اليد التي صفّقت لوحدها

فاطمة عمراني

العاشرة مساءً..

أصعد درج البناء بخطىً متثاقلة وأنفاسٍ متقطعة، أقرع جرس الباب على عجل فيما لا أزال ألهث، أحاول أن أتمالك نفسي وألّا أظهر ارتجافي.

فتحَتْ الباب ووقفَتْ خلفه، لم تكن أمّي، لم أستطع أن أحدد ملامح وجهها. إلا أنني عرفتها حين قالت: “فوتي يا خالتي”.

جلسَتْ بجانبي ممسكةً يدي، فيما كنت أخبرها عن الشاب الذي تبعني طوال الطريق، ممطراً إياي بجرعة من التحرشات اللفظية تعادل التي تلك سمعتها خلال سنة كاملة، وحين أجبته بكلمة “شو إنك وقح وبلا أخلاق”، انهال عليّ بنوعية مختلفة من التحرشات الجنسية ذات العيار الأثقل، ولم يكفّ عن اللحاق بي حتى منزلي.

لم تستطع المرأة أن تكتم غضبها، فراحت تشتم الشاب بحدّة، وشدت على يدي قائلة: “ما عرفتي تشلحي كندرتك وتضربيه على راسو”، وبدأت تخبرني كيف تعلمَتْ رد إساءة المعتدي والمتحرش “من كيسها”:

“لما كان عمري 15 سنة، كنت صبية حلوة وشايفة حالي كتير، أخدتني عمتي إلى السيلما (أي السينما) مع إخواتي، كان في 3 شباب قاعدين بالكراسي يلي خلفنا، واحد منهم كل شوي يمد إيدو على جنب الكرسي تبعي، ويحاول يتحرّش فيي، طلبت دبوس من إمي، وكلما يمد إيدو إنغزو بالدبوس، لحتى طلع فيي وقلي أنا بورجيكي بس لنطلع، ركدت سبقتو وقلت للشباب يلي برّا إنو في واحد تحرش فيي بالصالة، فنزلوا فيه ضرب كسروه تكسير”.

نفشت أم نضال ريشها ورفعت رأسها، وتابعت: “ولما كان عمري 9 سنين، طلعت مع أمي بالباص، وكان في شب حاول يتحرّش فينا، خبرت أمي وقالتلي سكتي لا تفضحينا، بس أنا ما سكتت، هجمت عليه وضربتو، إمي خجلت فيي كتير، بس أنا كنت مبسوطة وفخورة بحالي”.

لم تسلم المرأة السبعينية من محاولات التحرش التي امتدّت لعمر الستين، فأم نضال (حين عاشت في صيدا فترة من حياتها بعد وفاة زوجها) تعرّضت لمحاولة تحرّش من نوع آخر، حيث أوقفها رجل دين في الشارع طالباً منها “زواجاً سرياً”، فـ “لمّيت عليه الناس بالشارع وصار بس بدو يهرب” قالتها بمزيد من الفخر.

منذ وفاة زوجها اللبناني في الحرب الأهلية، اختبرت أم نضال أنواعاً مختلفة من المضايقات والتحرشات التي تجاوزت شباب الشوارع قليلي التربية، حاولت الانتحار من أعلى قلعة صيدا، بعد أن طالبها أخوها بالعودة لمنزل العائلة فهي أرملة لا يجب أن تعيش لوحدها، وطالبها القضاء بالتخلي عن أطفالها لعائلة زوجها المتوفى، ولطالما طالبها أصحاب الشقق التي كانت تستأجرها بالإخلاء، فهم ليسوا واثقين بقدرة امرأة أرملة على دفع مبالغ الإيجار بشكل منتظم.

نامت وأولادها ليالٍ طويلة، ناموا جوعى، عطشى، ناموا دون أن يمسح أحد على رؤوسهم، ناموا دون أن يجدوا ما يتدثروا به، ناموا دون ابتسامة واحدة، أو حتى دمعة!

“ما حدا كان يطّلع فينا، كان الأقارب يعاملونا كأعداء، ولا مرّة حدا اشترى لولادي سندويشة، اشتغلت كلشي، حتى المهن يلي صعب المرا تشتغلها”. فتاجرت أم نضال بالملابس، بمستحضرات التجميل، الحنّة، وحتى القباقيب. اشترت البضائع من سوق الحميدية والعصرونية والبزوريّة وباعتها لجاراتها اللبنانيات، عملت في الخياطة، التجميل، عملت كناطور، لم تترك مهنة في العالم إلا وعملت بها، ربّت أولادها الخمسة حتى كبروا ورأت أحفادهم كما تمنّت دائماً.

لم تحتج هذه المرأة من يقف بجانبها، لم تطلب مساعدةً من أحد، لم تستعن بيدٍ أخرى حتى تصفّق، صفّقت لوحدها، صفّقت لقدرتها على المضيّ قدماً، صفقت لإيمانها بنفسها، بمسؤوليتها، بإنجازها. حين تخلى كل العالم عنها، لم تتخلَّ أم نضال عن نفسها.

يومَ ذرفنا الدمع.. “عنتر” وأنا!

علي حسون

لطالما نفّره واستفزه منظر الدم إلى حد الغثيان؛ وأياً كان مصدره: دجاجةً كانت أم خروفأً، أو حتى جرح صغير في إصبع طفل، ولذلك استحق لقب ” أبو قلب رهيّف” من أقرانه المراهقين الذين كانوا يتسابقون للفوز بمهمة ذبح دجاجة، لنيل اعتراف الأهل والمحيط بأن هذا الفتى “صار رجّال وقلبو قوي”!

ما زال يذكر اليوم الذي شكّل بالنسبة له نقطة اللاعودة فيما وصل إليه من “ضعف” تجاه أي نقطة دم تسيل، في أي مكان، وأياً كان شكل أو جنس الضحية المهدور دمها: كان مراهقاً في الخامسة عشر حين سمع من نافذة المطبخ المطلة على أرض الجيران صوت خوارٍ يشبه الاستغاثة. عندما نظر من خلف الزجاج رأى جموعاً تتعاون على تثبيت ثورٍ “مراهق” هو الآخر، كانوا قد ربطوا قوائمه الأربعة ليتولى بعضهم تثبيت الخلفيتين وآخرون لتثبيت الأماميتين، فيما تحلق ثلاثة منهم لتثبيت رأسه، وفي المنتصف ثمة “شيخ” ممتشقاً سكيناً كبيراً ثبّتها على رقبة “الضحية” وهو يتمتم بكلمات لم يفهمها.

كان ذلك العجل هو صديق أولاد الحارة الذين أطلقوا عليه اسم “عنتر” منذ ولادته في “حاكورة” الجيران، فكانوا يتراكضون خلف بعضهم حتى تنقطع أنفاسهم، وها هو قد استسلم أخيراً للجموع الغفيرة فخارت قواه، وسكنت مقاومته ليعلو صوت أنفاسه بشكل مسموع، إنها آخر الأنفاس هذه المرة. تكثّفت كل حركته وقتها في عينيه اللتان كانتا تبحثان بلا رجاء عن منقذٍ ما، لتلتقي في هذه اللحظة التي لن ينساها “المراهق البشري”، عيناه بعيني عنتر، وينتقل حينها كل الخوف والرعب وحبّ البقاء من عيني ذلك العجل إلى عينيه، توحّدا في تلك اللحظة، حدث أمرٌ عجيب، خيّل إليه أن السكين كانت على رقبته هو، حتى أنه شعر بدفق الدم ينطلق مغادراً كل أنحاء جسده ليتجمع في رأسه، في رقبته تحديداً، تماماً تحت حد السكين ما قبل الانفجار الكبير للدم، حينها صرخ بأعلى صوته الذي تحول إلى ما يشبه الخوار “اتركوه.. اتركوه لا تدبحوه.. حرام عليكن…شيلوا السكين “. ساد للحظات صمتٌ مطبق؛ لتلتفت أعين الجموع كلها نحو مصدر الصوت مصحوبةً بذهولٍ سرعان ما تحول إلى استهجان جماعي لهذا التصرف الأرعن من صاحب الصوت، بدأت بعدها التمتمات والتعليقات والتهديدات: “شو هالمجنون.. بعّدوه من هون.. حدا يضبّو”، تلتها اعتذارات بالجملة من ذلك الرجل في الوسط الذي رمقه بنظرة احتقار مشفوعة بشفقة المؤمن على الضال: “ما تآخذنا شيخنا”.

رغم مرور عقود من الزمن على تلك الحادثة، ما زال يتذكّر حتى اليوم الدموع التي نزلت من عيني العجل امتناناً ربما على محاولة إنقاذه؛ في الوقت الذي كانت عيناه هو أيضاً تنفجران بالدموع لفشله في إنقاذه، لينتهي الأمر بأن ينقضّ عليه شقيقاه وأبناء عمه، جرّوه خارج المطبخ، حبسوه في غرفة بعيداً عن أعين الناس حتى انتهت طقوس “العيد” وذهب الجميع سعداء وقد أكلوا ما تيسّر لهم من لحم عنتر!.

يتذكّر اليوم تلك “المأثرة” المجنونة ضاحكاً من نفسه، حين توهّم بأن صرخته ستوقف ما هو محتوم، صرخته تلك التي حولته إلى حديث أهله وأقربائه وأقرانه يتندّرون عليها حتى الآن.

 يسألونه اليوم ضاحكين: بماذا كنت تفكّر حينها، كيف امتلكت كل تلك الجرأة، وبالأصح؛ الجنون لتقوم بما قمت به؟

يشاركهم الضحك هو أيضاً، يفكّر للحظة دون أن يفصح عما يجول في خاطره أمامهم، تلمع فكرة مجنونة أخرى في رأسه: ربما كنت أرى منذ ذلك الوقت ما سيحدث اليوم، حين سنتحول جميعاً إلى “أضاحي” على مذبحٍ ما تحت عنوان أو شعار ما، ربما عرفت باكراً بأن الدور قادم على الجميع، وأن ثمّة من سيستل السكين لذبحنا على غفلةٍ منا أو بتواطؤنا على أنفسنا، وقد يكون هؤلاء مؤمنون من نوع ما (بالخالق، أو بأنهم الفئة الناجية، أو بأعظم القضايا؛ الأمة الواحدة، التاريخ والمصير المشترك..).

 يطلق ضحكةً قويةً تشبه تلك الصرخة قبل عقود، وفيما يسود الصمت بين الجميع مجدداً، يفكّر بصوت مرتفع هذه المرة: لقد كانت نبوءة..اعتبروني متنبئاً..!!

” بدو”.. وما بدينا !

علي حسون

أول علاقة لي مع جارنا الجنوبي كانت عن طريق الهوائي على سطح منزل أخي في حي التضامن، حين كنا نتعاون على توجيهه لالتقاط بث التلفزيون الأردني في أواخر الثمانينات، لمتابعة مسلسل (أبو عواد) الذي لعب بطولته الفنان الراحل نبيل المشيني.

في تلك الأيام التي كان السوريون خلالها مجبرين على متابعة قناتيهم الرسميتين اللتين تبثان لساعات محدودة، كانت محطة الإرسال اللبنانية (إل بي سي) بمثابة النعمة لأهالي الساحل الذين تعرفوا على نوع جديد من الإعلام والعروض التلفزيونية لم يألفوه سابقاً، فيما كان أهل دمشق والجنوب أقل حظاً من مواطنيهم في الشمال الغربي، عبر مشاهدتهم التلفزيون الأردني الذي كان “التنويعة” الوحيدة لمن ملّوا الوجبة “البايتة” نفسها من الإيديولوجيا بعد أن اقتاتوا عليها لأكثر من ربع قرن، وكان قوامها “باقة” من البرامج “الهادفة” تربّى عليها معظم السوريين ورافقتهم حتى الألفية الجديدة: “أرضنا الخضراء” و”بناة الأجيال” و”الأيدي الماهرة”وغيرها !

كان التلفزيون الأردني متنفساً لجماهير الجنوب السوري، وكان مسلسل “حارة أبو عواد” محط أنظار الجميع، المسلسل الذي حقق نجاحاً كبيراً، عرّف السوريين أيضاً على طبيعة الحياة الاجتماعية للجار الجنوبي الذي كان مجهولاً لمعظم السوريين بسبب الافتراق السياسي والإيديولوجي بين السلطتين اللدودتين رغم القرب الجغرافي وصلات القربى بين الشعبين.

في المرة الثانية التي عرفتُ فيها الأردن أكثر، كانت في نهاية التسعينيات، خلال مشاركتي كمندوب لدار نشر سورية في معرض عمان للكتاب، حيث كنت مصرّاً على الاحتفاظ بانطباعاتي عنه، والمستمدة من النظرة السورية “المتعالية” حينها للبلد الشقيق، والتي تشبه إلى حدٍّ بعيد النظرة الشوفينية اللبنانية تجاه السوريين، ولكن بعيار أقل!

في الواقع، أذكر أنني عددتُ الساعات والدقائق تلهفاً لانتهاء المعرض، الذي تزامن مع حمّى أصابتني في اليوم الثالث بعد الافتتاح، ألزمتني فراشي ليومين وتمنيت لو استمرت حتى نهاية المعرض؛ لعلّي أنام فأستيقظ في دمشق، حيث اعتبرتُ مشاركتنا فيه قراراً غبياً من صاحب الدار، متمسكاً بقناعة رسّختها وجدّدتها تلقائياً ومفادها “هذا شعب لا يقرأ” !

هذه النظرة المسبقة والجاهزة، سرعان ما تبدلت مع زياراتي المتكررة إلى عمان والتي فتحت عيني وعقلي على بلد وشعب يتقدمان، على الأقل في القطاع الذي عاينته عن قرب؛ الصحافة.

في كل زيارة إلى عمان كنت ألحظ التطور الذي يحققه الجار الجنوبي، رغم الموارد الشحيحة التي جعلت منه بلداً مديوناً يعتمد في اقتصاده على المساعدات الخليجية والأجنبية.

لكن ما يُحسب فعلاً كإنجاز يبدو من وجهة نظري “علامة فارقة” هو العمل على الموارد البشرية، والذي أنتج شعباً يلتزم بالقوانين؛ فمن غير الممكن أن تجد في عمان مثلاً شرطيٌ يرتشي في الشوارع، كما أنك لن تصادف سائق تكسي فهلوي “يخورف” الزبون، وحتى لو كان الراكب أجنبياً فلن يحدث أن يطلب فلساً زائداً على التعرفة!

على الحدود بين سوريا والأردن، وفيما يتفنن عناصر الجمارك ومعظم العاملين بالحدود في جزئها الشمالي ب”تشليح” المسافرين وخاصةً السائقين، فيفرضون الإتاوات، ويقبضون الرشاوي دون خجل، يتعامل الطرف الجنوبي من الحدود بكل مهنية واحترام.

 على الرغم من ذلك، يشكو الأردنيون من الفساد كما غيرهم من الشعوب العربية، إنه فساد الطبقة السياسية الحاكمة، لكن هذا الفساد لم يتم تعميمه ليصيب كل المجتمع ويتحول إلى أسلوب حياة كما في البلدان الشقيقة الثلاث المجاورة (سوريا ولبنان والعراق).

أخجل اليوم من نظرتي المسبقة لهذا الشعب الذي طالما وصمه السوريون ب”البدو”.. !

أحد السائقين السوريين العاملين على خط عمان – دمشق اختصر واقع الحال اليوم بجملة واحدة فقط: صحيح.. “هني بدو.. بس نحنا ما بَدينا”!

اطلبوا الندم ولو في الصين

لجين سليمان

ها هي الساعة تعلن قدوم الثالثة ظهرا بتوقيت “جمهورية الصين الشعبية”، وعلى الرغم من أنه لم يكن يرغب بتغيير ساعته عن التوقيت السوري، توقيت دمشق تحديدا، إلا أن الزمن يهاجر قبلنا أحيانا، فهاهي ساعة الهاتف الذكيعدلت نفسها تلقائيا، معلنة قدوم زمن جديد، لم يتقبله بعد.
وعلى الرغم من شعوره بضياع بعض الساعات، وكأنها سقطت سهوا من أحد الأيام،بينما كان يطير جوا في فضاءات هذا العالم، إلا أنه لا مشكلة، ربما سيجد حلّا لهذا اللغز فيما بعد.
بدأ الطريق بكشف عن أبراج شاهقة روائح عطرة تملأ الشوارع، شوارع عريضة، بعرض منظّم، ولكن لا، فساحة الأمويينأجمل، خاصة في وقت الغروب.
ضبط ساعة يده على التوقيت السوري، فحتى لو تباعدت الجغرافيا، ستبقى ساعة اليد توصله بذاك الزمن الذي غادره منذ ساعات، ولم يرغب أنه ينتهي، يا له من زمن جميل.
دخل بناء السكن الجامعي، وعلى الرغم من أنه لا يقارن بسكن أي من المدن الجامعية في أي جامعة سورية، إلا أنه لم يعجبه، قرر الإقامة في الخارج، فقد أغرته تلك الأبراج الشاهقة المصطفة بانتظام، فماذا ينقصه كي يقيم في أحدها؟.
خلال ساعة كان قد حصل على منزل جميل في الطابق 12 في البناية المؤلفة من 18 طابقاً، وعلى الرغم من أنه كان قد جال الشام وضواحيها بحثا عن غرفة لائقة للسكن، لم يشعره وجوده في هذا المكان بالسعادة.
في اليوم الثاني من الإقامة، قُرع جرس المنزل،قام ليفتح الباب، نعم إنه صاحب المنزل، يا له من مزعج ماذا يريد، دخل ووراءه عامل يرغب في أن يصلح ما تعطّل في المنزل.
تساءل قائلاً: لكني لم أطلب إصلاح أي شيء. أتت الإجابة سريعة، إنه عملنا ولا يمكننا أن نسلمك المنزل بهذا الشكل، ونعتذر عن قلة تواجد الإنارة المخفية في السقف والديكورات.
انتهت إجراءات التسجيل الجامعية، ودخل إلى المحاضرة الأولى، كان البروفسور ألمانياً، لاحظ اختلاف رسمة عيونه عما هو سائد لدى الصينيين، ما دفع الأستاذ الجامعي إلى سؤاله عن بلده الأصلي، قال بكل فخر: أنا سوري، ولمعت في ذهنه أغنية “أنا سوري آه يا نيالي” بصوت عبد الرحمن آل رشي. سأله الأستاذ الجامعي عن الأوضاع في سوريا، وفجأة بات الأمر بنظره عبارة عن مؤامرة خارجية، وعلى الرغم من أنه كان مقتنعاً بالأخطاء والفساد والإجحاف بحق سوريا والسوريين من قبل جميع من يقطنون الطبقة المخملية، مصرين على عدم التنازل عنها، إلا أنه من غير المعقول أن يتحدث أن السوري الكبير الحوت يأكل ثروة السوري الصغير الدرويش ويتركه جائعاً، ولم يتراجع عن حدّة الوصف إلا عندما شعر بأن خطابه بدأ يقترب من خشبية معهودة فتراجع قليلا.
وفي الأثناء التي كان يخبره فيها أستاذه الجامعي بأنه قادر على المشاركة في أي مؤتمر حول العالم، وفي أي مكان يرغب بالذهاب إليه لأن المناقشة ضرورية في هذه المرحلة، تذكّر أستاذا جامعيا في سوريا كان يقول له أنت تدرس في أوقات فراغك على الرغم من كل الجهد المبذول.
ومع كل هذا لم يكن سعيدا، إنها الحياة الهادئة لا مشاكل ولا إثارة، وكلّ ما يحدث يكون كما يجب أن يحدث.
وفي الغالب كان يتمنى أن يحدث كل ما يحدث، على أرض سورية، منهيا جدلية الوطن السائدة في ذلك الوطن، حول أن الوطن هو تراب أم بشر، بقرار واحد، إنه تراب بلا سلطة، تراب يحكمه البشر بعلمهم وحكمتهم.

طلال حيدر.. براعة المحترفين

أثار الشاعر اللبناني طلال حيدر ردود فعل غاضبة في الصحافة ووسائل التواصل الاجتماعي، بسبب قصيدته “عيد المملكة” التي ألقاها في حفل السفارة السعودية في بيروت باليوم الوطني.
بالطبع قيل الكثير في شتم الشاعر، والقليل في الدفاع عن شعريته، استشهاداً بقصائد المتنبي في مدح كافور (وسواه من الأمراء)، والتي لم تتمكن من انتقاص شعريته على مر العصور.
وبالطبع أجمع الطرفان (الشاتم والمتمهل) على ذمّ التكسب، وعلى التذكير بقصائد طلال حيدر الساكنة في الوجدان.
الملفت في قصيدة طلال حيدر الجديدة، أن هذه الدرجة من الرداءة فيها لا يمكن أن تكون عفوية، فطلال حيدر شاعر كبير شئنا أم أبينا، والأهم انه محترف، والمحترف يقدم افضل ما لديه حتى حين لا يرغب بذلك، وهو قدّم قصيدة رديئة بكل المقاييس بغض النظر عمن قيلت فيها أو المناسبة التي استدعتها.
أحسن طلال حيدر اختيار المفردات المنفّرة، ووضعها ضمن تراكيب ركيكة للتعبير عن صور باهتة ومعانٍ سخيفة، فصنع من هذه الخلطة قصيدة كأنه يقول لنا من خلالها: والله يا سفلة لن اترك لكم جملة واحدة تتذكرونها إذا أردتم ان “تعايروني” بالقصيدة.
القصيدة تجميعة عشوائية لعبارات ساذجة ومكررة من قبيل (يجوب انحاء الديارِ والقبائل تتجمع كما الإزار، ويسير الركب في ظل القرارِ، من هنا قام رسول الله يعد الباغي عذاب النار..) بالطبع كل أحرف الراء تحتها كسرة.
أذكر أستاذاً درّسنا في الكتابة الصحفية، وفي الدرس الأخير سألنا: كم قاعدة مهنية علمتكم خلال هذا الفصل؟ أجبناه، وكان العدد يزيد عن مائة.
ثم قال لنا: يضطر الصحفي أحياناً لكتابة مادة صحفية وهو يعرف أن مضمونها غير صحيح، وانها تخالف قناعاته ومعلوماته، وفي بلادنا سيضطر يومياً لفعل ذلك.
هذا درسي الاخير لكم: حين تهمّون بكتابة هذه المواد اختاروا عنوانا مباشرا وطويلا، ابدؤا من أضعف عنصر، تجاهلوا علامات الترقيم، خالفوا تماماً المائة قاعدة التي علمتكم إياها.
القارئ الغبي سيضجر من رداءة المادة ولن يقرأها، القارئ الذكي سيغفر لكم، سيتصرف كالقاضي النزيه وهو يقرأ محضر الشرطة ويعرف لوحده انها اعترافات انتزعت منكم تحت التعذيب.
الحاجة للمال أحد أسوأ أنواع التعذيب، وقد أدلى طلال حيدر تحت وطأته بملايين الاعترافات خلال حياته، ولكن “حلوة متل طلوا العرب رح يوصلو ع الشام” ستبقى قصيدة جميلة، و”بغيبتك نزل الشتي” سيبقى من خير مطالع الشعر بالفصحى والعامية.

سيادة “الأخ المواطن”

علي حسون

لم يكن خبر تولي “عويّد” رئاسة البلدية عادياً، فالرجل الثلاثيني الذي أجمع كل من عرفه على مناداته باسمه المصغر من عواد، استطاع رغم كل ذلك الحصول على شهادة الإعدادية بعد ثلاث سنوات من المحاولات، وناضل ضعفها ليتمكن من الحصول على شهادة الثانوية، لكن ذلك ليس مهماً حقاً، فالشاب الذي يعرف أن الشهادة شرط ضروري لما سيأتي لاحقاً، ناضل بقوة وبدون استسلام للحصول عليها ونال مراده وسدّد في سبيل ذلك ست سنوات إضافية من عمره!.

كان مستقبل “عويّد” واضحاً، على الأقل في ذهن أمه التي لم تكن لترضى أن يكون ابنها الذي ينظر إليه الناس ب”عينٍ ناقصة” أقل شأناً من خاله “شقيقها” الذي فاجأ الجميع بتدرجه من كاتب تقارير منبوذ في قريته إلى مسؤول في شعبة الحزب في المدينة. زرعت الأم في عقل ابنها أن منصباً معتبراً في انتظاره، ولكن بشرط أن يحصل على “شقفة هالبكالوريا”. وهكذا سار الأمر كما هو مخطط له تماماً في ذهن الشقيقان “الأم والخال”، ولسان حال “عويّد” عند استغراب بعض أترابه من خبر ترشحه لمنصب رئيس البلدية، وهو غير القادر على صوغ جملة واحدة بشكل صحيح، مفاده: طالما أن لديك خالا لا يرفض لأخته طلباً، ومسؤولين لا يرفضون لخالك طلباً فلا تستغربوا ؟ فكيف إذا كان الطلب من عيار ” بدنا ننجحو برئاسة البلدية”.. مستغرباً استغرابهم، ليتضح بالبرهان أن هذا البلد لا يبخل بإعطاء الفرص وإسناد المناصب لأبنائه حتى لو كانوا “بنصف عقل”!

وبالفعل، استطاع الخال الفعّال في الحزب تسيير أمور الترشح وإبعاد المنافسين الحقيقيين (بالترغيب والترهيب)، وحشد المؤيدين لفوز ابن أخته رئيساً للبلدية لدورتين كاملتين! في أول يومٍ له بعد تبوّئه “المقدّر له” لمنصب رئيس البلدية، تقمّص عواد الدور كما يليق برئيس بلدية، مؤكداً على نيته البدء في تنفيذ الوعود التي أطلقها خلال “المعركةالانتخابية” والتي أسرّ له خاله أنها ضرورية لترسيخ القيم الديمقراطية: (تزفيت الشوارع المهترئة – المطالبة بخزان كهرباء إضافي للقرية التي لم يعد خزانها الرئيسي قادراً على تحمل الضغط الناتج عن توسعها – السماح للأهالي ببناء ثلاثة طوابق بدلا عن الطابقين، وغيرها من الوعود..). بدأت جولة رئيس البلدية الجديد على “رعيته” مرتدياً خلال جولته وللمرة الأولى في حياته، بدلة رسمية كان قد اشتراها له خاله من المدينة خصيصاً لمناسبة الفوز في “الانتخابات الديمقراطية”: طقم بنّي فاتح بقميص سكّري وربطة عنق مخططة بالأبيض والبني الغامق كما كان دارجاً تماماً في فترة أواخر التسعينيات، وكما يليق برئيس بلدية ذاهب بكل ثقة إلى القرن ـ بل ـ إلى الألفية الجديدة.

لكن هذا الزي الجديد لمن كان معروفاً عنه تقشفه وجهله في اللباس والظهور والكلام وفي الخبرات الأخرى المطلوبة في شتى شؤون الحياة، كان له وقع الصاعقة على نهاوند، العجوز التي ترعى بضعة أغنام في مروج القرية، والتي تزوجت قبل خمسين سنة رجلاً من خارج القرية كان يعمل “مرابعاً” لدى ملّاك الحمضيات الكبار. فتحت المرأة الستينية فمها اندهاشاً لدى رؤيتها “عويّد” بحلته الجديدة، لكن الأمانة تستدعي الاعتراف بأن اندهاشها كان مشوباً ببعض الإعجاب، حيث اختلف المراقبون لنظرتها مع أولئك المتابعين لحركة شفاهها بين من يقول بأنها رددت في سرّها ما معناه “حمار معبا ببنطلون” أو”لبّس العود بيجود”. إلا أن ما عبّرت عنه نهاوند صاغته فعلياً في جملتها الشهيرة التي سيحفظها أهل القرية وسيتناقلونها إلى الأبد: ” عويّد ؟..هادا أنت؟.. والله ما فكرتك غير أخ مواطن” ! عقد الرجل حاجبيه وقطّب جبينه لدى سماعه عبارة المرأة الفضولية مجيباً عليها ما سيكون التتمة لأهم عبارة قيلت يوماً في الانتخابات البلدية:” وا شحار شبابي شو جحش لكن؟”.

حتى يومنا هذا، أي بعد عشرين عاما على الواقعة، مرّت الكثير من الأحداث في القرية: تزوج رئيس البلدية إحدى أجمل المعلمات في القرية، وأنجب منها أربعة أولاد – أكبرهم يناضل للفوز بشهادة البكالوريا منذ سنتين – ومع ذلك لم يكن منصب عويّد “الرفيع” كأعلى سلطة تنفيذية في القرية لثمانية أعوام – بعد سلطة خاله الحزبية طبعاً – ومحاضِر البناء التي انطلق بناؤها في طول القرية وعرضها، والتي حولت رئيس البلدية إلى مليونير، كل ذلك لم يكن كافياً لمنع زوجته الجميلة من الهرب “في ليلة ما فيها ضو قمر” مع جارهما الثلاثيني، يقول مقربون من العائلة بأن المرأة لم تطق احتمالاً أكثر فتركت “الجمل” بما حمل وتخلّت عن الحياة في الفيلا الرائعة وعن الحياة الرغيدة وضحّت حتى بالأولاد، لتعيش في غرفة مع شاب فقير عاشق كان قادراً على ما يبدو على صوغ حب حقيقي ونظيف لمعشوقته بعيداً عن حياة النعمة المحدثة وموائد العشاء المتخمة التي كانت كثيراً ما تشهد اتفاقات على تقاسم الأرباح، وتواطئاً بين زوجها السابق وبعض تجار وسماسرة العقارات الذين حوّلوا القرية الشهيرة ببساتين الحمضيات وخلال ثماني سنوات فقط إلى عدد هائل من الكتل الإسمنتية الصماء والمشوّهة!.. أما نهاوند التي تجاوزت الثمانين من عمرها فلم يعد أهل القرية يلحظونها إلا فيما ندر في شوارع البلدة بعد وفاة زوجها “المرابع” وابنها البكر الذي قضى بجلطة قلبية. انزوت العجوز في غرفتها إلى جانب أحفادها دون أن تخرج حتى إلى النبع الذي كانت تسقي غنماتها منه قبل أن تبيعها في محاولة لإنقاذ حياة ابنها مريض القلب!

لكن أهل القرية ما زالوا يتذكرون بكثير من الحنين والإعجاب جملتها الشهيرة عن “الأخ المواطن عويّد” ويجهدون في تفسيرها خلال سهراتهم حتى اليوم، فيقول بعضهم بأن أم سليم نهاوند التي أدمنت في كبرتها سماع نشرات الأخبار على القنوات الوطنية اكتشفت بفطرتها أن “الأخ المواطن” الذي تتم مخاطبته بنوع من التبجيل والاحترام منقطع النظير، وتُقدّم له الوعود وتوجّه له الدعوات والمبادرات بالتطوع والاكتتاب والتسجيل على شقق سكنية، واختيار خطوط لاحقة الدفع أو مسبقة الدفع، وتوجّه له كل هذه الرسائل اليومية، إنما هو حقيقةً مسؤول من نوع ما بطقم وربطة عنق، وهو في أغلب الظن يشبه رئيس البلدية حين صادفته نهاوند في أولى جولاته بعد تقلده للمنصب الأهم في القرية! إنه ذلك “المواطن” الذي أصبح مليونيراً خلال بضع سنوات فقط، يمتلك فيلا كبيرة ومجموعة من الشقق في كل محضر يتم إنشاؤه في القرية.. ويستطيع فوق كل ذلك الزواج من أخرى أكثر جمالا وأصغر سناً، أخرى ستنجب له المزيد من الأولاد، ولكنها لن تكون حبيبته على الإطلاق.. على الإطلاق.