا.

ولد الحب في العائلة مطاطاً، يتوسع، ويضيق، مقترناً بأفعال يومية، ورتيبة كشرب كأس الحليب لتحبنا أمهاتنا، طي الملابس، ترتيب الأسرّة، التفوق على الأقران، ابن العمة، وابن الخال، كما تنفيذ الأوامر ليحبنا آباؤنا، النوم مبكراً، والكفّ عن مشاهدة التلفاز، أن نحبهم أيضاً دون التفكير في الأمر، أن نحب اسم العائلة، مذهبها، دينها، والمدينة التي يعود القيد إليها.

وكبر الحب في المدرسة أبكماً، لا يسمع، ولا يتكلم، مقترناً بأفعال يومية، ورتيبة كالالتزام بالزي المدرسي لتحبنا المعلمة، تسريح الشعر، تلميع الحذاء، تقليم الأظافر، حل الواجب، والكفّ عن النقاش، أن نحب المدرسة أيضاً دون التفكير في الأمر، أن نحب المديرة، المدرّسات، والصفوف.

نجحنا في اجتياز تلك المرحلة رغم الخسائر، والأثر العميق في نفوسنا غير المدركة النواقص، والعيوب، خرجنا للشارع نحمل مشاعر لا يعول عليها، نركل الرصيف، والأحجار، تركلنا الأزقة، والحواري، نلهث خلف الأمجاد الماضية، العروش، الجماهير، والحرب بما تخلفه في سياق ذلك من خيبات، وخوف.

كان الخوف أكثر الأشياء وضوحاً، وشفافية، لم نختبئ منه، ولم يختبئ منا، كان جلياً، جليلاً، نخاف رب البيت، رب المدرسة، ورب الشارع، نخاف الجماعة، الانتماء إليها، والخروج عنها، نخاف الرفض، ونخاف القبول، الخوف المحرك الأول للأجيال غير الصالحة للحب، والمثبط الأول أيضاً، فالخوف لا يجمع الأفراد بذات القوة التي يفرق بها الجماعات، ويدفعهم للتدافع في رحلة البحث عن مخبأ، وعلى الرغم من أننا لم نستطع أن “نحب أنفسنا أولاً”، إلا أننا استطعنا أن نخاف أنفسنا أولاً، ثم نخاف الآخرين.

نخاف المرأة، ولا نعرف سبب كون ما على الألف همزة حيناً، ومد أحياناً، الرجل، ولا نعرف الفرق بين الجنس، والنوع، كما نخاف أبناء النوع، العلاقات العاطفية، الأسرية، وعلاقات العمل، المرات الأولى الأكثر شغفاً، السعادة الخاطفة الأكثر صدقاً، الشفاه الأكثر شوقاً، العطشى حقاً، الحزب الواحد، والتعددية، السكين التي يهدد الجار بها لـ”شق الطابة”، الجار، والطابة، القيد المشدود إلى أعناقنا، القيد، والأعناق، القصائد التي أزالتها الوزارة، الشعراء، والوزراء.

نركض، نلهث، ونفشل، الخائفون فاشلون، غير صالحين أبداً للكتابة عن الحب، القراءة عن الحب، والحب.

فيروزتان في قلب شجاع

براءة الطرن

السادسة صباحاً، تستيقظ عمتي، تفتح المذياع، وتتجول في أرجاء المنزل، لا توقظنا، ولا تنادي أحداً باسمه، تترك المهمة لفيروز إذ ترفع صوتها فتقول “أحب دمشقا”، عمتي التي لا تسمح لنا بسماع الأغاني تستثني فيروز من القاعدة، بل تحشرها في آذاننا حشراً، تربطها بعقدة لا حل لها بالأشياء الأولى، الصباح، الاستيقاظ، الفراش، عروسة الزعتر، قهوة أبي التي يترك نصفها، ويرحل على عجل، صوت أمي المنادي للحاق بباص المدرسة، وصوت جرس المدرسة.

كانت فيروز صنماً من أصنام الساحات، نخفض الرأس عند المرور به كي لا يعرف أحد ماذا يلمع في رأسنا من أفكار إذ تلمع عيوننا، واجب علينا تأديته بفم مغلق، لها هالة من القدسية لا يجرؤ أي منا على مد يده للتأكد من ثباتها، كما لا يجرؤ أي منا على مد يده وتغيير المحطة، لا جدوى من ذلك أصلاً فكل الإذاعات تبث صوتها، وحده لا شريك له، قد يصدح صوت أختها في الخلفية أحياناً، لكنه لا يلبث أن يخفت، وقد يعلو صوت ابنها متشدقاً بفكرة ثورية، لا تلبث أن تهمد.

معرفتنا فيها “اجت ع زعل”، كنا صغاراً، وكانت تتدخل في كل شيء دون إذن مسبق، تغني لكل شيء كي لا تترك لنا حجة فنبحث عن آخر يحل محلها، غنت لكل العواصم العربية، والأوروبية، لليل، والصباح، للسكون، والحركة، للفظ، والأرز، العتاب، والغيرة، ليالي الشمال، وبيت الجنوب، لكل ما يخطر في البال، ما لا يخطر، وللبال أيضاً، أعطت الحب شكلاً، الفراق لوناً، الوداع بُعداً، والاحترام حجماً، متحلية بتلك الابتسامة الهادئة، والنظرة الثابتة، ذات الابتسامة التي تسميها عمتي “الابتسامة الصفراء” لو كانت صاحبتها سيدة أخرى غير فيروز.

كبرت وأنا أفهم الذين لا يحبون فيروز، أشعر تجاههم برابطة أخوية، أخاطبهم دون تكلف، أحدثهم عن عمتي، وشباك غرفتها المقفل دوماً، بينما يحدثونني عن الأغاني التي لطالما أثارت غضبهم، ضعف الحبال الصوتية لفيروز، والموسيقى المسروقة من ألحان غربية.

كان كرهنا لفيروز حلالاً، وصافياً أياً كان سببه، فالاضطرار للتمثيل أمام العائلة، والتمثيل أمام الأوساط الثقافية لا بأس به كدافع لثورة كامنة، تُطهى على نار هادئة، أو جمر إن صح القول.

وحين أتاحت لنا وسائل التواصل الاجتماعي وسيلة للإطاحة بالتماثيل بخسائر أقل من الوسائل الأخرى صرّحنا بكرهنا لهذه الظاهرة التي لن تتكرر حقاً ـوإن كان هذا ما يجعلها مقدسة إلى هذا الحد أحياناًـ كرهنا لآرائها السياسية التي لا تقل سذاجة عن آراء جارتنا أم خالد حين تبدي امتعاضها وهي تحفر الباذنجان، نظرتها إلينا كشعوب لا تقل فوقية عن نظرة البرجوازية التي تسكن في البناء الذي أعمل فيه، ولم تتنازل وتخبرني اسمها لأضعه هنا، وما إلى آخره من أسباب أرفقناها بطلب الاسترحام الذي نقدمه للـ”سميعة” ليكفوا عن “دحش” اسمها في عيوننا، صوتها في آذاننا، وأصابعهم الوسطى حين يلاحظوا عدم إعجابنا.

وكما كل الثورات التي تنحت كحبة مطر في صخرة يابسة، استطاع الممتعضون، والكارهون لفيروز مرة تلو الأخرى أن يخففوا حدة رد متعصبيها، وتثبيت وجهات نظرهم بدليل أن بعض الإذاعات وإن لم تتوقف عن تشغيل أغانيها عند الصباح، إلا أنها وعلى الأقل قللت الساعتين إلى ساعة ونصف.

لم تدم تلك الحقبة الهانئة طويلاً، جاءت فايا يونان لتقتل إنجازنا، وكما جاء ستالين أكثر قسوة من لينين، وأكثر بطشاً، جاءت “فيروز الجديدة” أكثر صفراوية، وأكثر تدخلاً، تغني لفيروز الأولى بـ”مطة” لم تستخدمها هي أصلاً، لها جمهور واسع، ومتعصبين أيضاً، بتناسب طردي مع قدرتها على اللعب بالعاطفة.

إلا أن حظها السيء جمعها بنا في حقبة كنا فيها كباراً هذه المرة، غير مجبرين على التمثيل أمام العمة، العائلة، والأوساط الثقافية، جمعنا أسبابنا لكرهها كـ”ظاهرة” في أقل من شهر، قبل أن يشيد أحدهم تمثالاً لها مثلاً، وهذا ما لم نقدر على فعله في عهد الأم التي سبقتها، صرّحنا بذلك في كل مرة ورد اسمها، اللحن الذي تستخدمه، أو الرأي الذي تحمله، الساذج ذاته، والفوقية ذاتها!

لم نعرف خير فيروز القديمة حتى جربنا غيرها.

فيروز الجديدة أكثر غلاظة ليس إلا.

ارسمني لأكتبك

براءة الطرن

صديقي يرسم، يرفض أن نسميه رساماً لأنه لا يمتهن هذه الموهبة، كما يرفض أن نسميه فناناً رغم أنه يتفنن في رسم أدق تفاصيل الوجه البشري، وينجح في التقاط تعبير عابر، لقطة في شارع، أو شخصية جانبية في رواية يابانية، يرفض التسميات ويفضل أن يظل حراً كما لوحاته التي لا تتبع مدرسة، ولا أسلوباً.

ولأني لا أؤمن بوجود حرية حق هنا تجاهلت طلبه، واستغللت تلك الموهبة لأتفاخر أمام الأصدقاء الآخرين عديمي المواهب، كما تتفاخر الصلعاء بشعر ابنة أختها، أقول “صديقي رسام”، “صديقي فنان”، مع تكرار تلك الجملة على لساني شعرت بثقل واجب ملقى على عاتقه تجاهي، على صديقي أن يرسمني!

كلما وضع “لايك”على صورتي الشخصية في فيسبوك أرسلت لأسأله “حلوة؟”، وقبل أن يجيب أكون كتبت جملة معاتبة، وحانقة “وعلى اعتبار أني جميلة لِم لم ترسمني بعد”، يرد مجاملاً “حلوة” فأضغط زر الإرسال، وأضغط صديقي بتبريرات يضطر لتبديلها كل مرة لأكف عن الإلحاح، لا سيما أني لا أترك فرصة دون تذكيره، في عيد ميلادي مثلاً طلبت هديتي بالاسم، والشكل، واللون، لم أفهم سبب رفضه الدائم، وتهربه المستمر، شتمته سراً، وانقطعت عن التواصل معه.

حين تخرجت من كلية الحقوق باتت الاتصالات تتوالى علي، بعضها مهنئ، وأكثرها مستشير، رغم أني لم أمتهن المحاماة بعد، ولا تؤهلني السنوات التي عملتها في مكتب محامي للإجابة، رفضت أن يسميني أحد أستاذة لاسيما أن الأمر مخالف لقانون تنظيم المهنة، مع ذلك تجاهل الكثيرون طلبي، وتم حشري في زاوية إما الإجابة، أو الشتم بحجة أني متكبرة، أو لا أفهم.

رغم أني لا أؤمن بعاقبة أفعالنا، لكن الأمر يبدو أكثر وضوحاً حين نقارنه، كنت أشرب من كأس لطالما سقيته منها، وكنا نشرب جميعاً من نبع واحدة، نبع “الموانة”، التي تفرض علينا أياً كان العمل الذي نتقنه أن نفعله بالمجان، في أي وقت، وفي أي مكان، دون أن يترك لنا مجالاً للرفض.

الموانة التي تسمح لأي شخص قريب منا، أو بعيد أن يأخذ جهدنا ليتباهى به، ينشره باسمه، أو يوفر به مالاً، يحرجنا، يضغط علينا لنجد مبررات نضطر لتبديلها كل مرة ليكف عن الإلحاح، فإن كنت رساماً قال “ارسمني”، كاتباً “اكتب عني”، مغنياً “غن لي”، طبيباً “هذا دائي”، صيدلانياً “ما الدواء”، محامياً “ما الحل؟”، شاعراً “ما الشعور؟”.

فهمنا الاشتراكية أكثر ممن وضعها، وطبقناها دون حدود، فلا قيمة لأي فعل فردي، على الجماعة أن تكون سعيدة، وسعادة الجماعة في الصمت، والإذعان.

تذكرت صديقي بعد هذا العصف الذهني، ونقد التصرفات الاجتماعية التي نبدي لها ما يكفي من استنكار، واستهجان.

أرسلت تحية، واعتذار، بعد الأخذ، والرد، وتبادل الأخبار، قلت له “سأكتب عنك في الجريدة”، وقبل أن يسأل عن مضمون المادة أكملت “ترسمني في المقابل”.