فاطمة بنت ميادة تفك “الحجاب” فور وصولها إلى الصحيفة وشمروش لم يفعل شيئاً حتى انتهاء الطباعة

ثلاثة أديان سماوية ومليون فكرة علمية و”أم محمد” ما زالت تمارس سحرها الاسود من ركن الدين

فاطمة عمراني

“لطالما كان لي حلمان: أحدهما أسميته “المبارك”، والآخر “الملعون”، الأول هو الذي جعلني أحلم بأن لي ابناً، ولم أتخل عن الإيمان بأن هذا صحيح طوال حياتي، لأني أحسست به، صغيراً وطرياً، له فم وعينان ويدان، كيف لا أومن بأن ذلك حقيقة؟ كنت أحمله معي، محاطاً بذراعي.
فجأة فقدته. لقد قالوا لي في السماء أنهم أخطأوا معي، وأنهم منحوني قلب أم، ولكن رحم امرأة عاقر، وهذا هو حلمي الآخر”.
بوجه شاحب مصفر، ويدين مرتعشتين، تجلس المرأة بجانبي في بيت “الشيخة أم محمد” تقص كابوسها المتكرر علي.
“وصلتُ إلى السماء، ونظرتُ لأرى إن كنت سأتعرف على وجه ابني بين الملائكة: لا شيء كل الوجوه كانت متشابهة، مصنوعة في القالب نفسه، لكن أياً منهم لم يكن ابني، لم ولن أجده أبداً”.
تدخل العاقر إلى غرفة الشيخة أم محمد، علَها تجد عندها علاج عقمها الذي عجز عن علاجه الخمسة عشر طبيباً الذين قصدتهم. تغيب ساعةً من الزمن، تخرج فرحة مستبشرة.
صوت هرم مجلجل يصرخ باسمي، أهبط السلم نزولاً إلى غرفة منخفضة السقف تعبق برائحة الرطوبة والعفن. كأي ربة منزل تقليدية، تستقبلني “الشيخة” في الأسفل بهدوء وثقة، متدثرة بمعطف قطني خفيف فوق جلابية حمراء مع شالٍ أبيض يكاد يغطي رأسها.

ستائر منسدلة تحجب الضوء عن المكان، عدد من المساند المكومة بجانب الحائط المتشقق، سجادة مزركشة تعلوها مرتبة أسفنجية سميكة تربعت عليها الشيخة، وبجانبها مرتبة أقل سماكة لـ “الزبائن”.
وفيما أستكشف المعالم الأولى للمكان، يلسع وجهي قيظ الجمر الذي تشعل به الشيخة نرجيلتها، تقدم لي كأساً من الماء وتطلب مني أن أشرب منه، فهي لن تتكلف أجر “فنجان قهوة” حتى تكون “بصّارة”، كأس ماء من الصنبور يفي بالغرض.
قلت لها: “أرسلتني قريبة جارتي إليك بعد أن ذاع صيتك في فك السحر وكشف المستور وجلب الحبيب وعقد وإبطال الحجابات، علّك تساعديني في إتمام ديني وإيجاد ابن الحلال”.
تسأل الشيخة عن اسم أمي وتاريخ ميلادي، تقرب كأسي منها، تضع كفها أعلى الكأس، وفيما تتمتم بعبارات هامسة، تطبّ الكأس ثلاث مرات متتالية.
“سأذكر لكِ بعض الأسماء، وحين يمر اسم تتعرفين على صاحبه ستشيرين لي بإصبعك”.
تردد المرأة الخمسينية: “أحمد، زاهر، عبد الرحمن، علي، سالم، ياسر”، ترفع رأسها لتستجدي مني جواباَ، أرفع حاجبي ناكرةً معرفتي بجميع من سبق.
لا تفقد المرأة الأمل، تحاول من جديد: “أمجد، حسن، حسام، سامح..”، أستوقفها: “حسن زميلي في العمل وياسر جاري”. ترتسم علامات الانتصار على وجهها: “أحدهما نصيبك”!.
تتابع بعد أن استعادت رزانتها: “إنك مخلوقة من ضلعه، هذا هو نصيبك وعلى يدي بإذن الله، لكن لن تجتمعا إلا..”، تصمت وتعاود النظر إلي وتصرخ قائلة: “سحرٌ أسود”!

تشرح لي الشيخة أن إحدى قريباتي قد عقدت لي حجاباً لوقف النصيب، حجاب مكتوب بدم بشري على ورقة بيضاء مربوطة بقطعة من ثيابي، كانت قد خبأتْهُ في مكان مظلم ونجس”.
تطمئن أم محمد قلقي وحيرتي بحجاب تكتبه ـ حسب المتاح ـ بقلم (BIC) أزرق ناشف، على ورقة “A4 ورق بطّال غراماج 80 من ذاك الذي يصلح للطابعة وتجده كل 500 ورقة في ماعون”، تطوي الورقة عدة مرات وتلفها بلاصق شفاف عدة مرات، محذرةً إياي من فتحها لكي “لا يتلبّسني الجن”.

أودع الشيخة شاكرةً، وأخرج من بيتها بعد أن دفعت “خمساً وعشرين ألف ليرة” ثمن حجاب فتح النصيب، أقطع الشارع وأترجّل في السيارة لأعود إلى مكتب الجريدة برفقة خطيبي!.
وفيما أعيد لرئيس التحرير ما تبقّى من سلفة التحقيق الذي أعدّه، أفتح الحجاب محكم اللصق غير آبهة بالجني المستعد للانقضاض عليّ كي يتلبسني.

وبحسب الشيخة، فإن السحر الأسود والسفلي هو أخطر أنواع السحر ولا يمكن لغير المتخصص ممارسته، فهذا النوع من السحر والشعوذة له مداخل وطقوس خاصة به، ويعمل لتسليط الجن السفلي على المسحور باستخدام طلاسم وعبارات تكتب على شيء من “أثر المسحور” كقطعة من ثيابه مثلا، ومن ثم تحرق وتنفخ في الهواء، أو يكتب حجاب خاص له، ويوضع في مكان قريب من “المسحور” فإما يدفن أو يعلق، أو يوضع في الفراش أو الوسادة أو يتم حل السحر في مياه ووضعه في الطعام.

” ألر، آلم، كهيعص، حمعسق..” مجموعة من الألفاظ المبهمة التي يستخدمها السحرة بهدف خداع أبصار المشاهدين لتمرير حيلهم دون أن تنكشف، وذلك لأن إلهاء عين الرائي وأذنه يجعل من الصعب اكتشاف الحيلة وتمييز الدجال.

حاول علماء النفس والاجتماع والأنثروبولوجيا والفلاسفة أن يضعوا تفسيراً واضحاً للممارسات الغريبة التي يقوم بها السحرة، واختلفت الآراء والتفسيرات، لكنهم في النهاية اتفقوا على ارتباطه بالوهم والاحتيال والخرافة ونسبه إلى أمراض نفسية وعضوية، ولاحظوا انتشاره بين الطبقات التي تعاني من الجهل والفقر، كوسيلة لتعبئة هذا الفراغ الذي يعيشون فيه بالتفسيرات والحلول المثيرة للدهشة.
ومن أشهر الأمراض النفسية التي يعرفها أطباء النفس ويعتقد المصاب بها أنها حالات سحر أو مس شيطاني، مرض الشيزوفرينيا وهو اضطراب نفسي يتسم بسلوك اجتماعي غير طبيعي وفشل في تمييز الواقع. تشمل الأعراض الشائعة الوهام واضطراب الفكر والهلوسة السمعية بالإضافة إلى انخفاض المشاركة الاجتماعية والتعبير العاطفي وانعدام الإرادة.

هنالك ثلاثة عناصر يجب أن تتوفر لكي تكتمل دائرة وعمل السحر، وهي: مشعوذ خبير + مادة السحر + الشخص المراد مسه وسحره. إن اكتملت تلك الدائرة فكيف يمكن أن يؤثر السحر على الأشخاص؟. الجواب هو عبر السموم والمهلوسات.

غالباً ما يطلب المشعوذ من الضحية أن يأكل أو يشرب أو يلمس أشياء محددة، قد يضع فيها سموم ومهلوسات تسبب ضرراً للجسم أو الدماغ، فهناك الكثير من المهلوسات والسموم ذات الأصل النباتي، وهي في متناول الجميع ويستطيع السحرة والمشعوذون الحصول عليها من سوق البزورية على سبيل المثال، وحينما تعطى بنسب قليلة تسبب هلوسات طويلة الأمد، ومنها نبتة ست الحسن، والدولكامارا، والسولانين، والفطر السحري.

وفيما تزعم “أم محمد” وأمثالها أن خدعهم نوع من السحر، ينسب أستاذ التاريخ الاجتماعي أوين ديفيز، في كتابه “السحر”، مصطلح السحر إلى الكلمة اليونانية “ماجيا” التي تشير إلى شكل الطقوس التي يؤديها “الماجو” أو “المجوس” وهم كهنة سحرة من الشرق من مملكة بابلية اسمها “كلدو” تقع جنوب العراق أو فارس قديماً، والمجوس كلمة مشتقة بالأساس من الكلمة الفارسية “ماكوز”، وفي بداية القرن الخامس قبل الميلاد باتت كلمة “ماجيا” هي المصطلح الأكثر استخداماً للتعبير عن هذه الممارسات بعد أن استخدمت ألفاظاً مختلفة في الحضارة الإغريقية مثل كلمتي “فارماكا” و”جويتيا”.تربط المراجع الإغريقية بين الديانة الزرادشتية في بلاد فارس والماجوي، بسبب الأوصاف التي لصقت بالزرادشتيين مثل عبدة النار، واتهامهم بنقل هذه الثقافة إلى اليونان والتشكيك بالراحلين إليها على أنهم ذاهبين لتعلم هذه الطقوس.

“الشيخة أم محمد” ليست الوحيدة في هذا المجال، حيث باتت ظاهرة السحر والشعوذة تجتاح المجتمع السوري بازدياد، بالرغم من تأكيد وزارة الأوقاف على لسان مدير التوجيه والإرشاد، الدكتور زكريا الخولي، أن “السحر حرام في الإسلام لأنه باب من أبواب الشرك والاستعانة بالشياطين، وعلى الإنسان أن يستعيذ بالله من شره، فالساحر ومثله الكاهن والعراف يفسد ولا يصلح، ويثير العداوة بين الناس، ولقد تفشى في هذا العصر خطر السحرة والدجالين والمشعوذين، وخاصة أولئك الذين يتلبسون بلباس الدين وهو منهم براء، واختلط شر الذهاب إليهم بمخالفات أخرى للدين بينة”.

أما القانون السوري فعاقب أعمال السحر والشعوذة وما شابهها معتبراً إياها من الأفعال المخلة بالثقة العامة والتي تمس بالشعور العام لأفراد المجتمع الذين ينخدعون عادة بهذه الأعمال، وفرض المشرع عقاباً على ممارسيها، وإذا تعدت نتيجة الفعل إلى آثار أخرى فإن المشرع قد فرض عقوبات لهذه الأفعال تتناسب مع الأثر الجرمي الذي يحدثه الفاعل أو الساحر أو المشعوذ كأن يقوم الساحر باغتصاب امرأة أو يقوم بجعل أحد الأشخاص يتناول مادة تؤدي إلى إيذائه، فعندئذ يعاقب الفاعل وفق النتيجة الجرمية التي يحدثها.

قصص وحكايات بالعشرات جرت، ولا تزال، داخل الدهاليز المعتمة للمجتمع السوري، أبطالها مشعوذون ماهرون اختبأوا خلف ستار الدين، وسيدات جاهلات يعتقدن بأن كل ما يقع لهن، حتى ولو كان كسراً بسيطاً في القدم، هو نوع من السحر قد أوقعه بهنّ أحدهم.

أما ما أنزل على الملكين ببابل، فلا ندري ما هو.. ولو أراد الله تفصيله لنا لفعل، لكنّه لم يفعل فلا يعنينا.. وأما من يحتج لرأيه، بالقول أنّ نبينا محمد عليه السلام قد سحِر، فقد كفر بالقرآن الذي أنزل على محمّد، ووافق قريشاً فيما كانت تقول “إن تتبعون إلا رجلا مسحورا”.

غروبات خطبة وزواج.. للسوريين حصرن “بالنون وليس بالتنوين”

فاطمة عمراني

“ثلاثيني أعزب، موظف، أبحث عن زوجة أربعينية، موظفة، مقبولة الجمال، تقدس الحياة الزوجية، حنونة وروحها مرحة، يفضل من لديها منزل، ليس طمعاً لكن ظروف الحياة صعبة، من ترغب بالسترة وتجد في نفسها الصفات المطلوبة التواصل على الخاص منعاً للإحراج “.

منشور فيسبوكي لـ (عبدو الشامي) “اسم مستعار” على غروب “خطبة وزواج للسوريين فقط” قام بنشره بعد أن خاب أمله في إكمال نصف دينه بالطريقة التقليدية، وعجز عن العثور على “بنت الحلال” في بيوت أقربائه ومعارفه، فلم يجد بداً من اللجوء لـ “الموقع الأزرق” للبحث عن شريكة حياته المستقبلية.

واشترط عبدو على زوجته المحتملة أن تكبره بنحو 10 أعوام، وأن تكون مقتدرة مادياً، لأن “العرائس” الصغيرات غالباً ما يطلبن مهوراً مرتفعة وشروطاً تعجيزية.

منشور آخر في مجموعة “خطبة وزواج أهل الشام” يقول: “صبيتين شاميات الأصل وحدة 20 أدب إنكليزي، وحدة 18 بكالوريا، مجذّبين، التواصل مع الأهل حصراً”.

ويبدو أن إحداهن كانت خجولة، فساعدتها صديقتها بنشر “بوست” في مجموعة “خطبة وزواج” يقول: “عندي رفيقة عمرها 17، بيضة، مجذّبة، عيونها عسلي، إلها غمازات، طولها 160، من الميدان، طلبها شب عندو بيت ملك، تقبل السفر”.

لا تنحصر طلبات وعروض الزواج بالجغرافيا السورية، حيث نشرت فتاة باسم “عطر الشام” في إحدى المجموعات المشابهة: “السلام عليكم، في صبية حموية عزباء مقيمة بالسعودية، عمرها 20، تدرس أدب عربي، طلبها شاب أعزب وجامعي (جامعة وليس معهد) مقيم في الرياض عمره 26 ـ 30 حموي أو حمصي أو شامي”.

الأوضاع المعيشية الصعبة، تدني الدخل، ارتفاع الأسعار، غلاء المهور، ترسخ العادات والتقاليد، والطلبات التعجيزية للفتيات، وظروف أخرى كثيرة كلها ساهمت بفتح نوافذ مواقع التواصل الاجتماعي في سوريا لبناء عتبة البيت الزوجية.

مجموعات بأسماء “خطبة وزواج للسوريين”، “زواج السوريين في العالم”، “زواج وارتباط للسوريين حصراً داخل سوريا”، “زواج السوريين والسوريات بشرع الله” ومجموعات كثيرة لأهداف مشابهة شقت طريقها للمجتمع السوري “لتجمع رؤوسه بالحلال”.

السبب الشائع للجوء الفتيات إلى هذه الطرق هو “شبح العنوسة” الذي يلاحق من بلغت سناً معيناً ولم تحظ بفرصة الزواج والإنجاب، بالرغم من كون هذا السن يختلف من مجتمع إلى آخر.

وكان القاضي الشرعي الأول في دمشق، محمود المعراوي، قد أكد ارتفاع نسبة العنوسة إلى مستويات غير مسبوقة في البلاد، حيث بلغت70 بالمئة.

من جهة أخرى، تتباين أسباب لجوء “القاصر” للزواج الفيسبوكي، ما بين أسباب دينية أو بيئية أو اقتصادية، حيث أكدت الباحثة الاجتماعية، ندى الطويل، أن بعض العائلات الفقيرة قد تدفع بناتها القاصرات للزواج بسبب الفقر والحاجة، بل أن الفتاة نفسها قد ترغب بالزواج للتخلص من كونها عبئاً على كاهل العائلة، كما يلعب الموروث الاجتماعي كالعادات والتقاليد دوراً أساسياً في بحث القاصرات عن “ابن الحلال”، فلا زال عمر الـ 18 يعتبر “عتبة العنوسة” في بعض البيئات السورية، حيث يتوجب على الفتاة الزواج عند بلوغها.

إضافة إلى ذلك ثمة اعتقاد راسخ بأن الزواج يحمي الفتاة من “الانحراف والدخول في طرق ملتوية”، حيث يصبح الزواج حاجة ملحة للحفاظ على شرف العائلة، وقد تلجأ بعض الفتيات إلى ذلك في أعمار صغيرة هرباً من السلطة الذكورية في العائلة وتسلط الأب والأخ، فيما ترغب الغالبية العظمى من هؤلاء الفتيات بأن تكون “عروساً” فقط، بفستان أبيض وحفلة وعريس وسيم، أسوةً ببنات خالاتها وعماتها وبنات الجيران.

الأسباب السابقة مجتمعة، رفعت نسبة زواج القاصرات خلال سنوات الأزمة إلى 13%، بعد أن كانت لا تتجاوز 3%، وارتفعت حالات زواج القاصرات في دمشق من 24 ألفا في عام 2017، إلى 28 ألفا في 2018، بحسب القاضي الشرعي الأول في دمشق.

بالنسبة للشباب، ربما تكون قلة الثقة بالنفس هي الدافع الأساسي للزواج الفيسبوكي، حيث معظم شبَان هذه المجموعات يختبئون خلف حسابات وهمية بعد عجزهم عن إقامة علاقة طبيعية والتعرف إلى فتاة في الواقع.

أيضاً في ظل تبعثر العائلة الواحدة بين عدة دول وفي بعض الأحيان بين عدة قارات، يسعى بعض المغتربين لإيجاد شريكة الحياة بمواصفات ومقاييس معينة يحددونها في منشورات فيسبوكية.

محلياً، لا زال “الزواج الفيسبوكي” مستهجناً من قبل المجتمع السوري، فمواقع التواصل الاجتماعي بيئة خصبة لـ “التسلية” وعدم الجدية، حيث أن الطرفين لا يعرفان بعضهما البعض ولا العوائل تعرف بعضها، وهذا ما يجعل نسبة نجاح الزواج الفيسبوكي قليلة.

 ففي الزواج التقليدي، تعرف الخطَابة عائلات الطرفين، لكن الوسطاء على الانترنت لا يعرفون الغالبية العظمى من الناس في المجموعة، ودورهم ـ إن كان لهم دور ـ لا يتعدى مرحلة بسيطة من الوساطة بين الطرفين، وبطبيعة الحال، لا يصل إلى الدور الذي كانت تقوم به “الخطّابة”.

عالمياً، أضحت المجتمعات في الوقت الحالي أكثر تقبلاً لمثل هذا النوع من العلاقات وخاصة في ظل انتشار مواقع التواصل الاجتماعي، حيث أكدت دراسة أجراها “معهد بيو للبحوث” أن 11 % من الأميركيين البالغين قد استخدموا مواقع الزواج والتعارف على شبكة الإنترنت وأن 38 % من غير المتزوجين يبحثون عن الرفيق المناسب عبر استخدام هذه المواقع.

المحكمة الشرعية في سوريا تجيز “الزواج عن طريق التواصل مع الزوج عبر مواقع التواصل الاجتماعي ووجود والد العروس وشاهدين”، لكنها ترفض فكرة تثبيت عقد الزواج عن طريق مواقع التواصل الاجتماعي في ظل عدم وجود الزوج أو وكيله الشرعي.

الراغبون بزوجة ثانية وثالثة قد يجدون مرادهم أيضاً في هذه المجموعات، فقد طلب “أبو فادي” زوجةً ثانية “دلوعة وملكة جمال” لتجدد شبابه بدلاً عن “أم العيال” وهو بالمقابل سيغرقها بالأموال.

وفيما يلاحظ أن طلبات “تعدد الزوجات” تشكل نسبة لا بأس بها من مضمون مجموعات الزواج الفيسبوكية، أكدت مصادر قضائية وجود ارتفاع هائل بعدد طلبات تثبيت الزواج المقدّمة يومياً إلى القصر العدلي في دمشق، ووصلت نسبة الرجال المتزوجين من امرأة ثانية في البلاد إلى 40 %. 

وعليه، شدد القضاء السوري على تطبيق شروط الزواج في حال كان الرجل سيتزوج من امرأة ثانية وثالثة، حيث سيتم التدقيق على مسألة قدرة الزوج على الإنفاق، وذلك بوجوب أن يصل دخله إلى ما يقارب 500 ألف ليرة سورية للسماح له بالزواج من ثالثة.

ونصت المادة 17 من قانون الأحوال الشخصية على أنه: يحق للقاضي ألّا يأذن للمتزوج بأن يتزوج على امرأته إلا إذا كان لديه مسوغ شرعي، مع توافر القدرة لديه على إعالة أسرتين، وهو ما يسمى بالملاءة المالية أو شرط الكفاية، وهذا يعني أن القانون اعتبر الأصل هو الاقتصار على وجود زوجة واحدة، لذلك وضع ضوابط لمن يريد التعدد لكونه حالة استثنائية.

ويرتبط المسوغ الشرعي، كمبرر للزواج الثاني، بعدة أمور منها عدم قدرة الزوجة على الإنجاب أو مرض الزوجة، وكل هذا يُثبت طبياً، كما أن القدرة على الإنفاق بحاجة لإثبات أيضاً عبر بيان بالراتب أو شهادة شاهدين اثنين.

ولأن الوظيفة العامة في الدولة لا تتيح لأي موظف مهما علت مرتبته ودرجته الزواج بثانية قولاً واحداً، فإن أي موظف في الدولة ممنوع، فعلياً، من تعدد الزوجات.

وبحسب القانون كذلك، يبدو أن الشاب المهندس المتديّن الذي يبحث عن زوجة عشرينية حلبية، في مجموعة “خطبة وزواج للسوريين حصراً” لن يستطيع الزواج من فتاة أحلامه حتى يسدد ديونه!.

خياران لعبور اوتستراد المزة: مشروع تنويري نهضوي شامل أو فتح الأنفاق

شام الحريري

إضافة إلى قدرتهم الأسطورية على الاحتمال، تفترض محافظة دمشق بالسوريين أن يكونوا قادرين على الطيران، وإلا لما كانت غضت النظر عن كل هذا العدد من أنفاق المشاة المغلقة في المدينة.

عبور المشاة فوق الأوتوسترادات يشكل خطراً حقيقياً على مدار الساعة، وهو واحد من العوامل ذات النصيب المرتفع في التسبب بحوادث السير. ويبرر الكثير من المشاة خوضهم لهذه المغامرة اليومية، بعدم وجود المعابر البديلة الآمنة، ذلك أن أنفاق المشاة غير موجودة عملياً، إلا أن الجهات المعنية تفضل الحديث عن مبررات أخرى، مثل اللامبالاة والإهمال والثقافة البالية والاستهتار بقيمة الحياة!. ما يتطلب، والحال هذه، نهضة ثقافية تنويرية شاملة بدلاً من هذا الإجراء البسيط: فتح الأنفاق!.

في السنوات القليلة الماضية تم إغلاق عدد من أنفاق المدينة لظروف أمنية فرضتها الأزمة، ولكن ثمة أسباب أخرى لا علاقة لها بالأزمة، ذلك أن بعض التجار والمستثمرين قد استولوا على أنفاق المشاة ليفتتحوا محلاتهم فيها، محولين ما يفترض أن تكون معابر آمنة إلى أسواق صغيرة، تاركين المشاة يراهنون بأرواحهم في لعبة الوثب على طرق شاسعة أعدت أساساً لسيارات مسرعة لا تعبأ بالمارين. والمفارقة أن أصحاب المحلات إذ يقفلون محالهم ويذهبون إلى النوم، فهم يقفلون الأنفاق أيضاً!.

يقول أبو محمد، وهو أحد سكان المنطقة المجاورة لنفق عرنوس، “أصحاب المحلات في النفق يضعون حججاً غير منطقية لتبرير إغلاقه.. يقولون، مثلاً، إنه يتحول ليلاً إلى دورة مياه، وكأنهم يفعلون ذلك حرصاً على صحتنا، أما أن نموت على الطريق، فوق النفق، فهذا ليس من شأنهم”.

يبرر مدير الأملاك في محافظة دمشق، باسم سلهب، الأمر بـ “عدم قدرة الورشات على مراقبة جميع الأنفاق بالرغم من وجود كشافين”، وهو سرعان ما يرمي الكرة في ملعب المواطن، معولاً عليه ليكون شريكاً في معالجة المشكلة من خلال الشكاوى ليتم إزالة المخالفة، كما حدث في أحد أنفاق مشاة المزة الذي أغلق عبر بوابات حديدية من الطرفين عند الانتهاء من العمل في المحال وكذلك أيام العطل.. وهو إجراء شخصي من قبل أصحاب المحال، وقد تم التعامل معه من قبل المحافظة والبلدية بإزالة المخالفة خلال ٢٤ ساعة، إلا أنه لا يوجد نص قانوني واضح يدين هذه التصرفات”.

منذ أيام قليلة، وبينما كانت امرأة خمسينية تعبر أوتوستراد المزة فاجأتها سيارة مسرعة وأردتها قتيلة.. وتكشف الإحصائيات المتاحة ازدياداً ملحوظاً في عدد الحوادث المشابهة، واللافت أن معظم الطرق التي تشهد مثل هذه الحوادث تحوي أنفاق مشاة خارج الخدمة، ما يجعل الربط بين الأمرين منطقي ووجيه.

يؤكد فرع المرور بدمشق أن الأسباب المتزايدة لحوادث السير المميتة في الأشهر الماضية كان بسبب تزايد خروج الأنفاق وجسور المشاة عن الخدمة، فضلاً عن الأسباب الشخصية من عدم الانتباه والسرعة الزائدة وغيرها، حيث بلغ عدد الحوادث منذ بداية العام الجاري لغاية ٢٥ حزيران ١٥١١ حادثاً، منها ٨٧٨ تسببت بأضرار مادية، و596 تسببت بأضرار جسدية، بينها ٣٧ حادثة وفاة.

وبالمقارنة مع دول الجوار نجد أن سوريا تأتي بالمرتبة الثالثة بعدد الحوادث بعد لبنان والأردن، حيث سجلت غرفة التحكم المروري في لبنان لعام ٢٠١٨حوالي ٤٥٥١ حادثاً مرورياً، أما في الأردن، والذي يصنف الثالث عالمياً بعدد الحوادث، فقد بلغ العدد العام الماضي أكثر من ١٠٠ ألف حادث مروري.

نحن الآن على أعتاب فصل الشتاء، والمرجح أن يزيد عدد الأنفاق المستثمرة من قبل التجار، ما يزيد من حدة هذا السؤال ـ المفارقة: أليست الأنفاق جزءاً من المرافق العامة؟ ولمن المرافق العامة إن لم تكن للعامة؟!.

التسويق الشبكي نصبة الفقراء على الفقراء

فاطمة عمراني 

كل طالب كان شارداً في دروس الرياضيات بالصف السابع؛ كان عليه أن يتلقى عقوبة ما من أستاذه، ومن لم يفعل، فقد جاءت الحياة لتعاقبه الآن وتفرض عليه غرامة قيمتها 55 ألف ليرة!

غرامة متأخرة سيدفعها أولئك الذين لا يعرفون مفهوم المتوالية، ولا يحسبون أربع خطوات للأمام، وإلا فما معنى أن يصدق أشخاص ناضجون خدعة التسويق الشبكي؟ ويظنوا أنهم سيصبحون أثرياء بمجرد إقناع شخصين آخرين بالوقوع في الخطأ ذاته؟

تذكروا رياضيات السابع واحسبوها بالورقة والقلم، وبطريقة أو بأخرى ستجدون أنه حتى يحقق سكان مدينة سورية واحدة الأرباح التي يتوقعونها من هذه الشبكات، فعليهم أن يقنعوا كل سكان الكوكب بالاشتراك مرتين… 

“الدجاجة التي ستبيض ذهباً” كانت الأسلوب الذي من خلاله وجدت شركات التسويق الشبكي طريقها إلى بعض السوريين، مستهدفين بالدرجة الأولى محدودي الدخل من الموظفين وطلاب الجامعات. 

حيث أن تأمين مستلزمات العيش، بأقل جهد ممكن، كان هاجس الآلاف، فكانوا فريسة سهلة أمام شبكات التسويق الشبكي، أو الهرمي، والأشكال المشتقة منها، مع بعض الاختلاف، والتي تعتبر كلها أشكالاً لمخططات بونزي الاحتيالية، نسبة إلى الإيطالي كارلو بونزي الذي اشتهر بجمع الأموال في أميركا بداية القرن العشرين، وحديثاً اشتهر المصرفي الأميركي برنارد مادوف في عملة احتيال كبيرة في سوق المال الأميركية باستخدام مخططات الاحتيال الهرمي «بونزي».

من حيث المبدأ، لن تجد شركة تصرّح بأنها تعمل ضمن مخطط تسويق هرمي أو شبكي، فالتسويق الهرمي محظور تماماً في معظم البلدان والعبارة بحد ذاتها باتت مرتبطة بمعانٍ سلبية، بحيث كان من الضروري تمويهها إلى ”التسويق الشبكي“ أو ”التسويق متعدد الطبقات“ أو حتى ”البيع المباشر“ في بعض الحالات.

ومع كون التسويق الهرمي هو عبارة لن تسمعها من أحد يحاول أن يعرض عليك فرصة مغرية، فالأفضل هو البحث في الإشارات التي تدل على كون الأمر تسويقاً هرمياً.

أتت تسمية التسويق الهرمي من الآلية التي تمر عبرها الأرباح في هذا النوع من التسويق، ففي الأعلى يقع المؤسس وتحته طبقات متتالية ومتزايدة بأضعاف من السابقة لها، مع كون الترتيب الذي يجعل كل طبقة ضعف السابقة لها هو الأكثر انتشاراً عادة، ويليه مباشرة في الانتشار نموذج متوالية الأربعة، أي يجذب الشخص أربعة أشخاص، ثم 16 ثم 256 ثم 1024.

والمبدأ الأساسي لهذا النوع من التسويق هو مبيع منتجات رخيصة للغاية ومجردة من أي قيمة فعلية بأضعاف سعرها الحقيقي كغطاء لما يمكن تسميته ”بيع الفرصة“، فشراء منتج من إحدى شركات التسويق الهرمي يتيح لك التسويق للمنتج المبالغ بسعره أصلاً وجني المال من العمولات.

للوهلة الأولى يبدو الأمر بسيطاً جداً وبريئاً، فمبدأ البيع والتسويق مقابل عمولة هو مبدأ معروف كون العديد من الشركات تعتمده، لكن مبدأ التسويق الهرمي يختلف هنا بتحويل كل مشترٍ للمنتج إلى ما يشبه وكيلاً للبيع يقوم بالترويج للمنتج مجدداً، ومع كون الأرباح تأتيك سواء قمت بالتسويق بنفسك أو أن أحداً اشترى بواسطتك قام بالتسويق، فالأرباح المحتملة تبدو كبيرة جداً ومن الممكن أن تصل نظرياً للملايين خلال وقت قصير من الزمن.

الطريقة الأساسية لجلب المال في التسويق الشبكي هي الاستمرار في جذب المزيد من الزبائن الجدد، وذلك للحصول على العمولات النسبية الصغيرة على المنتجات التي يشترونها، لكن في التسويق الهرمي لا حاجة حقيقية للاستمرار في جذب الزبائن، فطالما أنك تستطيع جني العمولات من الأشخاص الذين سوقت لهم ومن أي شخص تم التسويق له ضمن الشبكة أدناك فلا حاجة للاستمرار الفعلي بالتسويق. وعادة ما تقوم الشركات بوضع ق