الحب. الحب. الحب

براءة الطرن

قبل عقد تقريباً بدّلت وزارة التربية المناهج الدراسية تبديلاً جذرياً من الشكل إلى المضمون، لم يعد الكتاب متوسط الحجم، ولم تعد الصور بالأبيض، والأسود، كانت خطة حكومية مدروسة لإضفاء اللون على حياة السوريين من أصغر التفاصيل إلى أكبرها، وإضافة النشاطات المنزلية، والترفيهية، كانت نقلة نوعية في التعليم أثارت الكثير من المفاضلات بين الماضي، والحاضر، مصلحة الوزارة، ومصلحة المواطن، الأمر الذي لا يعلق في الذاكرة كما تعلق تلك الشائعة التي تداولناها حينها: هدف الوزارة الأول حذف القصائد الغزلية من كتب اللغة العربية، واستبدالها بأخرى قومية تتغنى بالأمة، وعزيمتها.

أذكر جيداً ـ كما يذكر أصدقائي أيضاً ـ أننا في ذلك العام فتحنا كتاب اللغة العربية دوناً عن كل الكتب، وبحثنا بأكف متعرقة عن القصائد المقررة، لنتأكد من صحة اتهامنا الوزارة بالتشدد، والتزمت، وصحة اتهام الوزارة لنا بعدم صلاحيتنا للحب!

كانت غالبية القصائد عائمة في بحر من الأمجاد الماضية، العروش، الجماهير، والحرب، أما ما تبقى منها فيكتب عن المرأة بوصفها أرضاً، ووطناً، أو عن الأرض، والوطن بوصفهما امرأة، مما أثار حفيظتنا كمراهقين لدقائق معدودة، ما لبثت أن انتهت بدق الطبول ـ المقاعد المدرسية ـ توزيع العصائر، والشطائر، والاحتفال، لقد “نفدنا” من لغة امرؤ القيس، جميل، وبثيناه.

 كان احتفالنا ذاك سقطتنا الأولى، دفعنا ثمن الراحة، والتقاعس غالياً، ولكي لا نضطر لإعراب البيت هدمناه على رؤوسنا، التصقت بنا تهمة جاهزة، ومفصلّة على قياسنا ـ كما كل التهم حينها ـ وأصبح الجميع يعرفنا كأجيال باعت الحب بثمن بخس، لم يبحث أحد في الدوافع، ولا الأعذار المحلة، ولم يتكلف أحد عناء الغوص إلى دواخلنا، واستكشاف ما تحت الغوغاء، والضوضاء.

لم نمتلك الحب لنبيعه، لم نعرف شكله، ولا ماهيته، لم نصلح للكتابة عن الحب، القراءة عن الحب، والحب، كل ما عرفناه عن الأمر كان مشوهاً، ومشروطاً لا يستحق، لم نسمع الكلمة تنطق بشكل صحيح، لم نعش التجربة، ولم نتعلم أن “نحب أنفسنا أولاً”، لم نحدق في انعكاسنا على المرآة، لم نتعرف على أجسادنا، ولا أرواحنا.

ولد الحب في العائلة مطاطاً، يتوسع، ويضيق، مقترناً بأفعال يومية، ورتيبة كشرب كأس الحليب لتحبنا أمهاتنا، طي الملابس، ترتيب الأسرّة، التفوق على الأقران، ابن العمة، وابن الخال، كما تنفيذ الأوامر ليحبنا آباؤنا، النوم مبكراً، والكفّ عن مشاهدة التلفاز، أن نحبهم أيضاً دون التفكير في الأمر، أن نحب اسم العائلة، مذهبها، دينها، والمدينة التي يعود القيد إليها.

وكبر الحب في المدرسة أبكماً، لا يسمع، ولا يتكلم، مقترناً بأفعال يومية، ورتيبة كالالتزام بالزي المدرسي لتحبنا المعلمة، تسريح الشعر، تلميع الحذاء، تقليم الأظافر، حل الواجب، والكفّ عن النقاش، أن نحب المدرسة أيضاً دون التفكير في الأمر، أن نحب المديرة، المدرّسات، والصفوف.

نجحنا في اجتياز تلك المرحلة رغم الخسائر، والأثر العميق في نفوسنا غير المدركة النواقص، والعيوب، خرجنا للشارع نحمل مشاعر لا يعول عليها، نركل الرصيف، والأحجار، تركلنا الأزقة، والحواري، نلهث خلف الأمجاد الماضية، العروش، الجماهير، والحرب بما تخلفه في سياق ذلك من خيبات، وخوف.

كان الخوف أكثر الأشياء وضوحاً، وشفافية، لم نختبئ منه، ولم يختبئ منا، كان جلياً، جليلاً، نخاف رب البيت، رب المدرسة، ورب الشارع، نخاف الجماعة، الانتماء إليها، والخروج عنها، نخاف الرفض، ونخاف القبول، الخوف المحرك الأول للأجيال غير الصالحة للحب، والمثبط الأول أيضاً، فالخوف لا يجمع الأفراد بذات القوة التي يفرق بها الجماعات، ويدفعهم للتدافع في رحلة البحث عن مخبأ، وعلى الرغم من أننا لم نستطع أن “نحب أنفسنا أولاً”، إلا أننا استطعنا أن نخاف أنفسنا أولاً، ثم نخاف الآخرين.

نخاف المرأة، ولا نعرف سبب كون ما على الألف همزة حيناً، ومد أحياناً، الرجل، ولا نعرف الفرق بين الجنس، والنوع، كما نخاف أبناء النوع، العلاقات العاطفية، الأسرية، وعلاقات العمل، المرات الأولى الأكثر شغفاً، السعادة الخاطفة الأكثر صدقاً، الشفاه الأكثر شوقاً، العطشى حقاً، الحزب الواحد، والتعددية، السكين التي يهدد الجار بها لـ”شق الطابة”، الجار، والطابة، القيد المشدود إلى أعناقنا، القيد، والأعناق، القصائد التي أزالتها الوزارة، الشعراء، والوزراء.

نركض، نلهث، ونفشل، الخائفون فاشلون، غير صالحين أبداً للكتابة عن الحب، القراءة عن الحب، والحب.

فيروزتان في قلب شجاع

براءة الطرن

السادسة صباحاً، تستيقظ عمتي، تفتح المذياع، وتتجول في أرجاء المنزل، لا توقظنا، ولا تنادي أحداً باسمه، تترك المهمة لفيروز إذ ترفع صوتها فتقول “أحب دمشقا”، عمتي التي لا تسمح لنا بسماع الأغاني تستثني فيروز من القاعدة، بل تحشرها في آذاننا حشراً، تربطها بعقدة لا حل لها بالأشياء الأولى، الصباح، الاستيقاظ، الفراش، عروسة الزعتر، قهوة أبي التي يترك نصفها، ويرحل على عجل، صوت أمي المنادي للحاق بباص المدرسة، وصوت جرس المدرسة.

كانت فيروز صنماً من أصنام الساحات، نخفض الرأس عند المرور به كي لا يعرف أحد ماذا يلمع في رأسنا من أفكار إذ تلمع عيوننا، واجب علينا تأديته بفم مغلق، لها هالة من القدسية لا يجرؤ أي منا على مد يده للتأكد من ثباتها، كما لا يجرؤ أي منا على مد يده وتغيير المحطة، لا جدوى من ذلك أصلاً فكل الإذاعات تبث صوتها، وحده لا شريك له، قد يصدح صوت أختها في الخلفية أحياناً، لكنه لا يلبث أن يخفت، وقد يعلو صوت ابنها متشدقاً بفكرة ثورية، لا تلبث أن تهمد.

معرفتنا فيها “اجت ع زعل”، كنا صغاراً، وكانت تتدخل في كل شيء دون إذن مسبق، تغني لكل شيء كي لا تترك لنا حجة فنبحث عن آخر يحل محلها، غنت لكل العواصم العربية، والأوروبية، لليل، والصباح، للسكون، والحركة، للفظ، والأرز، العتاب، والغيرة، ليالي الشمال، وبيت الجنوب، لكل ما يخطر في البال، ما لا يخطر، وللبال أيضاً، أعطت الحب شكلاً، الفراق لوناً، الوداع بُعداً، والاحترام حجماً، متحلية بتلك الابتسامة الهادئة، والنظرة الثابتة، ذات الابتسامة التي تسميها عمتي “الابتسامة الصفراء” لو كانت صاحبتها سيدة أخرى غير فيروز.

كبرت وأنا أفهم الذين لا يحبون فيروز، أشعر تجاههم برابطة أخوية، أخاطبهم دون تكلف، أحدثهم عن عمتي، وشباك غرفتها المقفل دوماً، بينما يحدثونني عن الأغاني التي لطالما أثارت غضبهم، ضعف الحبال الصوتية لفيروز، والموسيقى المسروقة من ألحان غربية.

كان كرهنا لفيروز حلالاً، وصافياً أياً كان سببه، فالاضطرار للتمثيل أمام العائلة، والتمثيل أمام الأوساط الثقافية لا بأس به كدافع لثورة كامنة، تُطهى على نار هادئة، أو جمر إن صح القول.

وحين أتاحت لنا وسائل التواصل الاجتماعي وسيلة للإطاحة بالتماثيل بخسائر أقل من الوسائل الأخرى صرّحنا بكرهنا لهذه الظاهرة التي لن تتكرر حقاً ـوإن كان هذا ما يجعلها مقدسة إلى هذا الحد أحياناًـ كرهنا لآرائها السياسية التي لا تقل سذاجة عن آراء جارتنا أم خالد حين تبدي امتعاضها وهي تحفر الباذنجان، نظرتها إلينا كشعوب لا تقل فوقية عن نظرة البرجوازية التي تسكن في البناء الذي أعمل فيه، ولم تتنازل وتخبرني اسمها لأضعه هنا، وما إلى آخره من أسباب أرفقناها بطلب الاسترحام الذي نقدمه للـ”سميعة” ليكفوا عن “دحش” اسمها في عيوننا، صوتها في آذاننا، وأصابعهم الوسطى حين يلاحظوا عدم إعجابنا.

وكما كل الثورات التي تنحت كحبة مطر في صخرة يابسة، استطاع الممتعضون، والكارهون لفيروز مرة تلو الأخرى أن يخففوا حدة رد متعصبيها، وتثبيت وجهات نظرهم بدليل أن بعض الإذاعات وإن لم تتوقف عن تشغيل أغانيها عند الصباح، إلا أنها وعلى الأقل قللت الساعتين إلى ساعة ونصف.

لم تدم تلك الحقبة الهانئة طويلاً، جاءت فايا يونان لتقتل إنجازنا، وكما جاء ستالين أكثر قسوة من لينين، وأكثر بطشاً، جاءت “فيروز الجديدة” أكثر صفراوية، وأكثر تدخلاً، تغني لفيروز الأولى بـ”مطة” لم تستخدمها هي أصلاً، لها جمهور واسع، ومتعصبين أيضاً، بتناسب طردي مع قدرتها على اللعب بالعاطفة.

إلا أن حظها السيء جمعها بنا في حقبة كنا فيها كباراً هذه المرة، غير مجبرين على التمثيل أمام العمة، العائلة، والأوساط الثقافية، جمعنا أسبابنا لكرهها كـ”ظاهرة” في أقل من شهر، قبل أن يشيد أحدهم تمثالاً لها مثلاً، وهذا ما لم نقدر على فعله في عهد الأم التي سبقتها، صرّحنا بذلك في كل مرة ورد اسمها، اللحن الذي تستخدمه، أو الرأي الذي تحمله، الساذج ذاته، والفوقية ذاتها!

لم نعرف خير فيروز القديمة حتى جربنا غيرها.

فيروز الجديدة أكثر غلاظة ليس إلا.

ارسمني لأكتبك

براءة الطرن

صديقي يرسم، يرفض أن نسميه رساماً لأنه لا يمتهن هذه الموهبة، كما يرفض أن نسميه فناناً رغم أنه يتفنن في رسم أدق تفاصيل الوجه البشري، وينجح في التقاط تعبير عابر، لقطة في شارع، أو شخصية جانبية في رواية يابانية، يرفض التسميات ويفضل أن يظل حراً كما لوحاته التي لا تتبع مدرسة، ولا أسلوباً.

ولأني لا أؤمن بوجود حرية حق هنا تجاهلت طلبه، واستغللت تلك الموهبة لأتفاخر أمام الأصدقاء الآخرين عديمي المواهب، كما تتفاخر الصلعاء بشعر ابنة أختها، أقول “صديقي رسام”، “صديقي فنان”، مع تكرار تلك الجملة على لساني شعرت بثقل واجب ملقى على عاتقه تجاهي، على صديقي أن يرسمني!

كلما وضع “لايك”على صورتي الشخصية في فيسبوك أرسلت لأسأله “حلوة؟”، وقبل أن يجيب أكون كتبت جملة معاتبة، وحانقة “وعلى اعتبار أني جميلة لِم لم ترسمني بعد”، يرد مجاملاً “حلوة” فأضغط زر الإرسال، وأضغط صديقي بتبريرات يضطر لتبديلها كل مرة لأكف عن الإلحاح، لا سيما أني لا أترك فرصة دون تذكيره، في عيد ميلادي مثلاً طلبت هديتي بالاسم، والشكل، واللون، لم أفهم سبب رفضه الدائم، وتهربه المستمر، شتمته سراً، وانقطعت عن التواصل معه.

حين تخرجت من كلية الحقوق باتت الاتصالات تتوالى علي، بعضها مهنئ، وأكثرها مستشير، رغم أني لم أمتهن المحاماة بعد، ولا تؤهلني السنوات التي عملتها في مكتب محامي للإجابة، رفضت أن يسميني أحد أستاذة لاسيما أن الأمر مخالف لقانون تنظيم المهنة، مع ذلك تجاهل الكثيرون طلبي، وتم حشري في زاوية إما الإجابة، أو الشتم بحجة أني متكبرة، أو لا أفهم.

رغم أني لا أؤمن بعاقبة أفعالنا، لكن الأمر يبدو أكثر وضوحاً حين نقارنه، كنت أشرب من كأس لطالما سقيته منها، وكنا نشرب جميعاً من نبع واحدة، نبع “الموانة”، التي تفرض علينا أياً كان العمل الذي نتقنه أن نفعله بالمجان، في أي وقت، وفي أي مكان، دون أن يترك لنا مجالاً للرفض.

الموانة التي تسمح لأي شخص قريب منا، أو بعيد أن يأخذ جهدنا ليتباهى به، ينشره باسمه، أو يوفر به مالاً، يحرجنا، يضغط علينا لنجد مبررات نضطر لتبديلها كل مرة ليكف عن الإلحاح، فإن كنت رساماً قال “ارسمني”، كاتباً “اكتب عني”، مغنياً “غن لي”، طبيباً “هذا دائي”، صيدلانياً “ما الدواء”، محامياً “ما الحل؟”، شاعراً “ما الشعور؟”.

فهمنا الاشتراكية أكثر ممن وضعها، وطبقناها دون حدود، فلا قيمة لأي فعل فردي، على الجماعة أن تكون سعيدة، وسعادة الجماعة في الصمت، والإذعان.

تذكرت صديقي بعد هذا العصف الذهني، ونقد التصرفات الاجتماعية التي نبدي لها ما يكفي من استنكار، واستهجان.

أرسلت تحية، واعتذار، بعد الأخذ، والرد، وتبادل الأخبار، قلت له “سأكتب عنك في الجريدة”، وقبل أن يسأل عن مضمون المادة أكملت “ترسمني في المقابل”.

اختطاف حادثة اختطاف

براءة الطرن

الساعة لم تتجاوز الثامنة، تجاوزت مكالمات والدتي الثمانية، تستفسر عن سبب تأخري، تلعن الكراجات، المكاري، و”نصاص الليالي” التوقيت الذي يبدأ مع الغسق، عند أذان المغرب، حين يفر النهار هارباً، تاركاً لنا العتم، وجوب الهرب من مدينة تبدل القدم التي تقف عليها منذ الصباح قبل أن تدوسنا دون انتباه، ووجوب العودة إلى المنزل.

لم تكن الكراجات حجة واهية، كنت أنتظر فعلاً دون جدوى، أروح جيئة وذهاباً، تتغلغل رائحة اللحم المشوي الذي تبيعه سيدة غير آبهة بأدوار المجتمع، ولا صوره النمطية في أنفي، تثير فضولي لا شهيتي لمعرفة نوع الحيوان صاحب اللحم، ثم تحليل حظه العاثر الذي كان سبباً رئيساً لبيعه في الكراجات بثمن بخس، يد ناعمة أمسكت بذراعي، وبقوة سحب لا تتناسب مع تلك النعومة سحبتني إلى جانب الطريق، دون مقدمات قالت: كيف تقفين شاردة أمام سيارة “مفيمة”، “ما سمعتي بحوادث الخطف”، لم أفق من شرودي رغم علو صوتها، ويدها التي لا زالت تمسكني، طقطقت أصابعها في وجهي لتتأكد من سماعي لها، أو صحة سلامتي العقلية، وحين تنبهت حواسي كلها شرحت خوفها: أني شابة في مقتبل العمر أسير وحيدة، وهائمة في مكان موحش، ومظلم ـ رغم من أن المكان يعج بآخرين مثلي، وأننا نتهافت للحصول على كرسي منذ أكثر من نصف ساعة دون جدوى- حين بدا الاستخفاف واضحاً على وجهي باتت تسرد لي قصة تلو الأخرى عن جارة ابن عمتها الي خُطفت، وسلفة ابنة خالتها التي وجدت مقتولة في مكان بعيد..إلخ حتى كدت أشك أني في حضرة أجاثا كريستي، وأن علي رفع القبعة تقديراً للحبكة، مع ذلك لم يكن حديثها مثيراً، المثير غيابي التام عن الإثارة الجديدة في الأسواق السورية، وتلك الروايات البوليسية التي يتداولها الشعب شفهياً، النوايا الخفية للأفعال العادية، الخوف، بث الخوف، ونشر وسائل الحيطة، والحذر، كان الجميع متفقاً على أن الشر قاعدة في هذا المكان، والزمان، وأن قيمة الإنسان غالباً ما تتجلى في سعر أعضائه، لذا يخطف الأشرار أشخاصاً لا على التعيين، بغير قاعدة، أو قوانين.

كنت خارج دائرة “الأكشن” حتى تلك اللحظة التي قررت فيها سيدة مجهولة توعيتي، ولفت نظري إلى وجوب أخذ الحيطة عند مقابلة المجهولين، لاسيما أني أرتدي حذاء ذو كعب عالي يعيق هروبي عند الخطر، كما وصفت ويدها لا زالت تمسك ذراعي!

ضربت أنفها برأسي، حسب أشهر الحركات القتالية في الأفلام الأجنبية، أفلتت يدها، أفلتت الحذاء، وركضت هاربة، لم يكن حظي عاثراً كذاك الحيوان المسكين، كان لي مكان شاغر في مكرو، ما إن غادر المكان حتى هدأت أعصابي، أمسكت ذراع الشابة الجالسة إلى جانبي، سألتها: ما سمعتي بحوادث الخطف!

التخرج من الخروج والاندبندت من الاندبنتية

براءة الطرن

منذ دخلت جامعة دمشق وأنا أركض نحو باب الخروج، ونحو التخرج، لم أكن أركض هرباً، ولم يكن الفرع الذي أدرسه سبباً، كنت أحمل حقيبة ثقيلة من المفاهيم الحديثة، تعيق خط سيري الهادئ، والمستقيم، تستعجلني لإتمام سنواتي الأربعة بأربعة أيام، تأجيل الاستمتاع بالمرحلة التي لا تعاد، تأجيل تكوين صداقات، وتأجيل الدراسة أحياناً، المهم أن أصل، لكن الرياح تجري بما لا تشتهي الحقائب، كنت أبطأ من سلحفاة، تخرجت بعد سبعة أعوام، بظهر محني، ومفاهيم مهترئة، أفرغها واحداً تلو الآخر.

أول المفاهيم “Strong independent woman “، بالعربية “امرأة قوية مستقلة”، أتلعثم عند لفظ “independent” رغم أني أتحدث الإنجليزية بطلاقة، وأكتب في صحيفة أظنها تنافس الإندبندنت البريطانية لو أرادت الكتابة في السياسة، لا أعرف أول من نادى بهذا الشعار الرنان، ولا أعرف كيف انتشر في صفوف الفتيات، والنساء، كما لا أعرف موقفي منه، مع ذلك أسعى على قدم، وساق لأكون امرأة قوية مستقلة، فهذه المفاهيم أكثر صحة من أن تناقش.

أعددت سيرة ذاتية لا تشوبها شائبة، وكتبت تحت بند المهارات أني أعمل تحت الضغط، أعمل لساعات طويلة، ذو (شعبياً ذات) شخصية مرنة، مرحة، جادة، وقيادية، أعمل ضمن فريق، وأعمل دون فريق، وأعمل ضد فريق، متعاونة، أتحمل المسؤولية، لا أتأرجح على الكراسي الدوارة، لا أشرب القهوة، ولا أدخن، كما أتحمل الجوع، لذا أتنازل للشركة عن بريك الغداء، لا أستخدم الهاتف كثيراً لذا لا داعي لتذكيري بلائحة الممنوعات أثناء ساعات الدوام، إلا أن هذا لا يعني أني شخصية منطوية، فعلى العكس تماماً ذكرت أني اجتماعية مرتين، أرسلتها لكل الشركات المتاحة، وغير المتاحة، وانتظرت الرد طويلاً.

ذهبت لعدة مقابلات عمل، ارتديت بدلات رسمية، وحذاء ذو كعب عالي، ليأخذوني على محمل الجد، أنا وسيرتي المتواضعة، لم يرفضني أحد، ولم يقبلني أحد، كل ما هنالك أنهم لم يعاودوا الاتصال بي كما قالوا وهم يصافحون يدي، وأنا أشد لأثبت توازني، آخذ أجرة الطريق من والدي، وأذهب في رحلة البحث عن استقلال لم يجده أحد ممن حولي بعد.

أما عن القوة فكل من عرفني يشتمني، يقول “يا قوية”، وكل من أبدى رأيه في شخصيتي قال أن بي عيباً لا بد من تغييره وهو “القوة” لا سيما حين يعلو صوتي في النقاش، أو أجادل في قضية غير قابلة للجدل، أو حين أتجاوز موقفاً، شخصاً، أو فاجعة بسرعة، فجمال الأنثى في ضعفها اللذيذ، بينما لم يمدح أحد قوتي حين فتحت قطرميز المخلل، أو حملت جرة الغاز، تلك الأمور البدنية لا قيمة لها، وباتت مستهلكة جداً، ماذا يستفيد المجتمع من عضلاتي أصلاً، وأنا لا أستطيع العمل إلا في أدوار حددها لي مسبقاً، ماذا يستفيد وأنا مآلي إلى بيت زوجي، وتربية أطفالي!

 أما عن كوني امرأة، فأنا لا بأس بي حسب معايير الرجال في نظرتهم للنساء، وحسب معايير النساء في نظرتهن لأنفسهن، قد أخطئ في وضع المناكير فيخرج عن الظفر ملوثاً أصابعي، وقد لا أجيد وضع الآيلاينر، كما لا أنجح في استمالة قلب عاشق، لكن لا بأس، ثم إن لفظ امرأة يأخذ منحى آخر في بلدنا، فهو يطلق على المتزوجة حصراً، دون الفتاة البكر.

لم أعش حياتي تلك، ولا أعيش حياتي هذه أيضاً، تخرجت من الجامعة، ركضاً نحو هدف بسيط، غير معقد، تجاهلت المرحلة، وشركاء الرحلة، كي لا أزيد ثقل الحقيبة، ولا أتعرف على صديق، أو مفهوم، أو شعار.

إلا أني لم أصبح امرأة، وقوتي غير صالحة للتفاخر، ولم أستقل، ولن!

“تخرجت لأنستر، سألله أيام الفضيحة”.

نقد مسرحي متأخر قليلاً

براءة الطرن

لسنا من العائلات الذواقة للفن الرفيع، ولم نكن نتابع آخر أخبار التمثيل، الكتابة، الرسم، والنحت، نتابع ما تعرضه القناة الأرضية، إن كان مسلسلاً تجمهرنا حول الشاشة، وإن كان برنامجاً قلب كل منا وجهه لانعدام خيار قلب المحطة، فوالدي ككثيرين في تلك المرحلة رفض إدخال الستلايت إلى منزلنا، والتزم بما تؤمنه لنا الدولة من مؤن، سواء كان رزاً، سكراً، أو إعلاماً.

لم يكن ارتياد المسارح، السينما، والمعارض نشاطاً أسبوعياً، ولا شهرياً، فعدد أفراد عائلتي يحتاج دفتر تذاكر كامل، كنا بعيدين كل البعد عن الوسط الثقافي، نافذتنا الوحيدة على العالم مكتبة البيت المنسية، والقناة الأرضية.

كان عمري تسعة أعوام حين عرفت تشيخوف، وسعد الله ونوس الاسمين المرتبطين بالمسرح السوري ارتباطاً وثيقاً، اللذين لطالما عاصرنا مؤلفاتهما، حورناها، ومثلناها، وقد يعود ذلك لارتباطنا الوثيق بالاتحاد السوفييتي، والأمل.

ولمعرفتي تلك استطعت الإجابة عن سؤال المذيعة التي صادفتني في السوق بصحبة والدتي، وربحت تذكرتين لحضور مسرحية على خشبة مسرح القباني، كدت أطير فرحاً حينها، لم أنم قبل يوم العرض، كما حضرت ثيابي عدة مرات، وكأن الممثلين على استعداد لمقابلتي أيضاً.

دخلت المسرح أول مرة عام 2004، تجاهلت الروائح المختلطة، بعض الكراسي المتعبة، وكل ما قد يعكر صفو التجربة، كنت أدخل محراباً لطالما حلمت في الذهاب إليه، لم أقل تلك الجملة أمام والدتي التي رافقتني خوف أن تثير حفيظتها، فتحرمني الذهاب مرة أخرى، انبهرت جداً بالستارة، الخشبة، وكل الطقوس المحيطة، كما التهبت أكفي الصغيرة لشدة التصفيق عند الختام.

لم تكن تلك بداية انفتاحنا على الثقافة، ولكني منذ ذلك اليوم وأنا أحلم بدراسة المسرح، تمثيلاً، كتابة، نقداً، أو إخراجاً، لا فرق المهم أن ترتبط كلمة مسرح بي، وأرتبط بالخشبة التي أثارت فضولي، ارتباكي، وسعادتي، إلا أنها كانت المرة الأولى، والأخيرة التي أزور بها المسرح، انشغلت بطفولتي، وحل الوظائف المدرسية.

كبرت أحمل شغفاً عتيقاً، لم أنسه، ولكني في المقابل نسيت اسم المسرحية التي حضرتها، ولأن الحنين ينتقي من الذاكرة أجمل الذكريات كما يقول درويش كنت متأكدة بأن المسرحية على قدر من العظمة، يكفي أن أذكر سنة العرض أمام أحد المهتمين فيخبرني باسمها، وأسماء ممثليها، لكن أحداً لم يفعل.

عاماً بعد آخر كنت أدرك حجم المأساة التي تواجه المسرح السوري، حجم الرداءة، وتدني المستوى، كان الأمر يصيبني بخيبة لا تشفى، لاسيما أنه يمس ما أراه مقدساً، لا يمس!

كنت أبحث عن سبب، وحل، إهمال الموهبة ربما، إهمال المسرح، هجرة العقول، الأزمات المتتالية على المنطقة، لا أعرف.

عاماً بعد الآخر كنت أتقبل الأمر بغصة، وأجيب على سؤال “ماذا ستدرسين” بـ”كنت أرغب في دراسة المسرح لكن المسرح لم يعد كما قبل”، وكما قبل هو تلك الليلة من العام 2004.

الشهر الماضي ذهبت للمسرح، المرة الثانية في حياتي، لم أستطع تجاهل الروائح المختلطة، الكراسي المتعبة، وكل ما يعكر صفو التجربة، كان النص ركيكاً، هزيلاً، لا طعم له، ولا لون، بدا الأمر وكأن أحدهم دنس المحراب.

أشكو ذلك لصديق اكبر مني سناً، أخبره بذاكرتي عن المسرحية السابقة، وحلمي المشوه، فيخبرني بأنه كتب مادة ناقدة في ذلك العام عن مسرحية، لا بد لي من قراءتها علها تكون ذاتها، والمصيبة أنها كانت ذاتها.

ما إن قرأت اسمها حتى تذكرت، استطعت ربط بعض الأمور ببعضها، قرأت رأي صديقي، ورأي أصدقاء صديقي، ورأي كل النقاد الذين أجمعوا على أن المسرحية كانت سقطة في تاريخ المسرح، سقطة يجب أن نعالجها قبل فوات الأوان.

كانت خيبتي أكثر إيلاماً من سابقتها، كان حلمي زائفاً إذاً، وشغفي كذلك، تعرفت على مسرح مشوه، وأحببته!

لطالما كانت مسارحنا طفولية، لا يحبها إلا الأطفال السذج!

لم أبحث عن سبب، ولن أبحث عن حل، فنحن لسنا من العائلات الذواقة للفن الرفيع.

غدة رأس العين

براءة الطرن

لم أتابع نشرات الأخبار منذ عام ٢٠١٣، فقدت الأمل بعد عامين، أو لم يكن الأمل ما فقدته، فقدت القشة التي يتعلق بها الغريق، كما فقدت تسميتي غريقاً!

سحبتني مياه الموت، القصف، القذائف، الخطف، والتنكيل إلى عمق ما يجري، ملأت رئتاي حقاً، حتى كدت أختنق بأعداد الضحايا، وأسمائهم غير المذكورة، مع الوقت بات ما سبق كتفاحة آدم عالقة في حلقي، لا أستطيع بصقها، ولا ابتلاعها.

اليوم تعود نشرات الأخبار إلي كما يعود حبيب سابق حظرناه من تطبيق فاتصل على آخر، تحشر اسم رأس العين في وجهي أينما أدرته، أنا التي لا أعرف عن رأس العين أكثر من أغنية “من راس العين يوبا للقلعة فوق، مشغول البال يمشي على جمر الشوق”، تشغل بالي أخبارها، أسقط في حفرة الرجوع إلى الحبيب المؤذي، بقلب محروق أراجع ما يكتبه الجميع عن الشمال السوري بوصفه اتجاهاً، لا أرضاً، ولا بشراً، ما يكتبه الآخرون عن تلك الصراعات العرقية، والخلافات التاريخية، تثير غضبي تلك التعليقات، المقارنات بين ضحايا الطرف أ، وضحايا الطرف ب، أستشيط غضباً إن صح التعبير، أفكر في شتم هذا، وشتم ذاك، ولكن دون جدوى، فالأرض باتت عاهرة لا نعرف ممن تحبل، والجميع يملك حقاً فيها سواي، الجميع يملك رأياً أيضاً!

هل تكون الهرمونات سبب اهتمامي الوحيد بالعدوان، هل تكون الوحدة، هل يكون الاكتئاب، الإنسانية، أصدقائي الأكراد، عنادهم، لا أعرف، ولكن الوطنية ليست سبباً بالتأكيد، فتفاحة آدم الوطنية شوهت عنقي، وشوهت سلامتي النفسية التي احتفى بها العالم أمس!

نخب الهرمونات، الوحدة، الاكتئاب، الإنسانية، أصدقائي الأكراد، والعناد.

عن عمتي “مسيلة” عاشقة التين والتعب والناس

انتصار رسلان

وكما في كل عام تنتظر أم بشار موسم العنب والتين، لتبدأ زيارتها إلى “طيرجَملة” القرية الصغيرة المشهورة بالتين والعنب والزيتون وبالناس الطيبين، عند وصولها تبدأ وقبل اي استراحة بزيارة كل بيوت القرية، وتكرر عبارة العتب الودودة على باب كل بيت: “اذا ما اجيت شفتكن انتو ما بتفكروا اتشوفوني”.

 أول زيارة ستكون لبيت أخيها الأكبر، وأول عبارة تعلمنا بقدومها ستكون: “وينكو يا بيت ابوعلي شو نايمين”، نصرخ بفرح، إنه صوت عمتنا مسيلة، نفتح الباب ونركض لاستقبالها، وكالعادة ضحكتها لا تفارق وجهها المدور الجميل ذو الخدين الحمراوين كأنهما “حبتي بندورة” هكذا نحب مغازلتها، بكل بساطة وعفوية تفترش الأرض بجسدها الممتلئ وتقول “الأرض كلها حنية وما برتاح بالقعدة إلا ع الأرض”.

 في العادة تقديم فاكهة التين للوافدين الجدد إلى قريتنا أمر بديهي، إلا أنه مرفوض لعمتي مسيلة التي اتخذت لنفسها طريقة خاصة في أكل التين، فعلى معدة فارغة ومع ساعات الصباح الأولى تمشي بخطوات متثاقلة في كرم التين، مسترجعة مع كل خطوة ذكرياتها المنثورة هنا وهناك تحت الأشجار وفوقها، على “المسطح” في كل مكان، “المسطح هو عبارة عن تجمع من الأحجار الكبيرة المتراصفة بحيث ترتفع عن الأرض ويتم تسوية سطحه بالطين الأبيض أو الإسمنت ليتم تجفيف التين عليه”، وبكل خفة تقطف حبة تين، تشمها بعمق، ثم تأكلها على مهل متلذذة بنكتها الفريدة.

تعدل من وضعيتها إلى الجانب الآخر وهي تتمتم “الشغل هد حيلي وكلشي تعبناه ونحنا شباب عم ندفع حقو هلق” فبعد خمسين عاماً من العمل المتواصل أعلنت استقالتها والسبب “دسك في فقرات متعددة، ألم مفاصل، تلف أعصاب”، العمة مسيلة كانت تتباهى بكونها إمرأة ريفية جميلة، قوية البنية، وفلّاحة من الدرجة الممتازة، وكما لها نفس مميز في الطبخ كان لها يد خضراء في الزراعة فما من بذرة أو شتلة تكفلت يدياها في لقاءها الأبدي مع التربة إلا وأعطت محصولاً وفيراً، وأما عن سقاية المزروعات في وقت متأخر من الليل فرجال القرية كانوا يقومون بهذا العمل وعمتي كانت واحدة منهم، بالإضافة إلى الحصاد وطحن الحبوب والبراعة في خبز العجين على التنور الذي مازلنا نحتفظ بنكهته الفريدة تحت أسناننا، لم يكن هناك عمل يصعب عليها، حتى قتل الأفاعي، أو “الدبكة في الأعراس على الأول”.

 تنظر من الشباك نظرة بعيدة المدى وتقول “قديش أكلت هالارض من شبابي لحتا صارت متل الجنة كنت اشتغل متل الزلم وكانوا يقلولي عمي مسيلة بدل عمتي” تضحك وترفق كلامها “الحمد لله مو ندماني ع شي إلا إني ما تعلمت ودرست، وما كان يقهرني بعد شغل كل النهار، إلا الصبايا الي يروحوا المسا يشوفوا حبيب القلب وانا يكون موعدي الغرامي مع العنزات” كان جدي يملك ١٠٠رأس ماعز وكانت عمتي هي أيضاً من يقوم بحلبها، وكل هذه الأعمال كانت بالمجان لصالح معيشة الأسرة، مما كان يضطرها للعمل الإضافي المأجور، لتغطية نفقاتها الخاصة، تزوجت عمتي برجل بسيط من قرى منطقة القدموس، بعد فقدانها الأمل في تقدم أي شاب من الضيعة لخطبتها لدخولها سن الثلاثين وخوفها من العنوسة، رزقت بثلاثة أولاد وهمها الوحيد أن تراهم حاصلين على شهادات جامعية، أو على الأقل شهادة البكلوريا، تقول وبصوت جهوري كأنها تخطب على أحد المنابر “أنا بشجع ولادي يروحوا ع الجيش وما بخاف عليهم لأن أمور بلدنا رح تتعافى، وإذا إبني وإبن غيري ما عمرها مين رح يعمرها الأجنبي مثلا، وأول شي لازم الكل يصفي قلبو ونسامح بعض لانو بصراحة الكل انظلم” اختصرت بكلماتها القليلة شرحاً وتوضيحاً مطول في فهم المرحلة القادمة. أم بشار لم تبخل بمحبتها على أحد فكيف لا تفيض بالمحبة على حماتها المشلولة، حيث عاملتها بكل إنسانية لآخر يوم لها في هذا العالم، تطعمها وتضفر لها شعرها الطويل، وتقضي لها حوائجها. تكمل قائلة “بحياتي ما كرهت حدا وطول عمري ضميري مرتاح وأول ما بحط راسي ع المخدة بنام مافي احلى من المحبة” وفي أثناء تحلقنا حولها تروي لنا الكثير من الذكريات، وتحاول جاهدة أن تنتقي المفرح منها فهي تحب الفرح وتسعى أن تنشره أينما حلت، وتستذكر إحدى زياراتها للقرية والتي استقبلت فيها قريتنا الشهيد “أبو ربيع”، وعند وصولها لبيت الفقيد وبعد تبادل كلمات العزاء وسماعها زوجة الشهيد وأخواتها يغنون مواويل الرثاء، كنوع من العادات والتقاليد في قريتهم، فما كان من عمتي إلا وأن أطلقت الزغاريد وسط دهشة النسوة الأخريات، وفي مرحلة أخرى من الحماس صارت ترفق زعاريدها بالتصفيق، تحدثنا قائلة “كل الموتى فينا نبكي ونزعل عليهم إلا الشهيد لازم يكون عزاه فرح لأن الكل بيموت الا الشهيد”.

تمسك المصاصة ترجعها للخلف بإشارة مفهومة بأنها اكتفت من شرب المتة، وبقليل من الجهد تستطيع النهوض، تودعنا قائلة “جهزولي صحن برغل لكون ارجعت لا تتكلفوا بشي بتعرفوني مابحب اكتر من البرغل ولا تنسوا قرن الفليفلة الحد”، تهم مسرعةً في المغادرة فلديها الكثير من الأحبة لزيارتهم، وفي قلبها من المحبة ما يفيض عن عدد بيوت القرية.

الحب .. الحب.. الحب

براءة الطرن

لطالما وصفت صديقتي علاقاتي العاطفية بالمريضة، والمسممة، ولطالما أطلقت لقب “سايكو” على كل شخص يعجبني، ضحكنا كثيراً في البداية، إلا أن الوصف بات يتخذ منحى جدياً، وباتت تكرره في كل مكان، وزمان، صديقتي لم تكن تعرف الأشخاص شخصياً، ولم تعرف من القصة سوى ما أحكيه لها، ما أثرثر به حين أستشيط غضباً، أو أطير فرحاً، كانت ردات فعل الشخص الآخر تثير حيرة، وريبة كافيتين لبني سيناريو مليء بالإثارة، والتشويق عن قصة غير عادية.

لم تكن تلك حقيقة على الإطلاق، لطالما كانت علاقاتي العاطفية عادية، لا غريب فيها سوى حيرتي، وردات فعلي المثيرة للشك، والريبة، لطالما كنت الشخص “السايكو” في العلاقة، فأر التجارب حيناً، والمجرب أحياناً، أطبق على الشريك ما تلقنته في مسلسل أهل الغرام، روايات ماركيز، أغنيات عبير نعمة، ومسرحيات الرحباني، لطالما كنت خياطاً يفصّل العلاقة على قياسات معينة، إذا ارتداها أحدهم تمزقت، و”تبهدلت”، تاركة لي دراسات أجريها عن شكل الحب، ماهيته، والوصفة الأفضل لطهي حب شهي!

لطالما كانت علاقاتي العاطفية كذبة، ذاب عنها الثلج حين أحببت حقاً، فاكتشفت نفسي بدل اكتشاف الآخر، لم أكن مرآة وقتها، كنت امرأة، طبيعية، تحب، تشتاق، وتغار، لم أحتج وصفة، لم أكن أطهو شيئاً، كنت أتذوق – وللمرة الأولى – طعم الحب، والحقيقة، لم أسأل حكيماً، ولا مجرباً، كانت التجربة خير برهان، كان الحب خير برهان، امتناناً لذلك كان علي الاعتراف بأغلاطي السابقة، أن أصحح أولاً لصديقتي، ثم الآخرين، لم يكن الأمر بسيطاً فاختل توازني مرة أخرى، ضعت ما بين أنا المصحح، وأنا الصحيح، كنت فأر التجارب مرة أخرى، أجرب الأشياء نفسها، وأتوقع نتيجة أفضل، باءت كل دراساتي، وعلاقاتي بالفشل، لم أخجل من الاعتراف بذلك، كنت سيئة كما كل مرة، لم يكن الحب على قياسي، فتمزقت، و”تبهدلت”!

عناق التفقّد

براءة الطرن

كانت أمي توقظنا بقبلة، وعناق.

أما القبلة فصادقة، وأما العناق فمخادع تهدف منه لمد يدها متفقدة فراش كل واحد منا عند الصباح، كانت تخشى أن نفقد زمام السيطرة، فنبول على أنفسنا.

علّمتنا أمي أن البكاء ليلاً أمر ملعون، يوقظ شياطين الأرض لتأكل أرواحنا، فحبست دموعي عند أول رصاصة، ثاني قذيفة، وثالث شهيد، حبست دموعي عند أول خيبة، ثاني ألم، وثالث فراق!

بات سريري جافاً، كما عيوني.

اليوم أفقد السيطرة دفعة واحدة، تهرب دموعي دفعة واحدة.

أبكي لأن فنجان الشاي بلا سكر، أنا التي لا أشرب الشاي، ولا أضع السكر.

أبكي وأمسح بالوسادة، أبحث عن قبلة صادقة، وعناق مخادع يتفقد حزني، والفراش.