لعنة الزمن المهم

أن نلعن شخصاً أو إبليساً
فنحن نقول له عبارات
مختلفة بالعربية تعود
جميعاً لأصل قديم معناه
الحرفي: (أدعو من قلبي أن
تغضب عليك الآلهة).
هذه هي الترجمة العميقة
لدعاء تمتلئ به قلوبنا اتجاه
شيء أو موضوع أو زمن.
بالمقابل لو وصل رجل صيني
لهذه الدرجة من الغضب
فما الذي سيقوله؟ سيقول
ما لفظه بالأحرف العربية:
“كايزل دا”، وهي كلمة تعود
لأصل قديم معناه الحرفي:
“أتمنى من كل قلبي ان تعيش
في زمن مهم”.
والعيش في الزمن المهم
هو أسوأ انماط العيش، فهو
مليء بالأحداث والمفاجآت
والتقلبات، مليء بالقسوة،
وفوق كل ذلك فصفته
الأساسية الاستهتار بحياة
البشر في سبيل “ضرورات
المرحلة والمصلحة العليا”،
فما معنى أن يموت ألف
شخص أو مليون من أجل
قضية كبرى تطفو في الزمن
فتجعله مهماً؟ ما معنى أن
يجوع مليون أو مائة مليون؟،
أن يخاف طفل؟ أن يغور بئر؟
لا شيء، فللتاريخ منطقه
البارد والقاسي، وهو يملأ
سجلاته بهدوء وروية، لذلك
هو يحتاج للأزمنة المهمة.
ما الذي يفعله التاريخ في الزمن المهم؟
إنه يراكم ما يريد، لا يهمه إن استمر ذلك ساعة
ً أو قرناً، لديه الكثير من
الزمن (حتى أن الفيزياء تظنه
يملكه كله) ولديه لذلك آلياته
وبروده الحجري، يتغاضى
عن التفاصيل السخيفة التي
هي نحن وحياتنا، فيما يملأ
نفسه بالعوامل الموضوعية
ليخلق أحداثه المفصلية.
العوامل الموضوعية التي
يستخدمها التاريخ هي
ألمنا نحن البشر العاديين،
جوعنا، موتنا، خوفنا، قلقنا،
كراهيتنا، مشاعرنا المتقلبة،
طيش قرارتنا، تراكم
ُ أخطائنا، فقد أحبتنا، نسيان
أحلامنا، تشظي خرائط
أرواحنا.
ويحول كل ذلك لأرقام
هامشية مهملة لا يعود
لذكرها أحد، ولا يهتم لها
أحد، (اللهم إلا شاعر أو رسام
أو ماشابه)، ينطلي علينا
التاريخ ونقرأه بتلك العين
الباردة التي يريدها لنا،
فنقول باستخفاف: دامت
حرب البسوس أربعين عاماً،
والدولة العثمانية أربعمائة
وحصار دير الزور أربعة،
واستمرت الحرب العالمية
أربع سنوات ونصف وقتل
فيها ٤٨ مليون إنسان، هكذا
ببساطة حتى أن كلمة “قتل”
ونبنيها للمجهول من تلقاء ّ نقرأها بضم القاف بالسليقة،
أنفسنا.
نحن نعيش زمناً مهماً، ونبني
للمجهول كل ما يجري فيه.

حوار الصحفية الشابة كوليت خوري مع وزير داخلية لبنان كمال جنبلاط

حدثني كثيرا… حدثني طويلا… وبصراحة.
حدثني عن سورية… عن الوحدة بين مصر وسورية… بين مصر ولبنان. عن الحكومة الحالية في سورية وعن الحكم. عن مؤتمر شتورا… عن الكتاب الاسود والصحافة السورية. عن اسباب عرقلة دخول السوريين الى لبنان. عن الاشتراكية. عن السيد اكرم الحوراني. عن الانفصاليين. عن عبد الناصر. عن مواضيع كثيرة هامة.
وتطور الحديث الى نقاش. اذ اني نسيت دوري كصحفية وما تذكرت وانا استمع الى آراء الزعيم كمال جنبلاط الا انني سورية واحب سورية.
وبعد فترة طويلة من الوقت سألني – اين الاسئلة التي تريدين ان اجيب عليها؟
عحبت!
وقلت له انني عرفت كل ما اردت ان اعرف!
فقال ان حديثه معي كان وديا ومجرد نقاش وانه سوف يملي علي املاء حرفيا اجوبة الاسئلة التي اريد لانه رجل مسؤول في الدولة ولو كان غير مسؤول لما اهتم للامر!
وابى الا ان يملي علي اجوبة مختصرة ما كنت قد سمعتها في الحديث الودي المطول.
وطبعا حديثنا الودي السابق انا نسيته او تناسيته فكي احتفظ بالود، انا مضطرة لان اتناسى حديثا وديا.
وكان هذا الحديث الكتابي المختصر.

  • ما قصتك مع الصحافة السورية؟
    ليس عندي قصة مع الصحافة السورية. لأنني لا أقرؤها!
    وتابع:
    اكتبي انه لا يتوفر لدي الوقت لقراءة حتى الصحف اللبنانية.
  • السيد اكرم الحوراني يمثل الاشتراكية في سورية. فما اسباب خلافك معه وانت تمثل الاشتراكية في لبنان؟
    لا يوجد خلاف شخصي بيني وبين السيد اكرم على ما اعلم!
    هذا جوابي! اكتبي لا يوجد خلاف.
  • كل عربي مؤمن يريد الوحدة الشاملة الصحيحة ويسعى لها. وانتم تريدون الوحدة بين سورية ومصر. هل ترغبون في أن تكون هذه الوحدة بين مصر ولبنان؟
    قال: اكتبي:
    نحن في لبنان في طور تحقيق المبادئ التالية:
    أولا: الوحدة الوطنية الداخلية التي تعلمون ظروفها وملابساتها وقد قطعت هذه الوحدة شوطا كبيرا في عهد الرئيس شهاب.
    وحين سألته ما هي هذه الوحدة الوطنية شرح لي انها وحدة الطوائف والطبقات الخ.
    ثانيا: تعريب لبنان في مؤسساته السياسية والثقافية والاقتصادية وفي ذهنيته المسيطرة.
    وشرط كل وحدة هي الارتباط بالمبادئ الاشتراكية التي تصهر بين الطبقات وتوحد الشعوب وتمهد للتعاون والاتحاد بين الدول.
    قلت: هذا معناه انكم لا تريدون الوحدة مع مصر؟
    اجاب: لقد امليت عليك جوابي!
    وابى ان يزيد كلمة واحدة عن الوحدة في الشرح الكتابي.
  • بما انك وزير الداخلية ما هي اسباب عرقلة دخول السوريين الى لبنان.
    لا يوجد عرقلة دخول الى لبنان!
    قلت: لكن كل سوري يعلم ان هناك عرقلة دخول الى لبنان. فهو مضطر لان يملأ فيشتين او ورقتين كاملتين ويحتفظ باحداها حتى خروجه من لبنان.
    فأصر كمال بك:
    لا يوجد اسباب عرقلة دخول، اكتبي: كل سوري يستطيع الدخول متى يشاء الى لبنان. يوجد الآن اكثر من 20 الف سوري يعملون هنا دون اجازة عمل وبكل طمأنينة. بينما اللبناني الذي يسعى الى العمل في سورية يشترط منه الحصول على رخصة.
    هنالك ربما تأخير على الحدود ناجم من قلة الموظفين وسنتلافى هذا النقص بزيادة عدد الموظفين.
    وهذه التدابير التي اتخذت على الحدود هي في قصد احصاء الغرباء والاجانب الذين يدخلون الى لبنان والتمكن من مراقبة المشبوهين منهم.
    من هو مرشحكم لرئاسة الجمهورية اللبنانية؟
    لا يوجد عندنا مرشح!
  • قال العميد ريمون ادة انك تتهم الاشخاص.. الناس دون ان تركز في اتهامك على ادلة.. على اثباتات.. ما رايك في رأيه؟
    العميد ريمون من الاشخاص الذين يجب اتهامهم لانهم يساهمون عن حسن نية ودون قصد في هذه المؤامرات ولانه لا يريد ان يرى الحقيقة كما هي ويريد الدفاع دائما عن بعض الدوائر التي تشجع على هذه المؤامرات في بيروت؟
    وودعت السيد كمال جنبلاط وخرجت من عنده احمل في يدي اجوبة مكتوبة انشرها على القراء.. وفي ذاكرني اجوبة محفورة قد يدلي بها هو بنفسه في يوم من الايام.

كوليت خوري 4/10/1962

يوم تعرفتُ على قرائي!

سلمان عز الدين

عملتُ، منذ سنوات، صحفياً في جريدة بلا قراء، ولكي تدركوا فرادة التجربة عليكم أن تستبعدوا أي مجاز من العبارة: جريدة بلا قراء.. فعلياً وحرفياً.
كانت جريدة مثل كل الجرائد، تسير الأمور فيها بطريقة طبيعية تماماً، فثمة رئيس تحرير، ومحررون، ومدقق لغوي، ومخرج، وعامل بوفيه.. وكان هؤلاء يتحركون برشاقة وحماس بين الطاولات، وأحياناً يركضون في ردهات الجريدة (أقصد الردهة الوحيدة) تماماً مثل صحفيي الأفلام.
كان ثمة مواد صحفية تكتب على الكمبيوترات، وفلاشات تذهب إلى المخرج، وفلاشات أخرى تذهب من المخرج إلى المطبعة، وكانت المطبعة تدور لتبذر كلماتنا على أوراق بيضاء.. غير أن الحلقة الأخيرة كانت مفقودة على الدوام، إذ تختفي هذه النسخ المطبوعة في مكان ما حيث يطويها النسيان.
كتبتُ أخباراً ومقالات وزوايا.. دون أن أصادف تعليقاً واحداً، لا كلمة عتاب، لا شتيمة، لا مجاملة، ولا حتى عبارة “قرأت لك”. كنت أصرخ في برية قاحلة لا بشر فيها ولا جبال تردد الصدى..
حتى رئيس التحرير تنصل من قراءة ما أكتب. قال لي إنني “التقطتُ النغمة” وصرتُ قادراً على إنجاز مواد كاملة لا تحتاج تصويباً أو مراجعة، ولكي يشرعن تنصله هذا ويعطيه طابع الديمومة، فقد سنمني منصب “كبير المحررين”، وبالفعل فقد كنت الأكبر سناً بين محرريه الثلاثة.
وكانت صدمة صغيرة أخرى عندما ضبطت المدقق اللغوي متلبساً بعدم قراءة موادي التي من المفترض أن يصحح أخطاءها. وقف أمامي مع انحناءة متزلفة وصاح بالعبارة التي يقولها عادة للمحاسب، مع تعديل طفيف، “معاذ الله أن أقرأ من بعدك.. معقول!!”.
واكتملت دائرة عزلتي عندما ذهبت مع طاقم التحرير إلى مسؤول الجهة التي تصدر الجريدة، كنا نحمل طلبات محددة لتطوير العمل.. بدقة أكثر: لتطوير رواتبنا. بُهت المسؤول وهو يستمع إلينا، وكما يقال: أُسقط في يديه، وسرعان ما اتضح أن ما فاجأه ليس طلباتنا بل وجودنا أصلاً. بلع ريقه وقال: “شو هالحكي يا شباب؟! ليش نحنا بعدنا عم نصدر هي الجريدة؟!”.
لا أعرف كيف جاءتني الفكرة؟ ولكنها جاءتني على كل حال: ما دمت أنا قارئي الوحيد، فأنا، إذاً، حر تماماً في أن أكتب لنفسي ما أشاء.
وللأمانة فقد استمتعت كثيراً بفكرة الحرية الهابطة علي فجأة، فرميت عن كاهلي أي إحساس بالمسؤولية، أي توتر أو قلق، ورحت أُفرغ، على صفحات هذه الجريدة الضائعة، مخزوناً قديماً من الغل والغضب.. حطمتُ قامات باسقة وهشمت كتباً وأفكاراً وشهّرت بمتنفذين.. حتى أنني شتمت صديقاً قديماً ظل لثلاثين عاماً يكتب هراء على شكل روايات، ولثلاثين عاماً ظل مصراً على أنني قارئه الأمثل..
وكانت النتائج ممتازة، فقد نفّست عن غضبي وبقيت، في الوقت نفسه، آمناً ومحصناً من أي ردة فعل. وربما هذا ما دفعني إلى أن أتمادى.. أجل، يبدو أنني تماديت قليلاً.. أو كثيراً، حتى تلك النقطة التي اصطدمت عندها بقراء. ولقد مثلت أمامهم، في صباح خريفي بلا شمس، وكانوا قراء من نوع خاص، صارمين بذواكر حديدية، متجهمين لا يستسيغون المزاح، نصيين لا يؤمنون بالتأويل، حرفيين لا يحبون المجازات.. والأدهى أنهم كانوا يأخذونني على محمل الجد، أكثر مما توقعت.. أكثر بكثير مما حلمت.

الجماعات حين تأتي فرادى..

د. ناريمان عامر

سأبدأ معك من النهاية، أنت تقرأني الآن وأنت فردٌ مطلق، ربما لا تكون النهاية، فقد تراها بدايةٍ لشيء ما، أو ربما متن موضوع ما، ربما لا تكون شيئاً بكل بساطة، وأنها طريقتك في الحياة فحسب.
تفتنك الـ ربما هنا ذلك أنها لا تقيّدك بجزمٍ للأمور، تطلق الحرية لكل الخيارات.
يسجل التاريخ مشهداً يكون فيه أبيقور مختبئاً وراء أكمة يتابع السيد أفلاطون، وفيما كان أبيقور ينتقد صاحب المذهب الذي اتبعه ملايين البشر لمئات من السنين، ألّف مئات الكتب منغاظاً من تلك الأنا الأفلاطونية التي فيما كانت تزهو بذاتها، وتتغنى بفرادتها، وتؤسس لفن الخطابة كانت في الوقت نفسه تلم شيعتها، تسور مجموعتها تحدد صنوف البشر، ومعادن الناس، هذه الأنا المتفردة، كانت تعمر المدينة الفاضلة، وتضع لبنات تحديد المنطق السليم، تعلم القادة، وتجترئ على الفهم العام.
تنبه أبيقور بحس الخارج عن السرب وغيظ العقل المشاكس إلى الأثر الذي سيحدثه أفلاطون، إلى المجموعات التي ستلحق بركبه، خالف كل نظرات الإعجاب وتجاوز كل الأطروحات المؤيدة للأفلاطونية، ليدافع عن نمطه، ليدافع عن الفرد خارج الإطار، فهجا سماء أفلاطون ومُثله، وردها إلى تصورات غير واقعية، وأكد أن الانسان ابن الطبيعة وأن اللذة هي المتعة بما نحس، لقد قال بالعيش وفقاً للطبيعة. لكن هل كان الانسان غير ذلك قبل الفلسفة؟ لماذا غيّر عيشه؟
بعد موت أبيقور بمدة غير قصيرة انتشر المذهب الأبيقوري في أثينا وبلاد بعيدة عنها، إذ كانت هذه الأفكار حاجة ملحة للعديد من الأفراد ممن دعوا لاحقاً بالأبيقوريين!
إذاً نحن أمام مشهد جدلي مثير؛ فالأنا الأفلاطونية المتفردة أسست لنظم الجماعات وفق مبدأي الخير والشر المنتمين لعالم المثل السماوي غير الملموس، واحتفت بالتنظيم بينما قالت الأنا الأبيقورية المتفردة أيضاً بضرورة العيش وفقاً للذة فلا شيء خارجها، هي الخير والشر هو الألم. ومقياس الخير والشر فردي يحدده الفرد وهو مقياس أرضي يلبي الرغبات. إذاً نحن أولاً أمام نوعين من الآنا، وثانياً أمام تفرد مشترك بينهما، أنا أفلاطونية خارجة عن جماعتها تعي أنها تخط حدود جماعة جديدة وتدعو إليها، وأنا أبيقورية تدعو للخروج عن الجماعة عبر بوابة اللذة الفردية.
سيظهر نيتشه ليوبخ الرواقيين الذين طالبوا بالعيش وفق الطبيعة، ويقول: العيش وفق الطبيعة؟ هل بوسعكم ألا تفعلوا؟ إن ما تدعون إليه هو العيش وفق الطبيعة كما ترونها أنتم، كبرياءكم يريد أن يُملي على الطبيعة أخلاقكم، غروركم وصلفكم جعلكم تعتقدون أن الطبيعة ستدعكم تستبدون بها كما تفعلون مع ذواتكم، أنتم، نعم أنتم، دققوا جيداً بأنفسكم كم تستبدون بذواتكم لتصيغوها على شاكلة الطبيعة كما ترونها!! نعم هذا قول صاحب نظرية الانسان المتفوق!!
ستجد في مكان ما من يشّبه الجماعات بالقطعان، وخصوصيتها بخصوصيّة الحشرات، وستكون الفردانية كمن يحلق عالياً مثل الطيور، وأيضاً ستجد من يرد أن الحشرات غير المنظمة مآلها مآل الصراصير كل على هواه، يمكن أن نسقط عليها قيمنا الانسانية ونقول أنها مشتتة شاردة، تثير غضبنا وقرفنا أيضاً بينما الحشرات المنظمة كالنحل مثلاً نعجب بتقانتها ونتاجها. الحشرات تنتج الحريروالعسل أيضاً!
ضبابيةٌ ما تلف كل ما سبق، أشعر معك أنّه كلامٌ غير منسجم، مفكك، لا يوضح إلى أين تأخذنا هذه السطور، لكنه طريقة خاصة في التعبير عما يجول في الذات المتفردة، وإن نافر قليلاً القواعد التي توافقت عليها الجماعة إذا ما أراد أحد أفرادها مخاطبة باقي أعضاء الجماعة.
سأعترف إني أحاول ـ عبر ركاكة مفتعلة ـ أن أدلل لك هنا، أن الخروج عن النمط وقوانين الجماعة أسمه نشاز، ولطالما حاربت الجماعات الفردانية خوفاً على عقدها من الانفراط، تخيل معي أنك تقرأ نصوصاً تشبه السطور السابقة، وأنه بدعوى الفردانية يحق لكل منا أن يفعل ما يشاء، تخيل معي لو لم يكن هناك المعيار! نتفق أنا وأنت الآن على أن ما سبق ركيك وغير مؤتلف؟ إذاً يبدو أنك من جماعتي، سنتفق ثانية أن الفردانية التي جربتها هي فردانية هشة، نعم هي كذلك، هل توافق معي أن نعود إلى الإطار لنقول ما نريد بكلماتٍ ومنهج توافقنا عليه سلفا؟ هيّا..
تبدو إشكالية الجماعة والفرد إشكالية قديمة، وستبقى ملازمة للفكر البشري، فالانسان اجتماعي بطبعه، ولا يستطيع العيش إلا في جماعة، لكن تطور النوع الإنساني- كما التطور لدى جميع الأنواع- يحتم التطور الجيني، وأيضاً “الميمي”، التطور الجيني الذي يكتسبه بانتقال المجموعات وترحالها ومواجهتها للشروط الطيعية والبيئية، والميمات التي تتطور بتطور الأنساق المعرفية التي تفرضها ضرورة تطور المجتمعات، في كلا الحالين تحدث طفرة جينية أو ميمية حين يتيهئ الظرف لدى فردٍ ما ليشب عن الطوق ويخرج من الإطار، تلتحق به كل جينة أو ميمة لديها قابلية للتطور، لا تنجح تلك الطفرة إلا إذا كانت محمولة على أنا جسمانية ونفسية، إن التفرد كما الجنون، قد يحيل إلى مصحة عقلية أو إلى الخلود في التاريخ، وربما كليهما، وما كان للجماعة أن تتطور دون بروز أفراد كشافة خرجوا عن المألوف، وسلكوا معابر جديدة، ولكل معبرٍ مخاطره، لكن ما من جماعة متينة إلا وأنتجت أفراداً طوروها، وما من أنا فذّة إلا وغيّرت من حولها.
يبقى أن نقول أن الجماعات الأصيلة تشجع الفردانية لعلمها أن البقاء للأصلح، وأن السخيف منها ستذروه الرياح فهذا من طبائع الأشياء.

الفردية أن تكون في الجماعات أحياناً

يعرب العيسى

تحيل كلمة الجماعات الذهن تلقائياً ليفكر بالطبيعة، وتخطر له صور تلك القطعان السارحة في السهوب أو في الأوكار، بدرجات تنظيم متفاوتة، وليست كلمة القطيع هنا شتيمة ـ كما درج ـ بل هي توصيف طبيعي لعملية تطورية راكمتها الحياة عبر ملايين السنين.
تعيش الحملان في قطيع، لا تستطيع غير ذلك، هذا مفهوم من وجهة نظر الطبيعة، فهي كائنات بلا أنياب، وسرعتها محدودة، وقرون ذكورها لها وظيفة جمالية أكثر مما هي قتالية، وفوق كل ذلك لحمها لذيذ، إذا فهي مستهدفة من كثيرين، وتواجدها معاً يقلل من تبعات ضعفها.
لكن الذئاب أيضاً تعيش في قطعان، رغم عدم حاجتها البيولوجية لذلك، حنين جيناتها يقودها، لكنها تترك لكل فرد منها إن ينفر وحيداً إذا ما اشتهى الصيد بمفرده، وأن ينزوي إذا ما تعرض لجرح، وتتركه حتى يشفى كما يشاء.
معظم الطيور لا تنتظم في جماعات إلا حين تهاجر. وحين تبلغ محطة الوصول تعود للتفرق، يأخذ كل ذكر انثاه إلى عشٍ منزوٍ، يغني لها وينجبان طيرين جديدين، سيعرفان بالغريزة أنهما سيحتاجان الجماعة عند الانتقال من البلاد.
في عالم الحشرات المتقدمة يسود نظام صارم يضبط مهام الأفراد بما يخدم الجماعة وسيدة الجماعة، لا معنى لأية خصوصية هناك، الانتحار في سبيل الجماعة فعل نبيل ومشرّف، العمل الدؤوب والمتكرر إلى الأبد هو المهمة المقدسة وهو المعنى وسبب الوجود.
لا أحد يريد ان يكون نملة نشطة تجوب الحقول بحثاً عن حبة حنطة، منذ شروق الشمس وحتى المغيب، ودعاة الجماعات المنظمة، من يريدون نقل تنظيم قبيلة النمل إلى قبائل البشر، هم أولئك الذين يرون انفسهم ملكات، ويريدون تطويعنا لتنفيذ ما يخطر لكم من إبداع، ولا بأس أن يموت البعض منّا في سبيل ذلك، أن يشقى البقية، فدائماً ستجود عقولهم بمزيد من الأفكار.
لم يسبق أن قرأنا أو سمعنا خطاباً أو شعراً أو فلسفة تقول: أحلم أن أكون نحلة نشطة أجمع الرحيق دون كلل، أحتاج فقط ملكة تتحكم بي وتوجهني.
درَسَنا العلماء بوصفنا حيوانات، تنطبق علينا معايير الطبيعة، ووجدوا أننا من تلك الحيوانات التي تعيش وحيدة (رجل وامرأة وبضعة أطفال في كهف)، بطبيعتنا نشبه الضباع أو الثعالب، وانتظامنا في جماعات جاء في مراحل متقدمة من تطورنا، وبالتالي فهو أمر طوعي، نتج عن الحاجة لتحسين عملية الصيد، وما تلاها (من الزراعة وحتى صياغة عقود بيع المشتقات المالية).
لا خيار للنملة في المملكة التي تنتمي إليها، ولا في العمل الذي تؤديه لخدمة هذه المملكة، لكننا نحن البشر قادرون (غالباً) على اختيار وتغيير البلد والحي والمهنة والايديولوجيا والإيمان وتراكب الأسنان ونادي كرة القدم واللغة وحجم الأنف ولون البشرة والذائقة الموسيقية.
وحتى الجماعات الأعمق، مثل الانتماء العرقي والقومي والديني، تركت لنا الحياة فرصة معقولة لتغييرها، على الأقل للتخلي عنها، أو التخفف من أثرها علينا، وغالباً ما نتمكن من ذلك بمجرد إجراء تغيير بسيط مثل الانتقال من المكان، أو الانتظار قليلاً في الزمان، أو صمّ الأذنين ببساطة.
أهم شعراء الزنوجة في ستينات القرن العشرين كانت امرأة بيضاء، ومؤسس فكرة تفوق ألمانيا كان نمساوياً، واحتوت الأحزاب القومية العربية على مؤسسين أكراد وتركمان.
وحتى على المستوى الأكثر طبيعية، فانتمائنا جميعاً للنوع الانساني بمواصفاته البيولوجية، لم يمنع البعض منّا من ان يكونوا نباتيين، بل وينتظموا في جماعات تنظّر لذلك، وتلوم الآخرين.
نحن أفراد، هكذا أنجبتنا الطبيعية، وانتظمنا في جماعات حين احتجنا ذلك، وخيارنا الطوعي في الانتظام ضمن جماعات هو التعبير الأعمق عن فرديتنا، لأننا دخلناها طوعاً، ولأننا تركنا لأنفسنا ـ مع دفع بعض الأثمان ـ خيارالتراجع عن ذلك.
لو لم نكن في الأصل أفرداً، فلم نصّت قوانين الجماعات بوضوح وشدّة وقسوة على عقوبة مغادرتها؟ لأنه لا فعل أكثر فرديةً من مغادرة الجماعات.

ضحايا انفجار حمص 316 وخمسة أهداف من الاهلي لدعمهم

في السابع والعشرين من حزيران 1950 وقع أكبر انفجار شهدته سورية حتى ذلك الوقت، وقد وقع الانفجار في ساعة مبكرة في مستودعات لشركة مقاولات في حي المحطة غرب المدينة.
وقد امتدت آثار الانفجار وتبعاته إلى باب التركمان وباب هود والميدان، وأسفر عن وفاة 79 شخصاً وإصابة 237 آخرين، ويحتوي المستودع الذي وقع فيه الانفجار على مخزون كبير من الديناميت، الذي تستعمله الشركة في تنفيذ مشاريعها الانشائية، واستخراج مواد البناء من المقالع.
الشركة كان يملكها ثلاثة أشخاص وهم أميل البستاني وشكري الشماس وعبد الله الخوري، وتعمل في المقاولات والتجارة.
بعد “الكارثة” بأسابيع وبمبادرة من بلدية حمص جرت مباراة ودية كبرى جمعت بين نادي خالد بن الوليد (الكرامة حالياً) والنادي الأهلي بالقاهرة، وخصص ريع المبارة لمساعدة المنكوبين بالكارثة.
وقد امتلأ الملعب البلدي (جورة أبو صابون) عن بكرة ابيه بالجمهور الذي حضر المبارة ليساهم بدعم المنكوبين، وكذلك لاهميتها الدولية، فالنادي الاهلي في عام 1950 كان من اقوى الأندية في العالم.
وقد انتهت المباراة بفوز الفريق الضيف بخمسة اهداف مقابل هدف واحد، بحسب موقع (تاريخ سورية المعاصر نقلا عن عبد الهادي النجار.

أخبار عاجلة من العام 1909

أعزائي القرّاء أسعد الله صباحكم، نقدم لكم فيما يلي أخبار مختارة من صحف يومي 7 و8 شباط 1909

انقطاع السلك التلغرافي بين دمشق والمدينة المنورة
لا يزال السلك التلغرافي بين دمشق والمدينة المنورة مقطوعًا، وقد سافر البريد أمس إلى المدينة.
7/2/1909

نقل البريد المتجه إلى بيروت عن طريق حيفا بسبب الثلوج
الغالب أن الطريق بين دمشق وبيروت تبقى معطلة بالثلوج أيامًا، وقد فاوضت إدارة البريد هنا إدارة البريد في حيفا، ووقع الاتفاق على أن يرسل بريدنا صباح اليوم إلى حيفا، ومنها ينقل إلى بيروت والسواحل يوم الاثنين على إحدى البواخر.

مخالفات بناء في الميدان
أتتنا رسالة بإمضاء (وطني غيور) يشكو فيها كاتبها من فقد الراحة في برية محلة الميدان، ومن سد بعض أرباب الجوار باب المخفرة وشبابيكها الناظرة على البرية، وإضافتها إلى حديقته، فعسى أن تلتفت الحكومة لشكوى الأهلين هناك؛ حتى لا يضطر أهل كل حارة من أهالي الميدان الفوقاني والتحتاني أن يقيموا بوابات على حاراتهم؛ ليأمنوا على أرواحهم وبيوتهم في عهد هذه الحكومة.

نقل الكسوة النبوية من الجامع الأموي إلى محطة البرامكة
تنقل الكسوة النبوية اليوم من الجامع الأموي إلى محطة القدم، باحتفال حافل، كما جيء بها من محطة البرامكة.
8/2/1909

“المهاجرين” للمهاجرين حصراً
إن لجنة إسكان المهاجرين في ولاية سورية لا تُسكِّن إلا من بيدهم تذكرة من نظارة الداخلية تنبئ بأنهم مهاجرون، وقد يأتي كثير من المهاجرين إلى ولايتنا عن طريق حلب، فيقدمون استدعاءات إلى الولاية، فتسأل عنهم من موطنهم الأصلي، وتكتب إلى النظارة، فيأتيهم الأمر إذ ذاك بإسكانهم، ويوجد الآن مِنْ مِثل هؤلاء عددٌ غير قليل؛ أي: مِنَ المنتظرين في محطة (الديلجانس) 13 في المرجة، يسكنون في محل خرب، وهم في حالة محزنة من البرد والفقر؛ فعسى أن تسكنهم الحكومة ريثما يأتي الأمر بإسكانهم في الجامع المعلق في القبارين، أو غيره من المحالِّ التي اعتاد أن ينزلها الجند عند الحاجة؛ شفقةً عليهم، وتنفيسًا لكربهم.

سكران اطلق النار على شرطي بالشاغور
بعد نصف الليل أول أمس، بينا كان جماعة من السكارى يتراشقون بالرصاص بين التربتين، خفَّ إلى القبض عليهم بوليس الشاغور صلاح الدين أفندي، فأطلق عليه أحدهم عيارًا ناريًّا أصابه في بطنه، وهو الآن تحت الخطر، وقبض على الضارب.

عبقرية ممتاز البحرة التي حفرت باسم ورباب في وجدان سوريا إلى الأبد

خلال 79 عاماً عاشها في هذه البلاد، عاصر ممتاز البحرة مئات الوزراء وآلاف النافذين في مجالات وفروع مختلفة، عاصر مكاتب إعداد قطرية وقومية بخطط محكمة وميزانيات مفتوحة، وإدارات توجيه معنوي بموارد واسعة، سمع هتافات رددها الملايين لعقود، ومرت أمامه ملايين المقالات الصحفية الملتزمة، وملايين الساعات التلفزيونية الموجّهة.

كانت كل تلك الأشياء تحاول أن تُحدِث أثراً ما في هذا المجتمع، وكانت ترصد لذلك موازنات وتُحدِث مؤسسات، وتنتج محتوى، وتستعين بخبراء واستشاريين، وتطلق مشاريع جماهيرية، وتحشد المجتمع وتنظمه.فيما كان ممتاز البحرة ـ بتواضعه المغيظ ـ ينزل من المهاجرين سيراً على القدمين متأبطاً علبة صغيرة فيها ألوانه وريشه، وبضع أوراق بيضاء، يرسم عليها ما سيصبح فيما بعد أعمق أثر ستحفظه الذاكرة السورية، وسيصبح طفلين متخيلين اسميهما باسم ورباب أخدوداً محفوراً في الوجدان السوري إلى الأبد، هذا الوجدان الذي تجاهل المليارات التي أنفقت لقولبته وتوجيهه، وتعلق بما أحبه بشكل فطري.

يحبّ الانسان ما يشبهه، وممتاز البحرة قدّم للانسان السوري هذا الحب بكل حب، فتسللت رسومه ورؤيته الفنية كما الماء إلى صخور المشاعر السورية عبر باسم ورباب ومازن وميسون وبابا وماما، والعم النجار منصور، وكذلك أسامة (الفتى الذي حدد ثقافة جيلين أو ثلاثة) والسندباد والأميرة سيسبان ومئات الشخصيات والرسوم في الكتب المدرسية ومجلات الأطفال.

في رحلة البحث عن الأثر، يبيّن لنا ممتاز البحرة (1938 – 2017) أنك لإحداث الأثر لا تحتاج لسلطة وصلاحيات، لميزانيات وتقنيات، تحتاج فقط صفتين: البساطة والحب.

فاطمة بنت ميادة تفك “الحجاب” فور وصولها إلى الصحيفة وشمروش لم يفعل شيئاً حتى انتهاء الطباعة

ثلاثة أديان سماوية ومليون فكرة علمية و”أم محمد” ما زالت تمارس سحرها الاسود من ركن الدين

فاطمة عمراني

“لطالما كان لي حلمان: أحدهما أسميته “المبارك”، والآخر “الملعون”، الأول هو الذي جعلني أحلم بأن لي ابناً، ولم أتخل عن الإيمان بأن هذا صحيح طوال حياتي، لأني أحسست به، صغيراً وطرياً، له فم وعينان ويدان، كيف لا أومن بأن ذلك حقيقة؟ كنت أحمله معي، محاطاً بذراعي.
فجأة فقدته. لقد قالوا لي في السماء أنهم أخطأوا معي، وأنهم منحوني قلب أم، ولكن رحم امرأة عاقر، وهذا هو حلمي الآخر”.
بوجه شاحب مصفر، ويدين مرتعشتين، تجلس المرأة بجانبي في بيت “الشيخة أم محمد” تقص كابوسها المتكرر علي.
“وصلتُ إلى السماء، ونظرتُ لأرى إن كنت سأتعرف على وجه ابني بين الملائكة: لا شيء كل الوجوه كانت متشابهة، مصنوعة في القالب نفسه، لكن أياً منهم لم يكن ابني، لم ولن أجده أبداً”.
تدخل العاقر إلى غرفة الشيخة أم محمد، علَها تجد عندها علاج عقمها الذي عجز عن علاجه الخمسة عشر طبيباً الذين قصدتهم. تغيب ساعةً من الزمن، تخرج فرحة مستبشرة.
صوت هرم مجلجل يصرخ باسمي، أهبط السلم نزولاً إلى غرفة منخفضة السقف تعبق برائحة الرطوبة والعفن. كأي ربة منزل تقليدية، تستقبلني “الشيخة” في الأسفل بهدوء وثقة، متدثرة بمعطف قطني خفيف فوق جلابية حمراء مع شالٍ أبيض يكاد يغطي رأسها.

ستائر منسدلة تحجب الضوء عن المكان، عدد من المساند المكومة بجانب الحائط المتشقق، سجادة مزركشة تعلوها مرتبة أسفنجية سميكة تربعت عليها الشيخة، وبجانبها مرتبة أقل سماكة لـ “الزبائن”.
وفيما أستكشف المعالم الأولى للمكان، يلسع وجهي قيظ الجمر الذي تشعل به الشيخة نرجيلتها، تقدم لي كأساً من الماء وتطلب مني أن أشرب منه، فهي لن تتكلف أجر “فنجان قهوة” حتى تكون “بصّارة”، كأس ماء من الصنبور يفي بالغرض.
قلت لها: “أرسلتني قريبة جارتي إليك بعد أن ذاع صيتك في فك السحر وكشف المستور وجلب الحبيب وعقد وإبطال الحجابات، علّك تساعديني في إتمام ديني وإيجاد ابن الحلال”.
تسأل الشيخة عن اسم أمي وتاريخ ميلادي، تقرب كأسي منها، تضع كفها أعلى الكأس، وفيما تتمتم بعبارات هامسة، تطبّ الكأس ثلاث مرات متتالية.
“سأذكر لكِ بعض الأسماء، وحين يمر اسم تتعرفين على صاحبه ستشيرين لي بإصبعك”.
تردد المرأة الخمسينية: “أحمد، زاهر، عبد الرحمن، علي، سالم، ياسر”، ترفع رأسها لتستجدي مني جواباَ، أرفع حاجبي ناكرةً معرفتي بجميع من سبق.
لا تفقد المرأة الأمل، تحاول من جديد: “أمجد، حسن، حسام، سامح..”، أستوقفها: “حسن زميلي في العمل وياسر جاري”. ترتسم علامات الانتصار على وجهها: “أحدهما نصيبك”!.
تتابع بعد أن استعادت رزانتها: “إنك مخلوقة من ضلعه، هذا هو نصيبك وعلى يدي بإذن الله، لكن لن تجتمعا إلا..”، تصمت وتعاود النظر إلي وتصرخ قائلة: “سحرٌ أسود”!

تشرح لي الشيخة أن إحدى قريباتي قد عقدت لي حجاباً لوقف النصيب، حجاب مكتوب بدم بشري على ورقة بيضاء مربوطة بقطعة من ثيابي، كانت قد خبأتْهُ في مكان مظلم ونجس”.
تطمئن أم محمد قلقي وحيرتي بحجاب تكتبه ـ حسب المتاح ـ بقلم (BIC) أزرق ناشف، على ورقة “A4 ورق بطّال غراماج 80 من ذاك الذي يصلح للطابعة وتجده كل 500 ورقة في ماعون”، تطوي الورقة عدة مرات وتلفها بلاصق شفاف عدة مرات، محذرةً إياي من فتحها لكي “لا يتلبّسني الجن”.

أودع الشيخة شاكرةً، وأخرج من بيتها بعد أن دفعت “خمساً وعشرين ألف ليرة” ثمن حجاب فتح النصيب، أقطع الشارع وأترجّل في السيارة لأعود إلى مكتب الجريدة برفقة خطيبي!.
وفيما أعيد لرئيس التحرير ما تبقّى من سلفة التحقيق الذي أعدّه، أفتح الحجاب محكم اللصق غير آبهة بالجني المستعد للانقضاض عليّ كي يتلبسني.

وبحسب الشيخة، فإن السحر الأسود والسفلي هو أخطر أنواع السحر ولا يمكن لغير المتخصص ممارسته، فهذا النوع من السحر والشعوذة له مداخل وطقوس خاصة به، ويعمل لتسليط الجن السفلي على المسحور باستخدام طلاسم وعبارات تكتب على شيء من “أثر المسحور” كقطعة من ثيابه مثلا، ومن ثم تحرق وتنفخ في الهواء، أو يكتب حجاب خاص له، ويوضع في مكان قريب من “المسحور” فإما يدفن أو يعلق، أو يوضع في الفراش أو الوسادة أو يتم حل السحر في مياه ووضعه في الطعام.

” ألر، آلم، كهيعص، حمعسق..” مجموعة من الألفاظ المبهمة التي يستخدمها السحرة بهدف خداع أبصار المشاهدين لتمرير حيلهم دون أن تنكشف، وذلك لأن إلهاء عين الرائي وأذنه يجعل من الصعب اكتشاف الحيلة وتمييز الدجال.

حاول علماء النفس والاجتماع والأنثروبولوجيا والفلاسفة أن يضعوا تفسيراً واضحاً للممارسات الغريبة التي يقوم بها السحرة، واختلفت الآراء والتفسيرات، لكنهم في النهاية اتفقوا على ارتباطه بالوهم والاحتيال والخرافة ونسبه إلى أمراض نفسية وعضوية، ولاحظوا انتشاره بين الطبقات التي تعاني من الجهل والفقر، كوسيلة لتعبئة هذا الفراغ الذي يعيشون فيه بالتفسيرات والحلول المثيرة للدهشة.
ومن أشهر الأمراض النفسية التي يعرفها أطباء النفس ويعتقد المصاب بها أنها حالات سحر أو مس شيطاني، مرض الشيزوفرينيا وهو اضطراب نفسي يتسم بسلوك اجتماعي غير طبيعي وفشل في تمييز الواقع. تشمل الأعراض الشائعة الوهام واضطراب الفكر والهلوسة السمعية بالإضافة إلى انخفاض المشاركة الاجتماعية والتعبير العاطفي وانعدام الإرادة.

هنالك ثلاثة عناصر يجب أن تتوفر لكي تكتمل دائرة وعمل السحر، وهي: مشعوذ خبير + مادة السحر + الشخص المراد مسه وسحره. إن اكتملت تلك الدائرة فكيف يمكن أن يؤثر السحر على الأشخاص؟. الجواب هو عبر السموم والمهلوسات.

غالباً ما يطلب المشعوذ من الضحية أن يأكل أو يشرب أو يلمس أشياء محددة، قد يضع فيها سموم ومهلوسات تسبب ضرراً للجسم أو الدماغ، فهناك الكثير من المهلوسات والسموم ذات الأصل النباتي، وهي في متناول الجميع ويستطيع السحرة والمشعوذون الحصول عليها من سوق البزورية على سبيل المثال، وحينما تعطى بنسب قليلة تسبب هلوسات طويلة الأمد، ومنها نبتة ست الحسن، والدولكامارا، والسولانين، والفطر السحري.

وفيما تزعم “أم محمد” وأمثالها أن خدعهم نوع من السحر، ينسب أستاذ التاريخ الاجتماعي أوين ديفيز، في كتابه “السحر”، مصطلح السحر إلى الكلمة اليونانية “ماجيا” التي تشير إلى شكل الطقوس التي يؤديها “الماجو” أو “المجوس” وهم كهنة سحرة من الشرق من مملكة بابلية اسمها “كلدو” تقع جنوب العراق أو فارس قديماً، والمجوس كلمة مشتقة بالأساس من الكلمة الفارسية “ماكوز”، وفي بداية القرن الخامس قبل الميلاد باتت كلمة “ماجيا” هي المصطلح الأكثر استخداماً للتعبير عن هذه الممارسات بعد أن استخدمت ألفاظاً مختلفة في الحضارة الإغريقية مثل كلمتي “فارماكا” و”جويتيا”.تربط المراجع الإغريقية بين الديانة الزرادشتية في بلاد فارس والماجوي، بسبب الأوصاف التي لصقت بالزرادشتيين مثل عبدة النار، واتهامهم بنقل هذه الثقافة إلى اليونان والتشكيك بالراحلين إليها على أنهم ذاهبين لتعلم هذه الطقوس.

“الشيخة أم محمد” ليست الوحيدة في هذا المجال، حيث باتت ظاهرة السحر والشعوذة تجتاح المجتمع السوري بازدياد، بالرغم من تأكيد وزارة الأوقاف على لسان مدير التوجيه والإرشاد، الدكتور زكريا الخولي، أن “السحر حرام في الإسلام لأنه باب من أبواب الشرك والاستعانة بالشياطين، وعلى الإنسان أن يستعيذ بالله من شره، فالساحر ومثله الكاهن والعراف يفسد ولا يصلح، ويثير العداوة بين الناس، ولقد تفشى في هذا العصر خطر السحرة والدجالين والمشعوذين، وخاصة أولئك الذين يتلبسون بلباس الدين وهو منهم براء، واختلط شر الذهاب إليهم بمخالفات أخرى للدين بينة”.

أما القانون السوري فعاقب أعمال السحر والشعوذة وما شابهها معتبراً إياها من الأفعال المخلة بالثقة العامة والتي تمس بالشعور العام لأفراد المجتمع الذين ينخدعون عادة بهذه الأعمال، وفرض المشرع عقاباً على ممارسيها، وإذا تعدت نتيجة الفعل إلى آثار أخرى فإن المشرع قد فرض عقوبات لهذه الأفعال تتناسب مع الأثر الجرمي الذي يحدثه الفاعل أو الساحر أو المشعوذ كأن يقوم الساحر باغتصاب امرأة أو يقوم بجعل أحد الأشخاص يتناول مادة تؤدي إلى إيذائه، فعندئذ يعاقب الفاعل وفق النتيجة الجرمية التي يحدثها.

قصص وحكايات بالعشرات جرت، ولا تزال، داخل الدهاليز المعتمة للمجتمع السوري، أبطالها مشعوذون ماهرون اختبأوا خلف ستار الدين، وسيدات جاهلات يعتقدن بأن كل ما يقع لهن، حتى ولو كان كسراً بسيطاً في القدم، هو نوع من السحر قد أوقعه بهنّ أحدهم.

أما ما أنزل على الملكين ببابل، فلا ندري ما هو.. ولو أراد الله تفصيله لنا لفعل، لكنّه لم يفعل فلا يعنينا.. وأما من يحتج لرأيه، بالقول أنّ نبينا محمد عليه السلام قد سحِر، فقد كفر بالقرآن الذي أنزل على محمّد، ووافق قريشاً فيما كانت تقول “إن تتبعون إلا رجلا مسحورا”.

لا تهدموا أسوار العالم

د. ناريمان عامر

يقول نيتشه في كتابه “ما وراء الخير والشر” بلسان يسوع ليهوده “القانون للعبيد، أحبّوا الله كما أحبّه، بوصفي ابناً له: ماذا تخصنا، نحن أبناء الله، الأخلاق؟”.

تستوقف هذه العبارة أي قارئ يقوده شغف المعرفة لاستجلاء معاني مفرداتها والكشف عن مآلاتها: “القانون”، “العبيد”، “الله”، “أبناء الله”،”الحب”، “الأخلاق”، “نحن”..

ماهو القانون؟ من هم العبيد؟ ماذا يعني بالله وأبناء الله؟ ما الحب؟ من نحن؟ ماهي الأخلاق التي يتحدث عنها؟ ستغدو الاجابات المحتملة عن كل مما سبق هويات ثقافية متجاورة، أو ربما نجد إجابات فردية تنم عن بصماتٍ جديدة في عالم الفكر الإنساني. وبكلماتٍ أبسط؛ من الإجابات يمكن للعارف أن يميز بين اليميني واليساري، المتدين واللاديني، من المتدينين المسيحي دون سواه، يميّز المحافظ من المتحرر، الجمعي من الفردي، المحب والكاره. وبجهد أكبر تبرز هويات سياسية اقتصادية فقد يمكننا تمييز الليبرالي والليبرالي الجديد والاشتراكي والأممي..

كل تلك التمييزات التي قد نصل إليها تدعى إيديولوجيا الفرد، فالايديولوجيا بتعريفها الأبسط كما وصلت إلينا من كتب الثقافة الوطنية هي جملة الآراء والأفكار والمعتقدات التي يحملها شخص ما وتشكل نظّاراته إلى العالم، فتحدد مساره.

ربما تبدو كلمة نظّارة غريبةً نوعاً ما في هذا السياق، لكنها الأنسب للدلالة على المقصود، تخيّل معي أنك تضع نظارة وردية؛ فإنك حتماً سترى العالم وردياً ولو كانت سماوية ستراه سماوياً، لو كانت بلون الفرح سترى العالم فرحاً، ولو كانت بلون الكآبة ستراه كئيباً.. كذلك تفعل معتقداتك، تشكّل عدساتك التي ترى بها العالم فيأخذ العالم لونها.. وتسير على هديها. لهذه النظارة تاريخ كما كل شيء تقريباً:

 لقد ولدت منذ اللحظة التي بدأ فيها الإنسان الأول يميز ما بين الشيء الطبيعي المنتمي إلى الطبيعة، وما بين الشيء الإنساني الذي ابتكره هو بنفسه، الأشياء الطبيعية والانسجام مع قوانين الطبيعة لا تحتاج إلى نظارة فالعالم هو ما يصل إليه نظر إنسان ذاك الوقت مع بضعة كيلومترات محيطة، والأعمال مقسمة كما هي مقسمة في مملكة الحيوانات لكلٍ عمله الذي يأخذ قيمته من درجة الإنجاز، لكن الكوارث الطبيعية والأخطار المحيطة بالتجمعات البشرية الأولى واللقاء اللاحق بين مجموعات البشر دفع البشر المعنيين بالتخطيط والتفكير إلى تطوير سردياتهم عن ضرورة تسوير أماكن التجمع “عالمهم” مادياً ببناء الحصون، ومعنوياً بتكريس الوضع القائم على تقسيم العمل، وهنا انبثق العرف الاجتماعي الشكل البدائي للنظارة – التي نتحدث عنها – وتميّزت طبقة العارفين التي تحدد لون عدساتها. لقد كان العرف السائد في كل تجمع هو مصدر الحقائق للجميع، وقد استعان العارفون بالآلهة ليمتّنوا الأسوار المبنية حول الوجود وليحيطوا ما ارتأوه بالقدسية التي تمنع تجاوزه بالتلويح بعقاب الآلهة، لكن ومع تصاعد شهوة السلطة والتوسع لدى الإنسان، سرعان ما دُكّت الحصون، والحدث الأهم هنا المواجهة التي حصلت بين الأعراف والسرديات المختلفة،  فمثلاً الرأي القائل أن الألهة خُلقت في الأرض كما قال اليونان، لا يشبه الرأي القائل أن الألهة خَلقت الأرض كما قال معتنقو الديانات التوحيدية، والآلهة التي تتشبه بالبشر وصفاتهم هي غير الإله المنزه عن الصفات. وكذلك القوانين التي احتاجتها المدن حين تشكلها بدت مختلفة بين شرقٍ وغرب، بين حضارةٍ وأخرى، تلك المواجهة أدت بعد زمنٍ غير قليل إلى المواجهة بين التفلسف والدين، بين عقل الإنسان الخالق وخالق العقل، والتي أفضت إلى مصالحة بينهما في روما الامبراطورية العظمى التي اعتنقت المسيحية في نهاية صراعٍ طويل، وأفضت بعد حين إلى غلبة الدين على التفلسف كما في الحضارة الإسلامية، لكن تطور النوع البشري لم يكن ليسمح بثبات الحال، فمع ازدهار العلوم ظن الإنسان أنه وصل لنهاية العالم وأحاطه معرفةً وعندما تلمس الإنسان مقدرته السيطرة على الطبيعة، وقدّر أن أسوار العالم تلك كانت وهماً لرد الخوف وتكريس السلطة؛ بدأ يتملل من القداسة التي طالما زعمت أنها تحميه من غضب السماء، وبسبب إيمانه بقدرة عقله على رد الكوارث وبسبب صعود طبقات طموحة وجدت في سلطة رجال الدين عائقاً؛ كُسرت النظارة التي تحكم علاقة السماء بالأرض لصالح أخرى تتفحص علاقة الأرضيين ببعضهم، واسُتبدلت حصون المدن بحدود الدول الناشئة، دفعت البشرية ثمناً يقدر بالحرب العالمية الأولى في سبيل ترسيم هذه الحدود، ودفعت ثمناً آخر هو الحرب العالمية الثانية في سبيل تكريس هوية وطنية قومية لهذه الحدود. وبعد أن فُصِّلت نظارات تناسب القوانين الوضعيّة الناظمة لعلاقات البشر في تلك الدول تآلف المتفق منها وتنافر المختلف، نشبت حرب جديدة دعيت الحرب الباردة بين معسكريين اختزلا التآلف والتنافر، المعسكر الاشتراكي والمعسكر الامبريالي كصيغتين بارزتين لخلاصة سعي الإنسان لنظم عالمه، انتهت بفوز المعسكر الثاني مع محاولة تعميم نظارته على العالم. وهنا تجدر الإشارة إلى أن التاريخ السابق الذكر للنظارت هو تاريخها في الحضارات الصاعدة والمتتسيدة في الجزء الشمالي الغربي من الوجود الإنساني، وبذلك لا بد من القول أن باقي الحضارات حافظت على نظارتها بنسب متفاوتة وأدخلت تعديلات على عدساتها بما يتناسب مع وضعها، وهكذا لم يكد عصر الانترنت والتواصل الاجتماعي يبدأ حتى وجد البشر – كأفراد وكمجموعات – أنفسهم أمام العالم مؤطراً على شاشة الكمبيوتر أو الهاتف النقال، محمولاً على تشكيلةٍ غير منتهية من النظارات، هذا ما دفع العديد من المفكرين بإطلاق فكرة موت الايديولوجيا، فأمام هذا الانكشاف وبعد أن أصبح العالم قريةً كونية على شاشة محمول، لم يعد الانسان بحاجة النظارات، لكن وعلى ما يبدو أن الأمر لم ينته هنا، فكما هو النظر إلى الشمس مباشرةً مُبهر ومُعمٍ كذلك هو الأمر حين النظر إلى العالم دون أسوار، دون نظارات، إن هذا التنوع الهائل من الأفكار والنظريات والمنظومات الدينية والسياسية والاقتصادية يلفظ العالم إلى العمه، إلى الفوضى، إلى السير على غير هدى، حتى الآن لايزال العديد من البشر متمسكاً بنظارته القديمة فيمكننا تصنيف مجتمع بوصفه دينياً وآخر بوصفه علمانياً وغيره بوصفه ليبرالياً وذاك استبدادياً.. الأمر الذي يتيح للآخر التوافق أو التنافر معه وبالتالي أخذ موقف ايديولوجي والتمسك بنظاراته بنسب متفاوتة.. لكن ماذا لو كسر كل البشر نظاراتهم؟!.

الإنسان يجد معناه في الجماعة، والجماعة لا تصبح كذلك إلا حين تسورها حدود ما، والتطور الفردي والجمعي يحتاج إلى تحديد مسار فلا غنى إذاً عن الايديوجيا، وربما تكون فكرة موتها لحظة احتاجها الإنسان ليتجاوز ذاته، لكنه سيكون بحاجة لصنع نظاراتٍ جديدة، وتمتين أسوار عالمه من جديد.

لذلك تريث قليلاً وأنت تدعو لسحق النظارات، لهدم جدران العالم..

ملاحظة: العبارة التي وردت في بداية المقال هي لاختبار حدة نظرك.