أرضنا مريضة.. وقد تكون طريقتها في إنقاذ نفسها هي التخلص منّا

شهدت أنحاء كثيرة في أوروبا موجة حرارة وجفاف غير عادية خلال ربيع وصيف 2018، مما أدى إلى اندلاع حرائق البراري في إسكندنافيا. وسُجل العديد من درجات الحرارة القياسية العالية شمالي الدائرة القطبية الشمالية، ودرجات حرارة مرتفعة ممتدة قياسية في هلسنكي (فنلندا). وشهدت أجزاء من ألمانيا فترات يومية تجاوزت فيها درجة الحرارة 30 درجة مئوية، بينما ارتبطت موجة حرارة في فرنسا بعدد من الوفيات. كما كانت تلك الفترة حارة وجافة بشكل غير عادي في المملكة المتحدة وأيرلندا. وألمَّت بإسبانيا والبرتغال موجة حر قصيرة لكن حادة، وشهد نهر الرين تدفقات منخفضة شبه قياسية في منتصف تشرين الأول، مما عطّل النقل النهري بشكل كبير.

وحدث جفاف غير مسبوق في شرقي أستراليا خلال 2018، وعانت أوروغواي وشمالي ووسط الأرجنتين جفافاً حاداً في العامين السابقين، مما أسفر عن خسائر زراعية فادحة.

وعرف كل من اليابان وجمهورية كوريا درجات حرارة قياسية جديدة (41.1 درجة مئوية، و41.0 درجة مئوية على التوالي).

وأبلغت عُمان عن أعلى درجات حرارة دنيا ليلية معروفة قدرها 42.6 درجة مئوية في حزيران. كما شهدت الجزائر درجة حرارة قياسية جديدة قدرها 51.3 درجة مئوية في تموز.

واندلعت في اليونان حرائق براري كبرى أسفرت عن خسائر في الأرواح. وشهدت كولومبيا البريطانية في كندا أرقاماً قياسية جديدة في معظم المناطق المحروقة في موسم الحرائق للعام الثاني على التوالي. وعانت كاليفورنيا حرائق براري مدمرة، وكان حريق Camp Fire في تشرين الثاني أكثر الحرائق إزهاقاً للأرواح منذ أكثر من قرن في الولايات المتحدة..

هذا ليس تعداداً لعلامات الساعة في كتاب قديم، بل هو تقرير للمنظمة العالمية للأرصاد الجوية (WMO) يعدد العلامات المقلقة للتغير المناخي.

ويقول التقرير إن تعرّض قطاعات الزراعة للظواهر المناخية المتطرفة يهدد بنقض المكاسب المحققة في إنهاء سوء التغذية، إذ تشير أدلة جديدة إلى ارتفاع معدلات الجوع في العالم بعد فترة ممتدة من الانخفاض. ففي عام 2017، تشير التقديرات إلى زيادة عدد الأشخاص الذين يعانون سوء التغذية ليصل إلى 821 مليوناً، وأفريقيا هي المنطقة التي تؤثر فيها الظواهر المناخية، بأكبر درجة، على الانعدام الحاد للأمن الغذائي وسوء التغذية، مما يؤثر على 59 مليون شخص في 24 بلداً، ويتطلب إجراء إنسانياً عاجلاً.

ومن بين النازحين داخلياً البالغ عددهم 17.7 مليون الذين تتبعت آثارهم المنظمة الدولية للهجرة، فقد كانت الفيضانات هي السبب الأول للنزوح (43 بالمئة)، يعقبها الجفاف (29 بالمئة)، ثم النزاعات (26 بالمئة).

الانقراض ليس مجرد وجهة نظر

إلى بضعة سنوات قليلة مضت، كان التغير المناخي ومخاطره موضوعاً لخلاف الرأي في الأوساط العلمية، ففي العام 2012 وجهت مجموعة من 16 عالماً دعوة لرجال السياسة في الولايات المتحدة الأميركية من أجل إعادة دراسة موقفهم بخصوص التغير المناخي، وذلك في مقال للرأي نشرته جريدة “وول ستريت جورنال”، يؤكد أن ما أشيع بخصوص التهديدات الذي تمثلها هذه الظاهرة “مبالغ فيه”.

واعتبر الموقعون على هذا المقال، ومنهم علماء في الكيمياء والفيزياء والأرصاد الجوية وأساتذة بجامعة كمبريدج والمعهد التكنولوجي بمساتشوستس، أنه لا توجد حاجة لاتخاذ “إجراءات جذرية” لمواجهة الاحتباس الحراري.

ويقول المقال إن “الخبراء الذين يحذرون من آثار مدمرة لانبعاثات الغازات المسببة للاحتباس الحراري، على دراية بوجود أدلة تفند نظرية التغير المناخي”.

واستشهد العلماء برفض العالم الفائز بجائزة نوبل للفيزياء، إيفار جيافيه، عضوية جمعية فيزيائيي الولايات المتحدة، لعدم اتفاقه مع موقفها بخصوص قضية التغير المناخي التي لا ينكرها ولكنه لا يثق في أن الأسباب التي سيقت حقيقية.

ولكن مثل هذه الأصوات صارت أكثر خفوتاً اليوم، ليس لأن العلماء المناوئين قدموا حججاً علمية مفحمة، بل لأن المناخ نفسه تكفل بهذه المهمة، عبر ظواهر وإشارات ساطعة لا تترك مجالاً واسعاً لخلاف الرأي.

ومنذ بضعة أشهر أصدرت لجنة علماء وخبراء، ترعاها الأمم المتحدة، دراسة أكدت

أن استمرار انبعاثات الكربون بالمعدلات المتصاعدة التي يشهدها العالم حالياً، سيتبعها اختلال في موازين النظم الجيوفيزيائية التي تحكم المحيطات والمناطق المتجمدة على كوكب الأرض، إذ سيشهد منسوب البحار ارتفاعاً بمعدّل 3 أمتار مع حلول نهاية القرن الحالي، الأمر الذي سيؤدي إلى إضعاف التيارات البحرية وذوبان الجليد والثلوج وحدوث أعاصير شديدة العتو.

وحذّرت الدراسة من تراجع دراماتيكي في الثروة السمكية، نتيجة زيادة حموضة مياه المحيطات، كما حذرت من احتمال أن يعمل ارتفاع معدلات الحرارة على تذويب التربة الصقيعية، ما سيؤدي إلى إطلاق كميات كبيرة من غاز ثاني أكسيد الكربون، الذي يعدّ السبب الرئيس لارتفاع درجة حرارة الأرض.

ووفق الدراسة فإن هناك خطراً يتهدد الحياة على الأرض جرّاء التغيّر المناخي الذي سيؤدي إلى تراجع الثروة الزراعية والحيوانية في العالم.

وفي إشارة لافتة إلى أن التغير المناخي صار قضية محسومة، أعلن صندوق النقد الدولي أنه صار “يدرس تأثيرات المناخ على أسواق المال العالمية، وما إذا كان محسوباً في تقييمات السوق”. وقال مدير إدارة أسواق النقد والمال لدى الصندوق، توبياس أدريان، “نعمل على تقييم مخاطر المناخ ومدى تأثيره في الأسعار بأسواق الأسهم والسندات.. يزداد وعي الناس بهذه المسألة، ثمة حاجة ملحة ما بخصوص المناخ وهذا جديد. من المأمول أن يركز الناس على ذلك”.

لكن ما هو التغير المناخي؟

يُعرف المناخ على أنه متوسط حالة الطقس. وعلى الرغم من أن الطقس والمناخ يشيران إلى ظروف الغلاف الجوي، إلا إن الإطار الزمني لكل منهما يختلف عن الآخر. فالطقس يصف الظروف الجوية في مكان محدد على المدى القصير (أي إن كان يوم الاثنين المقبل سيكون بارداً وممطراً في دمشق أو دافئاً في القاهرة).

أما المناخ فهو يتعلق بالظروف الجوية على مدى أطول (عقود أو قرون)، وتشير اللجنة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ IPCC إلى أن الخلط بين الطقس والمناخ أمر شائع، فعادة ما يُسأل العلماء كيف يمكنهم التنبؤ بالمناخ على مدار 50 عاماً في المستقبل، في الوقت الذين لا يمكنهم التنبؤ بحالة الطقس بعد أسابيع قليلة من الآن؟.

والجواب هو أن التنبؤ بالطقس بعد أيام قليلة أمر صعب، لأن تطور العوامل في الغلاف الجوي، مثل هطول الأمطار وغير ذلك، قد يصعب التنبؤ به. وتفسير اللجنة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ هو أنه رغم استحالة التنبؤ بالعمر الذي سيتوفى فيه شخص بعينه، لكن يمكن تحديد متوسط العمر الذي يتوفى فيه الأشخاص الذين يعيشون في الدول الصناعية بـ 75 عاماً.

وما الفرق بين التغير المناخي والاحتباس الحراري؟

عادة ما يستخدم الناس المصطلحين بالتبادل، على افتراض أنهما يدلان على الأمر نفسه. لكن هناك فرق بين الاثنين: إذ يشير الاحتباس الحراري إلى ارتفاع متوسط درجة الحرارة قرب سطح الأرض، أما التغير المناخي فيشير إلى التغيرات التي تحدث في طبقات الغلاف الجوي مثل درجة الحرارة وهطول الأمطار وغيرها من التغيرات التي يتم قياسها على مدار عقود أو فترات أطول.

ويفضل استخدام مصطلح التغير المناخي عند الإشارة إلى تأثير عوامل أخرى غير ارتفاع درجة الحرارة، مثل العوامل الطبيعية (التغيرات في كثافة الشمس أو تغيرات بطيئة في دوران الأرض حول الشمس)، والعمليات الطبيعية داخل النظام المناخي (مثل التغيرات في دورة المياه في المحيط)، والأنشطة الإنسانية التي تؤدي إلى تغيير تركيبة الغلاف الجوي (حرق الوقود الأحفوري وإزالة الغابات..).

أما ظاهرة الدفيئة فقد اشتقت اسمها من البيوت الزجاجية التقليدية (الدفيئات الزجاجية) التي تعمل فيها الجدران الزجاجية على تقليل التدفق الهوائي وزيادة درجة حرارة الهواء الذي ينحبس داخلها.

ويعتمد مناخ الأرض بشكل رئيسي على الشمس حيث يتناثر نحو 30 بالمائة من ضوء الشمس مرة أخرى في الفضاء ويمتص الغلاف الجوي بعضاً منه بينما يمتص سطح الأرض الباقي. كما يعكس سطح الأرض جزءاً من ضوء الشمس في صورة طاقة متحركة يطلق عليها اسم الإشعاعات تحت الحمراء.

وما يحدث هو تأخر خروج الإشعاعات تحت الحمراء بسبب “الغازات الدفيئة”، مثل بخار الماء وثاني أكسيد الكربون والأوزون والميثان، والتي تجعل الإشعاعات تحت الحمراء ترتد مرة أخرى، ما يؤدي إلى رفع درجة حرارة طبقات الغلاف الجوي السفلى وسطح الأرض.

وتساهم الأنشطة البشرية في جعل هذا الغطاء أكثر سمكاً، بسبب انبعاثات ثاني أكسيد الكربون الناجمة عن احتراق الفحم والنفط والغاز الطبيعي..

ولكن إذا كان التغير المناخي ليس بجديد فلماذا نلقي باللائمة على الجنس البشري؟

لقد مر مناخ الأرض بتغيرات كثيرة، وكانت عوامل طبيعية تقف وراء هذه التغيرات، لكن منذ بدء الحقبة الصناعية، قرابة عام 1750، برز العامل البشري بقوة، فقد ارتفع متوسط درجة حرارة سطح الأرض بمقدار 0.7 درجة سيلسيوس منذ أواخر القرن التاسع عشر.

وعلى صعيد المتوسط العالمي، حدث ارتفاع درجة الحرارة في القرن العشرين على مرحلتين: من 1910 إلى 1940 (0.35 درجة سيلسيوس)، وازدادت بقوة من فترة السبعينيات إلى الوقت الحاضر (0.55 درجة سيلسيوس).

وقد تم تحديد سبب ارتفاع درجة الحرارة  بارتفاع ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي. كما تم تحديد تركيز ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي على مدار الـ 650 ألف عام الماضية بدقة من خلال العينات الجوفية الجليدية في المحيط القطبي الجنوبي. وخلال هذه الفترة، تفاوتت نسبة تركيز ثاني أكسيد الكربون بين مستوى منخفض عند 180 جزء في المليون خلال العصور الجليدية الباردة، ومستوى مرتفع عند 300 جزء في المليون خلال العصور الدافئة البينية.

ومن الملاحظ أنه على مدار القرن الماضي، ازدادت نسبة ثاني أكسيد الكربون بسرعة متجاوزة هذا المعدل حتى وصلت إلى 379 جزء في المليون. وبحسب اللجنة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ فإن زيادة نسبة ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي قد نجمت عن الأنشطة البشرية لأن خواص نسبة ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي، خاصة نسبة ثقل ذرات الكربون إلى الذرات الخفيفة، قد تغيرت بطريقة يمكن أن تُعزى إلى إضافة الكربون الناتج من الوقود الأحفوري.

ويقدر العلماء أن احتراق الوقود الأحفوري، مع إسهام أقل من عمليات تصنيع الإسمنت، هو المسؤول عن أكثر من 75 بالمائة من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون التي تنتج عن الأنشطة البشرية.

طوق النجاة لكوكب الأرض

يعلق الكثير من العلماء والساسة وكبار رجال الأعمال آمالهم على التطور التكنولوجي، إذ يرون أنه يمكن تسخير التكنولوجيا الحديثة للنهوض بمشروعات الطاقة المتجددة والاستغناء عن الوقود الأحفوري، وإزالة ثاني أكسيد الكربون من الغلاف الجوي، والتحكم بالمناخ عن طريق تطبيقات “هندسة المناخ”.

ولكن التكنولوجيا البديلة لا تزال قاصرة، فالطاقة الشمسية لا تغطي إلا 0.7 في المئة من الطلب العالمي على الطاقة، بينما تغطي طاقة الرياح 1.9 في المئة فقط، مقابل 90 في المئة يغطيها الوقود الأحفوري.

ولا تخلو محطات الطاقة المتجددة أيضا من انبعاثات الكربون، إذ لا تزال توربينات الرياح ومحطات الطاقة النووية تعتمد على الطاقة المستمدة من الوقود الأحفوري لتشغيلها وصيانتها.

وللمسألة ارتباط بالاقتصاد أيضاً، إذ يرى البعض أن النظام الرأسمالي الذي يسود العالم لا يساهم في إيجاد حلول موثوقة، ذلك أن “نمط الإنتاج الرأسمالي قد جعل كل شيء يُشترى بالمال، ودفع الناس إلى البحث باستمرار عن أفضل الصفقات”، مثل استخدام العمال الذين يتقاضون أقل الأجور والحصول على أرخص الموارد من الدول الأقل تطورا.. دون النظر إلى التكلفة البيئة أو البشرية الهائلة. وبالتالي فإن “التكنولوجيا وحدها لن تنقذ البشرية، بل إن إعادة هيكلة النظام الاقتصادي العالمي قد تكون طوق النجاة لكوكب الأرض”.

تمرد ضد الفناء

خرجت قضية التغير المناخي من دوائر العلماء والأكاديميين الضيقة، حيث شهدت السنوات القليلة الماضية اتساعاً في حجم المنخرطين في هذا النقاش الدائر، وصارت الاحتجاجات والمظاهرات الجماهيرية المطالبة بحلول عاجلة، طقساً دائماً يرافق اجتماعات المنظمات الأممية المعنية بالقضية.

ومؤخراً، خرجت مظاهرات شبابية عارمة ضمت نحو 6 ملايين شخص، خرجوا من مدارسهم وأماكن عملهم، بقيادة الناشطة السويدية غريتا ثونبرغ، مرددين: “كفى، انتهى وقت التقاعس عن العمل”، وطالبوا بإجراءات حاسمة لحماية البيئة والحد من التغير المناخي.

ومن أشهر المظاهرات تلك التي قادها النجم ليوناردو دي كابريو، الحائز على جائزة الأوسكار، أمام البيت الأبيض في 2017، للتحذير من مخاطر تغير المناخ والاحتباس الحراري، ولمطالبة إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بإجراءات حاسمة لحماية الأرض.

كما تأسست منظمات وجمعيات مدنية تعنى بالمسألة، بينها جمعية “تمرد ضد الفناء”، التي تأسست في بريطانيا وصار لها فروع في دول كثيرة حول العالم. وقام أعضاء الجمعية في المانيا بتقييد أنفسهم أمام المستشارية الألمانية، مطالبين الحكومة بإعلان حالة الطوارئ إزاء مخاطر التغير المناخي.

بالمقابل لا تزال دوائر سياسية ومالية تمانع في وضع قضية المناخ على أجندة القضايا الملحة، وثمة من لا يزال يؤكد أن ما يحدث لا يعدو كونه تغيراً طبيعياً لطالما شهدته الأرض منذ آلاف السنين، معولين على حكمة شاملة وكلية سرعان ما ستعيد الأمور إلى نصابها.. وهو موقف يميز بعض أوساط اليمين في الغرب، إضافة إلى قادة ومتنفذين في البلدان النامية يعتقدون أن الإلحاح على مخاطر التغير المناخي يهدف أساساً إلى تعطيل نمو بلدانهم.

البنك والصندوق الدوليان: أطيعونا لنزيد ثراءكم ونعينكم على فقرائكم

في كتابه «السامريون الأشرار» يقول الباحث الاقتصادي الكوري الجنوبي، ها جون تشانغ، إن خبراء صندوق النقد الدولي (والبنك الدولي) يقدمون أنفسهم على أنهم «السامريون الصالحون» الذين يعتبرون مساعدة العالم النامي هي دافعهم الوحيد، ولكنهم في الواقع «سامريون أشرار» ذلك أن «الغاية الحقيقية للصندوق هي تهيئة بيئة سياسية في الدول النامية تكون صديقة للشركات العابرة للقومية وللمجموعات الصغيرة من النخب في هذه البلدان، وتؤدي تلك السياسة إلى تدهور التنمية الاجتماعية لغالبية السكان».

ويتحدث تشانغ عن تغني خبراء الصندوق والبنك الدولي بـ «المعجزة الآسيوية التي حققتها نصائحهم»، وهو يؤكد أن الطريق الذي اتبعته كوريا الجنوبية، مثلاً، هو عكس طريق الخبراء تماماً، إذ استخدمت مزيجاً من الحمائية والانفتاح المحسوب، وكان للدولة فيها النصيب الأكبر من المشاريع والصناعات، إضافة إلى القيادة والتوجيه.. الشيء الذي يلقي بظلال كثيفة على مصداقية منظري المنظمات الدولية، وخاصة صندوق النقد.

ويكشف الصحفي الأسترالي جون ريتشارد بيلجر، في كتابه «الحكام الجدد في العالم»، أساليب صندوق النقد الدولي في التعامل مع الدول النامية، مؤكداً أن الصندوق هو وكيل أغنى البلدان على وجه الأرض، وخاصة أمريكا، وتتمثل مهمته في تقديم القروض للدول الفقيرة، ولكن في حالة واحدة: إذا قامت بخصخصة اقتصادها والسماح للشركات الغربية بحرية الوصول لأسواقها ومواردها الخام.

كما يأخذ كثيرون على خبراء الصندوق أنهم وضعوا دول العالم الثالث كلها في سلة واحدة، ويلاحظ الاقتصادي المصري جلال أمين أن أعراض التخلف في هذه الدول شُخصت بعلة واحدة وهي انخفاض متوسط الدخل، وبالتالي كان العلاج واحداً للجميع، بصرف النظر عن الفوارق الشاسعة في «الخصائص الثقافية والتجارب التاريخية ونوع الآمال والطموحات، بل حتى في الظروف والموارد الاقتصادية».

صندوق النقد في الأوراق الرسمية

تم إنشاء صندوق النقد الدولي مع نهاية الحرب العالمية الثانية حين اجتمع أعضاء وفود 44 بلداً في بريتون وودز بولاية نيوهامبشير الأمريكية في تموز 1944 لإنشاء مؤسستين تحكمان العلاقات الاقتصادية الدولية في أعقاب الحرب العالمية الثانية، وكان الهدف هو وضع نظام مالي عالمي جديد يسهم في تجنب تكرار ما حدث عقب نهاية الحرب العالمية الأولى.

وتم الاتفاق على تأسيس البنك الدولي للإنشاء والتعمير بغرض العمل على استعادة النشاط الاقتصادي، وتأسيس صندوق النقد الدولي بهدف المساعدة في استعادة قابلية تحويل العملات والنشاط التجاري متعدد الأطراف.

صندوق النقد الدولي مؤسسة تابعة للأمم المتحدة، وتشارك في عضويتها جميع دول العالم، والمصدر الرئيسي لموارد الصندوق هو اشتراكات الحصص (أو رأس المال) التي تسددها البلدان عند الانضمام إلى عضوية الصندوق أو في أعقاب المراجعات الدورية التي تزاد فيها الحصص، وتدفع الدول 25% من اشتراكات حصصها بحقوق السحب الخاصة (الذهب الورقي) و75% بالعملة الوطنية، لأغراض الإقراض حسب الحاجة.

وتحدد الحصص ليس فقط مدفوعات الاشتراك المطلوبة من البلد العضو، وإنما أيضاً عدد أصواته وحجم التمويل المتاح له من الصندوق ونصيبه من مخصصات حقوق السحب الخاصة. والهدف من الحصص عموماً هو أن تكون بمثابة مرآة لحجم البلد العضو النسبي في الاقتصاد العالمي، فكلما ازداد حجم اقتصاد العضو من حيث الناتج وازداد اتساع تجارته وتنوعها، ازدادت بالمثل حصته في الصندوق.

وبحسب الموقع الرسمي للصندوق، فإن الهدف من قروضه هو إعطاء البلدان الأعضاء فرصة لالتقاط الأنفاس حتى تنتهي من تنفيذ سياسات تصحيحية منظمة تستعيد بها الظروف الملائمة لاقتصاد مستقر ونمو مستدام. وتختلف هذه السياسات باختلاف الظروف في كل بلد.

فالبلد الذي يواجه هبوطاً مفاجئاً في أسعار صادراته الأساسية قد يحتاج إلى مساعدة مالية حتى ينتهي من تنفيذ إجراءات لتقوية اقتصاده وتوسيع قاعدة صادراته. والبلد الذي يعاني من خروج التدفقات الرأسمالية بشكل حاد قد يحتاج إلى معالجة المشكلات التي أدت إلى فقدان ثقة المستثمرين، فربما تكون أسعار الفائدة شديدة الانخفاض أو عجز الموازنة ورصيد الدين يتناميان بسرعة كبيرة أو النظام المصرفي غير كفء أو ضعيف التنظيم.

كيف يدار الاقتصاد العالمي..

الهيكل التنظيمي للصندوق يشمل مجلس المحافظين، ويضم ممثلين لكل البلدان الأعضاء، وهو صاحب السلطة العليا في إدارة الصندوق ويجتمع في العادة مرة واحدة سنوياً خلال الاجتماعات السنوية لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي. ويقوم كل بلد عضو بتعيين محافظ (عادة ما يكون هو وزير المالية أو محافظ البنك المركزي في ذلك البلد) ومحافظ مناوب.

ورغم أن مجلس المحافظين يبت في قضايا السياسات الكبرى، فإنه فوض المجلس التنفيذي في اتخاذ القرارات المتعلقة بأعمال الصندوق اليومية. ويجري النظر في قضايا السياسات الأساسية المتعلقة بالنظام النقدي الدولي مرتين سنوياً في إطار لجنة من المحافظين يطلق عليها اسم اللجنة الدولية للشؤون النقدية والمالية، (وهي التي كانت تعرف باسم اللجنة المؤقتة حتى أيلول 1999). أما لجنة التنمية، وهي لجنة مشتركة بين مجلس محافظي صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، فهي تقدم المشورة إلى المحافظين وترفع إليهم تقاريرها حول سياسات التنمية والمسائل الأخرى التي تهم البلدان النامية.

ويتألف المجلس التنفيذي من 24 مديراً، ويرأسه المدير العام للصندوق، ويجتمع المجلس التنفيذي عادة ثلاث مرات في الأسبوع في جلسات يستغرق كل منها يوماً كاملاً، ويمكن عقد اجتماعات إضافية إذا لزم الأمر، وذلك في مقر الصندوق في واشنطن العاصمة. وتخصص مقاعد مستقلة في المجلس التنفيذي للبلدان المساهمة الخمسة الكبرى وهي: الولايات المتحدة واليابان وألمانيا وفرنسا والمملكة المتحدة إلى جانب الصين وروسيا والمملكة العربية السعودية. أما المديرون الستة عشر الآخرون فتتولى انتخابهم مجموعات من البلدان تعرف باسم الدوائر الانتخابية لفترات مدتها عامين.

والولايات المتحدة الأمريكية، أكبر اقتصاد في العالم، تسهم بالنصيب الأكبر في صندوق النقد الدولي حيث تبلغ حصتها 17.6% من إجمالي الحصص، وهي الدولة الوحيدة في العالم التي تمتلك حق تعطيل قرارات صندوق النقد الدولي أو حق الفيتو.

الوجه الآخر: كوارث اقتصادية واجتماعية

بمناسبة اجتماعه السنوي الذي عقد في واشنطن، تعرض صندوق النقد الدولي، مجدداً، لاتهامات خطيرة تتعلق بمخالفة سياسات الإقراض الخاصة به والتسبب في كوارث اجتماعية واقتصادية في البلدان النامية والفقيرة التي تلجأ إليه.

وبحسب تقرير لصحيفة الغارديان البريطانية (7 تشرين الأول)، فإن الصندوق متهم بانتهاك قواعد الإقراض واتباع سياسات غير منضبطة تتسبب في زيادة الأعباء الاقتصادية وتبعاتها الاجتماعية في 18 دولة أبرزها الأرجنتين.

مجموعة من المنظمات غير الحكومية في المملكة المتحدة، والتي تطالب صندوق النقد الدولي بإسقاط ديون الدول الفقيرة، شنت هجوماً عنيفاً على سياسات الصندوق بعد أن بلغت قيمة القروض التي قدمها لـ 18 دولة 93 مليار دولار، أكثر من نصفها للأرجنتين، دون وجود ضمانات لقدرة تلك الدول على تحمل أعباء تلك الديون.

وقال تحالف منظمات حملة إسقاط الديون: «الصندوق لا يهتم بالمخاطر الأخلاقية والاجتماعية التي تتسبب فيها تلك القروض طالما أن مانحيها يضمنون أموالهم بغض النظر عن آثارها في البلدان المقترضة»، وقد ازدادت الانتقادات الموجهة للصندوق العام الماضي بعد قراره بإقراض الأرجنتين 56 مليار دولار، رغم أن الدولة قد تعرضت للإفلاس قبل 17 عاماً، وربما تكون الآن على شفا الإفلاس مرة أخرى.

الصندوق رد على الانتقادات بأن الأرجنتين دولة لها وضع خاص، لكن التحالف قال إن الأرجنتين هي النموذج الصارخ لكنها ليست الوحيد، فهناك 17 دولة أخرى يقرضها الصندوق بصورة «متهورة» لا تراعي مصلحة الدول نفسها، وهي: أفغانستان وأنغولا والكاميرون وجمهورية وسط إفريقيا والإكوادور ومصر وغانا والأردن وموريتانيا ومنغوليا وباكستان وساو تومي وسيراليون وسريلانكا وتونس وأوكرانيا، وأضاف التحالف أن الهيئات المانحة للقروض قد صنفت مصر وباكستان والإكوادور «دول ذات مخاطر عالية».

وقالت سارة جين كليفتون، مديرة حملة إسقاط الديون: «سياسات صندوق النقد الدولي تحظر إعطاء قروض لدول تعاني من موقف اقتراضي غير قابل للاستدامة، لكننا نرى الصندوق يفرط في انتهاك تلك السياسة ويقدم قروضاً لمقترضين متهورين، ما يتسبب في مخاطر أخلاقية في نظام الإقراض السيادي».

وأضافت: «إن الاستمرار في تقديم قروض لدول تعاني من جراء أعباء الديون دون تقديم حلول إعادة جدولة لتلك الديون لتخفيف أعبائها يضع مزيداً من الأعباء على كاهل مواطني تلك الدول مع وضع ضمانات صارمة لتسديد القروض ما يزيد من وطأة الموقف الاقتصادي في تلك الدول وتستمر دورة القروض المرهقة».

خبراء ضد الخبراء

عالم الاقتصاد الكندي ميشيل تشوسودوفيسكي يقول إن «برنامج صندوق النقد الدولي قد يترك البلد في بعض الأحيان فقيراً كما كانَ من قبل، لكن مع مديونية أكبر وصفوة حاكمة أكثر ثراء».

الاقتصادي الأمريكي جوزيف ستيغليتز، الحاصل على جائزة نوبل في الاقتصاد وكبير الاقتصاديين في البنك الدولي وأحد أهم مساعدي الرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلينتون، توصل في أحد أبحاثه إلى أن «القروض التي يقدمها الصندوق إلى الدول تكون ضارة في حالات كثيرة خاصة التي توجه إلى الدول النامية ودول العالم الثالث».

لكن أبرز الانتقادات الموجهة للصندوق تتركز على سطوة الولايات المتحدة الأمريكية وتحكمها وقدرتها على إعطاء القرض من عدمه لأي دولة، حيث إنها الدولة الوحيدة التي تمتلك حق الفيتو من بين الدول الأعضاء.

كما أن صندوق النقد الدولي يتعرض للانتقاد لأنه يتبنى سياسات رأسمالية بحتة تشجع قواعد السوق الحر ويرفض أية قيود من الدول المقترضة على النقد الأجنبي، وضد الرقابة على الصرف، وضد أي تدخل من الحكومات في السياسات النقدية، ويشجع أيضاً بشكل مباشر القطاع الخاص واقتصاد السوق الحر، ويقدم نفس التوصيات والنصائح لكل الدول، ما لا يعطي أية مساحات للدول التي قد يكون وضعها الاقتصادي والاجتماعي مختلفاً إلى حد كبير مع نظيرتها من الدول المقترضة الأخرى.

ورغم أنّ صندوق النقد الدولي التابع للأمم المتحدة، دوره دعم الاقتصاد العالمي، والمعاملات التجارية بين البلاد المختلفة، فإنّه عادة ما يتم اتهامه بكونه أحد أدوات الشركات العالمية لبناء إمبراطورية تسيطر على اقتصاد العالم، وتهزم الدول، «ونهب وتدمير اقتصاد الدول النامية»، وفقاً لـ جون بيركنز، مؤلف كتاب «اعترافات قاتل اقتصادي».

درس مهاتير

سئل الدكتور مهاتير محمد، رئيس وزراء ماليزيا، عن أبرز أسباب النهضة الاقتصادية التي شهدتها البلاد تحت قيادته، فقال: «خالفت توصيات صندوق النقد الدولي، وفعلت عكس ما طلبه من إجراءات». وقد صارت هذه العبارة واحدة من أشهر المقبوسات حول العالم، بل أنها غدت شعاراً لكثير من اقتصاديي العالم الثالث.

ومنذ بضع سنوات، خلال مؤتمر “تجارب النهضة في العالم.. ماليزيا نموذجاً”، حذر مهاتير محمد من توجيهات صندوق النقد الدولي، قائلا: “إن سياسات صندوق النقد متخبطة، ونصائحه لم تكن حقيقية”. وقال إن بلاده رفضت نصائح الصندوق أثناء الأزمة المالية التي تعرضت لها آسيا في نهاية التسعينات، وقررت التعامل مع أزمة انخفاض سعر العملة بطريقتها الخاصة وقامت بتعويم العملة.

 وتحدث محمد عن معاناة بلاده مع سياسة صندوق النقد في تقييمه لأداء ماليزيا “فتارة يقولون إدارة جيدة وتارة أخرى يرون إنها إدارة غير جيدة”. وأكد أن الاستقرار السياسي هو الطريق الصحيح لتحقيق النهضة الصناعية، كما أن التطور الاقتصادي لا يأتي إلا بتعاون القطاع العام مع الخاص، والاعتماد على إجراءاته السريعة، مشيراً إلى أن بلاده اعتمدت على الصناعة في نهضتها، وأن التحول الاقتصادي في ماليزيا صاحبه اهتمام بالبنية التحتية، وتوفير رأس المال وتطوير المهارات وتشجيع رجال الأعمال على الاستثمار، خاصة المبدعين منهم. وأضاف أن ماليزيا حرصت على توفر فرص العمل والتركيز على الصناعات المختلفة، وعلى رأسها صناعة زيت النخيل، حيث حققت ماليزيا ريادة عالمية في العديد من الصناعات. وقال مهاتير محمد إن البلاد كانت تعاني من البطالة، وبدأت البلاد بالزراعة والصناعة واتجهت فيما بعد إلى صناعة الإلكترونيات، ثم اتجهت إلى الصناعات ذات التكنولوجية العالية مما أدى إلى تعديل في مناهج التعليم بهدف إكساب الطلاب مهارات أعلى وهو ما أدى إلى جلب المزيد من الاستثمارات.

أحجيات

يزقزق الأطفال والصيصان فيما حول دونيا ماريا دي لوس مرثيدس، التي تقاقي بينما هي تمشي وتلقي حبوب الذرة لدجاجاتها الكثيرات. كانوا على تلك الحال في ذلك اليوم، مثلما هي الحال كل يوم، عندما ظهرت سيارة لامعة وسط سحابة غبار، على الطريق القادم من سانتو دومنغو.

ودون أن يحيي، ودون أن يقدم نفسه، سأل السيد ذو البدلة وربطة العنق والحقيبة دونيا ماريا دي لوس مرثيدس:

ــ إذا ما أخبرتك كم هو عدد دجاجاتك بالضبط، هل تعطيني واحدة منها؟

لم تقل هي أي شيء.

شغل السيد كمبيوتره البنتيوم، سرعة 600 ميغاهيرتز، وشغل نظام الـ GSP، نظام ياهو للصور الفضائية، وفي الحال أعلمه الكمبيوتر: ــ أنت تملكين مئة ودجاجتين. ثم اختطف واحدة منها وأمسك بها بين ذراعيه.

فسالته دونيا ماريا دي لوس ميرثيدس:

ــ إذا ما أخبرتك في أي مجال تعمل حضرتك، هل تعيد إلي الدجاجة؟

ابتسم السيد:

ــ بالطبع.

ولكن الابتسامة تلاشت عن شفته عندما حزرت هي، دون أدنى تردد، أنه خبير من صندوق النقد أو البنك الدولي.

ــ كـ…. كيف عرفت ذلك؟ ــ تلعثم وهو يضع الدجاجة على الأرض.

فأوضحت له أن الأمر سهل جداً. فقد جاء دون أن يستدعيه أحد، واندس في قن دجاجاتها دون أذن، وأخبرها بشيء هي تعرفه من قبل، وتقاضى أجراً مقابل ذلك.

نص لـ إدواردو غاليانو من كتاب “أفواه الزمن”.

التقرير العالمي حول الأزمات الغذائية: 100 مليون جائع في العالم و143 مليوناً على بُعد خطوةٍ

سوريا ضمن قائمة البلدان الأكثر جوعاً

علي محمود جديد

كشف التقرير العالمي حول الأزمات الغذائية (الاتحاد الأوروبي ومنظمة الأغذية والزراعة ـ FAO، وبرنامج الغذاء العالمي ـ WFP) أن حوالي 113 مليون شخص في 53 دولة حول العالم عانوا من انعدام الأمن الغذائي الحاد خلال عام 2018، مقارنة بـ 124 مليون في عام 2017.

فانعدام الأمن الغذائي ما يزال يمثل تحديًا عالميًا، ولذلك ستصل قيمة المبالغ التي قدمها وسيقدمها الاتحاد الأوروبي خلال الفترة الواقعة بين عامي 2014 و2020 حوالي 9 مليارات يورو تستهدف مبادرات تتعلق بالأمن الغذائي والتغذوي والزراعة المستدامة في أكثر من 60 دولة.

(الأمن التغذوي يعني القدرة على تناول الأغذية المتنوعة بعناصرها المختلفة القادرة على إمداد الجسم بما يحتاجه من العناصر الغذائية)

 ويبرز هذا التقرير الحاجة إلى تعزيز التعاون بين الجهات الفاعلة في المجال الإنساني والإنمائي والسلام لمعالجة الأزمات الغذائية ومنعها، ويمكن أن يساعد وجود شبكة عالمية أقوى في إحداث التغيير على أرض الواقع للأشخاص الذين هم بأمس الحاجة إلى مثل هذا التغيير.

ورأى التقرير بأن أزمات الغذاء ما تزال تشكل تحديًا عالمياً، مما يتطلب جهوداً مشتركة، في وقت يواصل الاتحاد الأوروبي تكثيف جهوده الإنسانية، وخلال السنوات الثلاث الماضية، خصص أكبر ميزانية للمساعدات الغذائية والتغذوية الإنسانية على الإطلاق، وصلت قيمتها الإجمالية إلى حوالي 2 مليار يورو، وبعد أن أصبحت أزمات الغذاء أكثر حدة وتعقيداً، أصبحنا بحاجة إلى طرق مبتكرة للتصدي لها ومنع حدوثها، ويوفر التقرير العالمي أساساً لرسم الخطوات التالية للشبكة العالمية من خلال تحسين آليات التنسيق بين الأطراف.

النتائج:

توصّل التقرير العالمي حول الأزمات الغذائية الذي أطلق في نيسان 2019 إلى جملة من النتائج تركّزت حول ثلاثة أمور أساسية:

• تراجع طفيف لعدد الأشخاص الذين يواجهون أزمات غذاء حيث وصل إلى 113 مليوناً مقارنة مع 124 مليوناً في عام 2017. ومع ذلك ظل عدد الأشخاص الذين يواجهون أزمات غذائية في العالم يزيد عن 100 مليون شخص خلال السنوات الثلاث الماضية، وارتفع عدد البلدان المتأثرة بأزمات الغذاء.

 علاوة على ذلك، هناك 143 مليون شخص إضافي في 42 دولة أخرى على بعد خطوة واحدة فقط من الوقوع في دائرة الجوع الحاد.

• يتواجد ما يقرب من ثلثي الأشخاص الذين يعانون من الجوع الحاد في 8 بلدان فقط هي أفغانستان وجمهورية الكونغو الديمقراطية وإثيوبيا ونيجيريا ودولة جنوب السودان والسودان وسوريا واليمن. وبقيت مستويات الجوع في 17 دولة أخرى عند المستوى دون تغيير أو شهدت ارتفاعًا.

• تسببت الظروف المناخية والكوارث الطبيعية في وقوع 29 مليون شخص آخر في دائرة الأمن الغذائي الحاد خلال عام 2018. ولم يجرِ تحليل الوضع في 13 دولة، بما في ذلك كوريا الشمالية وفنزويلا، بسبب الفجوات في البيانات.

تقييم النتائج

بهذا الشأن، قال المدير العام للفاو: يتضح جلياً من التقرير العالمي أنه على الرغم من الانخفاض الطفيف الحاصل في عام 2018 في عدد الأشخاص الذين يعانون من انعدام الأمن الغذائي الحاد، وهو الشكل الأكثر تطرفاً للجوع، فإن الرقم لا يزال مرتفعاً للغاية، ويجب أن نتحرك على نطاق واسع عبر محور العمل الإنساني والتنمية والسلام لتعزيز قدرة الأشخاص المتضررين والضعفاء على الصمود، لأن إنقاذ الأرواح يتطلب إنقاذ سبل العيش.

بدوره رأى المدير التنفيذي لبرنامج الأغذية العالمي: أنه للقضاء على الجوع، يجب علينا أن نتصدى للأسباب الجذرية للجوع وهي: النزاعات، وعدم الاستقرار، وتأثير الصدمات الناتجة عن المناخ، فهناك حاجة إلى أن يحصل الأطفال الصغار على تغذية وتعليم جيدين، ويجب العمل على تمكين النساء بشكل حقيقي، فضلًا عن تعزيز البنية التحتية الريفية لتحقيق الهدف المتمثل في القضاء على الجوع، كما ستساهم البرامج التي تعزز قدرات المجتمعات على الصمود والاستقرار في تقليل عدد الجياع، وهناك شيء واحد نريد من قادة العالم أن يقوموا به: تحركوا وساعدوا في حل هذه النزاعات الآن.

ويرى التقرير أنّ استنتاجاته تُشكّل دعوة قوية لتعزيز التعاون الذي يربط ما بين الوقاية والتأهب والاستجابة لتلبية الاحتياجات الإنسانية الملحة ومعالجة الأسباب الجذرية، والتي تشمل تغير المناخ والصدمات الاقتصادية والنزاعات والنزوح، كما يسلط التقرير الضوء على الحاجة إلى اتباع نهج وجهود موحدة تشمل الأبعاد الإنسانية والإنمائية للأزمات الغذائية، وإلى مزيد من الاستثمار في التخفيف من حدة النزاعات وإحلال السلام المستدام.

معلومات أساسية

تصدر الشبكة العالمية لمكافحة الأزمات الغذائية، التي تضم شركاء دوليين يعملون في المجالات الإنسانية والإنمائية، التقرير العالمي حول الأزمات الغذائية في كل عام. ويجري استعراض هذا التقرير السنوي خلال فعالية عالية المستوى تستمر ليومين تحت عنوان “الغذاء والزراعة في أوقات الأزمات”. حيث ناقشت الفعالية التي انطلقت في بروكسل أوائل نيسان الماضي النهج والحلول المبتكرة المطلوبة لمنع الأزمات الغذائية والتصدي لها، بالإضافة إلى صياغة خريطة طريق بالإجراءات المستقبلية المشتركة.

إلى ذلك فإنّ انعدام الأمن الغذائي الحاد هو الحالة التي تكون فيها حياة الشخص أو سبل معيشته مهددة بشكل مباشر نتيجة عدم مقدرته على تناول غذاء كاف، إنه مقياس يستند إلى اجراءات معترف بها دولياً تتعلق بالجوع الحاد، مثل التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي.

أمّا الجوع المزمن فهو الحالة التي لا يكون المرء فيها قادراً على تناول ما يكفي من الطعام للحفاظ على نمط حياة طبيعي ونشط لفترة ممتدة من الزمن، وأظهرت آخر نسخة من تقرير حالة الأمن الغذائي والتغذية الصادر عن الفاو في سبتمبر/أيلول 2018، أن 821 مليون شخص في العالم يعانون من الجوع.

إلى ذلك أشارت الفاو بأنّ قائمة الشركاء المساهمين في إصدار التقرير العالمي حول الأزمات الغذائية، تشمل كل من: اللجنة المشتركة لمكافحة الجفاف في الساحل (CILSS)، الاتحاد الأوروبي، شبكة أنظمة الإنذار المبكر من المجاعة (FEWS NET)، الفاو، مجموعة الأمن الغذائي العالمية، مجموعة التغذية العالمية، التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي (IPC)، وحدة الدعم العالمية، الهيئة الحكومية للتنمية (IGAD)، المعهد الدولي لبحوث السياسات الغذائية (IFPRI)، التجمع العالمي للأمن الغذائي، نظام التكامل في أمريكا الوسطى (SICA)، مجموعة التنمية في الجنوب الأفريقي (SADC)، مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA)، اليونيسيف، الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، برنامج الأغذية العالمي.

وسوف يمر الحرير من هنا

كانت سوريا محطة رئيسية على طريق الحرير القديم، إذ كانت البضائع الصينية تعبر الممر الصحراوي إلى تدمر ثم إلى البحر الأبيض المتوسط في طريقها إلى روما. وبعد تراجع دور تدمر، تمّ استحداث طريق ثانوي بديل يسير على ضفاف نهر الفرات ثم عبر حلب وصولاً إلى أنطاكية.
واليوم يبدو أن سوريا سوف تكون محطة على طريق الحرير الجديد أيضاً، إذ تشير الخرائط المبدئية لمبادرة الحزام والطريق إلى أن ممر الصين ـ آسيا الوسطى ـ آسيا الغربية سوف يمر من هنا. وثمة مؤشرات عديدة على أن الصين تعمل بدأب على جعل كل من سورية والعراق وإيران مراكز أساسية على طريقها الجديد.
ويقول مراقبون إن الاهتمام الصيني بإعادة الإعمار في سوريا يندرج في المشروع الصيني العالمي الكبير، وهو ما يدعمه مسؤولون صينيون أشاروا إلى هذا الربط.
وكان السفير الصيني في دمشق، تشي تشيان جين، قد أوضح أن بلاده «مستعدة لربط مبادرة الحزام والطريق بتوطيد التعاون بين الجانبين في مختلف المجالات لتحقيق التنمية المشتركة».
وتتحدث تقارير صحفية عن رغبة الصين بالانخراط الجدي في إعادة الإعمار السوري، عبر البناء والتشييد والترميم وإعادة تأهيل المصانع المتضررة، وكذلك الاستثمار بالزراعة والصناعة والاتصالات وممرات النقل والمواصلات..
رسمياً، ثمة ترحيب سوري بالمساعي الصينية، وكانت وزارة النقل قد كشفت، منذ نحو سنتين، عن «دراستها سبل ربط سوريا بطريق الحرير.. واستطلاعها المسارات الأقصر والأمثل لربط سوريا عبره بالدول الأوروبية».
وقال وزير النقل، علي حمود، إن الوزارة طرحت مشاريع تطوير الطرق الرئيسية في سوريا على الشركات التي ترغب بإعادة الإعمار، وسيجري تنفيذ هذه المشاريع بعدة خطط ووفق نظام البناء والتشغيل والإعدادية (B. O. T).
كما رحب رجال أعمال سوريون كثر بالاهتمام الصيني، مؤكدين أن سوريا، بفضل موقعها الجغرافي الاستراتيجي، ستكون بلدا مهما في الخطة الصينية.
ومن أبرز المشاريع، الطريق السريع الأول (شمال ـ جنوب) الذي سيمتد من الحدود التركية حتى الحدود الأردنية، والطريق السريع الثاني (شرق ـ غرب) من طرطوس حتى الحدود العراقية.

«الحزام والطريق»: الصين تعبّد بالحديد طريقاً حريرياً يمتد إلى زعامة العالم

منذ سنوات والعالم ينتظر مفاجأة صينية، لذلك عندما أعلن الصينيون عن مشروعهم الكبير «الحزام والطريق» فإن أحداً لم يفاجأ.
فأن تغرقنا الصين بسلعها، وأن تغدو الدائن الأكبر في العالم، وأن تمتلك كل هذه الفوائض المالية.. ثم تبقى هكذا إلى الأبد، بهذا الحياء المصطنع، هو أمر يجافي منطق التاريخ.
ولأن الصين «واقع على تخوم الأسطورة»، ولأن الصينيين يرون في إنجازاتهم المعاصرة امتداداً لأمجاد ماضيهم، عندما كانت المملكة الوسطى «تضيء الكون وتحفظ توازن الأرض»، لذلك فلا شيء جدير بافتتاح «العصر الصيني» أكثر من مشروع إحياء طريق الحرير..؟!
في المنتدى الذي استضافته بكين لإعلان مشروع مستقبلها، اجتمع الرئيس الصيني شي جينبينغ ورؤساء دول وحكومات 37 بلداً، معلنين توقيع اتفاقيات بـ 64 مليار دولار، وتسجيل صفقات وصل إجمالي قيمتها إلى 3.67 تريليون دولار.
وأكد المجتمعون تعهدهم بأن مشاريع «طرق الحرير الجديدة» صديقة للبيئة ومستدامة ماليا، وقال جينبينغ أمام الحضور: «إن إقامة بنية تحتية شاملة عالية الجودة قادرة على البقاء ومقاومة للمخاطر وبأسعار معقولة ستساعد الدول على الاستفادة الكاملة من مواردها». وأضاف: «سينضم المزيد من الأصدقاء والشركاء لمبادرة الحزام والطريق، وسيكون التعاون أكثر تطورا وإشراقا من مختلف الجوانب».
إذاً فمشروع الصين الكبير «الحزام والطريق» يمضي قدماً.

حديد وحرير

اختارت الصين أن تعبر إلى المستقبل على جسر طريق الحرير، هذا المشروع القديم الذي يزيد عمره على ألفي سنة (نحو القرن الثاني قبل الميلاد). كان طريق الحرير يمتد من الصين عبر آسيا الوسطى إلى شواطئ المتوسط، ومن هناك يمتد بحراً إلى أوروبا التي كانت تستقبل البضائع الآسيوية الثمينة، حينها، من الحرير والمنسوجات والخزف والتوابل والورق والبارود..
وإضافة إلى المسارات والطرق البرية التجارية، ضم الطريق شبكة بحرية من الموانئ الرئيسية في الدول التي ترتبط مع الصين بعلاقات تجارية. وقد تراجعت أهمية الطريق بعد إدخال الأوروبيين لتحسينات كثيرة على أنظمة النقل البحري، وتعاظم دور قناة السويس في التبادل التجاري العالمي.
في العام 2013، وأثناء زيارته كازاخستان، وقف الرئيس الصيني ليعلن عودة طريق الحرير، قائلاً إنه حجر الزاوية للسياسة الاقتصادية الصينية. كان اسم المشروع وقتئذ «حزام واحد طريق واحد»، وسرعان ما تغير الاسم إلى «مبادرة الحزام والطريق».
في العام 2015 أعلنت الحكومة الصينية ورقة تسمى «خطة تشغيليّة لمبادرة الحزام والطريق»، تضمّنت الخطوط العريضة للمبادرة التي دعت دول آسيا والعالم إلى الانضمام إليها، وجعلت المشاركة في البنك الآسيوي لتنمية البنية التحتية ـ الذي تساهم فيه الصين بحصة الأسد ـ المدخل للمشاركة في هذه المبادرة.
وقد بلغ اليوم عدد المشاركين في المبادرة قرابة سبعين دولة، وليست كلها دولاً آسيوية أو دولاً من العالم الثالث؛ بل شاركت فيها دول أوروبية كألمانيا وبريطانيا.
ورغم أن المخطط كان ممكناً في العام 1990، عبر ربط شبكات السكك الحديدية بين الصين وكازاخستان، إلا أن الفكرة ربما تكون انطلقت فعلياً سنة 2008 عندما وصل أول قطار للصين قادماً من ألمانيا.
ويهدف المشروع الصيني إلى تحسين الروابط التجارية العابرة للقارات عبر بناء طرقات وسكك حديدية ومناطق صناعية، ما يعيد ربط المدن الصينية بالوجهات التجارية في آسيا وروسيا وأوروبا. وستنفق كازاخستان 9 مليارات دولار على تحسين الطرق وشبكة السكك الحديدية، كما يجري الإعداد لخط حديدي جديد (سيكلف مليارات الدولارات)، يقال إنه سيجعل زمن الرحلة من ساحل البحر الأحمر إلى أديس أبابا 12 ساعة فقط بدلاً من ثلاثة أيام، وهناك خط آخر من جاكرتا الإندونيسية إلى باندونغ عاصمة مقاطعة جاوة، سيعمل على تقليص زمن الرحلة من ثلاث ساعات إلى 40 دقيقة.
كما يضم طريق الحرير الجديد مجموعة من المسارات البحرية التي تسعى الصين من خلالها لتأسيس تعاون مثمر مع الدول الواقعة في جنوب شرق آسيا وأوقيانوسيا وأفريقيا وآسيا وطريق بحر الشمال الروسي.
وقد وقعت إيطاليا على اتفاقيات بقيمة 8 مليارات دولار لتطوير موانئ لتصدير المواد الغذائية والمنتجات إلى الصين. أما في باكستان فيجري تحديث الموانئ الواقعة في جوادار وكراتشي، لتكون منصات لشحن البضائع الصينية إلى أفريقيا وغرب آسيا.

تكاليف باهظة

وضعت الصين نحو 890 مليار دولار كقروض للدول المشاركة، مؤكدة أنها تخدم متطلبات المشروع بمعزل عن أي شروط سياسية.
ولتسهيل عملية الاقتراض وبالتالي تسريع إنجاز طريق الحرير الجديد، أنشأت الصين البنك الآسيوي للاستثمار، بمليارات الدولارات لتمويل المشاريع الخاصة بالطريق. وسبق ذلك أيضا إنشاؤها بنك «التنمية الجديد» مع البلدان الأعضاء الأخرى في مجموعة البريكس (البرازيل وروسيا والهند وجنوب أفريقيا)، وهما المؤسستان اللتان ستستفيدان من الفائض المالي الكبير لدى الصين، والذي يمكن استثماره لتوفير التمويل اللازم لتنفيذ برامج المشروع.
كما أنشأت بكين صندوقاً لتمويل المشاريع المرتكزة على المبادرة سمته «صندوق طريق الحرير»، وقد اختلف الخبراء في تقدير القيمة المتوقعة لمشاريع المبادرة اختلافاً كبيراً، إذ إن بعضهم يقدر التكلفة بنحو تريليون دولار، وآخرين يقدرونها بثمانية تريليونات دولار أميركي، وينبع هذا التفاوت أساسا من أنّ المبادرة ما زالت في مرحلة سيولة، ولم يتحدّد بشكل نهائي الشركاء فيها والمشاريع التي سيتم تبنيها.
وقد سبق للحكومة الصينية أن أعلنت أنها رصدت مئة وأربعة وعشرين مليار دولار ككلفة أولية لإنشاء البنية التحتية للطريق، وتشمل تلك البنية إنشاء موانئ وطرق وسكك حديد في الدول المستهدفة بالمبادرة لكي يصار إلى ربطها بعضها ببعض، وفي نهاية المطاف بالموانئ الصينية التي خصصت لهذا المشروع الضخم.
وحسب بيانات مؤسسة «آر دبليو آر أدفايسري» الأميركية للأبحاث الاقتصادية المتخصصة في الصين وروسيا، فإن بكين أنفقت منذ عام 2013 نحو 700 مليار دولار في مشروعات بنى أساسية في أكثر من 60 دولة.

عندما يحين القطاف

تسعى الصين، من خلال «الحزام والطريق»، إلى حلول لمشاكل مزمنة عانت منها عقودا، أبرزها: ردم الفجوة التنموية بين شرق الصين وغربها. إذ تأمل الحكومة الصينية في أن تتمكن من تحويل مناطق غرب الصين وجنوب غربها إلى مناطق نامية ومتقدمة اقتصاديا كما هي حال المناطق الواقعة في الشرق، وذلك عبر تمكينها من أن تكون محطة أساسية على طريق الحرير مع ما يفرضه هذا التموضع من متطلبات تنموية على كافة الصعد.
وتهدف الصين إلى إيجاد أسواق جديدة لتصريف الإنتاج الصناعي الفائض عن استهلاكها المحلي. مثلاً، تشير صحيفة نيويورك تايمز الأميركية إلى أن الصين تنتج نحو 1,1 مليار طن من الفولاذ سنوياً، لكنها لا تستهلك داخلياً إلا 800 مليون طن. وهي تأمل من مبادرة الحزام والطريق أن تستوعب ما تبقى.
أما على المستوى الخارجي فإن المبادرة من شأنها تمكين الصين من التحكم في تدفق التجارة العالمية عبر الدول المرتبطة بالمشروع والموزعة على ثلاث قارات، الأمر الذي سيعود على الاقتصاد الصيني بفوائد كبرى ناتجة من زيادة حجم تلك التدفقات كون المبادرة ستخفض تكاليف النقل، فضلاً عن أنها تختصر مسافات تسليم البضائع وتفتح أسواقاً جديدة للمنتجات الصينية.
وتجدر الإشارة إلى أن الدول الواقعة على خط طريق الحرير الجديد، يبلغ إجمالي ناتجها المحلي نحو 55% من إجمالي المجموع العالمي، وتحوي 70% من مجموع سكان العالم و75% من موارد الطاقة المعروفة عالمياً، الأمر الذي سيجعل هذا الطريق عند اكتماله أحد أهم الشرايين الاقتصادية العالمية.

وطأة التنين

بعد بضع سنوات على إطلاقها، باتت مبادرة الحزام والطريق في مواجهة انتقادات على الصعيدين المحلي والخارجي.
على الصعيد المحلي، يرى العديد من الصينيين أنها تبذير للموارد المالية الصينية في تمويل مشروعات ضخمة في دول قد لا تكون حليفة للصين في المستقبل، وسط المناخ الجيوسياسي المتقلب وضغوط واشنطن المتصاعدة على دول العالم في عهد الرئيس دونالد ترامب وسياسات «أميركا أولاً» و«الولاء مقابل الدعم». وعلى الصعيد الدولي أصبحت دول عدة تتخوّف من الهيمنة الصينية على اقتصادها.
وعلى الرغم من أن القروض التي تقدمها بكين لتمويل المشروعات الواقعة ضمن «الحزام والطريق» تختلف في شروطها عن شروط الإقراض الغربية، إذ إن بكين لا تطالب شركاءها بتلبية شروط مثل محاربة الفساد وحقوق الإنسان والاستقرار المالي، إلا أن هناك كلفة كبرى تدفعها الدول للتمويلات الصينية. منها مثلاً إنعاش الفساد الحكومي وزيادة المديونية المستقبلية.
وحسب تقرير لـ «فورن بوليسي»، فإن القروض التي تقدمها الصين تكون الفائدة عليها أعلى بنحو 5.0% عن تلك التي تقدمها المؤسسات الغربية، ويرى مراقبون أنه بسبب هذه الفائدة المرتفعة والفساد الاقتصادي فإن باكستان، مثلاً، تواجه أزمتها المالية.
كما يشير البعض إلى تجربة الحزام والطريق في أفريقيا، فرغم الترحاب الذي وجدته المبادرة الصينية في البداية، ثبت لاحقاً أنها قتلت مئات المشاريع الصغيرة في الصناعة والزراعة والتربية واللحوم، إذ سيطرت الشركات الصينية على هذه الصناعات وأنهت مشاريع الاقتصاد الاكتفائي.
ومن بين الانتقادات التي وجهت إلى المشروعات الصينية في أفريقيا كذلك أن الشركات الصينية تستخدم العمال والموظفين الصينيين بدلاً من المحليين، كما أنها في نفس الوقت ساهمت في إثراء الساسة والمسؤولين الحكوميين في المناطق التي نفذت فيها مشروعات.
وفي ماليزيا سقطت حكومة نجيب رزاق، المتهم بالفساد وسرقة المال العام، عبر حملة انتخابية شرسة قادها مهاتير محمد الذي سرعان ما ألغى عدة مشاريع صينية في ماليزيا، من بينها مشروع سكك حديدية ضمن مبادرة الحزام والطريق، تبلغ كلفته 20 مليار دولار. ومشروع آخر لأنابيب الغاز الطبيعي بكلفة 2.3 مليار دولار.

أعين متربصة

منذ انهيار الاتحاد السوفياتي بداية تسعينيات القرن الماضي، ورغم السياسة المتحفظة التي قادها الرئيس الصيني السابق جيانغ زيمين، فإن الولايات المتحدة استشعرت خطورة نمو الصين الاقتصادي وما يمكن أن يشكله من تهديد لسيادتها العالمية، وبناء على ذلك وضعت مجموعة من الخطط لاحتواء الصين على المستوى الدولي والإقليمي.
تطورت هذه الخطط خلال عهد الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما، وتبلورت عبر مشروعين هما مشروع «محور آسيا»، ومعاهدة التجارة الحرّة المسمى «التجارة عبر الهادي»، التي ضمت كل دول شرق آسيا باستثناء الصين، واعتمدت على توفير حوافز اقتصادية لهذه الدول لتجعل ارتباطها بأميركا أقوى من ارتباطها بالصين.
وتسعى الولايات المتحدة لاستغلال الغضب الجماهيري من الفساد في دول «الحزام والطريق»، إذ سلطت الضوء خلال قمة «آبيك» على محاولة هيمنة بكين على منطقة آسيا والمحيط الهادئ. ووجه نائب الرئيس الأميركي مايك بنس انتقادات مباشرة للمبادرة الصينية على هامش القمة، موضحاً أن «دول المنطقة يجب ألا تقبل بديون تعرض سيادتها للخطر».
كذلك تعهّد بنس بإطلاق مبادرة تمويلية مع حلفاء غربيين لرد منسق على مبادرة الحزام والطريق الصينية، من خلال التعهد بتمويل مشترك تبلغ قيمته 1.7 مليار دولار لمشروع للكهرباء والإنترنت في بابوا غينيا الجديدة.
وتسعى الولايات المتحدة، عبر الرسوم التجارية، إلى عرقلة النمو الاقتصادي الصيني وحرمان بكين من التمدد اقتصادياً في آسيا وأوروبا.
طريق الحرير القديم عبرته السلع الصينية الأسطورية: الحرير والخزف والورق والبارود.. وفي طريق الحرير الجديد يبدو أن الصين تريد إضافة سلعة أخرى: زعامة العالم.