ثقافة الانترنت.. حيث يغرد العصفور بعيداً عن صاحبته!

قررت هيئة البريد الأميركية، تكريم الشاعرة مايا أنجيلو (1928 ـ 2014)، فنظمت احتفالاً كبيراً دعت إليه الكثير من مشاهير الأدب والفن والسياسة، وعلى رأسهم سيدة البيت البيض آنذاك، ميشيل أوباما، والإعلامية الشهيرة أوبرا وينفري.

وبموازاة الاحتفال هذا، كانت الهيئة قد وزعت ثمانين مليون نسخة من طابع أصدرته للمناسبة، وتصدرته عبارة من المفترض أنها درة أشعار أنجيلو “لا يغني العصفور لأن لديه إجابة.. يغني لأن لديه أغنية”.

مضى يوم التكريم على ما يرام، غير أن صباح اليوم التالي حمل فضيحة من العيار الثقيل، إذ كتب محرر في صحيفة الـ “واشنطن بوست” مقالاً كشف فيه أن بيت الشعر الذي حمله الطابع ليس لمايا أنجيلو، بل للشاعرة وكاتبة قصص الأطفال، جوان ويلش إنغلاند، وهو موجود في مجموعتها “فنجان شمس” المنشورة عام 1967.

هيئة البريد ردت ببساطة أنها كلفت، لاختيار بيت الشعر، مستشاراً ثقافياً بارزاً وموثوقاً، والذي اتضح أنه استشار “غوغل” وحسب، والغريب أن محرك البحث الأشهر على النت قدم للمستشار يقيناً لا يقبل الدحض: مئات المواقع وصفحات الفيسبوك وآلاف التغريدات.. كلها تجمع على أن مايا أنجيلو هي من قالت “لا يغني العصفور لأن لديه إجابة..”.. تدخل كثير من الأدباء والنقاد والصحفيين في النقاش المحتدم.

أحدهم تعقب أصول هذا الخطأ الشائع، ليكتشف أن القصة تعود إلى أكثر من عشرين سنة على الأقل، وخلالها ترسخت، في العالم الافتراضي، نسبة البيت الشعري إلى الشاعرة المحتفى بها، فيما ظلت صاحبة البيت الفعلية غائبة تماماً. ويبدو أن الأمر كان من البداهة ما جعل باراك أوباما يستشهد في أحد خطاباته بالعصفور والأغنية، موضحاً: “كما قالت شاعرتنا الكبيرة مايا أنجيلو”.. لكن الأغرب هو أن أنجيلو نفسها ذكرت العبارة في سياق حوار لها مع صحفي يوناني في العام 2013.

لم تنسبها صراحة لنفسها ولكنها أيضاً لم تنسبها إلى أحد آخر.المصدر الأصلي لهذا الخلط ظل مجهولاً، لكن المرجح أن ناشطاً فيسبوكياً كان يحفظ بيت الشعر هذا، وكان كذلك يحفظ عنوان ديوان أنجيلو الأشهر “أعرف لماذا يغرد الطائر الحبيس”، فاعتقد أن هذه العبارة لا بد أن تكون من هذا الكتاب..وإضافة إلى مايا أنجيلو فإن عبارة إنغلاند هذه قد طافت على أناس آخرين، إذ نُسبت في مواقع وحسابات فيسبوكية عديدة إلى حكيم صيني، وكذلك إلى مدرب كرة قدم هولندي.. وكأن ثمة إصراراً على انتزاع هذه العبارة من الشخص الذي كتبها لأول مرة، وهو الوحيد، بالتالي، من يستحق أن تنسب إليه!.

انتهت القضية بتقييدها ضد مجهول، غير أن سؤالاً مقلقاً كان خرج إلى العلن: إذا كانت الثقافة، في عرف كثيرين، هي حافظة الذاكرة الجمعية، فهل ثقافة الانترنت مؤهلة لهذه المهمة الخطيرة؟ كيف نطمئن على ذاكرتنا الجمعية، والفردية كذلك، في عالم يبدي كل هذا الحماس للاحتفاء بالنسيان؟.والأهم: إذا كان هذا قد حدث في مكان مزدحم بالقراء والنقاد والصحفيين المدققين، فكيف سيكون الحال عندنا؟!.

كل ما في الأمر أنني مشتاقة للمدينة

زينة شهلا

لسوء الحظ، وأحياناً ربما لحسن الحظ، أعجز عن تذكر الكثير من تفاصيل حياتي قبل العام 2011.

تتراءى لي في معظم الأحيان خطوط وملامح عريضة، ووجوه غاب معظمها اليوم، وذكريات يشوبها التشويش، وأشعر بامتياز ما لأني تمكنت من الاحتفاظ -داخل معمعة الحرب- ببعضِ ما يمكن أن يعينني على استرجاع تلك الحياة السحيقة في قدمها. فمثلاً، لا زالت لدي بعض من الكتابات التي لا تستهويني كثيراً إعادة قراءتها، لكنني اليوم أتمنى لو كانت أكثر.

لو كنت أعرف أننا سنعيش حرباً ستسلب معظم ذاكرتنا، لربما كنت دوّنت بكثافة أكبر.

إلى جانب ذلك، لديّ محفظة كبيرة بعض الشيء، فيها بطاقات حضور مئات العروض المسرحية والموسيقية، لا أدري لماذا كانت لدي هواية الإبقاء عليها وعدم رميها بعد كل عرض أو حفل أحضره، رغم مشاحناتي الدائمة مع أمي، التي كانت ترى فيها “كراكيب لا لزوم لها، ولا مكان لها في المنزل”.

كنت أهوى المسارح ودور العرض على اختلافها، وأشعر بسكينة غريبة بين زواياها، وأحب اقتناء كل ما يتعلق بها.

عملتُ عدة مرات كجزء من الطاقم الفني لبعض العروض المسرحية، وكانت أجمل الأيام تلك التي قضيتها بأكملها داخل المسرح، خاصة عندما يكون فارغاً تماماً من الحضور، رهيباً بصمته وصدى الصوت بين جدرانه.منذ فترة، وبعد حضوري لإحدى المسرحيات في دمشق، تذكّرت فجأة تلك الحقيبة القديمة، ودفعني الفضول لإخراجها من تحت أكوام الغبار، ولقضاء ساعات وأنا أتفحص محتوياتها.

مئات البطاقات والكتيّبات وبرامج الحفلات والمسرحيات، والتي يعود تاريخ أولها تقريباً إلى العام 1997، وأعتقد أنه العام الذي بدأتُ فيه بالاهتمام بهذه العروض، ويتركز كثير منها بين العامين 2000 و2011.

إلى جانب تلك البطاقات، وجدتُ قصاصات ورق صغيرة، كنتُ أكتب عليها فيما يبدو انطباعاتي بعد انتهاء كل عرض. شعرتُ بدغدغة جميلة في قلبي وأنا أقلّب أكوام الأوراق التي خرجتْ عنوةً من الحقيبة؛ وكيلا أنجرف في سيل من الحنين المؤذي، ذكّرت نفسي بأن كل ما تفعله قسوة الحاضر عادة، هو تجميل الماضي في أذهاننا. هي الذاكرة الانتقائية ليس إلا، والتي تنسينا كل ما هو قبيح، وتوهمنا بأن ما عشناه يوماً أفضل دون شك مما نعيشه الآن.

يوشوشني صوت دفين: “لا. ليست ذاكرة انتقائية. كانت فعلاً أياماً مختلفة. أتتحدثين عن المسرح؟ كنتِ فعلاً تستمتعين بما تقدمه لك خشبات المدينة، صغيرة كانت أو كبيرة، فخمة أو متواضعة. الموسيقا والحفلات؟ كانت لها نكهة مختلفة دون شك. كانت حقيقية.

أما اليوم فأنتِ مضطرة للبحث بالسراج والفتيلة عن أي متعة فنية، واجترار ما يقدم لك من عروض، كثير منها لا قيمة له سوى أنه الوحيد المتاح. يعني بالعامية: أحسن من ولا شي”.

أعادني كل ذلك لحديث دار منذ أشهر، عند زيارة صديق من لبنان لدمشق، وهي المرة الأولى التي تطأ فيها قدماه المدينة بعد سنوات الحرب. لم ينفك ذلك الصديق يقول لنا باندهاش: “تبدو دمشق كمدينة لا تزال حبيسة ثمانينات أو تسعينات القرن الماضي. كل شيء قديم، ورمادي، وكأن الزمن توقف فيها عند لحظة معينة لم تعد بعدها عقارب الساعة قادرة على الدوران”.أثارتْ فضولَ ذلك الصديق “السياراتُ العجوز المتصابية” ـ إن جازت لي استعارة التشبيه من إحدى زميلات المهنة ـ والتي تسير مختالة في شوارعنا رغم أن عمر كثير منها يصل إلى ثلاثين أو أربعين أو خمسين سنة خلت، وأذهلته ملامح الحياة التي تنمّ عن قِدَمٍ لم يتوقع أن يشهده في عاصمة بلد ما ونحن في القرن الحادي والعشرين.أحزنتني تعليقاته.

أردتُ الدفاع أمام هذا الغريب عن مدينتي، وعن نفسي، وكأنه يوجه لي اتهاماً مباشراً. نظرتُ حولي أستنجد بزوايا المدينة كي تستلّ معي سيوف الدفاع من أغمادها، فلم أجد سوى مسرَحين بمقاعد متآكلة؛ وسينما أغلقت أبوابها، وأخرى يُكلف حضور الفيلم فيها للعائلة الواحدة ثلث الراتب الشهري لموظف حكومي؛ وبعض المقاهي التي ربما لا زالت على حالها، لكن معظم روادها رحلوا. لا أدري إن بدت لي المدينة قديمة كما قال، لكن، أيقنتُ للحظة ألا روح بين زواياها، ولا بريق في عيون أهلها.

طأطأت رأسي وأعدتُ أسلحتي الوهمية إلى مكانها. لأعترف بصوت مرتفع: أنا اليوم مشتاقة لدمشق، لشوارعها، ومسارحها، وحفلاتها، وموسيقاها، وممثليها وعازفيها وفنانيها. أنا مشتاقة لدمشق، بكل ما فيها.

“اليوتيوبرز”.. أن نجعل من الحمقى مشاهير!

فاطمة عمراني

تستيقظ صباحاً لتجد فجأة أن ثلاثة أو أربعة من أصدقائك وقد تحولوا إلى يوتيوبرز. أحدهم صار كوميدياناً، والآخر صار خبيراً تقنياً، والثالث مدرّباً في الذكاء العاطفي. وعلى الأرجح ستكون النتيجة أن تخسر ثلاثة أو أربعة من أصدقائك، دون أن تكسب كوميدياناً خفيف ظل، أو خبيراً تقنياً موثوقاً، أو مدرب ذكاء عاطفي ذكياً أو عاطفياً..

من بوابة “اليوتيوب” الواسعة، بات بإمكان أي شخص أن يسطع نجمه تحت أضواء الشهرة التي لم تعد تقتصر على شاشات التلفاز، فرأسمال النجومية اليوم كاميرا الهاتف المحمول وحساب على موقع اليوتيوب فقط!

و”اليوتيوبر” هو اسم يطلق على صانعي المحتوى في موقع اليوتيوب، والذين بطبيعة الحال، باتوا يزاحمون الممثلين والمطربين على السجاد الأحمر وعدسات “الباباراتزي”.

وما بين حالم بالشهرة، وطامح بالغنى، أو حتى راغب بإفادة المجتمع، تتباين أهدافهم، لتصبح مهنة “اليوتيوبرز” اليوم مهنة رسمية كمهنة المعلم أو الطبيب أو المهندس، ولا يُستبعد أن يؤسسوا نقابة يوتيوبرز في القريب العاجل.

ومع اختلاف ثقافة المجتمعات والبيئات والجمهور المستهدف، يختلف المحتوى الذي يقدمه هؤلاء، ففي نهاية العام 2018، أصدرت مجلة فوربس تقريراً يسلّط الضوء على أبرز مشاهير يوتيوب على مستوى العالم والذين حققوا أعلى أرباح في العام من خلال قنواتهم على الشبكة الاجتماعية المتخصصة في محتوى الفيديو.

وعلى الرغم من أن القائمة لم تختلف كثيراً عن السنوات الماضية، واستمرّت بالأسماء نفسها مع اختلاف المراكز، فإنها تعطي إشارات شديدة الأهمية بخصوص نوعية المحتوى الذي يستهوي جمهور يوتيوب.ومن أنماط محتوى الفيديو التي لا تزال شعبية للغاية على موقع يوتيوب، والرائجة عربياً: التدوين المرئي، ودروس الماكياج والتجميل ومراجعة الألعاب والبرامج، دروس الحاسوب والتقنية، الطبخ، العزف، النقد الفني، الستاند أب كوميدي، وغيرها الكثير.

نحو 180 مليون دولار هو إجمالي الأرباح التي حصدها العشـرة الأوائل فقط من مشاهير يوتيوب خلال هذا العام، جميعهم من الذكور مع غياب العنصر النسائي تماماً.

رأس هذه القائمة هو الطفل “رايان” الذي لم يتجاوز الثامنة من عمره بعد، بينما بقية اليوتيوبرز تتراوح أعمارهم بين العشـرينيات ومطلع الثلاثينيات، وتختلف توجهات المحتوى الذي يقدمونه، وإن كانت جميعها تتركز في “الترفيه” فقط.

“الثقافة لا تكسب عيشاً والأفكار لا تطعم خبزاً” مبدأ اقتنع به كثير من العاملين في حقل الثقافة سواء كانوا كُتاباً أو أدباء أو شعراء أو حتى صحفيين، لكن الباحث الاسكتلندي ماثيو ماكيفر لا يتفق مع هذه القناعة السائدة، فبرأيه أن الأفكار تجني كثيراً من الأموال وتصبح مربحة عند عرضها بالطريقة الصحيحة على الوسيلة المناسبة، ويضرب المثل بمقاطع الفيديو الثقافية والترفيهية المنتجة جيداً على منصة الفيديو يوتيوب، التي تجني بالفعل مشاهدات هائلة وأرباحا في كثير من الأحيان مما يجعلها مزيجاً رائعاً من الأموال والأفكار، حتى في مجالات صعبة ولا تحظى بمتابعين كُثر مثل الفلسفة، ويبدو أن “اليوتيوبرز” هم الأقرب لإدراك أن الأفكار تتمتع بالفعل بجاذبية كبيرة ولهذا استفادوا من هذا “السوق” بنجاح.

ويبلغ متوسط تحقيق الربح عبر اليوتيوب من 0.5 إلى 2 دولار أمريكي لكل 1000 مشاهدة على اليوتيوب اعتماداً على مكان المشاهدين والجمهور المستهدف. هذه الأرقام تتباين لكن معظم القنوات تحصل على متوسط 0.5 دولار أمريكي لكل 1000 مشاهدة.

الرغبة في مزيد من الشهرة والأرباح قد أشعلت الحرب بين اليوتيوبرز، حيث أن وصول اليوتيوبرز السورييَن، بيسان إسماعيل ومحمد جواني، إلى المليون متابع قد “ضغط” منافسيهم في “الكاريير”، فعبرا عن لا مبالاتهما بأغنية تقول: “الكل فاتح قناته وعم يحكي مع حاله، جبنا المليون وهو بعده بمكانه، مضغوط جبنا المليون، مضغوط من الساحة هون (أي بألمانيا)”.

“انضغاط” المتابعين والحاقدين والحاسدين كان بسبب شهرة بيسان وجواني التي اكتسباها بفضل فيديوهات مقالب بين الأخيرين على شاكلة: “مقلب أنا حامل”، “مقلب صابني السرطان”، “مقلب البوسة”، “مقلب القتل” وغيرها.

أما اليوتيوبر السوري وسام تيكيت فيبدو أن السماء لم تعد تسع نجوميته بعد سلسلة الفيديوهات الساخرة “مأفّل” التي أطلقها، فغنّى: “مين بجيبنا نحنا، شوفنا وين صرنا”.

المتابعون، بدورهم، “جربوا نار الحيرة”، فوجدوا أن عمرواً من الناس يهاجم زيداً و”فانزات” كل منهما قد وقعوا في بعضهم البعض.. وكل منهم يؤيد الطرف الذي يتابعه دون تفكير. والنتيجة؟.. لا شيء.. تنتهي الحرب وينطفئ التريند ويعود كل يوتيوبر إلى منزله محملاً بآلاف المتابعين الجدد والكثير من الأرباح التي دخلت جيبه والشهرة التي زادته فخراً بنفسه وغروراً واعتداداً بأفكاره وتمسكاً بها!

ولكن كمتابع ما هي الفائدة التي عادت عليك من هذه الحرب؟ فقط رفد اليوتيوبرز بمزيد من المكاسب المادية والمعنوية.

بالمجمل، تعمل الشبكات الاجتماعية على مبدأ “فلنجعل من الحمقى مشاهير” لجذب شريحة أكبر من المُستخدمين، ومن ثم التغنّي بنمو نسبة الاستخدام السنوية أمام المُعلنين، فيصبح اليوتيوبر شحاذاً يستجدي “لايك” المتابعين و”جرسهم”.

تيم حسن.. أيها الخائن

ياسر جمعة

أيها الفتى الموهوب استيقظ..

نحن متحدرون من أجداد كانوا ينحرون جملاً حين تظهر موهبة الشعر على أحد فتيان القبيلة، وهكذا فعلنا قبل عشرين عاماً حين رأيناك تلتقط تفاحة من يد اليمامة حين تعرفنا عليك هجرساً.

ما الذي تفعله؟ كيف استطعت ان تنزل في حياة واحدة من عبود الانتظار إلى مجرد جبلٍ في هيبة؟

كيف استطعت بهذا الزمن القصير أن تنحدر كل هذا القدر؟

كيف يستطيع رجل واحد بجيل واحد أن يهدر كل تلك الموهبة ويعاملها بهذا الازدراء؟

أنت حر في حبك وزواجك وطلاقك، لك اختيار نوع الأبوة الذي تريد في علاقتك بأبنائك، وتناقل حياتك الشخصية هو محض ثرثرة. وما يخصنّا هو ما تقدمه فيتربى عليه أبناؤنا. 

لذلك من هو الأحمق  الذي أخبرك ان الفتيات ساذجات ويحببن الشاب فارغ العقل ممتلئ العضلات؟ ألم تعترف لك فتيات كثيرات أنهن ذرفن الدموع في مراهقتهن وهنّ يحلمن بعاشق برجولة عبود، أو زعرنة جميل؟.

من المستشار المالي الجاهل الذي أخبرك انك لن تحصل على ٧٠٠ الف دولار اذا ما احسنت اختيار اداورك، واجتهدت في أدائها؟

كن صادقاً مع نفسك، وتذكر البهجة التي غمرتك وأنت تقرأ نصاً لحسن سامي يوسف ونجيب نصير، وأنت تعرف أنك ستكون احد الأبطال الذين سيجسدون هذا النص، وكنت تعرف أكثر كم ستشبهنا وأنت تلخصنا من خلال فتى الدويلعة اليتيم. 

هل تذكر المعنى الذي ملأ روحك وانت تراقب عمال المطاعم وسائقي التاكسي كي تصنع شخصية جميل في “زمن العار”؟ هل تذكر التحدي الذي فرضته سلافة المعمار عليك وأنت تقف امامها؟ ألا يدفعك تذكرها للتثاؤب وأنت تقف أمام تلك الجميلات البلاستيكيات.

هل تذكر لغتك العربية الفصحى السليمة؟ هل تذكر علي التغريبة وهو يقول: “خيّا”؟ هل تذكر الاعتزاز؟ الفخر؟ هل تذكر المعنى والعمق والمسؤولية؟

نحن نذكر. نذكر جيدا، نذكر أكثر مما تتصور.  

لأننا ضقنا ذرعاً بأنصاف الموهبين، وضقنا أكثر بالموهوبين المستهترين بنا وبموهبتهم.

يليق بنا بعض الجودة بعد كل هذه الرداءة التي نأكلها ونشاهدها ونسمعها ونمشيها ونسكنها.

أنت واحد من المواهب التي أنجبتها هذه البلاد اليائسة.. ويحك لا تزد من يأسها.

أنت موهبة أنجبتها بلادٌ لم يفز منتخبها بكرة القدم بمباراة ذات قيمة منذ عقود، وهي بلاد دفعت الحرب بأهلها إلى اليأس، لا تزد عليها أيها الشاب. 

لم يعد في قلوبنا متسع لمزيد من الخسارات ولا من الخذلان، لهذه البلاد عليك حق، وحقها عليك (مثلما علينا جميعاً) أن تعود جيداً حين تمارس عملك.

أكلناها.. الفتنة أشد من الأكل

فاطمة عمراني

حين يدق عقرب التاسعة مساء كل خميس، وعلى قمر “النايل سات” بتردد 12360 عمودي، يغدو بإمكان باسم ياخور الاشمئزاز من المثليّين، ويستطيع محمد حداقي الادعاء بأن مؤامرة تحاك ضده، وتقدر شكران مرتجى أن تصنع من باسل خياط آل باتشينو العرب.

أما أيمن رضا فيكذّب ياخور ويخرّب بريستيجه، والفاتنات اللبنانيات كباميلا الكيك وداليدا خليل ورولا شامية “يتمايلنَ” على أغاني ناصيف زيتون وحسين الديك.

الشيف اللبناني، أنطوان الحاج، يتفوق على نفسه، ويخترع مدرسة جديدة في فن طهي الأطباق التي ستزين “الطاولة متعددة المهام: الحوار والأكل”، كخد الجمل بالفانيليا، وحوافر الخراف المغطاة بمربى الفريز، وعصير التفاح الممزوج بماء السردين الحار.

يبلع ضيوف “أكلناها” الموس على الحدين، فإما الإجابة على سؤال محرج وجريء، أو تذوّق أطباق مدرسة الشيف أنطوان الجديدة.

وعلى مدار ستين دقيقة، يحاول كل من باسم وضيفه أن يتظارفا بكوميديا زائفة، بالرغم من عدم قدرتهما على النطق بما هو مضحك فعلًا، لتبدو الحلقة متخمة بثقة زائدة بالنفس، تبدو واضحة عند تأليف الأغاني التي ظهرت مشوهة أكثر من التلوث السمعي الذي يثيره صوت شوفير سرفيس على خط مهاجرين صناعة.

“تمسيح الجوخ” يختص به بعض الفنانين دوناً عن غيرهم، فيما يسعى آخرون لإثارة البلبلة عبر تصريحات “تكركب” الوسط الفني، ليصبح الممثلون والمغنون والإعلاميون كـ “النوّاحة والرّدادة”.

البرنامج الذي يفترض به أن يكون “باباراتزي” النجوم، انحرف ليرسخ مفهوم الشناعة في قلوب المشاهدين، حيث يجد الضيف نفسه دوماً أمام خيارين شنيعين لا ثالث لهما، ويحتار أي القبيحين يختار، فإذا امتنع على الإجابة عن سؤال من قبيل “من هو الممثل الغبي الذي لا يمكن لك العمل له؟”، ما عليه إلا أن يرضخ لعقوبة ياخور القبيحة، المتمثلة بتذوق قطعة من الطعام المقزز، أما إذا قرر أن يكون وفياً لطبيعة الحقيقة التي يؤمن بها، فعليه أن يتحمل تقزز جمهوره المحب له من وقاحته وصراحته الصادمة، كما عليه أن يعد عدّة الحرب التي قد يشنّها زملاؤه الفنانون الذين تعرّض لهم على نحو علني فاضح.

وقد يتساءل المشاهد، ما جدوى أن يُسأل الفنان أيمن رضا عن رأيه في أكثر ممثلة سورية تنال تكريمات وجوائز لا تستحقها، أو أن يُطلب من الفنانة ديمة بياعة اختيار الممثلة رقم واحد ما بين والدتها مها المصري وخالتها سلمى المصري، أو أن يُستفسر من الفنان عبد المنعم عمايري عن أكثر ممثل يدّعي النجومية في الوسط الفني، أو حتى أن يُسأل الممثل محمد حداقي عن موقفه من قيام ابنته بإقامة علاقات جنسية حميمة خارج إطار الزواج؟!

من جهة أخرى، كان تعمّد ظهور ياخور بمظهر الفنان الشامل العارف بكل شيء منفراً، فمن إصراره على افتتاح حلقاته بالرقص كنوع من الترحيب بالضيوف إلى استعراض قدرته على الغناء، ومشاركته في إعداد الطعام، بدا الهدف واضحاً: التأكيد على شخصية الفنان الشامل الذي يزاوج بين خفة الدم والحنكة والمهارة الإعلامية.

وبالرغم من أن برنامج “أكلناها” قد حصد نسب مشاهدة عالية قياساً بالبرامج المشابهة، إلا أن ذلك لم يجعله بمعزل عن التهريج وانعدام المضمون الحقيقي الذي تتميز به البرامج السورية عادةً، عدا عن الأجواء السلبية والمبتذلة التي عجز التضاحك والتقهقه عن تغطيتها.

يذكر أن برنامج “أكلناها” مستوحى من فقرة Spill Your Guts or Fill Your Guts الشهير ضمن برنامج The Late Show الذي يقدّمه الممثل والكوميديان البريطاني جيمس كوردن على شبكة CBS الأميركية.

أن تظلم آخرين إذ تقرأ كتاباً!

“بسطة فكتوريا ليست مكتبة الإسكندرية في النهاية. عناوينها محدودة ومعظمها يتوزع، أصلاً، على خمسة أو ستة مؤلفين طُوبوا، بفضل مزاج البائع وحده، على أنهم الأكثر شهرة ومبيعاً..”، هكذا برر قارئ سوري، متعصب للورق، لجوءه أخيراً إلى قراءة الكتب الالكترونية على “تاب” اشتراه له أولاده وظل مركوناً طيلة سنوات العناد وطغيان النوستالجيا.

لا يحمل هذا الاستسلام أي طابع بطولي، إنه قرار متأخر وحسب، لا سيما وأنه يأتي في أعقاب قرارات استسلام مشابهة، منحتها أسماء أصحابها دوياً وصخباً.

في ندوة استضافت الكاتب والمفكر الإيطالي الشهير امبرتو إيكو، قبل وفاته ببضعة أشهر، اعترف صاحب “اسم الوردة” بأنه رضخ للتكنولوجيا أخيراً، إذ اصطحب في إحدى سفراته جهازاً لوحياً محملاً بأربعة عشر كتاباً اختارها لمرافقته. وقال إنه حسب المسألة بطريقة ميكانيكية بسيطة، فيده ستكون عاجزة بلا شك عن حمل رزمة من أربعة عشر كتاباً، وهو ببساطة لم يجد بداً من الموافقة على أن تُضغط هذه الكتب في جهاز صغير يملك حجم ووزن كتاب واحد.

يبدو، إذاً، وكأن الكتاب الالكتروني في طريقه إلى الهيمنة، مع ما يتمتع به من ميزات تفضيلية: سهولة حمله، وقلة تكلفته المادية، وعدم حاجته إلى حيز مكاني بخلاف الكتاب المطبوع، إضافة إلى احتوائه على خاصية الوسائط المتعددة.

غير أن المسألة لا تزال بعيدة، قليلاً أو كثيراً، عن أن تحسم بسهولة، إذ تفاجئنا الإحصائيات العالمية بأرقام تعكس مسار التوقعات، منها، مثلاً، ما توصلت إليه دراسة لاتحاد الناشرين الأميركيين، منذ بضع سنوات، والتي أفادت بتراجع مبيعات الكتب الإلكترونية بنحو 10 في المئة.

هكذا يبدي الكتاب الورقي مقاومة عنيدة، مستنداً إلى مزاج شرائح واسعة من القراء، ممن يعتبرون أن علاقتهم بالكتاب تتجاوز تلك المقولة المبسطة “مضمون يُقرأ بأي شكل وعبر أي وسيلة”، فهؤلاء يرون أن للقراءة بعدٌ وجداني عاطفي، وإضافة إلى العقل هناك حواس يجب أن تأخذ نصيبها من الكتاب: أصابع تستمتع بلمس الأوراق، وأنف يتلذذ بشم رائحتها، وعين تبهجها ألوان الغلاف وأشكال الحروف السوداء المنثورة على بياض الورق.

في مقال له تحت عنوان «لماذا نقرأ الأدب»، يعترف ماريو فارغاس يوسا بأن الانترنت يؤدي للكاتب مساعدة لا تقدر بثمن؛ لكن «امتناني لهذه الراحة لا يتضمن اعتقاداً بأنه يمكن للشاشات الإلكترونية أن تستبدل الورق، أو أن القراءة بالكمبيوتر يمكن أن تفي للقراءة الأدبية».

ويقرر يوسا هذا التوزيع للمهام: فالكمبيوتر يفي بمتطلبات القراءة الوظيفية التي نبحث بها عن معلومة أو تواصل سريع. أما قراءة الأدب، القائمة على الأحلام ومتعة الكلمات والإحساس بالحميمية والتركيز العقلي والعزلة الروحية، فلا يمنحها إلا الكتاب الورقي.

وهو سرعان ما يختبر هذه القسمة على نفسه: «على الرغم من أني أستمتع بتصفح أخبار العالم من خلال الانترنت، لا يمكن أن أذهب للشاشة لكي أقرأ شعراً لجونجورا، رواية لأونيتي أو مقالاً لباز..».

ثم يصل الروائي الشهير إلى هذه النبوءة: «أنا مقتنع، بالرغم من أني لا أستطيع إثبات ذلك، بأنه مع اختفاء الورق سيعاني الأدب من ضربة مهولة، وربما مميتة».

لكن عند الحديث عن الكتاب الالكتروني في سوريا وفي العالم، فإننا نتحدث عن أمرين مختلفين، إذ أن الكتاب في أوروبا أو الولايات المتحدة، مثلاً، يبقى كتاباً، سواء كان ورقياً أم الكترونياً. يدفع القارئ مالاً لقاء أي منهما، محافظاً على حقوق الناشر والمؤلف، مما يحصر المنافسة بين الورق والتكنولوجيا في دائرة الثقافة، ويرهنها بمزاج القراء وتفضيلاتهم وميولهم وحسب.

هنا المسألة مختلفة تماماً، إذ أن المكتبات صارت، بحكم الأمر الواقع، أمكنة محظورة على كثير من القراء، وأسعار الكتب التي تقفز مع تقافز الدولار حولت المطالعة إلى ترف مكلف. بالمقابل توفر شبكة الانترنت طريقاً سهلاً إلى عدد لا يحصى من الكتب المجانية، في مختلف المجالات والتخصصات، يوفرها قراصنة خيرون لا هدف لهم إلا خدمة الشغوفين بالقراءة، ورغم غياب أرقام إحصائية دقيقة فإن المؤشرات (والتحليل المنطقي كذلك) ترجح أن الكتب الالكترونية صارت تحتل المرتبة الأولى في خيارات القراء، متسببة في تعميق أزمة الناشرين والمؤلفين، المأزومين أصلاً بفعل الأمية الثقافية وشروط الرقابة والظروف الاقتصادية الصعبة.

يقول ناشر عربي (مدير الدار العربية للعلوم)، في حوار صحفي، إن “الكتاب الإلكتروني العربي لا يُشكل تحدياً فعلياً للكتاب المطبوع، إلا أن القرصنة هي التحدي الأكبر في هذا الإطار”. ويضيف: “مسيرة الكتاب الإلكتروني بدأت بصيغة «بي دي أف»، وعمد المزورون إلى تصوير الكتب المطبوعة ونشرها على شبكة الإنترنت مجاناً، الأمر الذي يخالف حقوق النشر والملكية في كل دول العالم”.

إضافة إلى القرصنة، يشير الناشر إلى مشكلة أخرى فرضتها التكنولوجيا: “يواجه الكتاب العربي أزمة قارئ، إذ ساهمت التقنيات والتكنولوجيا التي دخلت إلى عالمنا العربي، في استنزاف وقت القراءة، إضافة إلى غياب ثقافة القراءة في وسائل النقل، ما يزيد من معاناة الكتاب ودور النشر على حد سواء”.

في دول كثيرة من العالم، بدأ العمل على مكافحة هذه القرصنة من خلال إدخال طرق تكنولوجية لحماية الملكية الفكرية تمنع تصوير الكتاب أو نشره من دون موافقة دار النشر، ولكن الدول العربية، وبينها سوريا، لا تزال عاجزة عن ذلك.

ولكن هل المطلوب حقاً أن نقوم بإجراءات من هذا النوع؟ من الذي سيستفيد منها؟.

يقول شاب احترف تصوير الكتب الورقية بصيغة «بي دي أف» ونشرها على النت مجاناً، إن ” اتخاذ إجراءات تمنع عملنا هذا لن يفيد أحداً.. ستكون إجراءات عبثية تماماً، فالقراء الذين سيحرمون من خدماتنا لن يهرعوا إلى المكتبات لشراء الكتب الورقية، ولن يتحولوا إلى الدفع الالكتروني للحصول على نسخ الكترونية نظامية.. على الأرجح سيتحولون إلى الفيسبوك وتويتر، فهناك بإمكانهم أن يصبحوا كتاباً أيضاً”.

ويسأل: “كن صريحاً مع نفسك. عندما تذهب بعد قليل وتقرأ كتاباً على شاشة كمبيوترك، فهل ستشعر بالذنب إزاء أي أحد؟”. ويجيب: “لا طبعاً، إذ أنك سوف تقف أمام بديلين شبه مستحيلين: أن تصرف راتبك كاملاً لقاء كتب ورقية، أو أن تقلع تماماً عن القراءة. دعك من كل هذا الكلام عن حقوق النشر والتأليف، فنحن لسنا في أوروبا أو أميركا”.

المشروع الوطني للترجمة.. أن نعيد اختراع العجلة ثم نرميها في البحر

د. بتول حكمت محمد

كانت وزارة الثقافة، لعقود خلت، الناشر السوري الأهم. إصداراتها المثابرة والمكلفة، وعناوينها المختارة بعناية، جعلتها مقصداً للقراء الجادين، وهدفاً طموحاً للكتاب والباحثين.

لا شك أن الأمر يحتاج إلى كثير من الخفة حتى نقيس مدى التراجع الذي سجلته الوزارة كناشر، إذ يصعب الحديث اليوم عن نشر وناشرين.. كتب وكتاب. ومع هذا يبدو غريباً أن تنهض الوزارة من رقادها فجأة، لتشرع في عمل قليل الجدوى: تترجم كتباً مترجمة بالفعل ومتاحة، منذ سنوات، لكل عابر نت، وتهدر وقتها ومالها على كتب أخرى لن يقرأها أحد.. ببساطة لأن أحداً لا يحتاج قراءتها!.

مؤخراً أصدرت الهيئة العامة السورية للكتاب، في وزارة الثقافة، الخطة التنفيذية للمشروع الوطني للترجمة (للعام 2019)، التي تضمنت عناوين المؤلفات المزمع نشرها. وتضمنت الخطة (222) عنواناً وزعت كما يلي: (116) عنواناً باللغة الانكليزية و(34) عنواناً باللغة الفرنسية و(28) باللغة الروسية  و(19) باللغة الإسبانية و(10) عناوين باللغة الألمانية و(9) باللغة التركية و(4) باللغة الفارسية وعنوانين باللغة التشيكية. 

يُعول على المشروع في إطلاق عجلة النشر، ورفد المكتبة العربية بمزيد من العناوين الهامة والضرورية، وهو سيكلف الوزارة ميزانية كبيرة، تتضمن أجور المترجمين ودور النشر وغيرها، وقد تكون كل هذه التكاليف مجرد هدر للمال العام، إذا لم يرق المشروع إلى الأهداف المنشودة، وأهمها التخلص من العفوية في الترجمة، ومعرفة ما ينبغي أن يترجم، وكذلك من البدهي أن يتصف النص المراد ترجمته بالجدة والأصالة وعدم التكرار، وبالأهمية المتعلقة بطبيعة الموضوع المدروس، إضافة إلى مواكبته للتطورات العلمية والثقافية الراهنة.. فهل تضمنت الخطة التنفيذية ما يقرب هذا المشروع من مراميه؟.

يبدو، للأسف، أن كثيراً من العناوين المقترحة في الخطة قد افتقدت إلى السمات المطلوبة والضرورية، بل إن بعضها جاء صادماً. فقد احتوت الخطة على /19/ عنواناً باللغة الانكليزية مترجماً ومتوفراً مجاناً على الانترنيت، ومن هذه العناوين: (موجز تاريخ كل شيء) و(تأملات ماركوس اوريليوس) ضمن اختصاص الفلسفة،  والعديد من الروايات كـ (حرب العوالم) و(نساء يركضن مع الذئاب) و(نصف شمس صفراء) ضمن الاختصاص الأدبي، و(الربيع الصامت) ضمن اختصاص العلوم البيئية.. وغيرها، وهذا يعيدنا بشكل طبيعي إلى الهدف الأساسي للترجمة ألا وهو الاطلاع على ما هو جديد ومعاصر، فكيف سيتحقق هذا الهدف إذا كان ما يقارب الـ 16% من العناوين المقترحة للترجمة سبق أن ترجمت، وهي متداولة ومتوفرة مجاناً ولا تتصف بالحداثة والجدة؟ ألا يعتبر هذا هدراً واضحاً للميزانية التي وضعت لمشروع بهذه الأهمية؟.

ونقف أمام مفاجأة أخرى عندما نلاحظ استخدام بوسترات الأفلام  للروايات المقترحة للترجمة، بدلاً من أغلفتها الحقيقية، كرواية (الساعات وأمير المد والجزر)، بالرغم من أن الحصول عليها لن يحتاج أكثر من بحث بسيط على الانترنيت، مما يجعلنا أمام تساؤل حول حجم الجهد المبذول لاختيار هذه العناوين وتلك الأغلفة؟.

اليوم وضمن الواقع الصعب الذي نعيش فيه، قد يبدو مبرراً أن نلجأ إلى قرصنة كتب معينة لترجمتها، نتيجة للعقوبات التي تمنعنا من إبرام العقود التقليدية مع دور النشر أو أصحاب الحقوق، لكن شريطة أن تكون الموضوعات التي تتم قرصنتها هامة وحديثة. ولكن ماذا لو اقتصرت العناوين على شؤون عامة وروايات ذات موضوعات مستهجنة لدينا، مثل رواية تدور حول قاتل متسلسل في إحدى الولايات الأمريكية (رواية أشياء حادة). 

 من جهة أخرى تتكشف المقارنة بين العناوين المطروحة وبين احتياجات العديد من قطاعاتنا الفكرية والثقافية والتعليمية عن هوة كبيرة. إذ افتقرت تلك العناوين، مثلاً، إلى الموضوعات المتخصصة في المجال التربوي رغم الاحتياج الضروري لهذا النوع من الموضوعات، حيث يضطر الباحثون السوريون، وضمن اختصاصات متعددة كالمناهج ورياض الأطفال والتربية الخاصة، لشراء الكتب من الخارج لعدم توفرها في سوق الكتب السورية ولعدم الاهتمام بترجمتها على الصعيد الوطني، فعلى سبيل المثال لا الحصر يفتقر اختصاص رياض الأطفال إلى توفر المؤلفات الخاصة بالنظريات المعاصرة والحديثة، ويضطر المهتمون والدارسون لهذا الاختصاص إلى السفر لشراء هذه المؤلفات كي يستطيعوا مواكبة النظريات العلمية والتربوية، وهنا تكمن المفارقة عندما لا يكون، بين مئتين وعشرين كتاباً مقترحاً للترجمة، عنوان واحد يفيد في هذه المجالات رغم الحاجة الماسة لذلك.

كان بوشكين، شاعر روسيا العظيم، قد قال: (المترجمون هم خيول بريد التنوير)، غير أن هذا التنوير لن يكون متاحاً في واقعنا السوري الراهن إلا إذا تم بناءً على خطة مدروسة تراعي الاحتياجات الحقيقية للإنسان السوري، وأهمها القدرة على الوصول إلى أهم النظريات الفكرية العلمية والأدبية.

ما سبق يدفعنا للتساؤل: ألا يستحق مشروع بهذه الأهمية خطة تحقق للترجمة جدواها؟ أليس من الأجدر بنا أن نبذل جهداً حقيقياً ومسؤولاً كوننا جزءٌ من هذا الواقع؟.

وبعد: هل هناك فرصة لإعادة النظر بمضامين هذه الخطة بعد كل ما أشير إليه، لتتوافق مع التصور الذي وضعته وزارة الثقافة بكل كوادرها؟.

خطوة تفصل “الهيبة” عن التمام: تكليف أبو جودت بالأمن العام ودور صغير للعكيد أبو شهاب

صدام حسين

في تسعينيات القرن الماضي ومطلع الألفية الثالثة لاقت مسلسلات الفنتازيا التاريخية رواجاً واسعاً على الفضائيات العربية، بدأت السلسلة بالجوارح، وامتدت إلى الكواسر والبواسل والفوارس والأشاوس.

استنفذ صناع هذه الأعمال كل القصص الكرتونية الممكنة، وقتلوا جميع الأشرار في العالم، وأصبحت مسلسلاتهم مثيرة للشفقة حيث فقدت جمهورها، وأعرضت الفضائيات عن شرائها، وانتهت بطريقة تراجيدية.

وجدت شركة «صبّاح إخوان» طريقة جديدة لإعادة الفنتازيا إلى الشاشة، ولكن بصورة عصرية هذه المرة. 

ومن بوابة «الآكشن» استبدلت الأحصنة بسيارات الدفع الرباعي، والسيوف بالبنادق والمسدسات، مع بطل وسيم، وبطلة جميلة مواكبة لأحدث صيحات الموضة.

هكذا قدمت الشركة ثلاثة أجزاء من مسلسل «الهيبة»، (الجزء الأول لهوزان عكو وسامر البرقاوي)، ونال المسلسل جماهيرية كبيرة، خصوصاً في لبنان وسوريا، مستنداً إلى الكاريزما الخاصة التي يمتلكها النجم السوري تيم حسن إلى جانب كوكبة من أهم النجوم على رأسهم الفنانة السورية الكبيرة منى واصف.

وبعد نجاح كبير للجزء الأول، قدمت الشركة جزأين من «الهيبة»، رغم انسحاب الكاتب الأساسي للمسلسل، حيث تولى الكاتب والمخرج باسم السلكا هذه المهمة «بشكل طارئ» في موسمي «العودة» و«الحصاد».

على هذا النحو، انتهى الجزء الأخير بمجزرة درامية قضت على جميع أبطال المسلسل تقريباً، وبعد الإعلان في نهاية موسم الحصاد عن جزء رابع، لا يزال الجمهور في حالة ترقّب للطريقة التي سيبعث بها أبطاله من جديد.

وأولى البوادر كانت مع إعلان الممثلة ديما قندلفت انضمامها لبطولة الجزء الرابع من «الهيبة»، كأول فنانة سورية تلعب دور البطولة في هذا المسلسل، حيث جرت العادة أن تكون البطلة لبنانية.

كما أعلن الفنان اللبناني عادل كرم أنه سيشارك في هذا الجزء، الأمر الذي عزاه البعض لأسباب إنتاجية وتسويقية، حيث تعتبر قناة mtv العارض الحصري للمسلسل في لبنان، وكرم يعّد من أهم نجوم القناة.

الجديد أيضاً هو اعتماد شركة «صبّاح اخوان» السيناريست السوري فؤاد حميرة لكتابة الجزء الرابع، وهو الكاتب المثير للجدل المعروف بمواقفه المعارضة للسلطة في سوريا. 

ورغم الانتقادات الجوهرية التي طالت العمل كنص وإخراج، على مدى الأجزاء الثلاثة، تبدو شركة «صبّاح إخوان» مصرة على استغلال المسلسل تجارياً، رغم تراجع شعبيته خصوصاً في الموسم الماضي.

وبعد انتهاء كل المعارك والانفجارات المتاحة ونفاذ الذخيرة، هل يكون الجزء الرابع بمثابة رصاصة الرحمة لـ «الهيبة» أم يتابع مسيرته ويجلب رئيس المخفر أبو جودت ويعيد أبا عصام أو أبا شهاب من بين الأموات، ليصبح باباً تام العناصر.

أدب بين الركام

ثمة منتدى على فيسبوك اسمه (منتدى القصة القصيرة جداً) أطلق مؤخراً «جائزة لأفضل ق. ق . ج»، وكانت القصة الأولى التي حازت الجائزة، هي هذه: «سجنتها التقاليد فحررها العلم».

منتدى آخر، أسمى نفسه «منتدى الومضة المتدحرجة»، اشترط على منتسبيه أن «يلتزموا بكتابة ومضة متدحرجة»، وإذا كان من اليسير معرفة ما تعنيه ومضة، فيبقى غامضاً كيف لأحدنا أن يدحرج ومضته، وفي أي اتجاه؟.

منتدى ثالث أكد على أعضائه أن يسهموا بنصوص «لا يتجاوز عدد كلماتها العشرين، شريطة أن تنطوي على مفارقة مدهشة»، ولكم أن تتخيلوا حجم الكوميديا الناجمة عن التقيد بهذا الشرط.

ويبدو أن البعض جاء إلى العالم الجديد حاملاً (التزامه) على ظهره، فقد اشترط منتدى أدبي على مرتاديه أن يكتبوا نصوصاً «تحمل قضية ذات محتوى قومي»، ولم يتأخر كثيرون في الاستجابة، فانهالت النصوص بقضاياها القومية، وكان أكثرها حيازة على الإعجاب هو هذا: «حلم بتحرير فلسطين فاحتلوا العراق».

تكثر، في العالم الافتراضي، النصوص التي تتمسح بالأدب من دون أن تتوافر على أي من مقوماته، كما يكثر من يسمون نصوصهم بـ (الكتابة الجديدة)، معولين على عامل وحيد هو امتلاكهم، هم أنفسهم، أسماء جديدة (أكثرها مستعار).. كليشات مكرورة، ومفارقات ساذجة، وعبارات أقرب إلى نكات المقاهي تطوبها (لايكات) المجاملين كـ (أدب ما بعد حداثي).

غير أن هذا كله هو جزء من المشهد وحسب، فمقابل هذه الرداءة الموصوفة هناك الكثير من النماذج المشرقة. مدونات ومنتديات وصفحات (فيسبوكية) كثيرة تقدم نصوصاً جريئة تنطوي على رغبة في ارتياد أراض بكر، واستشراف آفاق جديدة.. شباب وشابات بأسماء مغمورة، ينحتون مفرداتهم الخاصة، ويبتكرون صوراً طازجة، ممزقين وصايا الأسلاف ومتحللين من أعباء تركتهم الثقيلة. ثمة لغة مرحة خالية من

التجهم، وأفكار متحررة من آثار الأيديولوجيا المفسدة، وثمة استدعاء ذكي لتفاصيل كثيرة ظلت طويلاً قابعة في الهامش المقموع. وكذلك هناك ميل إلى التكثيف والاستغناء عن اللغو والحشو وكل ما لا يلزم..

ربما لا تتيح لنا (النماذج الواعدة) أن نتحدث عن كتابة جديدة مكتملة المعالم، ولكننا نستطيع المراهنة على حساسية جديدة، وبذور ذائقة مختلفة قيد التشكل، ورغبة جامحة في تجديد الموضوعات والرؤى.. وهي أشياء يجب على الكتّاب المحترفين، إذا أرادوا لنتاجاتهم أن تبقى على قيد الحياة، أن يلتقطوا دلالاتها، ويرصدوا اتجاهاتها، ويسعوا إلى مواكبتها.

عندما كتب إيتالو كالفينو مؤكداً على الخفة، والسرعة، والدقة، والوضوح، والتعددية.. كـ «وصايا للألفية الجديدة»، فقد كان يدرك أي متغيرات كاسحة يحملها فجر الألفية الجديدة، وأي عالم صاخب، مشرع على التغيير الدائب، سوف نحيا في كنفه.

وهذا هو السؤال المطروح اليوم علينا جميعاً: أن نواكب العصر مجددين أدواتنا وأفكارنا ومقولاتنا، أو أن نبقى على هامشه، مرتضين لأنفسنا دور (الندابة)؟.