يوم لن يعود عادل إمام يضحك أحداً

بعد سلسلة ذهبية طويلة من أعلام المسرح الكوميدي، شهدت القاهرة مؤخراً فرقة لأشباه الهواة، قدمت، على مسرح تلفزيوني، اسكتشات خفيفة مترعة بأفيهات الأفلام التجارية، ومع ذلك فقد وجدت من صفق لها بحماس مبشراً بـ «نهضة مسرحية».

وكان أشرف عبد الباقي، مدير فرقة “مسرح مصر”، قد تنصل، بدايةً، من “شبهة المسرح”، مؤكداً أننا أمام “مسرح تلفزيوني من نوع ما.. هذه اسكتشات وليس مسرحيات”، وبعد أشهر على انطلاق التجربة، وإزاء نجاح افترضه عبد الباقي لنفسه ولفرقته، عاد ليقول إن “مسرح مصر مسرح حقيقي.. فهناك خشبة وصالة واسعة وكراس وجمهور وفرقة تمثل وجمهور يصفق”.. ولكن أمام انتقادات حادة وجهها نجوم مسرحيون كبار (سميحة أيوب، محمد صبحي، جلال الشرقاوي..)، غير عبد الباقي رأيه مرة أخرى، بل هو قرر إيقاف التجربة “بعد أن استنفذت أغراضها”..

والواقع أن النقد لم يطل نجوم “مسرح مصر” من الممثلين، فقد بدا علي ربيع وحمدي الميرغني ومصطفى خاطر ومحمد أنور، (حتى في رأي أكثر الساخطين)، ممثلين موهوبين ومضحكين بالفطرة، غير أن المشكلة تجسدت في أن هؤلاء لم يجدوا ما يضحكون به أحداً، فالنصوص التي بين أيديهم كانت هزيلة وركيكة، ملفقة من قفشات مكرورة ونكات فيسبوكية رائجة وأخرى مسروقة من أفلام تجارية خاسرة..

في أحد المشاهد، وكان يدور حول فرقة تتدرب على مسرحية، (مسرحية داخل المسرحية)، قام أشرف عبد الباقي بتوزيع نسخ من النص على الممثلين، فصاح علي ربيع بطريقة بدت ارتجالية: “أخيراً المؤلف ألف حاجة وما سَبْنَاش نهري في أي كلام”!.

وبعد أن كانت مسرحية واحدة لعادل إمام، أو محمد صبحي أو فؤاد المهندس، تستمر لسنوات على خشبة المسرح، فإن فرقة “مسرح مصر” كانت تقدم ثلاثين مسرحية كل عام، وإذا كان مقبولاً أن تستطيع فرقة تقديم كل هذا الكم، فكيف نصدق أن مؤلفاً واحداً (نادر صلاح الدين) يستطيع تأليف ثلاثين مسرحية كل سنة؟!

واللافت أن التجربة كانت معدية رغم إخفاقها، إذ تكاثرت الفرق المسرحية المصرية التي نسخت الفكرة، بل أن السعودية أيضاً صار لها “مسرح السعودية” والذي قدم، إلى الآن، عدداً من المسرحيات التي بدت بلا جمهور، إذ أن السعوديين لم يجاروا نظرائهم المصريين في المجاملة والضحك على ما لا يُضحك.

في سوريا آلت الكوميديا منذ سنوات إلى “بقعة ضوء”، المسلسل الذي صار العلامة الحصرية والدليل الوحيد على وجود كوميديا هنا، إلا أن العمل افتقد زخم انطلاقته الأولى، وصار بالكاد يطمح إلى انتزاع ابتسامة تعاطف، فيها من الحنين أكثر مما فيها من الإعجاب.

في لبنان لا يزال «الكباريه السياسي» يختزل المسرح برمته. هنا يقف ممثل وممثلة ليتبادلا النكات البذيئة على مسامع جمهور منغمس في أحاديث جانبية وغارق حتى أذنيه في صحون الطعام.. وفي الأردن ليس هناك من يخلف (أبو عواد وسمعة ومرزوق..)، ويشهد اليوتيوب على حنين الأردنيين إلى تلك الأيام التي وجدوا فيها من يضحكهم من قلوبهم..

في كتابه “المضحكون”، يستعرض الكاتب المصري الشهير محمود السعدني (الشقيق الأكبر للممثل صلاح السعدني) عشرات المضحكين في تاريخ المسرح والسينما المصريين، بدءاً من علي الكسار ونجيب الريحاني، إلى مدبولي والمهندس وسمير غانم وإبراهيم سعفان، وصولاً إلى صلاح السعدني وسعيد صالح.. ورغم أن الكاتب يطيل في نقد كثير من هؤلاء، مستعرضاً العديد من المثالب: سطحية، ابتعاد عن القضايا المهمة، تكرار، عدم العثور على الكركترات الملائمة.. إلا أن جملة واحدة مؤكدة تسبق هذه الـ (لكن) الاستدراكية: إنهم مضحكون، مضحكون للغاية.. وإلى الدرجة التي يجبروننا فيها على القهقهة.

وفي ختام كتابه يطلق السعدني هذه النبوءة: عادل إمام سوف ينطلق قريباً، وسوف يسود الكوميديا المصرية، ويغدو مضحك مصر الأكبر..

ومن نافل القول التذكير بأن هذه النبوءة قد تحققت بحذافيرها، إذ ساد عادل إمام الكوميديا المصرية طيلة أربعة عقود، ظل فيها، ليس مضحك مصر الأكبر وحسب، بل مضحك العرب الأكبر..

ولكن ظاهرة عادل إمام بدأت بالأفول، مستجيبة لواحدة من سنن الطبيعة، فالكبار ممن تربوا على أعماله صاروا على أهبة الرحيل معه، ومن يتبقى فهم ممن حفظوا كل حركاته وسكناته صماً، أما الصغار من الأجيال الجديدة فقد بدأوا يشعرون، وبحكم الزمن، بالهوة التي تفصلهم عن كوميديا عادل إمام، عن إشاراته وإحالاته، وعن المرجعيات التي ينهل منها مفارقاته..

فهل يكون عادل إمام هو آخر المضحكين من هذا الطراز؟

بالطبع نحن لا نتحدث عن السخرية التي تثير التبسم، ولا عن المفارقات الذكية، ولا الدعابات العابرة.. بل عن الضحك.. الضحك حتى القهقهة.

لماذا لم يعد هناك من يضحكنا هكذا؟ هل هو اختلاف الزمن ببساطة وحسب؟ هل اختلف مفهوم الضحك والإضحاك؟ هل اختلف الجمهور؟.

مضحكو الخمسينات والستينات كانوا يضحكون جمهوراً متفائلاً. مضحكو السبعينات والثمانينات كانوا يضحكون جمهوراً يائساً. والمتفائل واليائس قادران على الضحك، ولكن من القادر على إضحاك ذلك القلِق الخائف من الغد، والذي يشعر أن الأرض تمور من تحت قدميه؟!.

امبيرتو إيكو: حين نقول أنا فنحن نقصد ذاكرتنا

الذاكرة في عالم يحتفي بالنسيان

سلمان عز الدين

في كتابه «الذاكرة الجمعية» يؤكد موريس هالبواش على أن الجماعة هي التي تلعب دور الضامن والحافظ للذاكرة، وبالتالي فلا ذاكرة من دون جماعة ولا ذاكرة توجد خارج الجماعات. وفي سياق حديثه عن العلاقة الجدلية بين الوعي الفردي والوعي الجمعي، فهو يلح على أن الإنسان لا يمكنه أن يكون وحيداً بالفعل، ذلك أن الآخرين موجودون معه باستمرار ذهنياً ونفسياً.

يقول هالبواش: «ذكرياتنا تبقى جمعية ويذكرنا بها الآخرون مع أنها أحداث عنينا بها وحدنا، وأشياء رأيناها وحدنا، ذلك أننا لسنا وحيدين البتة، وليس من الضروري أن يكون الأشخاص الآخرون معنا أشخاص ماديون، لأننا نحمل فينا ومعنا عدداً من الأشخاص لا يختلطون فيما بينهم».

ويضيف: «فلكي يستذكر المرء ماضيه الخاص هو بحاجة إلى ذكريات الآخرين، يرجع إلى نقاط علام خارجة عنه ومثبتة في المجتمع. فوق ذلك لا يكون عمل الذاكرة الفردية ممكناً من دون هذه الأدوات التي هي الكلمات والأفكار، والتي لم يخترعها الفرد ولكن استعارها من محيطه». ويتابع هالبواش أطروحته مستنتجاً أن النسيان إنما يتأتى أساساً من الانفصال عن الجماعة..

في شريط تلفزيوني استضاف الروائي والمفكر الإيطالي امبرتو ايكو، يقول صاحب «اسم الوردة»: «باعتبارنا كائنات بشرية، عندما نقول (أنا) فإننا نعني ذاكرتنا. الذاكرة هي الروح، وعندما يفقد إنسان ذاكرته فإنه يتحول إلى ما يشبه النبتة ويفقد روحه. لذا فنحن عبارة عن ذاكرتنا..». والذاكرة المشتركة تعني الهوية المشتركة: «ليس بإمكاننا التفكير بأنفسنا كأوربيين إلا باستحضار الهوية الأوربية».

ويختم ايكو إطلالته بالتأكيد على أن «المكتبات هي الذاكرة المشتركة للجنس البشري.. منذ عهد الإسكندرية في مصر كانت فكرة المكتبة هي استمرار الذاكرة. الذاكرة المشتركة والقراءة مرتبطتان ودور الكتاب هو المحافظة عليهما».

الجماعة عند هالبواش والمكتبات والقراءة عند ايكو. فهل نملك، في حياتنا الراهنة، تجسيداً واقعياً للفكرتين يجعلنا نطمئن على ذاكرتنا الجمعية، والفردية كذلك؟.

وإذ نتحدث عن الذاكرة كمفهوم مرتبط بالهوية الثقافية والحضارية، فلا شك بأن مفهوم الجماعة سيختلف عما هو قائم في التجمعات العابرة والعشوائية التي تمليها ظروف مؤقتة، وسيختلف كذلك عن المفهوم الماثل في جماعاتنا التقليدية القائمة على القرابة والعصبية الضيقة.. عندما يدور الحديث عن الذاكرة الضامنة للهوية فإن المقصود يتجه إلى معنى مختلف تماماً: جماعات مبنية على الانتماء الطوعي والخيارات العقلانية، وذات فعالية اجتماعية وشواغل وطنية وثقافية وسياسية.. أحزاب، ومنتديات، وجمعيات مدنية، وتيارات فكرية، وتجمعات أدبية..

والواقع أنه في الوقت الذي لم نستطع فيه إفراز وتشكيل جماعات كهذه، راسخة وفعالة ومستديمة، فإن جماعاتنا التقليدية نفسها قد تعرضت للخلخلة والاختراق وباتت مهددة بالانفراط، وربما لا يوجد مبالغة في القول إن الفراغ الحاصل عن ذلك تملأه الآن مجموعات طارئة وعابرة ومؤقتة سريعة التشكل وسريعة الانحلال.

هل يمكننا الاطمئنان إلى الدور الذي تلعبه غروبات الفيسبوك وتويتر، أو المنتديات وتجمعات الدردشة المنتشرة بكثرة على شبكة النت؟.

لا يهدف هذا التساؤل إلى مسايرة الانتقادات المجانية الموجهة إلى هذه المستجدات التي فرضت نفسها على الواقع وباتت مسلمات لا رجعة عنها، ولا يساير أيضاً التهويل والتخويف الذي يدمنه الكارهون لكل جديد واللاعنون لكل «بدعة». وكذلك لا يمكن إنكار المفاعيل الإيجابية لتكنولوجيا المعرفة ووسائل التواصل الاجتماعي: الهامش الواسع لحرية القول، والإطار الديمقراطي للتعبير عن الرأي، وانتشال شواغل وأفكار هامة من الهوامش ومن منطقة المسكوت عنه، والحساسية الثقافية الجديدة التي تعكس هموم الشباب وطموحاتهم وأفكارهم.. وكلها أشياء كانت مقموعة في ظل وسائل التعبير التقليدية، ولا سيما الرسمية منها..

ومع ذلك، يغدو الحديث عن الذاكرة وغروبات الفيسبوك، مثلاً، ضرباً من التناقض الصريح، ذلك أن القضية التي تشتعل الليلة في الفيسبوك سرعان ما تغدو صبيحة اليوم التالي نسياً منسياً، ليأتي المساء بقضية جديدة تلهب المشاركين كرة أخرى.. استعراض سريع لأفكار وقضايا وآراء ووجهات نظر وتفاصيل وملاحظات عابرة وهموم معيشية وشؤون شخصية، ومع هذه العجلة الدائرة بلا هوادة ولا توقف، تتشكل الجماعات بسرعة وتنفرط بشكل أسرع، وتتغير المواقف وتتبدل الانحيازات، وينسخ جديد اليوم قديم الأمس على مدار الساعة وباستمرار.. وكأن كل شيء هنا معد للنسيان لا للتذكر وبناء ذاكرة.

وماذا عن المكتبات باعتبارها «الذاكرة المشتركة للجنس البشري»؟.

تغيب الإحصائيات الدقيقة عن سوريا، لكن الوقائع الملموسة والملاحظة المباشرة تتيح لنا استنتاج مؤشرات مقلقة: إفلاس الصحف الورقية تباعاً، والأزمات الحادة التي تعيشها دور النشر، والانخفاض المتسارع في عدد المقبلين على شراء الكتب الورقية، وبالمقابل فالخشية مشروعة من أن يكون عدد الذين يستخدمون النت في قراءة الكتب والمقالات الجادة قليل جداً قياساً بأولئك الذين يستخدمونه للدردشة و«التواصل الاجتماعي».

قبيل وفاته، وفي مقابلة مع صحيفة إيطالية، قال ايكو إن أدوات مثل تويتر وفيسبوك «تمنح حق الكلام لفيالق من الحمقى، ممن كانوا يتكلمون في البارات فقط بعد تناول كأس من النبيذ، دون أن يتسببوا بأي ضرر للمجتمع، وكان يتم إسكاتهم فوراً. أما الآن فلهم الحق بالكلام مثلهم مثل من يحمل جائزة نوبل. إنه غزو البلهاء». فهل يصح القول إن عالماً كهذا يمكنه أن يكون الإطار الضامن والحافظ للذاكرة والهوية؟.

غير أن القلق يطال أيضاً الذاكرة الفردية، بل الذاكرة بوصفها ملكة إنسانية فطرية، وكثر هم المفكرون والباحثون الذين تحدثوا عن تشويش الأذهان الناجم عن ثورة المعلومات، «وفرة المعلومات أدت إلى ندرة الانتباه»، مؤكدين أن عصر المعلومات الذيتوَّجهالانترنت قد خلق جيلاً كاملاً من فاقدي الذاكرة، حتى أن كاتباً اختار لمقاله هذا العنوان الحاد والطريف: «كيف جعلنا غوغل أغبياء»!.

ورغم أننا، نحن السوريين، لم نساهم في صناعة تكنولوجيا المعلومات، ولا نشارك في قيادة العولمة وتوجيه مساراتها، إلا أننا، للأسف، شركاء أساسيون في المغارم، إذ لم ننج من ظاهرة الفيضان المعلوماتي، ونتعرض يومياً لسيل من المعلومات والصور يرهق ذواكرنا، ويحولنا إلى أناس مشوشين، فنودّع كمبيوتراتنا ونحن في حالة من العماء التام.

فهل علينا، في حال كهذا، أن نعيد النظر في مفهومي الذاكرة والهوية، أم نجترح وسائل وطرائق لبنائهما على أسس جديدة ووفق شروط لم تكن مألوفة؟.

هاندكه.. صديق السفاح

بيتر هاندكه معروف بين قراء العربية، فقد ترجمت له أعمال عدة، بينها: “الشقاء العادي”، و”المرأة العسراء”، و”خوف حارس المرمى من ضربة الجزاء”، و”رسالة قصيرة للوداع الطويل”..

خلال مسيرة أدبية امتدت أكثر من نصف قرن، تمكّن هاندكه من أن يصبح واحداً من أبرز أصوات الكتابة باللغة الألمانية. تنوّعت إبداعاته بين كتابة الشعر، والرواية، والمسرحيات، والقصص القصيرة، والمقالات، واستطاع أن يؤسس مكانة خاصة في عالم الكتابة المسرحية من خلال التفاعل مع الجمهور؛ إذ اعتبره النقاد خليفة بريخت. لكن هاندكه يعدّ واحداً من أكثر الكتّاب في العالم إثارة للجدل؛ خصوصاً بعد موقفه الداعم للنظام الصربي خلال الحرب اليوغسلافية. ومنذ أن نشر مقاله بعنوان “الرحلة إلى الأنهار: العدالة لصربيا”، لم تتوقف أقلام النقاد عن مهاجمته واعتبار تصرفه عنصرياً، ولم يكن هذا حال النقاد فقط، بل أفراد شعوب المنطقة كذلك.

وبعد وفاة ميلوسوفيتش في زنزانته في لاهاي في عام 2006، أثناء محاكمته بتهمة ارتكاب جرائم حرب، نعاه هاندكه في جنازته في صربيا أمام حشد كبير.

ونقلت وسائل الإعلام المختلفة عدداً من ردود الأفعال على فوز هاندكه بنوبل، ومنها البيان الذي أصدرته جينيفر إيجان مديرة منظمة PEN America  وأعربت فيه عن اندهاشها واستيائها من الاختيار قائلة :”إن المنظمة عادة لا تعلق بشكل عام على الجوائز الأدبية للمؤسسات الأخرى، نحن ندرك أن هذه القرارات ذاتية وأن المعايير ليست موحدة. ومع ذلك، يجب أن يكون إعلان اليوم لجائزة نوبل في الأدب لعام 2019 لبيتر هاندكه استثناءً. لقد صُعقنا باختيار كاتب استخدم صوته العام لتقويض الحقيقة التاريخية”.

وبحسب جريدة الغارديان فإنه في عام 1999، قام الكاتب البريطاني من أصل هندي سلمان رشدي بوصف هاندكه بـ “معتوه العام الدولي” في إحدى حواراته مع الصحيفة، على خلفية “سلسلة من اعتذاراته العاطفية عن نظام الإبادة الجماعية لسلوبودان ميلوسيفيتش”، وبعد الإعلان عن فوز هاندكه بنوبل، صرح رشدي لصحيفة الغارديان: “ليس لدي ما أضيفه اليوم، لكنني سأبقى على ما قلته سابقًا”.

وقال المؤلف هاري كونزرو: “هاندكه خيار مضطرب بالنسبة للجنة نوبل التي تحاول وضع الجائزة على المسار الصحيح بعد الفضائح الأخيرة، إنه كاتب جيد، يجمع بين البصيرة العظيمة والعمى الأخلاقي المروع”.

توكارتشوك.. خيال روائي ممزوج بالشغف المعرفي

وصفت لجنة التحكيم نتاج الروائية أولغا توكارتشوك الفائزة بنوبل الآداب 2018 بقولها: “إن الخيال الروائي الممزوج بالشغف المعرفي الجامح الذي يتجاوز الحدود هو شكل من أشكال الحياة”.

وكانت الروائية قد فازت بجائزة بوكر العالمية للرواية لعام 2018 عن روايتها “الترحال”، وهي أول روائية بولندية تفوز بهذه الجائزة العالمية.

وتعد توكارتشوك غزيرة الإنتاج ورواياتها الأكثر مبيعا في بلدها ونالت العديد من الجوائز عن أعمالها.

ودرست توكارتشوك علم النفس في جامعة وارسو، ولدراستها الجامعية أثر واضح على نتاجها الأدبي، لذا كان أول عمل أدبي لها مجموعة شعرية نشرت عام 1989. ونشرت حتى الآن أكثر من 8 أعمال روائية إلى جانب مجموعتين قصصيتين.

وإلى جانب عملها في الكتابة الروائية تقوم توكارتشوك بالإشراف على مهرجان أدبي قرب محل سكنها في جنوب بولندا.

لم تُترجم أولغا توكارتشوك إلى العربية من قبل، وإن كانت عُرفت من خلال مجموعة من المقالات وبعض النصوص والقصص المترجمة في الصحف و”فايسبوك”، ويتردد أن ثمة رواية لها تُترجم وتصدر قريباً عن “دار التنوير”.

ولا تتردد الروائية في الإعراب عن مواقفها المناهضة لموقف الحكومة البولندية اليمينية المحافظة. وقالت في مقابلة لها في التلفزيون الحكومي العام 2014، إن بلادها ارتكبت أعمالاً فظيعة عبر تاريخها واستعمرت دولاً أخرى، واضطر ناشر أعمالها إثر ذلك إلى تدبّر حراسة شخصية لها لحمايتها، وصرّحت في ما بعد: “لقد كنت ساذجة جداً. ظننت إننا بتنا قادرين على مناقشة الصفحات السوداء في تاريخنا”.

نوبل التي بلا تولستوي وبروست وجويس ووولف وكازانتزاكي وبورخيس..
قائمة مجدها قصيرة وقائمة عارها من تجاهلت

سلمان عز الدين

فاز الكاتب النمساوي بيتر هاندكه بجائزة نوبل للأدب 2019، فيما حصلت الكاتبة البولندية أولغا توكارتشوك على الجائزة نفسها، المؤجلة من العام 2018.

وقدمت الأكاديمية السويدية جائزتي أدب هذا العام بعدما تم تأجيل جائزة العام الفائت بسبب فضيحة أثيرت حول زوج إحدى العضوات في اللجنة، حيث وجهت إليه اتهامات بالاغتصاب.

ومنذ العام الماضي عيّن المسؤولون عن اللجنة، التي تحدد أسماء الفائزين بالجوائز، أعضاء جدد، كما أدخلت إصلاحات على قوانينها الداخلية بعد تدخل نادر من قبل ملك السويد شخصياً.

وتبلغ قيمة كل جائزة من جوائز هذا العام تسعة ملايين كرونة سويدية (908 آلاف دولار).

ترحيب بارد.. واستنكار

توقع الكثيرون أن يقع الخيار هذه المرة على اسمين اسثنائيين، يحصدان إجماعاً عالمياً منقطع النظير، على اعتبار أن الأكاديمة السويدية بحاجة ماسة إلى تبييض سمعتها المثلومة بفعل الفضيحة المدوية التي عصفت بأروقتها، وكذلك بفعل الخيارات الأخيرة المثيرة للجدل، والتي وصلت ذروتها مع اختيار بوب ديلان لنيل الجائزة عن العام 2016.

لكن ما حدث هو أن تقبلاً بارداً ساد الأوساط الأدبية العالمية إثر الإعلان عن فوز أولغا توكارتشوك بالجائزة عن العام 2018، فلم تُثر أي اعتراضات جدية ولم ينبرِ أحد إلى التشكيك، ولكن بالمقابل لم يهلل أحد ولم يسد ذلك الإجماع الذي ساد، مثلاً، مع اختيار ماريو فارغاس يوسا العام 2010.. لم يقل أحد إن الأكاديمية قد ارتكبت إثماً جديداً، وكذلك لم يقل أحد إنها حققت خياراً استثنائياً. لسان حال الجميع كان: “أولغا توكارتشوك؟!.. حسناً ولم لا؟”.

أما بيتر هاندكه فقد أثار حصوله على نوبل 2019 موجة كبيرة من الجدل في والغضب بسبب ما قيل عن دعمه للزعيم القومي الصربي سلوبودان ميلوسيفيتش.

ومنذ دعم هاندكه الصرب خلال حرب يوغسلافيا في التسعينيات، وهو يلاقي هجوماً شديداً حيث أنكر المذابح التي تمت خلال الحرب، ما اعتبره الكثيرون أمراً غير أخلاقي وغير قابل للتبرير، كما أنه كان قريباً جداً من الزعيم الصربي السابق سلوبودان ميلوسيفيتش، ونفى ذات مرة المذبحة الصربية في سريبرينيتسا، وقارن مصير صربيا بمصير اليهود خلال الهولوكوست، رغم أنه اعتذر في وقت لاحق عما وصفه بـ “زلة اللسان”.

ويبدو أن هاندكه نفسه اندهش من الفوز، وقال عقب فوزه بالجائزة إن هذا القرار “شجاع جداً من قبل الأكاديمية السويدية”.

والأكاديمية السويدية التي تحاول التعافي واستعادة الثقة بعد عام من التوقف والفضيحة، لم تستطع أن تفعل ذلك بالشكل المطلوب، وقد أعرب الناقد رون شارلز، في صحيفة الواشنطن بوست، عن استياءه من الجائزة قائلًا “هذه ليست الطريقة المثالية لإظهار الحكم الجيد أو لاستعادة الثقة، إنها مجرد حيلة صماء أخرى من قبل مجموعة من السويديين الذين يستحوذون على انتباه غير متناسب وغير مستحق من العالم.”

صيحة استهجان طويلة

لقد ولدت نوبل للأدب (1901) وسط الاستنكار، فإثر الإعلان عن فوز الشاعر الفرنسي رينيه سولي برودوم بالجائزة، ثارت ردود الفعل المستهجنة، وأعلن أدباء مشهورون، وقتئذ، استنكارهم لهذا الخيار، معتبرين أن الشاعر الفائز ليس هو الأكثر استحقاقاً، لاسيما وأن الترشيحات كانت تشير إلى اسم أكثر لمعاناً، وهو الروائي الروسي الشهير ليون تولستوي. وقد انضم إلى المعترضين نحو أربعين شخصية سويدية، من بينها أوغست سترندبيرغ والفنان التشكيلي أندرسن زورك، وأجمع هؤلاء على أن «الاختيار كان خطأ فادحاً».

وهكذا ففي الوقت الذي دشنت فيه نوبل تكريمها، فقد دشنت كذلك الاعتراض عليها، وهو أمر تكرر كثيراً منذ ذلك العام، وخاصة في السنوات العشرين الأخيرة. بالطبع تفاوت حجم الاعتراض بين عام وآخر، بل أن أعواماً عديدة شهدت اختفاء الانتقادات، أو على الأقل خفوتها. حدث هذا، مثلاً، مع ماريو فارغاس يوسا الذي نال الجائزة في العام 2010، حيث كان هناك شبه إجماع على أحقية الروائي البيروفي، وإذا كان من اعتراض فهو أن الجائزة تأخرت كثيراً في الوصول إليه.

لكن خيار العام 2016 قوبل بعاصفة من الاستهجان والاستنكار، وقيل يومئذ إن الأكاديمية السويدية تفوقت على نفسها في تقديم المفاجآت، إذ اختارت شاعراً غنائياً ومغنياً أميركياً لنيل الجائزة الأدبية الأرفع في العالم.

وإلى يوم واحد قبل إعلان فوز بوب ديلان ورغم تكرار اسمه في قوائم الترشيحات منذ سنوات، فإن أحدا لم يأخذ ترشيحه على محمل الجد، إذ «لا يمكن أن ترقى كلمات أغان، وأياً كانت أهميتها، إلى مستوى المعايير التي تعتمدها الجائزة، كما أنها لا تقارن بالأجناس الأدبية المرسخة: رواية، شعر مسرح.. وبالتالي لا يمكن لكاتب كلمات أغان أن يفوز بالجائزة الأدبية الأرفع فيما يقف في الانتظار طابور طويل من الروائيين والشعراء وكتاب المسرح…». من هذه «المسلمات» انطلق المستخفون بترشيح ديلان، ولكن لجنة نوبل أثبتت للمستخفين أنها لا تأخذ مسلماتهم بالاعتبار.  

في العام 2015، أيضاً، قوبل فوز الكاتبة البيلاروسية سيفتلانا الكسيفيتش بكثير من الاحتجاج. وكان لافتا أن الاعتراض قد جاء، تلك المرة، من جهات العالم الأربعة. فقد احتجت أصوات كثيرة من روسيا على ما وصفته «متابعة الأكاديمية السويدية لتقليد من أيام الحرب الباردة، عندما كانت تلتفت إلى أوربا الشرقية فقط لتمنح الجائزة لمنشقين»، مشيرين إلى جملة وردت في بيان الأكاديمية تقول إن الكسيفيتش استحقت الجائزة لانشغالها «طوال الأربعين عاما الماضية بدراسة الاتحاد السوفييتي قبل وبعد الانهيار.. سواء في كارثة تشيرنوبيل أو الحرب السوفييتية في أفغانستان».

كما اعترض أدباء ونقاد من دول آسيوية وافريقية، مكررين الاتهام للأكاديمية بأنها «تصر على تجاهل دول الجنوب في سياق تأكيدها على مركزية الغرب الثقافية». بعض هؤلاء رأوا أن ثلاثة أدباء أفارقة، على الأقل، كانوا الأكثر استحقاقاً، مستهجنين استبعادهم بعد أن دارات التوقعات والترشيحات حولهم. والأفارقة المقصودون هم: الكيني نغوغي ثيونغ، والصومالي نور الدين فرح، والنيجيري بن أوكري.

ومن أوربا الغربية، أيضاً، خرجت أصوات منتقدة، إذ استغربت المشرفة على صفحة الأدب في جريدة «تسايت» الألمانية، إيريس راديش، منح جائزة نوبل للآداب للصحافية البيلاروسية. وقالت راديش: «جائزة نوبل للآداب يجب أن تمنح للآداب الكبرى، وليس للكتابة الصحافية المتميزة». كما عبر آخرون عن قناعتهم بأن الكاتب الإيرلندي جون بانفيل كان الأحق بالجائزة، فيما رأى نقاد وصحفيون من الولايات المتحدة أن الروائيين الأميركيين فيليب روث وجويس كارول اوتس كانا الأجدر..

من الشرق إلى الجنوب

 طيلة الحرب الباردة، يوم كان العالم مقسوماً أيديولوجياً إلى شرق ـ غرب، كانت جل الاعتراضات على نوبل تأتي من المنظومة الشيوعية، مع اتهام أساسي ثابت مفاده أن الجائزة هي مجرد أداة في الحرب الباردة الثقافية ولذلك فهي لا تمنح إلا لاعتبارات سياسية.

وبعد نهاية الحرب الباردة انتقل ثقل الاحتجاج إلى الجنوب (دول العالم الثالث)، إذ يشير كثير من الآسيويين والأفارقة إلى أن «الجائزة تمنح أساساً لأوربيين، فيما لم يفز بها سوى صيني واحد وهندي واحد وعربي واحد».

وللعالم العربي نصيب الأسد من الاعتراض، والذي يندرج هنا في عنوانين رئيسين، الأول هو «تجاهل الجائزة للأدب العربي ورموزه، بدءاً من أحمد شوقي وجبران خليل جبران، مروراً بتوفيق الحكيم ويوسف إدريس، وصولاً إلى أدونيس ومحمود درويش..».

أما الثاني فهو ما يتصل بالحديث عن «علاقة ما تربط الجائزة بدوائر يهودية صهيونية»، ويدلل أصحاب هذا الرأي على ذلك بأن الجائزة منحت لأدباء «لا لشيء سوى كونهم يهوداً أو متعاطفين مع إسرائيل».

وكانت المناسبة الأبرز للاحتجاج العربي والإسلامي هي منح نوبل 2001 للكاتب الترنيدادي ف . س. نايبول، الذي عرف عنه مواقف غير ودية اتجاه المسلمين وعبارات وصف بها الثقافة الإسلامية بالتعصب.

والغريب أن منح الجائزة لنجيب محفوظ لم يسكت الأصوات العربية المحتجة، فرغم الفرحة العارمة التي عمت الأوساط الشعبية والثقافية العربية، إلا أن البعض أصر على أن محفوظ مُنح نوبل لاعتبارات سياسية (موقفه من اتفاق السلام مع إسرائيل)، فيما قال آخرون إن تكريم الروائي المصري جاء لسبب وحيد هو رواية أولاد حارتنا.!

بعيداً عن العالم العربي، وعن الاعتبارات الأيديولوجية والجغرافية، يبقى لافتاً تجنب الجائزة لأسماء أدبية كبيرة، أكثرها في أوربا نفسها، فإلى جانب تولستوي، هناك الفرنسي مارسيل بروست، والإيرلندي جيمس جويس، والإنجليزية فيرجينا وولف، واليوناني كازانتزاكي، والأرجنتيني خورخي لويس بورخيس..

من جهة أخرى ففي سجل نوبل مواقف محرجة لا تنسى: رفضُ الفيلسوف والأديب الفرنسي الشهير جان بول سارتر للجائزة سنة 1964 قائلاً: «أرفض صكوك الغفران الجديدة التي تمنحها جائزة نوبل». وكذلك رفض الروائي السوفييتي باسترناك لها سنة 1958. فيما صارت عبارة جورج برناردشو، الذي منح الجائزة سنة 1925، خالدة: «نوبل أشبه بطوق نجاة يعطى للمرء بعد أن يكون قد وصل بر الأمان».

مقابل كل ذلك، تفاخر الأكاديمية السويدية بالقافلة الطويلة من الأسماء الكبيرة التي حازت نوبل: كيبلنغ، طاغور، أناتول فرانس، توماس مان، هرمان هسه، اندريه جيد، اليوت، وليم فوكنر، راسل، همنغواي، ماركيز…

كما يرد المنافحون عن الأكاديمية وجائزتها، بأن نوبل منحت، في ذروة الحرب الباردة، لماركيز المعروف بتعاطفه مع القائد الشيوعي كاسترو. كما منحت لخوسيه ساراماغو المتعاطف مع القضية الفلسطينية والمنتقد الشرس لسياسات إسرائيل، وبالمقابل فإن الجائزة لم تمنح لبورخيس المعجب بالثقافة اليهودية و«المتفهم» لدولة إسرائيل..

وراء كل هذا ثمة حقيقة مؤكدة: الكاتب الذي يرن هاتفه ليبلغ بفوره بجائزة نوبل هو الأكثر حظاً وسعادة بين كتاب العالم.

دمشق في خمارة جبرا..

ناريمان عامر

في رواية العمى للكاتب البرتغالي جوزيه ساراماغو، يصاب أهل المدينة بالعمى مما يخلق موجة من الذعر والفوضى، فوضى تطال كل شيء كما طال العمى كل الناس، يتعرى البشر من كل ما راكمته الحضارة وصولاً لأخلاقهم. كذلك هي الحرب في سوريا، بدأت تعري كل شيء من الثقافة والفكر والمنظومات الأخلاقية وصولاً لطرائق الناس في تلبية احتياجاتهم التي تبقيهم على قيد الحياة، في فوضى الحواس هذي هناك من اختار الهجرة، وهناك من اختار مواجهة الظروف بإرادة صلبة. هناك من شارك بالحرب، هناك من مات وهناك من ينتظر. وبما يخص المشهد الثقافي بعيداً عن الأدبيات السياسية، يكاد يكون من البطر مساءلة الثقافة السورية ونتاجاها، لكن حين التدقيق نجد أن هناك شذرات ثقافية أنتجت وتنتج في أتون الحرب الطاحنة، ربما تكون موقفاً يعنى بتثبيت ذاكرة عن بلد لم يعد كما هو، وربما تكون موهبة أطلقتها النزاعات، ربما هي محاولة لملء الوقت المسفوح، وقد تكون رغبة للخلود بالتماهي مع الخوف من الموت البلد المعاش، ربما هي شيء أخر غير ما ذكر.

نبيل الملحم الروائي الذي بدأ بوحه متأخراً، يعجل الخطى في إصدار أعمال روائية. هو السوري الذي ما برح يحزم أمتعته هارباً من بلد يشتعل، حتى يعود إليها يجر حنينه، فلربما هناك معنى ما يحتضنه هذا الخراب. لا يشبه بطل روايته خمارة جبرا ” منشورات المتوسط 2016″ إلا بذاك التداعي لزمنٍ انقضى ولم يمضِ.

يحاول نبيل الملحم أن يقبض على ملامح دمشق ويثبتها قبل أن يمحوها البارود، لن يكون فيما نقول مكان للنقد الأدبي لتلك الرواية، بل إضاءة على ما كان لافتاً في هذا العمل. ذلك أن هذا العمل يحتض سمة مميزة ربما تنقرض دون أن توثق وهي ملامح خاصة للشخصيات السورية، تلك الملامح المموهة والمخفية والتي تحمل غنى المجتمع الريفي وطقوسه المتفردة، الرحلة إلى المدينة، هجرة يهود دمشق، حاناتها وغانياتها، هزائم الايديولوجيات المتنوعة على أجساد النساء، المانوية الأخلاقية المتجسدة في كل شخصية، نقلات المجتمع الحديث معبر عنها في نقلات بيوت الهوى. ملامسة تاريخ دمشق المعاصر حين انتقال خمارة جبرا إلى مقهى في باب توما.

المكان دمشق، والزمان سبعون عاماً انقضت وانتهت في مشفى دمشقي حكومي بين أجساد المصابين والقتلى والعجزة، الحدث الرئيسي انسياب ذاكرة تريد التجسد، تأبى العدم ذاكرة الكاتب وبطله، لكن للبطل حياة غير وصفية، حياة خاصة من لحظة الولادة التي أودت بحياة أمه حتى لحظة مماته، أهم ما يميزه أنه لم يكن هو نفسه في أي لحظة من لحظات تلك الحياة، رأى الحب غير ما يروى عنه أو يكتب، فقد أحب فتاة علمته القراءة والكتابة التي أبدع فيهما دون أن يحبهما وهاجرت تلك الفتاة تاركة خلفها البطل معلقاً بشرفتها، عشق العاهرة “فرنسا” وهي التي أطلقت هذا الاسم على نفسها نتيجة حبها لضابط فرنسي رحل عند الجلاء الفرنسي عن سوريا، وبقيت مخلصة لهذا الحب عبر إذلال القوميين والماركسيين في بيت الدعارة الخاص بها، وأخيراً حب جبرا لزمردة أم بطل الرواية بالتبني، الحب الذي لم تكتب له الحياة إلا حين ألم مرض الموت بزمردة.

قلق البطل المرتبط بالمناخ المضطرب في حياته، يجعل خطوط الروي بمجملها خطوطا غير اعتيادية، لكن وبالرغم من مفارقتها للمعايير الاجتماعية السورية وللمنظومة الاخلاقية المتعارف عليها، وبالرغم من أن الشخصيات غير اعتيادية، إلا أن شعوراً بالألفة يرافق قارئ هذا العمل، فكما أن لدمشق دينها الخاص وعمارتها الخاصة وموسيقاها الخاصة كذلك لها لحنٌ نشاز خاص بها.

خمارة جبرا، التقاطٌ لذاك اللحن الدمشقي الناشز الذي بات خافتاً لدرجة الإمحاء، هو إضاءة على إحدى حارات دمشق القابعة في المثلث المحدد بالجامع الأموي وباب توما وساحة المرجة. هناك حيث تجد المساجد والكنائس وزوايا التصوف والحانات والمقاهي الأسواق والمكتبات، التنسك والحب والعربدة. لكن الكاتب ركز على الظلال: بطلٌ هو ظل انسان، عاهرةٌ هي ظل امرأة، أمٌ هي ظل أم، ظلال المثقفين والسياسيين والموسيقيين التي لا تظهرها إلا شموع ليلٍ في بيت هوى، الظلال الحقيقية لأجساد رواد الحانات. ليبدو بين سطور الرواية تاريخ دمشق الغني بثورة الاستقلال والانقلابات العسكرية صعود القومية ونضالات اليسار وحتى الحكم العسكري وصولاً إلى الحرب وكأنه ظلّ حقيقةٍ تجنبها الروي، عالم حدوده جسد كل شخصية على حدة، الاجتماع والسياسية والسلطة مفردات على لسان شخصيات الرواية تعني إشارة مرور لسيالة الحياة لا أكثر.

النظر من القاع، وإليه، بعمق المتأمل هو الحاكم لسير الرواية، مفارقة الاعتيادي بالسرد والشخصيات والمنظور. مباغتة الباحث عن توثيق أو تأريخ، دعوة لقراءة استثنائية. 

لا تتابعوا مسيركم.. لا “بقعة ضوء” في آخر النفق

فاطمة عمراني

أصناف متنوعة تفترش طاولة الطعام، أطباق الفتوش والحساء والمقبلات تتناغم مع الوجبة الرئيسية للإفطار، والتي لا تخلو عادةً من طبق التمر أو الرطب، “طرطقة” الصحون والملاعق تبدو جلية ما إن يخبو صوت آذان المغرب.

تدريجياً، تخفت أصوات الحضور ما إن تبدأ ديمة أورشو بالغناء: “يا ناس خلوني بحالي وحدي ومرتاح بالي في هيك وفي هيك يا با هيك بيحلالي”. صغار وكبار، على حد سواء، تتعلق عيونهم بشاشة التلفاز، مع ابتسامة غالباً ما تسبق لوحات المسلسل!.

مشهد تقليدي رمضاني كان شائعاً على امتداد الجغرافيا السورية منذ عام 2001، والذي أُنتج فيه المسلسل الكوميدي “بقعة ضوء”، فخطف قلوب الجماهير قبل أبصارهم.

استمر “بقعة ضوء” في تقديم رؤاه الاجتماعية الناقدة بأسلوب ساخر ذكي، عبر قصص درامية كوميدية متنوعة عن الحياة العامة، مستنداً إلى رصيد غني من القاعدة الجماهيرية التي كوّنها، كما أن تميز الحلقات بموضوعات مستقلة، شجع المتلقي على متابعة المسلسل من دون الحرص على متابعة الحلقات بتسلسل مستمر.

الدور الاجتماعي الفاعل الذي لعبه المسلسل وساعده في الوصول إلى شرائح واسعة، هو أهم أساسات نجاح هذا النوع في الوصول إلى المتلقي على امتداد الوطن العربي في العقد الأول من القرن العشرين، رغم انعدام أدوات الوصول الحديثة الممثلة ووسائل التواصل الاجتماعي حينها، وهو الأساس الذي ترتكز عليه الدراما اليوم في التسويق والوصول.

“الكازانوفا” أيمن رضا يتلصص على نساء القبيلة بجانب النبع راغباً في الزواج من فتاة جميلة أخرى فتمنعه خاناته الأربعة الممتلئة في دفتر العائلة من ذلك، يتنهد: “ما بو خانة يا حمدان”.

 “الشحاذ” باسم ياخور يهيم في الشوارع بحثاً عن بقايا طعام في القمامة، يدخل بالخطأ لحفل تنكري وينال جائزة أفضل تنكر، يرميها في الحاوية، يلتقط بقايا خبز ويتابع مسيره.

أمل عرفة ومها المصري تجوبان منازل الأغنياء وتشبعان جوعهما من موائدهم بحجة أنهما “خطابة” لأخيهما الوهمي والذي يكون طبيباً مرة، ومهندساً مرة، وقاضياً مرة أخرى.

“في بيتنا دجاجة” مناسبة فريدة احتفت بها آمال سعد الدين مستثمرة كل قطعة من الدجاجة اليتيمة، التي حصل عليها الزوج قاسم ملحو، في إعداد عدد من وجبات الطعام، بعد أن قامت بتقسيمها الى عدة قطع، وصولاً إلى تجفيف عظام الدجاجة وطحنها وذرها فوق الرز.

نسرين طافش “الخوجا” الحلبية، أمل عرفة ربة المنزل الشامية، تخوضان “خناقة مطبخية” عن أصول الطبخ الحلبي والشامي.

سلمى المصري، محمد خير الجراح، عبد المنعم عمايري، حكام على طاولة تحكيم برنامج “ستار العرب”.. لوحات حفرت في ذاكرة السوريين، ووجدانهم، حتى باتت جزءاً لا يتجزأ من تاريخهم وذاكرتهم، حيث اعتمد “بقعة ضوء” في أجزائه الأولى (من الجزء الأول في 2001 إلى السابع في 2010) على محاكاة الواقع المعاش واستظهار أسئلته وطرحها بقوالب الكوميديا السوداء، فخرجت الكوميديا من روح المآسي الاجتماعية التي حفلت بالمجتمع السوري آنذاك، ونطقت بلسان الفرد.

لكن مع حلول العام 2011، واندلاع الحرب في البلاد، ابتعدت الأجزاء الجديدة أكثر وأكثر عن الواقع السوري المرير، وحكمت الكوميديا بالظرف الإنتاجي أكثر من كونها تسعى للسخرية من واقع مزرٍ، واكتفت بمعالجات سطحية وأفكار مكررة، حتى تجاوزتها أحداث الواقع، وبدا العمل بأجزائه الأخيرة، مجرد منشورات وتعليقات مستهلكة ومنقولة عن وسائل التواصل الاجتماعي مقيدة برقابة عالية من جهة، وبمتلقٍ ارتقت متطلباته الثقافية مع اجتياح السوشال ميديا لحياته من جهة أخرى.

هنا صرنا أمام لوحات تسببت بخيبة أمل كبيرة، لم تقتصر على المشاهدين والنقاد، بل طالت واحداً من المؤسسين لمشروع “بقعة ضوء”، الممثل أيمن رضا، الذي أعرب عن أسفه للجمهور، مبرراً سبب تراجع الدراما إجمالاً بالحرب، بالإضافة لغياب النصوص الجيّدة، و”الفهم الخاطئ” لمشروع “بقعة ضوء”: كاتب وممثل، ما زاد تدني سوّية المسلسل في أجزائه الأخيرة.

 الجزء الأخير (الرابع عشر)، الذي أنتج في 2019، وعرض على قنوات “سورية ​دراما​، سما، المنار، الفلسطينية” خلال شهر رمضان، فقد معظم مشاهديه وبات وكأنه يحتضر ويلفظ أنفاسه الأخيرة، بالرغم من مشاركة نجوم الأجزاء الأولى كأيمن رضا​، عبد المنعم عمايري، ديمة قندلفت، فايز قزق، صفاء سلطان، أحمد الأحمد ومحمد حداقي.

“لاصق وطني، لاجئ معزز مكرم، زيارة سجين، عملية تفجير..” وغيرها من لوحات الجزء الأخير افتقدت الكوميديا العفوية التلقائية التي عرف بها المسلسل، فغرقت في ثرثرة زائدة، مع غياب حالة التصعيد الدرامي وافتقار العمل إلى ما يميّزه عادة، واعتماده على التهريج المصطنع المنفر، بالإضافة للإخراج الرديء الناتج عن توالي عدد من المخرجين كان آخرهم من أجاد إعلان “انطفاء” بقعة ضوء تماماً.

المشهد الرمضاني ذاته يتكرر: أصناف الطعام على الطاولة، أطباق الفتوش والحساء والمقبلات، صحن التمر، طرطقة الصحون والملاعق، آذان المغرب، تدريجياً، تخفت أصوات الحضور، يمسك كل منهم هاتفه المحمول، ويغرق في عالمه الافتراضي.

رجلان يحبان الحديث عن كل شيء

في العام 2008، التقى ج. إم. كويتزي وبول أوستر في مهرجان أدبي في أستراليا. ولسبب ما، أو بلا أي سبب، سرعان ما نشأت صداقة مرحة بين الكاتبين الشهيرين. كان كل منهما قارئاً مثابراً لأعمال الآخر، وكذلك فقد كان الاثنان ممن يمتلكون فضولاً شديداً إزاء العالم. وهكذا تحصلت لديهما مادة هائلة للحديث، لم يتسع لها ذلك اللقاء العابر، فقررا استئناف الكلام عبر الرسائل.

ما إن وصل أوستر إلى شقته في نيويورك حتى وصلته رسالة من أستراليا، من صديقه الجديد كويتزي، وفيها اقتراح بتبادل الرسائل بانتظام، ليناقشا أشياء محددة، بالأحرى: ليناقشا كل شيء. وافق أوستر على الفور، ليباشر الاثنان طقساً من زمن آخر، ورسالة تلو رسالة ورد تلو رد، صار لديهما كتاباً جاهزاً للنشر: “هنا والآن”.

ولأن البريد العادي صار فولكلوراً مكلفاً ومتكلفاً، ولأن الكاتبين لم يكونا قد انخرطا في شؤون التكنولوجيا، فقد اجترحا حلاً وسطاً: التراسل عبر الفاكس.. وفي المرات القليلة التي اضطرا فيها إلى استخدام البريد الالكتروني، فقد كانت زوجتاهما تتوليان الاستلام والإرسال.

ولد جون ماكسويل كويتزي عام 1940 في كيب تاون بجنوب أفريقيا، ونشأ في بيت يتحدث الإنكليزية رغم أصوله الهولندية، وبدأ حياته الروائية سنة 1974، وهو أول كاتب يفوز بجائزة بوكر الأدبية البريطانية المرموقة مرتين، كما أنه ثاني كاتب جنوب أفريقي يفوز بجائزة نوبل للآداب (سنة 2003) بعد نادين غورديمير. ومن أهم رواياته: “في انتظار البرابرة”، و”خزي”، و”أوقات مايكل. ك”..

أما بول أوستر فهو كاتب ومخرج أميركي، ولد عام 1947. كتاباته خليط بين العبثية والوجودية وأدب الجريمة. وأبرز أعماله: “ثلاثية نيويورك”، “قصر القمر”، “موسيقى الصدفة”، “كتاب الأوهام”، “حماقات بروكلين”. وقد تُرجمت كتبه لأكثر من أربعين لغة.

 في “هنا والآن” يعرج الروائيان الصديقان على قائمة طويلة من الموضوعات: الرياضة، الصداقة، الحب، الأزمة الاقتصادية، القضية الفلسطينية، الشيخوخة، الخوف من الموت، مستقبل الرواية، السينما.. ورغم العفوية البادية، والتفاصيل الشخصية، والشؤون الإجرائية التي تتخلل النقاشات، فثمة هنا لغة وأسلوب أدبيان، صور ومفارقات ومجازات ذكية وزوايا رؤيا خاصة.. ما يصنع كتاباً هاماً وجميلاً، يضيفه كل منهما إلى رصيده بلا تردد.

 في واحدة من الرسائل، يتساءل كويتزي عن الصداقة، ويبدي هذه الملاحظة: كتب كثيرة.. كثيرة جداً عن الحب، مقابل القليل عن الصداقة. ومع ذلك فهو يخبر صديقه أنه هرع إلى المكتبة ليبحث في هذا القليل، فعثر على كلام بلا فائدة تذكر، تخللته ملاحظات قليلة مثيرة للاهتمام: “قد يكون للمرء أصدقاء دون أن يرغب في رؤيتهم، كما يقول تشارلز لامب. صحيح ومثير للاهتمام أيضاً، وهذا وجه آخر من أوجه اختلاف مشاعر الصداقة عن الارتباط الإيروتيكي”. وأيضاً: “الأصدقاء لا يتكلمون عن إحساسهم تجاه بعضهم بعضاً. قارن هذا بثرثرة المحبين… سؤال: هل الحب ثرثار لأن الرغبة بطبيعتها تنطوي على مشاعر متضاربة، بينما الصداقة قليلة الكلام لأنها مباشرة وخالية من المشاعر المتضاربة؟”، وملاحظة أخيرة: “وهي أن المرء يمضي بالمرأة إلى سريره ليتسنى له أن يتكلم معها. والمغزى: أن تحويل امرأة إلى عشيقة ليس إلا خطوة أولى، الخطوة الثانية، أي تحويلها إلى صديقة، هي المهمة. لكن مصادقتك امرأة لم تنم معها مسألة مستحيلة، إذ يبقى الكثير عالقاً في الأجواء”.

في رسالة أخرى من أوستر، يشكو الكاتب الأميركي من “أن الغباء ازداد على جميع الأصعدة. حينما يقرأ المرء رسائل الجنود المشاركين في الحرب الأهلية الأميركية، يتبين أن الكثيرين منهم أشد ثقافة، ودقة، وحساسية تجاه فوارق اللغة الطفيفة من كتابة أغلب أساتذة اللغة الإنكليزية اليوم. رداءة المدارس؟ رداءة الحكومات التي تسمح للمدارس الرديئة بالتواجد؟ أم هي ببساطة كثرة المشتتات، وكثرة أضواء النيون، وكثرة شاشات الكمبيوتر، وكثرة الجلبة؟”.

 يقول كويتزي في رسالة: “سأكون سعيداً بأن نناقش الذاكرة في وقت ما مستقبلاً، يعني إذا لم ننس الأمر، الجانب الذي يشغلني الآن من جوانب الذاكرة أكثر من سواه هو الشرود. وإنني أراقب نفسي بعيني صقر تحسباً للعلامة الأولى لذهاب عقلي، مع اقتراب نهاية عقدي السبعين على الأرض”..

يرد أوستر: “ضحكت مقهقهاً وأنا أقرأ قولك إنك تعتزم مناقشة موضوع الذاكرة معي.. إذا تذكرنا الرجوع إليه.. في الجملة التالية من رسالتك تشير إلى شرود الذهن، ثم في الجملة التالية لتلك، تقول إنك تقترب من نهاية العقد السبعين على الأرض، بما يعني أن عمرك سبعمائة سنة!. زلة، بالطبع، من تلك التي نقع فيها جميعاً بين الوقت والآخر، حتى ونحن شباب.. ولكن الزلة تكون رائعة حينما تأتي وسط نقاش عن شرود الذهن”.

هكذا تمضي الرسائل بين جد وهزل، نقاش عميق في قضايا فكرية، يليه حديث خفيف في شؤون حياتية وتبادل اخبار عائلية، وخلف كل ذلك ثمة رنة قلق من اقتراب النهاية المحتومة.

أوستر يطمئن صديقه باستعراض نماذج لرجال تجاوزوا الثمانين وما زالوا ينتجون كتباً وأفكاراً بحيوية عقلية تثير الحماس والأمل، ولكنه يعود فيروي له قصة حزينة. إذ ثمة قريب له بلغ التسعين، قرأ ذات صباح في كتاب أن الرئيس الأميركي جون كينيدي كان يرتاد ملهى معين، تصادف أنه الملهى نفسه الذي اعتاد القريب ارتياده مع أصدقائه. فرح بالمعلومة وقرر نقلها إلى أصدقائه بالهاتف. قال الرجل التسعيني لأوستر فيما بعد: “اتصلت بهم الواحد تلو الآخر. لم يجبني أحد منهم. كانوا جميعهم موتى”.

ثقافة الانترنت.. حيث يغرد العصفور بعيداً عن صاحبته!

قررت هيئة البريد الأميركية، تكريم الشاعرة مايا أنجيلو (1928 ـ 2014)، فنظمت احتفالاً كبيراً دعت إليه الكثير من مشاهير الأدب والفن والسياسة، وعلى رأسهم سيدة البيت البيض آنذاك، ميشيل أوباما، والإعلامية الشهيرة أوبرا وينفري.

وبموازاة الاحتفال هذا، كانت الهيئة قد وزعت ثمانين مليون نسخة من طابع أصدرته للمناسبة، وتصدرته عبارة من المفترض أنها درة أشعار أنجيلو “لا يغني العصفور لأن لديه إجابة.. يغني لأن لديه أغنية”.

مضى يوم التكريم على ما يرام، غير أن صباح اليوم التالي حمل فضيحة من العيار الثقيل، إذ كتب محرر في صحيفة الـ “واشنطن بوست” مقالاً كشف فيه أن بيت الشعر الذي حمله الطابع ليس لمايا أنجيلو، بل للشاعرة وكاتبة قصص الأطفال، جوان ويلش إنغلاند، وهو موجود في مجموعتها “فنجان شمس” المنشورة عام 1967.

هيئة البريد ردت ببساطة أنها كلفت، لاختيار بيت الشعر، مستشاراً ثقافياً بارزاً وموثوقاً، والذي اتضح أنه استشار “غوغل” وحسب، والغريب أن محرك البحث الأشهر على النت قدم للمستشار يقيناً لا يقبل الدحض: مئات المواقع وصفحات الفيسبوك وآلاف التغريدات.. كلها تجمع على أن مايا أنجيلو هي من قالت “لا يغني العصفور لأن لديه إجابة..”.. تدخل كثير من الأدباء والنقاد والصحفيين في النقاش المحتدم.

أحدهم تعقب أصول هذا الخطأ الشائع، ليكتشف أن القصة تعود إلى أكثر من عشرين سنة على الأقل، وخلالها ترسخت، في العالم الافتراضي، نسبة البيت الشعري إلى الشاعرة المحتفى بها، فيما ظلت صاحبة البيت الفعلية غائبة تماماً. ويبدو أن الأمر كان من البداهة ما جعل باراك أوباما يستشهد في أحد خطاباته بالعصفور والأغنية، موضحاً: “كما قالت شاعرتنا الكبيرة مايا أنجيلو”.. لكن الأغرب هو أن أنجيلو نفسها ذكرت العبارة في سياق حوار لها مع صحفي يوناني في العام 2013.

لم تنسبها صراحة لنفسها ولكنها أيضاً لم تنسبها إلى أحد آخر.المصدر الأصلي لهذا الخلط ظل مجهولاً، لكن المرجح أن ناشطاً فيسبوكياً كان يحفظ بيت الشعر هذا، وكان كذلك يحفظ عنوان ديوان أنجيلو الأشهر “أعرف لماذا يغرد الطائر الحبيس”، فاعتقد أن هذه العبارة لا بد أن تكون من هذا الكتاب..وإضافة إلى مايا أنجيلو فإن عبارة إنغلاند هذه قد طافت على أناس آخرين، إذ نُسبت في مواقع وحسابات فيسبوكية عديدة إلى حكيم صيني، وكذلك إلى مدرب كرة قدم هولندي.. وكأن ثمة إصراراً على انتزاع هذه العبارة من الشخص الذي كتبها لأول مرة، وهو الوحيد، بالتالي، من يستحق أن تنسب إليه!.

انتهت القضية بتقييدها ضد مجهول، غير أن سؤالاً مقلقاً كان خرج إلى العلن: إذا كانت الثقافة، في عرف كثيرين، هي حافظة الذاكرة الجمعية، فهل ثقافة الانترنت مؤهلة لهذه المهمة الخطيرة؟ كيف نطمئن على ذاكرتنا الجمعية، والفردية كذلك، في عالم يبدي كل هذا الحماس للاحتفاء بالنسيان؟.والأهم: إذا كان هذا قد حدث في مكان مزدحم بالقراء والنقاد والصحفيين المدققين، فكيف سيكون الحال عندنا؟!.

كل ما في الأمر أنني مشتاقة للمدينة

زينة شهلا

لسوء الحظ، وأحياناً ربما لحسن الحظ، أعجز عن تذكر الكثير من تفاصيل حياتي قبل العام 2011.

تتراءى لي في معظم الأحيان خطوط وملامح عريضة، ووجوه غاب معظمها اليوم، وذكريات يشوبها التشويش، وأشعر بامتياز ما لأني تمكنت من الاحتفاظ -داخل معمعة الحرب- ببعضِ ما يمكن أن يعينني على استرجاع تلك الحياة السحيقة في قدمها. فمثلاً، لا زالت لدي بعض من الكتابات التي لا تستهويني كثيراً إعادة قراءتها، لكنني اليوم أتمنى لو كانت أكثر.

لو كنت أعرف أننا سنعيش حرباً ستسلب معظم ذاكرتنا، لربما كنت دوّنت بكثافة أكبر.

إلى جانب ذلك، لديّ محفظة كبيرة بعض الشيء، فيها بطاقات حضور مئات العروض المسرحية والموسيقية، لا أدري لماذا كانت لدي هواية الإبقاء عليها وعدم رميها بعد كل عرض أو حفل أحضره، رغم مشاحناتي الدائمة مع أمي، التي كانت ترى فيها “كراكيب لا لزوم لها، ولا مكان لها في المنزل”.

كنت أهوى المسارح ودور العرض على اختلافها، وأشعر بسكينة غريبة بين زواياها، وأحب اقتناء كل ما يتعلق بها.

عملتُ عدة مرات كجزء من الطاقم الفني لبعض العروض المسرحية، وكانت أجمل الأيام تلك التي قضيتها بأكملها داخل المسرح، خاصة عندما يكون فارغاً تماماً من الحضور، رهيباً بصمته وصدى الصوت بين جدرانه.منذ فترة، وبعد حضوري لإحدى المسرحيات في دمشق، تذكّرت فجأة تلك الحقيبة القديمة، ودفعني الفضول لإخراجها من تحت أكوام الغبار، ولقضاء ساعات وأنا أتفحص محتوياتها.

مئات البطاقات والكتيّبات وبرامج الحفلات والمسرحيات، والتي يعود تاريخ أولها تقريباً إلى العام 1997، وأعتقد أنه العام الذي بدأتُ فيه بالاهتمام بهذه العروض، ويتركز كثير منها بين العامين 2000 و2011.

إلى جانب تلك البطاقات، وجدتُ قصاصات ورق صغيرة، كنتُ أكتب عليها فيما يبدو انطباعاتي بعد انتهاء كل عرض. شعرتُ بدغدغة جميلة في قلبي وأنا أقلّب أكوام الأوراق التي خرجتْ عنوةً من الحقيبة؛ وكيلا أنجرف في سيل من الحنين المؤذي، ذكّرت نفسي بأن كل ما تفعله قسوة الحاضر عادة، هو تجميل الماضي في أذهاننا. هي الذاكرة الانتقائية ليس إلا، والتي تنسينا كل ما هو قبيح، وتوهمنا بأن ما عشناه يوماً أفضل دون شك مما نعيشه الآن.

يوشوشني صوت دفين: “لا. ليست ذاكرة انتقائية. كانت فعلاً أياماً مختلفة. أتتحدثين عن المسرح؟ كنتِ فعلاً تستمتعين بما تقدمه لك خشبات المدينة، صغيرة كانت أو كبيرة، فخمة أو متواضعة. الموسيقا والحفلات؟ كانت لها نكهة مختلفة دون شك. كانت حقيقية.

أما اليوم فأنتِ مضطرة للبحث بالسراج والفتيلة عن أي متعة فنية، واجترار ما يقدم لك من عروض، كثير منها لا قيمة له سوى أنه الوحيد المتاح. يعني بالعامية: أحسن من ولا شي”.

أعادني كل ذلك لحديث دار منذ أشهر، عند زيارة صديق من لبنان لدمشق، وهي المرة الأولى التي تطأ فيها قدماه المدينة بعد سنوات الحرب. لم ينفك ذلك الصديق يقول لنا باندهاش: “تبدو دمشق كمدينة لا تزال حبيسة ثمانينات أو تسعينات القرن الماضي. كل شيء قديم، ورمادي، وكأن الزمن توقف فيها عند لحظة معينة لم تعد بعدها عقارب الساعة قادرة على الدوران”.أثارتْ فضولَ ذلك الصديق “السياراتُ العجوز المتصابية” ـ إن جازت لي استعارة التشبيه من إحدى زميلات المهنة ـ والتي تسير مختالة في شوارعنا رغم أن عمر كثير منها يصل إلى ثلاثين أو أربعين أو خمسين سنة خلت، وأذهلته ملامح الحياة التي تنمّ عن قِدَمٍ لم يتوقع أن يشهده في عاصمة بلد ما ونحن في القرن الحادي والعشرين.أحزنتني تعليقاته.

أردتُ الدفاع أمام هذا الغريب عن مدينتي، وعن نفسي، وكأنه يوجه لي اتهاماً مباشراً. نظرتُ حولي أستنجد بزوايا المدينة كي تستلّ معي سيوف الدفاع من أغمادها، فلم أجد سوى مسرَحين بمقاعد متآكلة؛ وسينما أغلقت أبوابها، وأخرى يُكلف حضور الفيلم فيها للعائلة الواحدة ثلث الراتب الشهري لموظف حكومي؛ وبعض المقاهي التي ربما لا زالت على حالها، لكن معظم روادها رحلوا. لا أدري إن بدت لي المدينة قديمة كما قال، لكن، أيقنتُ للحظة ألا روح بين زواياها، ولا بريق في عيون أهلها.

طأطأت رأسي وأعدتُ أسلحتي الوهمية إلى مكانها. لأعترف بصوت مرتفع: أنا اليوم مشتاقة لدمشق، لشوارعها، ومسارحها، وحفلاتها، وموسيقاها، وممثليها وعازفيها وفنانيها. أنا مشتاقة لدمشق، بكل ما فيها.