تراجع الانتاج إلى 500 طن وأعداد الخلايا 80 %
عن العسل في الزمن المرّ

انخفضت أعداد خلايا النحل من 732 ألف خلية إلى 150 ألف خلية فقط، خلال الحرب، فيما تراجع إنتاج العسل من 3200 طن، إلى 500 طن في العام الواحد، في حين أن حاجة الاستهلاك المحلي تُقدّر بحدود 1500 طن سنوياً.. !
وفي الوقت الذي كنّا نُصدّر فيه الفائض سنوياً والبالغ نحو 1700 طن، بتنا اليوم أمام فجوة تحكي عن حاجتنا إلى 1000 طن زيادة عن الإنتاج القائم حالياً لسدّ حاجة الاستهلاك المحلي في السنة الواحدة.
وخلال ورشة عمل عقدتها – في وقتٍ سابق – الأمانة السورية لاتحاد النحّالين العرب تحت شعار «النحل – استثمار- زراعة – إعمار» بمشاركة ممثلين عن المنظمات الدولية العاملة في سورية والأمناء المساعدين لاتحاد النحالين العرب من لبنان والعراق، لتسليط الضوء على الضرر الذي تعرض له قطاع النحل نتيجة الظروف الراهنة والخسائر التي تعرض لها المربون، وفرص العمل التي فقدت في هذا المجال، إضافة إلى الأعمال المنفذة خلال الفترة الماضية والتحديات التي تواجه قطاع النحل والدور المرجو من هذا القطاع في مرحلة إعادة الإعمار، أوضح الأمين العام المساعد لاتحاد النحالين العرب المهندس إياد دعبول أنّ أهمية انعقاد هذه الورشة تأتي من خلال مناقشة مشاكل هذا القطاع، وتنسيق الجهود وتوحيدها بين الأمانة السورية لاتحاد النحالين العرب ووزارة الزراعة والمنظمات الدولية والإقليمية المعنية بهذا القطاع، حيث وصلت نسبة الضرر في المنطقة الساحلية والمنطقة الوسطى في سورية إلى 75% وفي المحافظات الشرقية إلى 100% واعتبر المهندس دعبول، أن الأمر يحتاج لخمس سنوات قادمة، للبدء بالحصول على نتائج إيجابية في هذا المجال، خاصة بعد أن بدأ هذا القطاع يستعيد عافيته، حيث توفرت الإمكانية للنحال، لنقل خلاياه بين مراع متنوعة، بعد أن تم تخليص الكثير من المدن والمناطق من الإرهاب، بفضل انتصارات الجيش العربي السوري..
ولم يتوقف المهندس إياد دعبول عند تشخيص الواقع وتفنيده وتوصيفه، ولكنه بادر مؤخراً إلى مقارعة هذا الواقع بالفعل والعمل، إذ قرّر على ما يبدو أن يكون مساهماً وبشكلٍ كبير في إنقاذ الموقف وترميمه، والبدء بإعادة الوضع إلى ما كان عليه.. وأفضل، حيث تقدّمَ إلى هيئة الاستثمار السورية بمشروعٍ استثماري ضخم في مجال إنتاج العسل، سوف يساهم خلال ثلاث سنواتٍ من الآن بردم هذه الهوّة الكبيرة في إنتاج العسل، وقد وافقت هيئة الاستثمار على تشميل هذا المشروع الذي سيُقامُ في ريف دمشق، بقانون تشجيع الاستثمار.
ويبدو أنّ هذا المشروع سيتألّف من نحو 150 ألف خلية، حيث أظهرت المعطيات الأولية له أنه سيقوم بإنتاج 500 طن من العسل، بالإضافة إلى 25 طناً من غبار الطلع، و20 طناً من البربوليس خانم – وهو مسحوق العكبر – بالإضافة إلى 100 طن من الشمع الخام، و 500 طن منتجات مُصنّعة من منتجات النحل، ومستلزمات النحل.

فقراء يدفعون 800 مليون ليرة يومياً لشركتين

علي محمود جديد

خلال الأشهر الستة الأولى من هذه السنة (القاسية) دفعنا نحن السوريين 144 مليار ليرة لشركتي الاتصالات سيرياتيل وMTN، أي بمعدل 800 مليون ليرة كل يوم، و33 مليون ليرة كل ساعة.

أي أننا نجري 50 ألف اتصال كل دقيقة، شيءٌ لا يُثيرُ الاستغراب فقط، وإنما يُثيرُ الهبل فعلاً، والذي يُراقب الوضع بإنصاف، يحتار ما الذي يجري بشكل صحيحٍ وصريح بشأن الوضع المعيشي.. فهل كل ما نسمعه من صراخٍ.. وتوصيفٍ لصعوبات الحياة ومآسي العيش، وغلاء الأسعار.. والفقر والجوع.. هو صحيحٌ وفي مكانه..؟!ليست فقط التقارير الدولية.. بل والمحلية الوطنية تتحدث عن فقر السوريين المدقع وتدني مستوى معيشتهم، بل وعن انعدام الأمن الغذائي لملايين عديدة من السوريين، واقتراب انعدامه لملايين أخرى، هل هي بالفعل صحيحة..؟!

الذي لاشكّ فيه أنّ هناك صعوبات حياتيّة ومعيشيّة قائمة، ومن المؤكد أنّ الموجات التضخميّة التي شهدناها جميعاً على مدى سنوات الحرب التسعة، ولامسناها على شكل ارتفاعات غير مسبوقة لأسعار المواد والسلع، تروي الحكايات عن تلك الصعوبات الحياتية والمعيشيّة، ولاسيما في ضوء استقرار الدخل عند محدوديهِ على نحو منخفض. ولكن.. هل يستحق الأمر كل تلك الشكاوى التي تصل إلى حدود الصراخ..؟! وهل حكايات اليأس والإحباط الناجمة عن ضيق الحال والأحوال هي في مكانها، وتُعبّر عن حقيقة ما نحن عليه..؟! أم أنّ هناك مبالغاتٍ ذهبت بعيداً تشطح في عالمٍ خيالي مُتوقّعٍ نبنيه جميعاً على احتمالاتٍ ومخاوف تقضُّ مضاجعنا..؟!

إن كنّا نحن اليوم كسوريين نعاني بحجم ما نعكسه من آلامٍ وصعوباتٍ وسوءٍ بأحوال عيشتنا ومعيشتنا.. فدعونا نسأل – وعلى بساطٍ أحمدي – جملة من الأسئلة التي حيّرتنا، علّنا نجد مع بعضنا أجوبة مقنعة وكافية عليها.أمام هذه الصعوبات الهائلة التي نسمعها، ونرى جوانب منها، ما الذي يتيحُ لنا كسوريين أن نُنفقَ في نصفِ عام فقط 18 ملياراً من أجل تسديد فواتير الهاتف الخليوي على الخطوط اللاحقة الدفع فقط..؟!

والأنكى من ذلك أيضاً.. ما الذي يضطرّنا كسوريين أن ندفع 35 ملياراً على خطوط الجيل الثالث، (ثري جي يعني).. فليقُلْ لي أحدٌ: ما الذي يضطرنا فعلاً لدفع هذه المليارات كلها في ستة أشهرٍ فقط من أجل النفاذ على الانترنت..؟!! فما دمنا غارقين في سوء الحياة والمعيشة التي لا تُطاق.. ما حاجتنا للانترنت..؟! وما الذي نفعله هناك..؟ ما الموسيقى أو السينما التي ستمتعنا؟ وما الخبر الجيد الذي ننتظره؟ وما وصفة “الشيف بوراك” التي سنطبقها في مطابخنا؟ وما الذي سيثير اهتمامنا في حفل توزيع جوائز الأوسكار، أو مبارايات ريال مدريد؟ والأشدّ من هذا وذاك أننا نحن العُراةُ الجوعى.. الفقراء العاطلون عن العمل، والغارقون في بحر من التضخم والأسعار المشتعلة، والمتبهدلون من ضنكِ العيش وقساوته، والذين لم نعد نجد قوت يومنا، ندفع 91 ملياراً عدّاً ونقداً ثمناً ” للوحدات ” التي نُغذّي بها خطوطنا المسبقة الدفع، وهذا كله في النصف الأول من السنة الحالية فقط.. !!

وهكذا يا شباب نكون قد دفعنا 144 ملياراً و199 مليوناً و360 ألفاً و338 ليرة سورية خلال النصف الأول من هذا العام هكذا في الهواء، وبشكلٍ طوعي، دون أن يُلزمنا أحد بدفع ليرة واحدة من هذه المليارات كلها.. !

إذن كيف سيستقيم الأمر على أننا بذاك القدر المُعلن كله من البؤس والفقر وسوء المعيشة، في حين نذهب بأيدينا وأرجلنا لإنفاق هذه المليارات كلها في نصف عام، ونُبدّدها من أجل اتصالاتٍ وأحاديث بعضها مهم وضروري ومجدي، وربما لا بدّ منه، ولكن أنا وأنتم على ثقة بأنّ أغلبها لا طائل منها..؟!!

النتيــــــجة:برأيكم ما هي النتيجة..؟ هل نحن مضطرون لدفع تلك المليارات كلها، فإما أن نموت أو ندفعها..؟! ما يعني أنّنا ملزمون بدفعها على الرغم مما نحن فيه من تعاسةٍ وفقرٍ وجوع وانحدار مخيف لمستوى المعيشة..؟ أم أنّ معيشتنا معقولة ولكن نخشى الاعتراف بذلك.. وأننا بعد تسع سنوات من الحرب نشعر – دون أن ندري – بأنه يجب أن نكون شكّائين وبكّائين.. وقلقين وخائفين..؟! حالةٌ حيّرتني.. ولكن هذه هي الوقائع والأرقام.. إنها حالة مثيرة للاستغراب والهبل فعلاً.. دعونا نقف معها بإنصاف.. ودعونا نقيّمها بهدوء.. فإن فعلنا ماذا تكون النتائج..؟! وإن لم نفعل فتعالوا ننوحُ ونبكي..!!

هيئة غسل الأموال: الحجز على أموال 10 آلاف شخص في 2018

علي محمود جديد

تتابع هيئة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب عملها بهدوء يشبه الصمت، عبر مختلف وحداتها، ولاسيما وحدة التحقيق ووحدة جمع المعلومات المالية، ووحدة التحقق من الإجراءات.

وكانت الهيئة قد تلقت خلال عام 2018 الماضي 139 حالة توزعت بين 66 حالة استعلام داخلي، و6 حالات استعلام خارجي، و 67 حالة تقرير عملية مشبوهة.

وبيّن التقرير السنوي للهيئة عن عام 2018 بأنها أحالت 6 من هذه الحالات للادعاء، وحفظ 92 حالة تعود لأعوام مختلفة، في حين تتابع وحدة التحقيق العمل على 623 حالة ما زالت قيد التحقيق، إضافة لمتابعة ملف الحوالات المكررة والبالغ عددها 402 حالة تعود لأعوام مختلفة، كما وتم تزويد المعلومات لمعظم طلبات الاستعلام الداخلي.

في هذه الأثناء تابعت وحدة جمع المعلومات العمل على تطوير قاعدة بيانات الهيئة، وإعداد الدراسات اللازمة للربط مع قواعد البيانات المحلية، كما اتخذت الإجراءات ليتاح أمام الوحدة إمكانية البحث أو استخراج تقارير تتعلق بالبيان الجمركي، أو الشهادة الجمركية للمصدرين والمستوردين، وتم ترحيل كم هائل من بيانات الحوالات في البرمجية وفق الصيغ القياسية من كافة المصارف وشركات الصرافة والحوالات المالية الداخلية، كما وقامت الوحدة بمعالجة كافة قرارات الحجز الواردة إليها من وزارة المالية، وإدراج ما يخص قرارات ثبوت التورّط بأعمالٍ إرهابية في جداول خاصة بالوحدة، وبلغ عدد الأسماء المدرجة في تلك الجداول 10 آلاف اسم خلال عام 2018.

كما قامت الوحدة بمعالجة كافة طلبات الاستعلام الواردة من ضمن وحدات الهيئة، ومن مديريات المصرف المركزي للاستعلام عن أشخاص وشركات، أو البحث في برمجية الحوالات أو قوائم السجل التجاري أو القائمة الوطنية للإرهاب، وبكل قاعدة بيانات أو جداول مخصصة للبحث في الوحدة، بالإضافة إلى إعداد تقارير دورية تحليلية وإحصائية عن كافة نشاطات الهيئة والإبلاغات التي تلقتها والمعلومات الواردة، وتزويد الجهات الطالبة للمعلومات بالمعلومات المطلوبة المتوفرة لدى الهيئة. 

وتابعت وحدة التحقق من الإجراءات، مهامها في التأكد من قيام المؤسسات المالية والمصرفية المكلّفة بالتزامات مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب بالتقيد بهذه الالتزامات، وذلك من خلال الرقابة المكتبية والميدانية، حيث قامت الوحدة بمتابعة تقارير المهمات الرقابية المنفذة خلال عام 2017. 

كما تمّ البدء بتفعيل مصفوفة العقوبات الخاصة بالهيئة واتخاذ الإجراءات المناسبة (عقوبات) بحق المؤسسات المالية والمصرفية، المخالفة للالتزامات المفروضة عليهم وفق لائحة الجزاءات الإدارية والغرامات المالية، والإجراءات العلاجية التصحيحية.

كما تم إصدار العديد من التعاميم والقرارات للمؤسسات المالية والمصرفية، وذلك فيما يخص إجراءات مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، والقيام بدراسات لبيان الآثار المترتبة على تطبيق بعض القرارات الصادرة، والعمل على استصدار الدليل الارشادي للرقابة الميدانية والتنسيق مع الجهات الاشرافية على القطاع المصرفي والمالي بهذا الخصوص. 

عن ليرة الناس التي تعبت كالناس

زينة شهلا 

لم يعد من شيء مثل الليرة، ولا حتى الليرة نفسها، فلطالما وصفنا رجلاً تعافى من مرض، أو علاقة ترممت بين زوجين، أو جهازاً عاد من الصيانة، بأنه “متل الليرة” فيما نحن نقصد أنه جيد ولامع ومتين، ومتى ما فقدت الليرة قيمتها كليرة، فقد فقدت تلقائياً معناها كرمز، وتبدلت دلالتها اللغوية بتبدل قيمتها الفعلية. 

ففيما مضى لو أرادت امرأة أن تقنع ابنة اخيها بعريس، كانت تصفه بانه يتكلم كمن يعدّ ليرات، ثقيل ومليء وكلامه ثمين ومحسوب. ولو بشّ رجل بوجه جاره أو ابنه في الصباح لرد تحية الصباح قائلاً: “يا صباح الخيرات والليرات”. 

اليوم، ما زال في الحياة بعض الخيرات، لكنها لا يجوز ان ترتبط بالليرات، لأنها صارت بلا قيمة وبلا بركة، 

ولو أردنا إرسال تهنئة لصديق بحلول عيد أو سنة جديدة، قد نقف محتارين بين أمنيات بالصحة والعافية، وأخرى بأن ترسل له الأقدار الكثير من “الليرات”، فالأولى هي حلم كثيرين، والثانية باتت مبتغىَ صعب المنال.

اليوم، وقد عبرت الاعياد أيامنا بثقلٍ وببهجة خجولة، ودون ان ينتظرها أحد، تعود الليرة وتقلباتها لتصبح الهم الأكبر للسوريين أينما كانوا داخل جغرافيا الوطن الكبير. وبالتوازي مع تحليلات وأرقام ومنحنيات بيانية تحكي الكثير عن رحلة تحولات العملة السورية عبر السنوات الثمانية الماضية ووصولها “للشيخوخة”، ترسم تلك الرحلة ذاتها آثارها بعمق على كافة تفاصيل حياتنا اليومية.

كان زمان

في أيلول 2011 السنة الاولى من الحرب، كانت العملة السورية ما تزال محافظة على نفسها، حيث لم تنخفض قيمتها حينذاك بعد عن الخمسين ليرة مقابل الدولار، وكان لا يزال من المنطقي أن يجيب أي سوري عن سؤال “كيفك اليوم؟” بعبارة “متل الليرة”، أي أن حاله اليوم كحال الليرة، ثابت راسخ صامد لا يعير تقلّبات الزمن أي بال. اعتادت حينها العائلة من الطبقة الوسطى على ادخار مبلغ قد يقارب خمسين ألف ليرة، أي حوالي ألف دولار أمريكي بسعر الصرف آنذاك، لمستلزمات شهر أيلول، وكان المبلغ كافياً بشكل جيد لتأمين مونة المكدوس وشراء مستلزمات المدارس والاستعداد لبرد الشتاء بتخزين برميلين من المازوت. 

بمرور سنوات الحرب، تراجعت الليرة أيلولاً بعد آخر، ففي عام 2012، كان سعر 67 ليرة للدولار القفزة الأولى المخيفة وقتها السخيفة اليوم، لأنه في أيلول 2013 أصبح 200.، وظل في العام التالي 2014متوازناً، وتأرجحه مقبول، فوصل في أيلول من ذاك العام إلى 170. لكنه ومنذ العام 2015 بدأ التراجع الكبير والذي ما عاد منه مهرب أو رجعة، وصولاً لحوالي 610 ليرة مقابل الدولار في شهر أيلول هذا العام. الانخفاض الكبير الذي ترافق بارتفاع أسعار كافة المواد لعشرة أضعاف على الأقل، وعدم حصول زيادة موافقة في دخل معظم العائلات السورية، كانت له نتائج كارثية إن صح الوصف. ذات العائلة من الطبقة الوسطى لم تعد اليوم قادرة على ادخار المبلغ نفسه، أي ألف دولار أمريكي، لتحضيرات شهر أيلول. بإمكانها ربما ادخار خمسين ألف ليرة سورية، والتي باتت اليوم مساوية لثمانين دولار، وهي على الأغلب لن تكفي لنصف واحدة من ميمات الشهر، مع إلغاء معظم الاحتياجات، والاقتصار على الضروريات الأشد الحاحاً. هذا طبعاً إن افترضنا بقاء العائلة من ضمن الطبقة الوسطى، التي تضاءلت إلى ما دون 15 بالمئة من سكان سوريا مقارنة بحوالي 60 بالمئة من مجموع السوريين قبل الحرب وذلك وفق أرقام مركز دمشق للأبحاث والدراسات “مداد”.

الجمل بليرة وما معنا ليرة

الكثير من الأرقام؟ لنعد بالزمن بضعة أيام فقط ولنقم بزيارة صغيرة لسوق البزورية وسط دمشق لنعرف أكثر عن معنى كل ذلك باستخدام العين المجردة. معظم المحال فارغة رغم وجود الكثير من المارّة. “مين بدو يشتري؟”، يقول أحد باعة التوابل والمواد الغذائية. “لك حتى اللي بيدخل، بيطلب ربع وقية من شي نوع بهارات، و50 غرام جوز أو لوز، وبيفاصل لحتى ياخدهم بسعر أقل”. بائع آخر يفضّل القدوم بعد الظهر، فلا حركة تتطلب أن يفتح محله منذ الصباح الباكر. بائع ثالث يتجادل مع امرأة تطلب منه بضع ذرّات إضافية من الفلفل الأسود مجاناً، ورابع يفضّل أن يكون كريماً دون طلب، فيضع لإحدى السيدات حبتين من الجوز كهدية مع كيس التوابل الصغير الذي اشترته.

“الأسعار نار”، يتفاجأ الجميع، ويحزنون. وحده (العرجاوي) بائع الزعتر الشهير وسط شارع مدحت باشا يشهد الازدحام المعتاد. كيلو الزعتر 1400 ليرة. “نحنا ما غلّينا عشر أضعاف متل الباقي لحتى ما نخسر زبائننا”، يقول صاحب المحل بفخر.

وكحال الأسعار، وكحال السوريين الذين ملأت التجاعيد وجوه معظمهم على مدار سنوات “الأزمة” الثمانية، هرمت حتى عبارات “المعايدة” التي اعتادوا تبادلها بحلول مختلف المناسبات، والتي تغيرت بتغير الأحوال الميدانية والاقتصادية في البلاد. لا حاجة لقوّة ملاحظة لمعرفة ذلك، إذ يكفي المرور بأحد الشوارع أو الأسواق، والإنصات بتأنٍ لأحاديث وهمسات الناس.

الليرة السورية اليوم في أضعف حالاتها. “ميمات أيلول بليرة، وما معنا ليرة”. ولا نملك سوى أن نتمنى عاماً جيداً لطلابنا وشتاء كريماً لأرضنا، وحالاً أفضل لليرة وللسوريين في كل بقاع الأرض.

مجزرة المشمش التي لم يتحدث عنها أحد

علي جديد

على الرغم من انتشار صناعة قمر الدين في العديد من البلدان العربية والإقليمية، إلاّ أنّ قمر الدين السوري يبقي هو الأكثر شهرة وتميزاً عند المستهلكين، ولا يزال الأكثر طلباً في أسواق العالم، فسورية كانت السبّاقة لابتكار هذه الصناعة ونشرها في العالم، وهي معروفة منذ العصر الأموي.

وبغض النظر عن ارتباط هذا المنتج وشرابه بشهر رمضان، مشروب قمر الدين هو بالفعل من المشروبات اللذيذة التي تمتاز بمذاقها الخاص المُعتّق، والذي يمزج الطعم الحلو مع الحامض بطريقة فريدة، ولاسيما إن كان من المشمش الشامي ذي النكهة العطرية المميّزة.

المؤسف اليوم أن هذا المشمش الشامي الفائق التميّز طعماً وجمالاً، والذي كان يكسو غوطة دمشق، قد أتت الحرب على أغلبه، فأغلب الأسر التي كانت تعيش في الغوطة على موسم المشمش، وتنتظره من عامٍ إلى عام، فَقَدَ ما تبقى منها مصدر عيشه الوحيد، 

خسرت غوطة دمشق (90 %) من أشجار المشمش، ولم يبقَ اليوم سوى (10 %) مثلما أوضح فايز شيخ قويدر رئيس لجنة الكونسروة وقمر الدين، في غرفة صناعة دمشق وريفها، (وهو من منتجي قمر الدين، ولديه منشأة تنتج 300 طن من قمر الدين سنوياً). 

شيخ قويدر أوضح أنّ إنتاج سورية من قمر الدين يصل سنوياً إلى حدود 10 آلاف طن، يُصدّر منها نحو 75 % إلى مختلف دول العالم، أي نحو 7500 طن، ليبقى 2500 طن في السوق المحلية فقط.

وأمام هذه المجزرة المشمشيّة في الغوطة، وقع ما تبقى من مصانع قمر الدين بأزمة حقيقيّة إزاء نقص المادة الأولية الرئيسية (المشمش) غير أنّ صنّاع (قمر الدين) لم يستسلموا، وراحوا يستجرّون المشمش من مختلف الأماكن والمحافظات، ولا سيما من محافظة حمص التي تنتج كميات كبيرة من المشمش تصل إلى 34 ألف طن ولكن منتجي قمر الدين احتاجوا إلى كمياتٍ أكبر، فاستوردوا من لبنان والأردن ما يحتاجونه من المشمش، لتلبية طاقة معاملهم الإنتاجية من قمر الدين.

وأضاف أنّ وزارة الزراعة سرعان ما بادرت إلى توزيع غراس المشمش ومختلف الأشجار المثمرة على ما تبقى من مواطني الغوطة، لزراعتها في تلك الأراضي التي تعرّضت لتلك المجازر الزراعية.

في هذه الأثناء يحاول بعض رجال الأعمال السوريين إعادة إحياء هذه الصناعة عبر إقامة استثمارات ضخمة لانتاجها، وقد وافقت هيئة الاستثمار مؤخراً على ترخيص مشروع لصناعة وإنتاج المربيات وقمر الدين، وفق المرسوم 8 لعام 2007 لأربعة مستثمرين (محمد الحاج موسى، وحسين العبيد، وحسين وسلمان صقر).

وتشير المعطيات الأولية لهذا المشروع إلى أنه سيُنتج 5 طن من المربيات المتنوعة، بالإضافة إلى 240 ألف علبة من قمر الدين، وهذا يعني نحو مئة طن من قمر الدين.