سبعون طبيباً نفسياً لمعالجة ثماني سنوات من العطب

لدينا كل الأسباب لننتحر ونكتئب ونهيم على وجوهنا

زينة شهلا

يحفل شهر تشرين الأول بأيام وأسابيع تهدف للتوعية بعدد من القضايا الصحية بالغة التأثير على حياتنا اليومية، وتخصص المنظمات الطبية والصحية الأسبوع الثاني منه لرفع الوعي بشأن أهمية الصحة النفسية وتوحيد الجهود لتحسينها في كافة أنحاء العالم.

ليس من الغريب أن تستوقف هذه المناسبة أي صحفي يعمل على تغطية الشأن السوري، فثمانية سنوات من النزاع شديد الوطأة وبالغ العنف في أنحاء البلاد لا بد وأنها خلّفت وراءها تدهوراً غير مسبوق في الصحة النفسية لمعظم، إن لم يكن لجميع، السوريين، فلا أحد أكثر منهم اليوم يمتلك الأسباب الكافية ليكون مضطرباً نفسياً، من فقر وتشرد ونزوح وفقدان للمنزل والممتلكات والإصابة بإعاقات مؤقتة أو دائمة وفقد أفراد العائلة وافتقار للتعليم الجيد وفرص العمل. قائمة أسباب تطول ولا نهاية لها، تقابلها قلة حيلة منا نحن المضطربون نفسياً، فلدينا أقل من سبعين طبيباً نفسياً لنستشيرهم، وبضعة مئات فقط من المعالجين النفسيين لنزورهم، وأيضاً الكثير من التبريرات والحجج كي لا نكترث بصحتنا النفسية في خضم ما نعيشه من ضغوط يومية لا تترك أمامنا إلا الرضوخ لها وإعطائها كامل الحرية لتسيطر على حياتنا.

كم حالة انتحار لدينا في سوريا؟

في العاشر من هذا الشهر، أي ضمن أسبوع التوعية المذكور، احتفل العالم باليوم العالمي للصحة النفسية، وكان شعار الاحتفال “التركيز على منع الانتحار”، بهدف التوعية بأهمية الوقاية من الانتحار كواحد من أخطر نتائج تدهور الصحة النفسية، حيث تقول أرقام منظمة الصحة العالمية بأن كل 40 ثانية تحمل نبأ انتحار شخص ما حول العالم.

بعد جهد طويل من البحث، وكمعظم القضايا في سوريا، تبين أنه من الصعب العثور على توثيق كامل ودقيق لعدد حالات الانتحار في البلاد قبل أو خلال سنوات الحرب.

مثلاً، توثق وزارة الصحة محاولات الانتحار بين العامين 2013 و2018، والتي ارتفع عددها من 185 عام 2013 إلى 323 العام الفائت، وتتحدث الهيئة العامة للطب الشرعي عن 135 حالة انتحار عام 2015 و59 حالة انتحار في النصف الأول من العام الحالي. بمراجعة بعض الأخبار اليومية على مستوى المحافظات يبدو عدد الحالات أكبر من ذلك، فصفحة السويداء24 وثقت 25 حالة انتحار عام 2018 على مستوى المحافظة وحدها، أي بمعدل حالتين شهرياً، وذلك لأسباب تتراوح بين الظروف الاقتصادية المتردية والمشاكل النفسية والأسرية والعاطفية وتناول المخدرات. بتعميم قد لا يجوز، وبتطبيق معادلة بسيطة بناء على البيانات الديمغرافية الصادرة عن المكتب المركزي للإحصاء منتصف عام 2017 والتي تبين بأن عدد سكان السويداء 519,000 وعدد سكان سوريا 21,700,000 نسمة، يمكن أن يصل عدد حالات الانتحار في عموم البلاد إلى أكثر من ألف حالة العام الفائت فقط.

ورغم ذلك، تبقى سوريا في ذيل قائمة أعداد المنتحرين سنوياً على مستوى العالم، حيث تبلغ نسبة الانتحار فيها 2.4 لكل 100 ألف شخص بحسب أرقام منظمة الصحة العالمية لعام 2016، أي يبلغ عدد حالات الانتحار السنوية فيها حوالي 500 حالة، في حين يصل في بلدان أخرى إلى أضعاف ذلك. لا اعتراض على تذيّل هذه القائمة بالذات.

أرقام أخرى يمكن أن تستوقف الباحث بهذا الشأن. منذ حوالي ثلاثة أشهر، ظهرت على صفحات العالم الافتراضي الأزرق، فيسبوك، مجموعة تطلق على نفسها اسم “الفريق السوري لمكافحة الانتحار“، وتهدف لنشر الوعي حول الأمراض النفسية وضرورة مساعدة الأشخاص المقبلين على الانتحار من خلال تشجعيهم على الحديث عن مشكلاتهم. لفت الفريق، الذي توقف مؤخراً عن النشر على صفحته أو الإدلاء بتصريحات إعلامية، إلى استقباله ثمانين رسالة عبر الصفحة خلال الأسبوع الأول من العمل، من أشخاص ينتمون لمختلف الشرائح العمرية والطبقات الاجتماعية والاقتصادية، ويفكرون جدياً في وضع نهاية لحياتهم. ثمانون شخصاً يفكرون بالانتحار خلال أسبوع يعني حوالي أربعة آلاف محاولة أو فكرة انتحار على مدار السنة.

ماذا عن الاضطرابات النفسية؟

بعيداً عن الانتحار كنهاية غير مأمولة، يعاني مئات آلاف السوريين اليوم من اضطرابات نفسية تتراوح بين الحادة والمتوسطة والضعيفة.

تشير منظمة الصحة العالمية إلى أنه، ومن بين الأشخاص الذين شهدوا حروباً وصراعات، يرجح أن يصاب 5 بالمئة باضطرابات نفسية شديدة، و9 بالمئة باضطرابات نفسية معتدلة إلى شديدة، و22 بالمئة بالاكتئاب أو القلق أو الاضطراب ثنائي القطب أو الفصام، وهي من الاضطرابات النفسية الأكثر شيوعاً والتي تؤثر في الحياة اليومية للمصابين بها وتتسبب لهم بمعاناة على صعيد الحياة الشخصية والعملية والاجتماعية، ويمكن أن تتحول بدورها لحالات صحية بالغة الخطورة.

يعني ذلك، وفقاً للأعداد آنفة الذكر لسكان سوريا، احتمال تعرض حوالي مليون سوري لاضطرابات نفسية شديدة، وحوالي مليون وتسعمئة ألف لاضطرابات تترواح بين معتدلة إلى شديدة، وما يقارب أربعة ملايين وسبعمئة ألف لأعراض نفسية متباينة. المجموع حوالي سبعة ملايين ونصف، يحتاجون لمعاينة طبيب أو معالج نفسي أو الحصول على دعم نفسي واجتماعي، كجزء من ضرورة الاهتمام بالصحة النفسية التي لا تقل أهمية عن الصحة الجسدية.

وفي معظم بلدان العالم يتراوح عدد الأطباء النفسيين بين 3 إلى 45 لكل 100 ألف نسمة، أي أننا نحتاج على الأقل إلى ستمئة وخمسين طبيباً نفسياً ليتمكنوا من علاجنا وتقديم الدواء المناسب للاضطرابات التي يحتمل أن يعانيها كل شخص منّا، لكننا لا نملك عُشر هذا الرقم وهو اليوم حوالي “70” وفق تقديرات وتصريحات العديد من العاملين في هذا المجال والذين قابلتهم “الأيام”، في حين لم يتجاوز هذا العدد المئة قبل الحرب، ولعل هذا النقص مرتبط أيضاً بهجرة عشرات آلاف الأطباء في السنوات الأخيرة.

عزوف عن دراسة الطب النفسي

عند دخول مشفى المواساة الجامعي، والذي يتدرب فيه عادة طلاب كلية الطب في مراحل دراساتهم العليا بعد اختيار الاختصاص الذي يرغبون بمتابعته، لا تصعب ملاحظة تفاوت أعداد الطلاب المقيمين في الأقسام المختلفة، فمثلاً، وفي عامهم الاختصاصي الأول، يختار خمسون طالباً اختصاص الداخلية العامة، وعشرة طلاب اختصاص العصبية أو القلبية أو الغدد، وأربعة طلاب على الأكثر اختصاص الطب النفسي.

ويرجع الطبيب يوسف لطيفة، وهو رئيس شعبة الطب النفسي في المشفى، هذا العدد الضئيل لأسباب عدة، وذلك خلال لقاء مع “الأيام” داخل الشعبة.

يتربع على رأس قائمة هذه الأسباب العامل المادي، مع الأخذ بعين الاعتبار طبيعة عمل الطبيب النفسي الذي يرتكز على العلاج الدوائي أو السلوكي ولا يتطلب عمليات جراحية، الأمر الذي يجعل المردود المادي غير محفز مقارنة باختصاصات أخرى.

السبب الثاني، وفق حديث الطبيب، يكمن في النظرة الاجتماعية سواء للطبيب النفسي أو للمصاب باضطراب نفسي، ما يطلق عليه المتحدث “الوصمة”. “يعتبر الطبيب النفسي أقل من غيره من الأطباء في مجتمعنا، كما يشعر مرضى كثر بالخجل من مراجعته”، ويضيف بأن الطب النفسي في سوريا، سواء فيما يتعلق بالمرضى أو الأطباء، “مظلوم للغاية”.

يشير الطبيب يوسف لطيفة، وهو أستاذ بكلية الطب بجامعة دمشق أيضا، إلى ندرة مراكز التدريب والمشافي التي تقدم حوافز وفرص التمرّن والعمل بهذا المجال، ففي دمشق يقتصر الأمر على مشفى ابن سينا ومشفى ابن رشد وشعبة الطب النفسي بمشفى المواساة، في حين لا تضم حلب سوى مشفى واحد هو ابن خلدون.

ويتحدث الطبيب تيسير حسون، المختص بالطب النفسي، بإسهاب أكبر عن تلك “الوصمة” التي تلاحق المرض النفسي في سوريا: “رغم تضاعف الاحتياج بعد سنوات الحرب، يندر أن يختص طلاب جدد بمجال الطب النفسي، فمعظم السوريين اليوم لا يرون بالطبيب النفسي شخصاً يمكن أن يساعدهم خلال الأزمات، وطبيباً كغيره ممن تخصصوا بمجالات أخرى”. ويشير حسون، الذي يعمل ضمن المجلس العلمي للاختصاصات بوزارة الصحة، إلى انضمام طالبين أو ثلاثة على أبعد تقدير كل عام لزملائهم في اختصاص الطب النفسي.

طارق ناصيف، رئيس المقيمين بشعبة الطب النفسي بمشفى المواساة، وهو اليوم في عامه الرابع من هذا الاختصاص الذي اختاره عن حب وشغف، يشير في لقاء مع “الأيام” إلى أسباب أخرى تتعلق بعدم فهم المجتمع بشكل عام لهذا التخصص، وتعرّض من يرغبون باتباعه لضغوط من الأهل الذين يعتقدون بعدم جدواه، والمحيط الذي يرى بأنه مضيعة للوقت. “معقول روّحت ست سنين بكلية الطب لتختص آخر شي طب نفسي؟ هذه أكثر عبارة نسمعها ممن هم حولنا، في حين يعتقد آخرون بأننا نعالج بطرق أثيرية روحية وبأننا لا نفقه بتشريح الجسد البشري أو التحاليل الطبية”.

ويتحدث ناصيف عن الحاجة إلى تخصيص تعويضات لطبيعة عمل الأطباء النفسيين من قبل وزارة الصحة، خاصة مع كمّ العمل الهائل الذي يقع على عاتقهم: “بصراحة لم أكن أتوقع وجود هذه الأعداد الكبيرة من المرضى النفسيين الذين يراجعون الشعبة بشكل يومي، ويحتاجون لتشخيصات وعلاجات دقيقة”. ووفق الأرقام التي قدمها الطبيب يوسف لطيفة، يراجع شعبة الطب النفسي في المواساة بين 15 و20 مريضاً يومياً ويقيم فيها بين 12 و18 مريضاً كل يوم، مع وجود ثلاثة عشر طبيباً مقيماً وعشرين سريراً.

ناقوس الخطر يدق

يدق الطبيب تيسير حسون، خلال اللقاء معه، ناقوس الخطر، فقائمة الانتظار في عيادته الكائنة بمشروع دمر تطول يوماً بعد آخر، مقارنة بمعاينته ما لا يزيد عن خمسة مرضى يومياً في سنوات ما قبل الحرب. وتتراوح حالات مرضاه بين الذهان والاكتئاب الشديد أو المتوسط واضطراب الصدمة الشديد واضطرابات القلق المعيقة واضطراب ثنائي القطب ونوبات الهلع والوسواس القهري والإدمان والضغوط النفسية الخفيفة “التي قد تشمل كل المجتمع” وفق رأيه، وقد تتحول لاضطرابات أسوأ إن لم تخضع للعلاج.

ويعود تضخم هذه الأعداد برأيه لارتفاع عدد المصابين باضطرابات نفسية على اختلاف درجاتها، وأيضاً ازدياد الوعي داخل المجتمع السوري لأهمية الصحة النفسية. “أصبح المرضى اليوم أكثر جرأة لطلب المشورة فيما يتعلق بأحوالهم النفسية، وساهم ضغط الحاجة لحلول جذرية إلى تحوّل هذا الأمر لأولوية لدى كثيرين”. يؤكد الطبيب يوسف لطيفة على هذه الفكرة، فيرى بأن سنوات الحرب كسرت بعض القيود ومنها النظرة للطب النفسي، فزاد اهتمام الناس بصحتهم النفسية وارتفع عدد المرضى، “لكن ذلك للأسف لم ينعكس إيجاباً على زيادة أعداد الطلاب المقيمين وبالتالي أعداد الأطباء” كما يقول.

لكن حسون يلفت إلى أن الخطر الأكبر يكمن في وصول نسبة من يفكرون بالانتحار من مرضى الاكتئاب إلى 15 بالمئة. “عدد كبير ونسبة مهولة، ومسكوت عنها للأسف”، يضيف بقلق، ويعتقد بأن النقص الأساسي يكمن في الاعتراف بوجود أعداد كبيرة من المنتحرين أو المقدمين على الانتحار، وهو المدخل الأساسي لعلاج الظاهرة وتقديم الاستشارات والدواء اللازم لهم، الأمر الذي أثبت فعاليته في حالات كثيرة.

يقدّم الطبيب أيضاً بعض الحلول ويتحدث عن إجراءات تتبع فعلاً اليوم، ومنها تدريب مئات الأطباء غير الاختصاصيين بالتعاون مع منظمة الصحة العالمية لاكتشاف الاضطرابات النفسية وتشجيع المصابين بها على مراجعة الأطباء المختصين، وتشجيع بعض طلاب كلية الطب على التخصص بمجال الطب النفسي، والتثقيف المجتمعي بالعلامات الأولى للانتحار كالعبارات التي تدل على اليأس والألم، والإشارات التي تكون بمثابة طلب للمساعدة مثل حالات إيذاء الذات بهدف لفت النظر.

“لا ضير في الاعتراف بإصابة مئات آلاف السوريين باضطرابات نفسية. علينا أن نشجع الجميع على مراجعة الأطباء النفسيين، وألا نحكم على تصرفات الآخرين وننسى احتمال كونهم مصابين باضطراب نفسي ما. نريد التقليل من حالات الانتحار، والوصول بأكبر عدد من المرضى النفسيين لبرّ الأمان والشفاء”، يضيف حسون.

لا سرطان ولا تسمم في مكياج البسطات
لا تقلقوا إنها مجرد رداءة وما مِن مذنب إلا الفقر!

فاطمة عمراني

لكم كنت أود أن تكونوا جميعاً مذنبين، كنت سأغدو صحفية عظيمة لو أن هذه المواد التي أمسكها بيدي الآن تسبب السرطان، أو على الأقل تترك آثار حروق أو تخرب النسج.

كم كنت سأسعَد لو أن المواد التي تستعملونها مضرة وسامة وتوسّع ثقب الأوزون وتدمّر بيئة الكوكب وتسبب العقم، ولكن.. يا للأسف، لستم بالرداءة التي كانت ستمنحني مانشيتاً صحفياً من تلك التي كنت أحلم بها حين كنت طالبةً في السنة الأولى.

أمشي في “زواريب” كراج الست المختلطة بروائح البول ودخان السيارات والغبار الرطب، وكلّي ثقة بأنني سأنجز أعظم مادة صحفية على الإطلاق، أتأمل بسطات الماكياج وأشتم البائعين في سرّي، رجال ينضحون برائحة العرق والملابس غير المغسولة يبيعوننا الجمال الرخيص!.

أحثّ الخطا نحو مكتب الجريدة، أبشّر رئيس التحرير: سأنجز تحقيقاً مهماً، سأفضح الأشرار، سأنقذ العالم من خطر مميت، ينفذ صبري في انتظار صباح اليوم التالي، أنزل من السرفيس على عجل وأركض نحو بسطة الماكياج فيما لا يزال البائع يفرد بضاعته.

وبتسلسل خطوات “التحقيق الاستقصائي” التي حفظتها عن ظهر قلب في الجامعة، أصوّر البائع خلسة، أسجل صوّته حين يصيح “أي كريم أساس بـ 200 ليرة”، أقترب من البسطة لأملأ كيساً بلاستيكياً أسود بنماذج مختلفة من المنتجات المعروضة على البسطة.

كريم أساس، أقلام كحل وحمرة فاقعة الألوان، ماسكارا، ظلال عيون برّاقة، أقلام تحديد حواجب وشفاه، علب منيكور وغيرها الكثير، وبمبلغ 3000 ليرة، ملأت كيساً بنحو 15 قطعة ماكياج “على حساب الجريدة”.

هنا تسمى الأشياء بمسمياتها التقليدية بعيداً عن “الفزلكة”، كما يقول البائع، فلا وجود للـ “فوند” بل اسمه “كريم أساس”، ولا وجود للـ “روج” بل هي “أقلام الحمرة”، ولا يوجد لديه “آيشادو” و “آيلاينر” إنما “ظلال العيون” و “كحلة مايعة”.

“لا تاخدي حمرة إذا بلعتيها بتعمل سرطان، هيك قريت على الفيسبوك”، همست لي فتاة تجاورني على البسطة، سحبَت يدي بعيداً عن أذن البائع الفضولي: “الكريم ما بيعمل شي، بس الحمرة إذا فاتت لجوّا بتعمل سرطان، والكحلة بتسبب عمى، الكريم مضر كمان بس على القليلة بضل برّا!”.

أتفحّص وجهها عن قرب، يبدو أن الكريم الرمادي أبو الـ 200 ليرة، قد عجز عن إخفاء البثور الكبيرة والهالات السوداء والكلف الذي يملأ وجهها.

تتابع بصوت منخفض: “لو وضعي بيسمح ما بشتريه، بس على قد بساطك مد رجليك، راتبي 35 ألف ليرة يا دوب يكفي أجور المواصلات من الحسينية على شغلي بالبرامكة”.

وتخمّن الفتاة أن الماكياج الرخيص يتسبب بأضرار لا حصر لها على بشرتها، ولا تخفي خشيتها من السرطانات الجلدية التي تقرأ عنها على “الفيسبوك”، والتي تتسبب ـ بحسب الموقع الأزرق ـ بأنواع مختلفة من السرطان وأمراض خطيرة أخرى، لكن بسبب قدرتها المادية المحدودة فهي لن تستطيع أن تعطي “الخباز خبزه” وتشتري منتجات غالية.

أعود إلى مكتب الجريدة، أفرش مقتنياتي الثمينة على طاولة رئيس التحرير، أكرر شتم الباعة وأنا أجرّب المنتجات الخطرة و”المسرطنة” على يدي بقرفٍ شديد، فيما أشكرهم بسرّي على إعطائي فرصة ذهبية لـ “النجومية”.

أحمل كنزي الصغير وأتوجه به إلى كلية العلوم بجامعة دمشق، مزودة بكتاب رسمي و”سلفة تعادل تكلفة إجراء التحليل”. بعد استقبال لطيف وسريع من عميد الكلية، حولني مباشرة لمدير المخابر، وهناك كان بانتظاري (محطم الأحلام) د. محمد شهير الهاشم، وفيما تتسارع دقّات قلبي من الفرح أدخل المخبر، ألتقط أنفاسي وأشرح للدكتور في المخبر أنني صحفية سأنقذ العالم.

“المواد مضرة للصحة، تتلف البشرة، مليئة بالجراثيم والميكروبات، تسبب السرطان، والباعة أشرار ماديون لا يهمهم سوى ملء جيوبهم”.. أفرض انطباعي الأولي عن “ماكياجات البسطات وباعتهم” وأطلب من الدكتور إجراء التحاليل المناسبة لفحص هذه العينات، لأفضح هؤلاء.

يسمعني وقد ارتسمت على وجهه ابتسامة الواثق العارف، ثم يصعفني: “لا جدوى من إجراء الفحوصات والتحاليل، فتركيب المواد واضح ومعروف، اطمئني فهي لا تسبب السرطان ولا حتى الزكام!”.

لا يكترث بملامحي المذهولة المستنكرة، ويتابع بهدوء: “مستحضرات تجميل الوجه تتألف بشكل أساسي من ثلاثة أنواع: الكريم، الكحل، أحمر الشفاه. يتكون أي كريم باختلاف أنواعه (شمسي، مرطب، نهاري، ليلي، كريم أساس) من وسط مائي ووسط عضوي ومادة استحلاب، ويختلف نوع الكريم باختلاف نسب الأوساط المائية والعضوية والمكونات التي يمكن إضافتها مثل الشموع المتعددة (كشمع العسل، وشمع كرنوبا، وشمع الواكس)، وقد تتضمن التركيبة الكيميائية للكريم أوكسيد التيتانيوم ومسحوق التلك وكحوليات دهنية ومادة الطمي ومواد عديدة أخرى. أما الكحل، فهو نوعان: الكحل العربي المكون من الفحم المطحون وحجر الأثمد، والكحل الصناعي المؤلف من الفحم المطحون والغليسيرين ومواد أخرى تساعد في إعطاء شكل الكحل الممتد (سحبة الكحل)، فيما تعد الشموع والزيوت (كزيت الخروع) المكوّن الأساسي لأحمر الشفاه.

وبالنسبة لظلال العيون والبودرة اللامعة، فيستخدم فيها حجر الميكا، وهي مجموعة معادن سيليكات تتبلور في هيئة طبقات تعطي اللمعان والبريق لهذه المستحضرات.

وتحتوي الأصناف السابقة جميعها (من كريم وكحل صناعي وأحمر الشفاه) على أصبغة مصنعة كيميائياً قد تسبب أخطاراً مميتة إذا كانت مخالفة للمقاييس العالمية، وبالتزامن مع الانتشار الكثيف لماكياج الـ 200 ليرة على بسطات الجغرافيا السورية، يبدو التحقق من أصبغة كل منتج على حدة ضرباً من الخيال”.

يوضح الهاشم أن جميع المركبات الكيميائية السابقة (عدا الأصبغة) لا تحمل أي تأثيرات سلبية على البشرة، بل بعضها تفيد بترطيب وتغذية البشرة كزبدة الشيا والغليسيرين.

وبحسب دكتور الكيمياء، تصنع مستحضرات التجميل في غرف وأقبية غير خاضعة لشروط صحية مما يرجح تعرضها لبعض أنواع الجراثيم والبكتيريا، مثلها كمثل جميع المنتجات المصنعة محلياً وحتى عالمياً.

وعن سبب تفاوت أسعار منتجات البسطات عن نظيراتها في المحلات، بالرغم من تماثل المكونات المركبة منها نوعاً ما، يبين الهاشم أن سبب تفاوت السعر هو تفاوت نقاوة ونسب المواد بحد ذاتها، وطبيعة المواد الأولية المكونة لها وبلد منشئها، بالإضافة للنفقات التي يتوجب على صاحب المحل دفعها ما بين تكاليف وفواتير وتراخيص و”براطيل”، وهي بطبيعة الحال ما لن يتكلفه صاحب البسطة.

ويكشف الهاشم عن سبب إصابة البعض بالتحسس من هذه المستحضرات، والتي غالباً ما يكون سببها “مشاكل وعيوب التصنيع”، فعلى سبيل المثال، يمكن أن تنتج عن عملية صنع الكحل جزيئات فحم كبيرة الحجم قد تسبب جروحاً دقيقة لا مرئية في العين يظنها المستخدم حساسية.

ويختم الهاشم: “مستحضرات التجميل الرخيصة ليست بذاك السوء الذي يشاع عنها، والأضرار التي تسببها للبشرة مطابقة للتي تسببها نظيرتها الغالية، أو حتى المنتجة محلياً ومرخصة من وزارتي الصناعة والصحة، حيث يؤدي الاستخدام المتكرر واليومي لكليهما إلى إرهاق البشرة وإغلاق مساماتها، وبالتالي جفافها وفقدانها للنضارة”.

الاستنتاج الأولي يفيد بأن الباعة أبرياء، وموادهم لا تسبب السرطان والأمراض المميتة، فهل تقف الحكومة في وجه هؤلاء وتدفعهم للعمل في الأقبية؟

للإجابة عن هذا السؤال، توجهتُ لمديرية صناعة دمشق، حيث أكد المدير ماهر ثلجه، أن تأسيس منشأة تصنيع منتجات تجميلية وعناية بالبشرة محلياً يستلزم الحصول على موافقة وزارة الصناعة على إقامة منشأة لمزاولة نشاط صناعي معين مسموح به في الجمهورية العربية السورية، وترخيص مبدئي من وزارة الصحة للحصول على الموافقة المبدئية لترخيص (معمل أدوية ـ منشاة صحية)، وترخيص إداري من المحافظة المقرر تأسيس المنشأة فيها للموافقة على موقع وطبيعة البناء.

وتبلغ رسوم بدل خدمة الوزارة 82575 ل.س، بالإضافة لرسم طابع ترخيص 15000 ل.س، يتم تسديدها في مديريات المالية، وتمكن هذه الخدمة صاحب الترخيص من البدء بإجراءات ترخيص مكان المنشأة والحصول على الآلات اللازمة للإنتاج.

إذاً لا تمانع وزارة الصناعة من ترخيص منشآت المواد التجميلية، لذلك سأنتقل للمتهم التالي: وزارة الصحة.

تسجّل وزارة الصحة المنشآت الصناعية المرخّصة من وزارة الصناعة والمنتجة للمستحضرات التابعة لها (من ضمنها منتجات التجميل والعناية بالبشرة) وفق الشروط التالية: أن يكون المعمل في بناء أو قسم مستقل، أن يكون على أو أعلى من مستوى الأرض، توفر الشروط البيئية المناسبة من مصادر ثابتة للمياه والكهرباء مع بديل احتياطي لكل منهما، وتوفير نظام لمعالجة كل من الماء والهواء ملائم للأشكال الصيدلانية والمستحضرات المصنعة.

بالإضافة لتوفير مدخل ملائم لصالات الإنتاج، وأن تكون الأقسام الإنتاجية متناسبة مع الأشكال المرخصة ومستقلة تماماً عن بعضها، وأن تكون غرف التحضير معزولة عن غرف التعبئة والكرتنة، مع توفير الآلات الملائمة في كل قسم إنتاجي بحسب الأشكال الصيدلانية المطلوب تصنيعها (الكريمات والمراهم ـ المساحيق المعدة للاستعمال الخارجي)، وتوفير شروط السلامة المهنية والألبسة الواقية للعاملين، ومراعاة النظافة والالتزام بالقواعد الصحية من قبل العاملين.

فيما يخص المخابر، يتوجب تجهيز مخبر يحوي ميزاناً حساساً وبرّاداً وجهاز قياس درجة الانصهار وأجهزة لكل من تقطير الماء وقياس الكثافة وقياس اللزوجة وقياس درجة الحموضة مع زجاجات مختلفة ومجهر.

أما المحافظات فتطلب عدداً من الأوراق والثبوتيات لمنح الترخيص الإداري، كمخططات مصدقة من نقابة المهندسين وكشف حسي وإجراءات مطابقة وغير ذلك.

وبالتالي، لا يمكن اعتبار أي من تلك الشروط “تعجيزية” لتأسيس منشأة تصنيع مواد تجميلية وفق الشروط والمقاييس الصحية والصناعية العالمية، لكن إذا أراد منتجو مواد تجميل “البسطات” أن يعملوا وفق تلك الشروط المناسبة فعليهم أن يضاعفوا تكاليف الإنتاج مرات عديدة وبالتالي رفع أسعار منتجاتهم، مما يفقدهم الشرائح الاجتماعية المستهدفة.

الوضع المعيشي الحالي وتدني الدخل يحتاجان لوجود منتجات منخفضة الجودة تباع بأسعار رخيصة لتناسب ذوي الدخل المحدود.

من جانب آخر، لا يمكن مطالبة الجهات المعنية الرقابية (المتمثلة بوزارتي الصحة والصناعة) بالتغاضي عن الشروط القياسية للإنتاج لدعم هذا النوع من الإنتاج المحلي، لذلك ستبقى تلك البسطات على حالها، وستتمكن زبونات تلك البسطات من شراء ماكياجاتهن دون الخوف من “شبح السرطان”.

عدت إلى مكتب الجريدة مروراً بكراج الست، أتأمل بسطات الماكياج الرخيص، أتفحص رواد البسطة، وأفكر بنساء الطبقة المخملية المستعدّات لدفع مبالغ تصل لعشرات الدولارات لقاء منتج واحد شبيه بهذه المنتجات.

وبالعودة إلى بعض الماركات العالمية، تبيع شركة “هدى بيوتي” العالمية حالياً عبوة كريم الأساس بـ 40 دولار، وقلم أحمر الشفاه بـ 25 دولار، وعلبة ظلال العيون الصغيرة بـ 65 دولار، وبودرة الوجه بـ 34 دولار، فيما يبلغ سعر علبة الظلال المضيئة “الهايلايتر” 49 دولار، وزوج الرموش ذات الشعر الطبيعي 24 دولار، وعلبة أحمر الخدود 30 دولار، وقلم محدد الشفاه 19 دولار، في حين يصل سعر عبوة كريم “البرايمر” إلى 35 دولار، وبخاخ مثبت الماكياج 33 دولار، وسعر فرشاة الخدود 33 دولار، واسفنجة مد الكريم 17 دولار.

لكن إذا كانت نسبة الطبقة المخملية لا تتجاوز 1% من المجتمع السوري، فإن الغالبية العظمى من السوريات يلجأن للمستحضرات “الكوبي” المقلدة عن الأصلية بجودة لا بأس بها، وبالرغم من ارتفاع أسعارها، بالنسبة لمحدودات الدخل، نجد متاجر بيع تلك المستحضرات تعج بالباحثات عن المزيد من الجمال ولو تطلب ذلك التضحية بقسم كبير من مدخولهنّ الشهري!.

أتوجه لباب توما والصالحية وشارع الحمرا، أعاني صعوبة في تجاوز طوابير الفتيات الواقفات على دور شراء مستحضرات التجميل “الكوبي”، أكاد لا أميّز هذا الدور عن دور الخبز أو الغاز!.

أتفحص البضائع وأستفسر عن أسعارها، يتراوح سعر كريم الأساس في متاجر “الكوبي” ما بين 1500 إلى 10 آلاف ليرة، ويبدأ سعر قلم أحمر الشفاه بـ 500 ليرة، وتباع علب ظلال العيون بحسب حجمها بما يقارب 2000 ليرة، وسعر بودرة الوجه نحو 1500 ليرة، وسعر “الهايلايتر” ما يقارب 2000 ليرة، ومن الممكن شراء زوج الرموش الصناعية بسعر يبدأ من 400 ليرة، وأحمر الخدود 1000 ليرة، ومحدد الشفاه 500 ليرة، وعبوة كريم “البرايمر” 3000 ليرة، وبخاخ مثبت الماكياج 4000 ليرة، وفرشاة الخدود 1500 ليرة، واسفنجة مد الكريم 1500 ليرة.

أصحو من صدمتي بكثرة الباحثات عن الجمال “الكوبي”، لأتذكر مقالاً قرأته عن حالة “تأثير قلم الحمرة”، وهو مصطلح ابتدعه ليونارد لودر رئيس مجلس إدارة شركة إستي لودر، عندما لاحظ أن مبيعات أحمر الشفاه ارتفعت بمعدل 11% خلال الأزمة الاقتصادية في العام 2001 واقترح وجود علاقة تناسب عكسي ما بين الوضع الاقتصادي ومبيعات أحمر الشفاه!.

تبيّن نظرية “أثر قلم الحمرة” أن المستهلكين يميلون إلى التوفير في الفواتير الكبيرة (السيارات، البيوت، العطلات الباهظة) عند مواجهة الظروف الاقتصادية الصعبة، لكنهم يزيدون إنفاقهم على الأشياء الباهظة الصغيرة، وتحديداً تلك الأشياء التي تدعو إلى التفاؤل، ففي العام 2001 كان أحمر الشفاه، أما في العام 2008 فكان طلاء الأظافر! وخلال 2009 تحوّل طلاء الأظافر إلى السلعة الأكثر نمواً في عالم التجميل، حيث أقبلت النساء اللاتي فقدن قسماً من أموالهن جراء الأزمة على شراء هذا النوع من مستحضرات التجميل.

وتقترح بعض الدراسات النفسية بأن أقلام الحمرة أو مستحضرات التجميل والزينة (والتي تتغيّر وتتبدّل بحسب الزمان والمكان) تنجح في تحسين مظهر الإنسان، وتزيد فرصته في إيجاد شريك ملائم خلال الأزمات، ويشكل أحمر الشفاه أحد الأمثلة التي قد تنسحب على الأجهزة الالكترونية الصغيرة، والنظارات الشمسية، والمطاعم الفخمة.

 تأثير قلم الحمرة هو واحد من الأسباب التي تجعل قطاعات المطاعم والترفيه والمنتجات الفخمة متوسطة الأسعار تعمل بشكل جيد أثناء الأزمات الاقتصادية، حيث يلجأ المستهلكون الذين يعانون من الضوائق المالية إلى طرق علاج تنسيهم مشاكلهم المالية، وقد تؤثر بهم ذاكرتهم الجينية وتدعوهم إلى البحث عن شريك، ولكنهم في كل الأحوال لا يستطيعون أن يذهبوا في عطلة إلى إحدى الجزر الاستوائية، مما يدفعهم إلى شراء هاتف جديد، أو تناول الغداء في مطعم فخم، أو حتى شراء قلم حمرة!

باعة البسطات أبرياء، وزارتا الصناعة والصحة، الحكومة، ورواد البسطات.. كلهم أبرياء!..

وحده الفقر هو المذنب!.