+18 الجنس عبر الانترنت
لقاءات حميمة عبر الشاشات وأجساد تتعرى أمام الكوكب بأكمله

فاطمة عمراني

بعد أن خلد الجميع للنوم، دخلت سمر (اسم مستعار) غرفتها، أقفلت الباب بالمفتاح، أصلحت ماكياجها سريعاً، ثم فتحت “اللابتوب”. وفيما تفكّ سماعاتها المتشابكة، شغّلت برنامج السكايب، وهمست بصوت خافت: “أهلي ناموا، اشتقتلك وبدّي نحكي كاميرا لحالنا”.

بدأت بخلع ثيابها فيما كان أحمد يجاريها بذلك، أصبحا عاريين تماماً، لينتهي اللقاء الحميم بينهما بعد نصف ساعة من الزمن.

منذ نحو ستة أشهر، تعرّفت الفتاة الثلاثينيّة على أحمد المقيم في ألمانيا عبر غروب سرّي على الفيسبوك، ومع استحالة اللقاء بين الطرفين، لجأا لمكالمات الفيديو عن بعد، والتي تحوّلت مع الوقت لمكالمات “جنس إلكتروني” اعتاد عليها كلٌّ منهما.

“خيال جامح وشبق عالٍ في غرفة مظلمة، مع لابتوب وسماعات، وبعض الملابس المغرية التي خبأتها عن أعين أمّي”، كان هذا كل ما يتطلّبه الأمر لعلاقة حميمة كاملة مع أحمد عبر الإنترنت، اختبرتُ لذّة الجنس الذي حرمت من ممارسته في الواقع، فأنا “مطلّقة” ممنوعة من أي علاقة بالجنس الآخر، حتى أن الشبان الذين تقدموا لخطبتي، رفضهم أهلي بحجة أنهم سيعايرونني بطلاقي وأنني مو بنت”.

“أصبحت خبيرة في الجنس الإلكتروني من أجله، بتُّ أستخدم كل الأساليب المتاحة لإثارته وإغرائه، اشتري أنواعاً مختلفة من اللانجري، أتعلم حركات جديدة من أفلام “البورنو” الموجودة في المواقع الإباحية، نجرب ألعاباً جنسية على الدوام، اعتقدت أنّه سيحبني هكذا، أقدّم له قلبي وجسدي في آن واحد.. لم أجد مانعاً من ممارسة الجنس عبر الإنترنت في بادئ الأمر، لكنّ أحمد اعتاده حتى الإدمان، وبات يطلبه مني يومياً بشكل ملحٍّ، ولم يعد يقدّر ظروفي، فأنا لا أستطيع أن أفعل ذلك حينما يحلو لي، أو حينما يحلو له.

أصبحت أرفض طلبه بممارسة الجنس مؤخراً بسبب ظروف في منزلي منعتني من التواجد وحدي في غرفتي، فهددني بنشر مكالمات الفيديو السابقة، والتي اعترف لي أنه كان يسجلها باستخدام برامج خاصّة.. عطّلتُ حساباتي على جميع مواقع التواصل الاجتماعي، غيّرت رقمي، وانعزلت عن العالم الخارجي، لا أستطيع أن أشتكي فهو خارج البلاد، أشكر الله أنه لا يعرف عنوان منزلي، ولا يعرف معلومات عن أهلي، وإلا كان سيفضحني حتماً، لم أعتقد أن الجنس الإلكتروني بهذه الخطورة، لم أتوقع أنه كان يسجل المكالمات”.

في كل يوم، ملايين المستخدمين حول العالم يتعرضون لمخاطر الجنس الإلكتروني والذي يعتبر ممارسة جنسية تتم بين فردين عبر وسائل الاتصال المتوفرة عبر شبكة الإنترنت، مثل: البريد الإلكتروني، الصور، الرسائل، غرف الدردشة، والمواقع الإلكترونية، وهو نوع من أنواع الجنس التخيلي.

تتضارب وجهات النظر إزاء الجنس الإلكتروني ما بين مؤيد ومعارض، أغلب مؤيدي ممارسة الجنس الإلكتروني، يؤيدونه في إطار الزواج، فلا تجد بسمة مانعاً من ممارسة الجنس الإلكتروني مع زوجها المقيم في لبنان، تذهب باستمرار للكوافير، تصبغ شعرها بالأشقر، ترسم أوشاماً مثيرة على جسمها، تشتري ملابس مثيرة، وتمارس معه الجنس الإلكتروني، فهو “زوجها وحلالها”.

وتفضّل بسمة ممارسة الجنس إلكترونياً مع زوجها الذي لم تتمكن من الشعور بالنشوة الجنسية معه في الواقع، فهي تستمتع باستكشاف جسدها بنفسها والتعرف إليه جنسيّاً، كما تحصل على فرصة لتنفيس خيالات الجنس التي لطالما تصوّرتها في أفلام “البورنو”، وتخفيف آلام العادة الشهرية، خصوصاً في مرحلة ما بعد انقطاع الطمث.

من فوائد الجنس الإلكتروني أيضاً، أنه يضمن لممارسه عدم الإصابة بالأمراض المنقولة جنسياً (كالإيدز والهربس والسيلان،…)، بالإضافة للحصول على الإشباع الغريزي دون أن يتكلف المرء بالمتاعب، ولسهولة الحصول على شريك جنسي على الشبكة العنكبوتية في ظل وجود الآلاف من المواقع المتخصصة في ذلك. كما أن فكرة الجنس الإلكتروني قد تبدو جيدة للراغبين بممارسة الجنس دون الرغبة بالإنجاب.

ويجد مستخدمو الانترنت من محدودي الدخل أن غرف الدردشة والغروبات السرية على مواقع التواصل الاجتماعي المخصصة لممارسة الجنس الإلكتروني توفر عليهم تكاليف تمضية ليلة حمراء مع إحدى “بنات الليل”، فالجنس الإلكتروني يوفر المتعة “ببلاش”.

ومع تزايد هجرات الشباب بفعل ظروف الحرب، أصبحت ممارسة الجنس الإلكتروني أو (السايبر سكس) ظاهرة في المجتمع السوري، وبلغت ذروتها مع انتشار مواقع التواصل الاجتماعي على نطاق واسع، والكبت الاجتماعي الذي يفرّغه البعض بممارسة جنسية إلكترونية يعتبرها المحيط عيباً أو حراماً في الواقع.

لم يقتصر الجنس على كونه عيباً وحراماً في المجتمع، بل تجاوز ذلك فأصبح غير قانوني، وذلك بعد أن حجبت وزارة الاتصالات 160 موقعاً إباحياً مبررةً ذلك بالدوافع الأخلاقية والاجتماعية لحماية جيل الشباب، وبالرغم من ذلك احتل موقع إباحي المرتبة الخامسة عشر في المواقع الأكثر زيارة في سوريا.

ورأى البعض أن هذا الإجراء انتهاك للإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وأن الحجب لا يسهم في حماية المجتمع بقدر ما يزيد من حجم الكبت، وأن الانفلات الأخلاقي، لا يمكن ضبطه بالقيود وإنما بالتربية والتعليم، ومنح المزيد من الحريات للمجتمع، فيما وجد الراغبون بالمتعة الجنسية الإلكترونية طريقهم للولوج لهذه المواقع باستخدام برامج فك الحظر (كاسر البروكسي). كل هذه الأسباب مجتمعة جعلت الجنس الإلكتروني الذي لطالما اعتبره المجتمع السوري “تابو” وخط أحمر، المتنفس الوحيد أمام السوريين.

في الجهة الأخرى، وجد المعارضون لـ “السايبر سكس” تبريرات قوية تدعم وجهة نظرهم، حيث تكمن خطورة الجنس الإلكتروني في إمكانية تسريب المكالمات وانتشارها عبر الانترنت وعلى المواقع الإباحية.

العديد من الفيديوهات الحميمة تجد طريقها عبر الإنترنت، فيتم نشرها في المواقع الإباحية لأهداف تجارية، أو تنشر على شبكات التواصل الاجتماعي بهدف التشهير والإساءة لأصحابها، وغالباً ما يتعرض هؤلاء للابتزاز الجنسي فيضطرون لتقديم تنازلات جنسية أو دفع مبالغ مالية طائلة لتجنب “الفضيحة”.

لم يكن هؤلاء أكثر من مجرد ضحية لسلبيات الجنس الإلكتروني، بعضهم حاول الانتحار، بعضهم اعتزل المجتمع، والبعض الآخر كانوا أكثر جرأة فاشتكوا للجهات المعنية. وفي سوريا تخصص وزارة الداخلية فرع الجرائم الإلكترونية الذي يمكن أن تتقدم الضحية بشكوى مباشرة إليه ويتم ملاحقة المبتز والقبض عليه، ويعاقب بالحبس والغرامة.

وصدر بتاريخ 25/3/2018 القانون رقم / 9 / المتعلق بإحداث محاكم جزائية مختصة بالنظر في الجرائم المعلوماتية. عاقب المشرع من خلاله على جريمة انتهاك حرمة الحياة الخاصة بالحبس من شهر إلى ستة أشهر والغرامة من مئة ألف إلى خمسمئة الف ليرة سورية كل من نشر عن طريق الشبكة معلومات تنتهك خصوصية أي شخص دون رضاه حتى ولو كانت تلك المعلومات صحيحة.

وتجدر الإشارة هنا إلى أن كلمة معلومات تشمل نشر أخبار عن الشخص أو صورة دون رضاه أو صورة لمحادثته مع أحد.

تمارس سعاد (اسم وهمي) الجنس الإلكتروني بحساب وهمي، ولا تكشف عن وجهها خلال المكالمة، فهي تتجنب “الفضيحة” وتحصل على المتعة في آن واحد.

أيضاً، يجد المعارضون للجنس الإلكتروني أن هذه الطريقة فتحت باب الخيانة الزوجية على مصراعيه، حيث يلجأ بعض المتزوجين إلى الجنس الإلكتروني بسبب عدم الاكتفاء من الشريك، أو بسبب الإهمال في العلاقة فيما بينهما، وهو ما يهدّد الحياة الأسرية ويمثّل خطراً على المجتمع.

الخطورة تكمن أيضاً في نظرة الشخص لشريكه في الزواج، ومقارنته في الأداء مع شريكه الجنسي الإلكتروني.

قانون أوليمبيا

في المكسيك، تعرضت أوليمبيا (تسعة عشر عاماً) لتسريب مقطع جنسي لها عبر الإنترنت، واشتهرت في المجتمع باسم ” فتاة واوتشينانغو المكتنزة”، اتجهت أوليمبيا للمجلس التشريعي، وقفت أمام الجميع، وتحدثت عن الفيديو مؤكدة تعرض كثير من الضحايا للتنمر الإلكتروني والابتزاز الجنسي عبر الانترنت، وأطلعت الحضور على صور ملتقطة كاشفة أن بعض الجلوس قاموا بعمل مشاركات وإعجابات بذات الفيديو الذي ظهرتْ فيه على وسائل التواصل الاجتماعي.

رفض أعضاء المجلس التشريعي دعم مشروع قانون مكافحة العنف الجنسي عبر الانترنت، لأنه بذلك يكون كمن يدعم الانحلال، في نهاية الأمر تم تمرير القانون في مدينة أوليمبيا “بويبلا” عام 2018 وبات الآن ساريا في إحدى عشرة ولاية من بين 32 ولاية مكسيكية، ولم يأت عام 2018 حتى صار المشروع قانوناً.

واعتبر التشريع من قبيل الجريمة قيام أحدهم بمشاركة محتوى خاص بشخص آخر على الإنترنت بدون موافقة هذا الشخص. كما يناقش التشريع مسألة التنمر عبر الإنترنت وكذلك العنف الجنسي على الإنترنت. فضلا عن الدعوة لاتخاذ تدابير لزيادة الوعي العام بشأن نوع العنف.

أوليمبيا أكدت أن مكافحة العنف الجنسي عبر الانترنت أكثر من قانون. إنها قضية. “نريد أن نرفع الوعي، وأن نمنع هذا العنف ونضع له حدا. النساء يردن أن يشعرن بالأمان على الإنترنت. لنكن واضحين أن العالم الافتراضي هو عالم حقيقي. إننا نحاول تعضيد النساء وتمكينهم لحماية أنفسهن وتفادي العنف الرقمي أو العنف عبر الإنترنت”.

لم تعد أوليمبيا “المكتنزة المثيرة”، فقد بات اسمها مقروناً بقانون يجرم الاعتداء والإيذاء عبر الإنترنت.

النساء أكثر تفضيلاً للجنس التفاعلي الإلكتروني

عالمياً، يلقى الجنس الإلكتروني رواجاً كبيراً، ولا سيما عند الرجال، حيث أكد الخبير النفسي، كريستيان لير، من جامعة دويسبورغ ـ إيسن وفريق من الباحثين الألمان من خلال دراسة قاموا بها، أن النساء أقل ميلًا للجوء إلى الجنس عبر الإنترنت من الرجال، وعندما يفعلن ذلك، فهن أكثر ميلًا للمشاركة في غرف الدردشة وتفضيلًا لها على مشاهدة المواد الإباحية. كما تكشف الأبحاث أيضا أن النساء يُصبِحن أكثر تفضيلًا للجنس التفاعلي عبر الإنترنت عندما يتقدمن في العمر.

وسواء كان المستخدم ذكراً أو أنثى، فإن الأشخاص الذين يستخدمون الإنترنت من أجل الجنس يفعلون ذلك لأنهم يجدون أن التصورات الجنسية عبر الإنترنت تُعزِز الإشباع لديهم. ولكن ليس من الواضح السبب في أن تكون الصور المنتشرة عبر الإنترنت مُشبعة لهؤلاء الأشخاص، وكيف أن التلميحات المتعلقة بمشاهدة السلوكيات الجنسية عبر الإنترنت تؤدي إلى الرغبة. لا يزال الجنس في مجتمعنا مدينة محرمة، بأسوار عالية منيعة، تتصدرها لافتة “ممنوع الاقتراب والتصوير”، محرّم على من يريد دخولها أن يعرف عنها شيئاً إلا قبيل دخوله بنصف ساعة فقط. غالباً ما يحاول البعض أن يسترق النظر عبر أسوارها، والبعض الآخر يطلق العنان لخياله لرسم صورة عما يوجد خلف تلك الأسوار، فيشاهد الأفلام الإباحية أو يمارس الجنس الإلكتروني، الإلكتروني، وإذا كان محظوظاً سيحظى بتجربة مختلفة.

النساء يلدن بشق بطونهن كما كنّا نعتقد في الطفولة
“بيزنس” تجنب الألم يزيد العمليات القيصرية 60 % دون أسباب طبية

محمد الواوي

لم يكن الإمبراطور الروماني يوليوس قيصر الذي أجرى أول ولادة قيصرية في التاريخ لأسباب طبية قهرية يحلم يوماً بأن تصبح طريقة ولادته ثقافة اجتماعية في العالم عموماً ومنطقة الشرق الأوسط خصوصاً. وبعيداً عن أي أسباب طبية تحتم إجراء العمل الجراحي وإخراج الجنين، ازدهرت الولادات القيصرية في سوريا متفوقة على الولادات الطبيعية بما يشبه “موضة” اجتماعية سائدة، كالملابس تماماً، وبكل ما تعنيه كلمة “موضة” من معنى.

تقول عليا التي أجرت عملية قيصرية وأنجبت طفلتها الأولى منذ سنة “بالنسبة لي القيصرية أفضل من الولادة الطبيعية حيث ترى الموت أمام عينيك”. وعلى ما يبدو فإن القطاع الصحي الخاص ضاعف النسب إلى أرقام قياسية تماشياً مع “بزنس” المال مقابل تجنب الألم وتنفيذ رغبة المريضة رغم مخاطر وسلبيات هذه العمليات على المرأة وطفلها معاً، وفعلياً تصاعدت نسبة الولادات القيصرية خلال الأزمة إلى حوالي 60% من مجموع الولادات.

أسباب انتشار القيصرية

تعاني كثير من دول العالم من ارتفاع نسبة العمليات القيصرية، وهي مشكلة تنبهت لها منظمة الصحة العالمية ودعت الدول إلى انتهاج تدخلات لتخفيض نسب القيصريات. لكنها لامست في سوريا مستويات جنونية خلال الأزمة مقارنة مع نسب سابقة لها، وترى الدكتورة ريم دهمان (رئيسة دائرة الصحة الإنجابية في وزارة الصحة) أن للقيصرية أستطبابات كثيرة، فقد تكون لسبب دائم لدى السيدة كضيق الحوض وعدم تناسبه مع الجنين، وجود تشوهات في الحوض أو أعمال جراحية سابقة تجعل من الصعب إتمام الولادة الطبيعية. وقد تكون القيصرية لسبب عارض كتألم الجنين أثناء المخاض،أو انفكاك المشيمة الباكر، عدم تقدم المخاض واتساع عنق الرحم، إضافة إلى توضع الجنين المعترض… وأسباب أخرى لها علاقة بحالة الأم الصحية التي تجعل إجراء القيصرية ضرورياً.

ساهمت الأزمة في ازدهار العمليات القيصرية وعملت مفرزات الحرب على تنامي هذه الظاهرة بشكل واسع كما يرى د. أكرم الأحمر (أخصائي أمراض نسائية وتوليد ومداواة عقم واستشارات جنسية)، فللعامل الأمني دور في ارتفاع نسبة القيصرية وهو يشمل الحامل والطبيب كالخروج في الليل وغير ذلك، وهناك عامل ثان هو رغبة الحامل بعدم تعرضها للألم، كما أن متانة الأجسام وقدرتها على تحمل الألم اختلفت عبر الأجيال وكذلك العقلية والثقافة، أيضاً تأخر سن الزواج خلال الحرب وبالتالي تدخل السيدة في مرحلة (الحمل العزيز) ويفضل الأطباء في هذه الحالة القيصرية على الولادة الطبيعية منعاً لتعرض الطفل لأي مخاطر. كما أثر زواج القاصرات على تضاعف الأرقام فهن لا يعرفن فوائد الولادة الطبيعية من الناحية الفكرية بعد، ويكمل د. الأحمر “نفضل كأطباء أن نوضح للمريضة سلبيات وإيجابيات الولادتين لكن يدخل في قرار الطبيب قناعة المرأة، والمشافي الحكومية لا تملك فكرة إجراء القيصرية بناء على رغبة المريض على عكس المشافي الخاصة”.

يفسر د. محمد مستت (أخصائي توليد وجراحية نسائية ـ حلب) انتشار العمليات القيصرية بأسباب من طرف المريضة وأخرى من طرف الأطباء، فمن طرف المريضة غالباً هو تحاشي الألم، والاستسهال وكذلك رغبة بعض الأزواج بالمحافظة على جمالية الأعضاء التناسلية للمرأة. أما أسباب لجوء الأطباء إلى القيصرية، فهي سهولة إجرائها وسرعتها وهي عمليات توصف بالباردة، أي ليست خاضعة للإسعاف الليلي، من ناحية أخرى فإن استطبابات القيصرية كثيرة منها ما يتعلق بالجنين في حال نقص (ماء الرأس) أو ضعف نمو الجنين، وأخرى متعلقة بالأم كأن تنهي شهور الحمل ولم يأتها المخاض أو تواجد المشيمة أمام الطفل، وكذلك إذا كان لديها ضغط مرتفع ولا يمكن أن تتحمل الطلق، أو تعاني من مرض السكري. إضافة إلى أن هجرة الخبرات الفنية والعقول خلال الأزمة ترك الساحة مفتوحة أمام الأطباء المتخرجين حديثاً ممن لديهم خبرة قليلة. كما أثر زواج القاصرات على زيادة العمليات القيصرية لعدم اكتمال نمو حوض الفتاة وطولها أيضاً إضافة إلى ضعف تحملها. ولا يخفي د. مستت بأن يكون العامل المادي وارداً لدى الأطباء في تفضيل إجراء العمليات القيصرية.

سلبيات القيصرية

على الرغم من قدرة العمليات القيصرية على إزاحة الألم عن الأم مقارنة مع الولادة الطبيعية، فضلاً عن إنقاذها للأرواح في الحالات المستعصية، إلا أن ذلك لن يعمي الأبصار عن وجود نقاط سلبية. وهنا يبين د. مستت أن الطفل الذي ولد بعد تعرضه للمخاض يحسن من فرص فتح رئتيه، في حين أن الطفل معرض عبر القيصرية للإصابة بداء الأغشية وداء العسر التنفسية بنسبة أكبر.

وتوضح د. دهمان أن اجراء القيصرية بيد خبيرة هو أمر حاسم للحفاظ على حياة الأم والجنين عند وجود استطباب، إلا أن القيصريات لم تساهم في انقاص حالات المراضة والوفاة عند ارتفاع نسبتها عن المعدل الطبيعي الذي يتراوح بين 10 ـ 15% من الولادات. وإن حالات المراضة الوالدية المتعلقة بالقيصريات هي أعلى منها بالنسبة للولادة الطبيعية بسبب زيادة الانتانات والنزف والصمات والخثرات المتعلقة بالعمل الجراحي. كما تزداد بشكل لاحق حالات المشيمة المندخلة التي تشكل خطورة على حياة الأم، والتي ازدادت مؤخراً حسب ملاحظات الأطباء في المشافي وأقسام التوليد.

ورغم وجود دراسات حديثة تحذر من مخاطر القيصرية على الأطفال مستقبلاً كضعف المناعة، إلا أن د. الأحمر يؤكد أنها ليست دقيقة فحتى قياسات عمل جهاز المناعة غير مضبوطة ويدخل فيها العامل النفسي والتغذية والبيئة والسلالة. بطريقة ما تساهم القيصرية في تحديد النسل بشكل إجباري، وتتوجه الدول الأوروبية إلى الولادة الطبيعية ما لم يخلق استطباب طبي يحول دون ذلك، وجزء من الأسباب يدخل في السياسة التأمينية الأوروبية من ناحية تكلفة العملية القيصرية مقارنة بالولادة الطبيعية إضافة إلى اختلاف ثقافة الحوامل والأطباء عن منطقتنا. فالعامل المادي بشكل من الأشكال سوف يؤثر على قرار الطبيب بدرجة ما.

أرقام وإحصائيات

وتختلف نسب الولادات القيصرية من محافظة إلى أخرى وما بين مشفى خاص وآخر حكومي، ويقدر د. محمد مستت نسبة القيصرية مقارنة بالولادات الطبيعية أكثر من 50% في حلب خلال الأزمة بحسب ملاحظته الشخصية. وهي نسبة مفرطة كثيراً إذ أن النسبة العالمية لا تتجاوز 10%. في حين لا يمكن أن تصل العمليات القيصرية إلى نسبة 25% قبل الأزمة في أحسن الحالات، حسب رأيه.

وبحسب إحصائيات قدمتها وزارة الصحة لمعد التحقيق، فإن عدد العمليات القيصرية في المشافي العامة ومشافي الهيئات المستقلة والمشافي الخاصة التابعة لوزارة الصحة بلغ نحو 78117 مقابل 188097 ولادة طبيعية من أصل مجموع كلي 266214 ولادة بنسبة 29.344% للعمليات القيصرية و70.656% للولادة الطبيعية عام 2010، قبل الأزمة، لكن النسبة قفزت في عام 2014 إلى 43 % للقيصرية مقابل 57 % للولادات الطبيعية أي 39.827 ولادة قيصرية و52061 طبيعية (91888 مجموع الكلي للولادات بكافة أنواعها). وأخذت الولادات القيصرية بالارتفاع تدريجياً حتى وصلت إلى 54751 مقابل 48400 ولادة طبيعية بنسبة 54 % للقيصرية مقابل 46 % للولادة الطبيعية في عام 2018. ويظهر التقرير أن أغلب ولادات المشافي الخاصة خلال الأزمة قيصرية، حيث بلغت على سبيل المثال في عام 2016 نحو 20388 ولادة قيصرية مقابل 7354 طبيعية (المجموع الكلي 27742 ولادة بنوعيها)، في حين كانت بحسب بيانات عام 2011 نحو 33395 عملية قيصرية مقابل 29181 طبيعية، وعلى نقيض ذلك ينخفض عدد العمليات القيصرية إلى أقل من ذلك بكثير في المشافي العامة والمستقلة حيث بلغت 23659 قيصرية مقابل 43929 طبيعية في عام 2014. وأوضحت وزارة الصحة في تقريرها أن العدد لا يشمل بعض المحافظات والمناطق السورية خلال فترات معينة من عام 2011 حتى 2018 مثل دير الزور والرقة وإدلب (مناطق خارج سيطرة الحكومة السورية لا يمكن الوصول إليها). وتشير مصادر في القطاع الصحي إلى أن هذه الأرقام لا يظهر إلا ربع العدد الحقيقي، حيث أن توقعات برنامج التلقيح الوطني تتحدث عن وجود 500 ألف ولادة على الأقل سنوياً في سوريا، في حين كان قبل الأزمة حوالي 640 ألف ولادة سنوياً، ومرد ذلك إلى عدم تقديم المشافي الخاصة بيانات صحيحة ودقيقة تهرباً من التكليف الضريبي، وتظهر أرقام وزارة الصحة أن العمليات القيصرية في المشافي الحكومية رغم ارتفاعها الكبير فهي أقل من الولادات الطبيعية، في حين يظهر فارق كبير لصالح العمليات القيصرية في المشافي الخاصة، وتعتبر طرطوس واللاذقية أكثر المحافظات إقبالاً على العمليات القيصرية، إذ وصلت ما قبل الأزمة إلى نسبة 50%، وقد ارتفعت إلى حوالي 70 و80% خلال الأزمة. بحسب مصادر طبية.

من جهة ثانية تبين د. ريم دهمان رئيس دائرة الصحة الإنجابية في وزارة الصحة أنه في عام 2001 كانت نسبة الولادات المنزلية عالية تقارب 45 %، وأظهر مسح 2009 انخفاضها إلى 19.4%، وكان لدى وزارة الصحة تخوف من ارتفاع الولادات المنزلية مع بداية الأزمة، إلا أن المسح الديموغرافي الشامل متعدد الأغراض (المكتب المركزي للإحصاء 2019) أظهر أن نسبة الولادات المنزلية لا تتعدى 8.1%، في المناطق التي وصل إليها المسح. وكانت نسبة الولادات في المشافي الحكومية 40% ووصلت إلى 44% في المشافي الخاصة، والباقي في المراكز الصحية الحكومية والعيادات الخاصة. وتضيف د. دهمان “في دراسة مصغرة على بعض المشافي أظهرت النتائج أن نسبة القيصريات في بعض المشافي الخاصة تفوق 80%، مع ملاحظة ارتفاع نسب القيصرية في المشافي الحكومية بنسب مختلفة بين المحافظات. وهذا الارتفاع دعا وزارة الصحة إلى الطلب من مديرياتها اتخاذ إجراءات لتخفيض نسب القيصريات في المشافي الحكومية، ويبقى أن نقول أن ارتفاع القيصريات في الفترة الماضية سيكون سبباً لبقاء هذا الارتفاع لفترة وصعوبة خفضه، حيث تشكل سوابق القيصرية لدى السيدة استطباباً لإجراء قيصرية تالية”.

تكاليف العملية القيصرية في المحافظات

وتقدر مصادر طبية تكاليف العمليات القيصرية في بعض مشافي دمشق ما بين 50 و400 ألف ليرة، وهي يختلف بحسب مناطق وأسماء المشافي وخدماتها.

وبحسب أطباء، تصل تكلفة العملية القيصرية إلى 200 ألف ليرة سورية في المشافي الخاصة بمدينة حلب بخلاف تسعيرة وزارة الصحة السورية وهي بحدود 22 ألف ليرة سورية، في حين أن العمليات في المشافي الحكومية مجانية مع وجود مبلغ رمزي يقدر بـ 15 ألف ليرة.

محاولات لتخفيف النسب

الأرقام المرتفعة نبهت وزارة الصحة، فدعت مديرياتها إلى اتخاذ إجراءات لتقليل العمليات القيصرية في المشافي الحكومية. وتقول د. دهمان “تعمل وزارة الصحة على تخفيض نسب القيصريات وسوف يتم تبني التدخلات التي أوصت بها منظمة الصحة العالمية لتخفيض القيصريات وهي تدخلات على عدة مستويات، ومن ضمنها ما هو موجه للسيدات والمجتمع”.

بالمحصلة لا يمكن تحييد سوريا عن بقية الدول المجاورة من ناحية تزايد العمليات القيصرية، لكن تضخم الأرقام بشكل مبالغ فيه يثير مخاوف عديدة من ناحية استسهال القيصرية بمساوئها في المجتمع بخلاف معارضة الناس لها في العقود الماضية.

دقّة حنك الجدات وفراشة معصم الصبايا وثعبان كتف الشباب

فاطمة عمراني

في سرفيس “مهاجرين صناعة”، أتوسط الكرسي العكسي خلف السائق، بين امرأتين، ستينية وعشرينية، ألتفت يميناً ويساراً، يبدو أنني أتوسط المسافة بين حقبتين لا بين امرأتين.

حقبة زمنية كاملة بتاريخها، حضارتها، أماكنها، بيوتها، نسائها، وحتى أوشامها!

تلفتني النقاط الخضراء الثلاثة على ذقن المرأة الستينية، في اللحظة التي يرفع فيها السائق صوت الراديو، فيقول ناظم غزالي:

شامه ودقّة بالحِنك مين يشتريها

لو تنباع كنت اشتريها

خايف عليها وتلفان بيها

الفتاة العشرينية على يساري، تضع سماعات في أذنها، رفعَتْ مستوى صوت أغاني “الروك” الصاخبة حتى أنني سمعتها بوضوح عبر سماعاتها.

أحاول عدّ أوشامها: وردة حمراء تتلوى على ساعدها، فراشة صغيرة تتحرك تحت معصمها كزئبق تحت زجاج، نجمتان صغيرتان على البنصر تلمعان تحت خاتم فضي براق.

امرأتان تختصران حقبتين زمنيتين، يجمعهما الوشم.

من علامة على المجرمين والعاهرات، إلى زينة على الأجساد، خمسة آلاف عام من الوشم، الاختياري والإجباري، الفرعوني والنازي، القديم والحديث، لم توجد حضارة بشرية لم تعرف “التاتو” على الإطلاق.

في وقت ما، كان الوشم هو العلامة المميزة التي يستدل بها على المنتمين إلى الفئات الدنيا من المجتمع، مثل المجرمين والعاهرات، البحارة والسائقين، وغيرهم من الأشخاص المصنفين سابقاً على هامش المجتمع.

الضابط وعالم النباتات، جوزيف بانكس، الذي انضم إلى القبطان جيمس كوك في رحلاته إلى البرازيل وتاهيتي وأستراليا، منتصف القرن الثامن عشر، لاحظ أن سكان جزر بولينيزيا، يستخدمون قطع العظام والأسنان في حفر الجلد لصناعة الوشم، كانت تحيره تلك العادة، فكتب: “من الصعب معرفة ما هو الدافع الكافي لتكبد مثل هذا القدر من الألم، لم يعطني أحد – وقد سألت المئات – سبباً يبرر ذلك”.

العديد من أفراد طاقم كوك عادوا من جزر الجنوب موشومين، وهو ما دشن التقليد الذي سيميز فيما بعد البحارة الأوروبيين، كما شجع المجرمين والمنتمين للطبقات الأدنى للحصول على أوشام. ومع بدايات القرن التاسع عشر، كان حوالي 90% من بحارة الأسطول الملكي البريطاني يحملون أوشاماً. وشم السلحفاة كان يعني أن البحار عبَرَ خط الاستواء، ووشم المرساة يعني أنه عبر المحيط الأطلنطي، أما وشم التنين فيعني أنه أبحر في الشرق.

لم يكن الوشم دوماً اختياراً، ففي عهد القياصرة في روسيا ومن بعدهم السوفييت كان يتم وشم المساجين وفقاً لجريمتهم وعقوبتهم، وبالمقابل وشم النازيون أرقاماً مسلسلة على المعتقلين في معسكرات الاعتقال.

التداوي كان أحد أسباب استخدام الوشم في الحضارة الفرعونية، من منطلق أن للوشم قوة علاجية سحرية قادرة على دفع الأرواح الشريرة المسببة للمرض، حيث اعتاد الفراعنة على وشم عصفور على جبهة إنسان لاعتقادهم أن ذلك يمنع عنه الصداع، واستخدم الوشم للنساء في فترة الحمل كتميمة لضمان سلامة الأم والجنين في الحمل وأثناء الولادة.

كما كان الوشم يستخدم للزينة والتجميل، فيحاكي الحلي ويعتبر بديلاً عنها، وهذا يفسر أن الأماكن التي وجد فيها الوشم هي نفس الأماكن التي كانت تعتاد النساء تزيينها بالحلي.

شمل استخدام الوشم أيضاً إعادة تكريس المفهوم الديني في تفسير طبيعة الكون ومدلولاته الفلسفية، واستمر استخدام الوشم للتجميل وللتعبير عن المعتقدات الدينية حتى يومنا هذا.

الآن، بات الوشم صيحة شائعة، هناك من يروجون لها منذ وقت مبكر، جورج أورويل كان لديه بقع زرقاء لامعة على جسده، كما رسم تيدي روزفلت شجرة عائلته على صدره، وتقول الأسطورة إنه بعد معركة “هاستينج” لم يتم التعرف على جسد هارولد الثاني إلا بشكل الوشم الذي رسمه لاسم زوجته “إيديث” ولكلمة “بريطانيا” أعلى قلبه.

في الشوارع، في النوادي، في الجامعات، وحتى في المدارس، يكاد لا يخلو جسد من وشم ما، حتى بات يشكل هوساً اليوم عند الصغار قبل الكبار.

تختلف رمزية الوشم باختلاف الثقافات والميول والأهداف. البعض يرى أنه يزيدهم إثارة ويُشعرهم بالتمرد والقوة والجاذبية، أو يضفي عليهم صفات روحية، وفي المقابل ينظر البعض الآخر إلى الموشومين على أنهم أشخاص عدوانيون، ويرجح أن السينما والدراما قد ساهمت بتشكيل هذا الإيحاء، فغالباً ما تمتلك الشخصية الشريرة وشماً أو اثنين.

وبالتالي، خرج الوشم عن هدفه الجمالي ليصبح معبراً عن انتماء ديني، اجتماعي، فكري، وتنوعت أشكاله ما بين كلمات عميقة: “أمل، إيمان، يقين”، رموز دينية: “صليب، أنبياء وأولياء”، أبيات شعرية: “رباعيات، قصائد محمود درويش”، أغاني: “أم كلثوم، فيروز، زياد الرحباني”، حكم وأمثال، أوطان ومدن: “سورية، دمشق، حلب، شآم”.

ويبدو أن هذه المعتقدات كانت كافية ليتحمل الموشوم الألم الشديد الناتج عن إبر الثقب، التي تدرج الأصباغ وقطرات الحبر الصغيرة من خلال ثقوب في الطبقة العليا للجلد، بالإضافة للخطورة الكبيرة للمواد الكيميائية، وذلك تحت مسمَّى الفن أو التعبير عن الذات.

فقد كشف تقريرُ المفوّضية الأوروبية حول الأخطار الصحية للوشم أنّ قرابة الـ 40% من الصبغات العضوية المستخدمة في الوشومِ الدائمة في أوروبا غيُر مسموحٍ باستخدامها على الجلد عنصراً تجميلياً، وكشف أنّ ما لا يقلَّ عن 20% من الملونات التي دُرِست تحتوي على أمينات عطرية مُسرطِنة.

الأصبغةَ المأخوذة من الطبيعة التي استخدمها الأسلافُ بعيدةٌ كلَّ البعد عن الأصبغة التي نستخدمها هذه الأيام، فالعديد من الموادّ الكيميائية المستخدمة مُعَدّة بالأصل للاستخدام في الكتابة وأحبار الطابعات أو دهان السيارات!.

ولم تستطع إدارة الغذاء والدواء الأمريكية تنظيمَ الأصبغة السامة التي نضعها تحت جلودنا كما فعلت بالنسبة إلى بعض الموادّ الموجودة في مستحضرات التجميل والفيتامينات والعقاقير ومُحسّنات الأطعمة، وطالبت بالكشف عن العناصر الموجودة في الملوِّنات المستخدمة في الوشم التي قد تحتوي على موادَّ كيميائية تسبّبُ تشوهات أو عيوبَ خِلقيّة أو السرطان، كذلك فإنها قد تشارك في التفاعلات الكيميائية الحيوية في الجسم التي قد تستغرقُ عقوداً لتظهر آثارها.

لاحقاً، سيدفع أصحاب الوشوم ثمن جهلهم بمخاطر التاتو، ولو كانت نادرة الحدوث، كردات الفعل التحسسية التي تسبب حكة في موقع الوشم يمكن أن تستمرَّ عدة سنوات بعد نقش الوشم، بالإضافة لإمكانية حدوث الندوب، والإنتانات الجلدية، وتشكل الأورام الحبيبية حول موقع الوشم، وانتقال أمراض خطيرة عبر الدم كالكزاز والهربس والإيدز، والزهري وغيرها.

كما سيُرفَض إجراء فحص الرنين المغناطيسي لأصحاب الوشوم في حال الحاجة، وذلك بسبب ذرّات العناصر المعدنية الموجودة في صباغ الوشم التي قد تسبب بدورها آلام حروق شديدة في أثناء التصوير، وفي بعض الحالات تؤدّي صبغات الوشم إلى تداخلات في جودة الصورة.

من جهة أخرى، يعتقد كثيرٌ من الناس أنّ تعقيم الجلدِ جيداً بالكحول قبل تطبيق الوشم سيجنّبهم الأخطار الناجمة عن الوشم، لكن تطبيق الكحول سيزيد من نفاذيّة البشرة ومن ثمَّ سيزيد من نسبة المواد الكيميائية المنتقلة إلى مجرى الدم.

وإذا تغاضينا عن كل هذه المخاطر، لا يمكن أن نتناسى حقيقة أن معظم مراكز الوشم غير مصرح لها ولا تخضع لأدنى الشروط الصحية التي تستلزم عملها أيضاً.

لا يمكن إعادة عقارب الساعة إلى الوراء.. فقرار  الحصول على وشم يشبه في أهميته، قرار الزواج، الإنجاب، الهجرة، وحتى إذا قرر الموشوم إزالة الوشم عن جلده بواسطة الليزر، فإنها عملية طويلة المدى ومكلفة مالياً، ولا تخلو من تشويه للجلد، فتبقى آثار البقع واضحة، كما يوجد بعض الألوان التي يصعب إزالتها، ولا يمكن تفتيتها بالليزر بشكل كامل.

الساعة الثامنة مساءً

شارع العراقيين، بلدة السيدة زينب

خرج ثلاثتهم مسرعين من محل “كوبرا” للوشم، الوقت قد تأخر ولديهم دوام في المدرسة غداً. ودعوا صاحب المحل على أمل العودة خلال باقي الأسبوع لاستكمال المبلغ المترتب عليهم لقاء الوشوم التي حصلوا عليها.

عادوا إلى منازلهم، أحدهم يحمل وشماً على فخذه يمتد حتى أعضائه التناسلية كشجر اللبلاب، الثاني كان وشم النبض رابضاً على زنده، والأخير كان ساعده مليء بخربشات من آثار إزالة وشم لم ينجح.

في غرفة لم تتجاوز مساحتها ثلاثين متراً، لم يمانع “الكوبرا”، كما يسمونه، من نقش ثلاثة وشوم على أجساد مراهقين لا يزيد عمر أكبرهم عن 14 عاماً. غالباً ما سيغير هؤلاء الشبان انطباعهم تجاه الوشم الذي رسموه، وربما يحاولون إزالته، باستخدام الليزر أو الأشعة فوق البنفسجية، عندئذ ستكون المحصّلةُ حروقاً جسدية، وحروقاً نفسية أعمق منها بكثير.

فاطمة بنت ميادة تفك “الحجاب” فور وصولها إلى الصحيفة وشمروش لم يفعل شيئاً حتى انتهاء الطباعة

ثلاثة أديان سماوية ومليون فكرة علمية و”أم محمد” ما زالت تمارس سحرها الاسود من ركن الدين

فاطمة عمراني

“لطالما كان لي حلمان: أحدهما أسميته “المبارك”، والآخر “الملعون”، الأول هو الذي جعلني أحلم بأن لي ابناً، ولم أتخل عن الإيمان بأن هذا صحيح طوال حياتي، لأني أحسست به، صغيراً وطرياً، له فم وعينان ويدان، كيف لا أومن بأن ذلك حقيقة؟ كنت أحمله معي، محاطاً بذراعي.
فجأة فقدته. لقد قالوا لي في السماء أنهم أخطأوا معي، وأنهم منحوني قلب أم، ولكن رحم امرأة عاقر، وهذا هو حلمي الآخر”.
بوجه شاحب مصفر، ويدين مرتعشتين، تجلس المرأة بجانبي في بيت “الشيخة أم محمد” تقص كابوسها المتكرر علي.
“وصلتُ إلى السماء، ونظرتُ لأرى إن كنت سأتعرف على وجه ابني بين الملائكة: لا شيء كل الوجوه كانت متشابهة، مصنوعة في القالب نفسه، لكن أياً منهم لم يكن ابني، لم ولن أجده أبداً”.
تدخل العاقر إلى غرفة الشيخة أم محمد، علَها تجد عندها علاج عقمها الذي عجز عن علاجه الخمسة عشر طبيباً الذين قصدتهم. تغيب ساعةً من الزمن، تخرج فرحة مستبشرة.
صوت هرم مجلجل يصرخ باسمي، أهبط السلم نزولاً إلى غرفة منخفضة السقف تعبق برائحة الرطوبة والعفن. كأي ربة منزل تقليدية، تستقبلني “الشيخة” في الأسفل بهدوء وثقة، متدثرة بمعطف قطني خفيف فوق جلابية حمراء مع شالٍ أبيض يكاد يغطي رأسها.

ستائر منسدلة تحجب الضوء عن المكان، عدد من المساند المكومة بجانب الحائط المتشقق، سجادة مزركشة تعلوها مرتبة أسفنجية سميكة تربعت عليها الشيخة، وبجانبها مرتبة أقل سماكة لـ “الزبائن”.
وفيما أستكشف المعالم الأولى للمكان، يلسع وجهي قيظ الجمر الذي تشعل به الشيخة نرجيلتها، تقدم لي كأساً من الماء وتطلب مني أن أشرب منه، فهي لن تتكلف أجر “فنجان قهوة” حتى تكون “بصّارة”، كأس ماء من الصنبور يفي بالغرض.
قلت لها: “أرسلتني قريبة جارتي إليك بعد أن ذاع صيتك في فك السحر وكشف المستور وجلب الحبيب وعقد وإبطال الحجابات، علّك تساعديني في إتمام ديني وإيجاد ابن الحلال”.
تسأل الشيخة عن اسم أمي وتاريخ ميلادي، تقرب كأسي منها، تضع كفها أعلى الكأس، وفيما تتمتم بعبارات هامسة، تطبّ الكأس ثلاث مرات متتالية.
“سأذكر لكِ بعض الأسماء، وحين يمر اسم تتعرفين على صاحبه ستشيرين لي بإصبعك”.
تردد المرأة الخمسينية: “أحمد، زاهر، عبد الرحمن، علي، سالم، ياسر”، ترفع رأسها لتستجدي مني جواباَ، أرفع حاجبي ناكرةً معرفتي بجميع من سبق.
لا تفقد المرأة الأمل، تحاول من جديد: “أمجد، حسن، حسام، سامح..”، أستوقفها: “حسن زميلي في العمل وياسر جاري”. ترتسم علامات الانتصار على وجهها: “أحدهما نصيبك”!.
تتابع بعد أن استعادت رزانتها: “إنك مخلوقة من ضلعه، هذا هو نصيبك وعلى يدي بإذن الله، لكن لن تجتمعا إلا..”، تصمت وتعاود النظر إلي وتصرخ قائلة: “سحرٌ أسود”!

تشرح لي الشيخة أن إحدى قريباتي قد عقدت لي حجاباً لوقف النصيب، حجاب مكتوب بدم بشري على ورقة بيضاء مربوطة بقطعة من ثيابي، كانت قد خبأتْهُ في مكان مظلم ونجس”.
تطمئن أم محمد قلقي وحيرتي بحجاب تكتبه ـ حسب المتاح ـ بقلم (BIC) أزرق ناشف، على ورقة “A4 ورق بطّال غراماج 80 من ذاك الذي يصلح للطابعة وتجده كل 500 ورقة في ماعون”، تطوي الورقة عدة مرات وتلفها بلاصق شفاف عدة مرات، محذرةً إياي من فتحها لكي “لا يتلبّسني الجن”.

أودع الشيخة شاكرةً، وأخرج من بيتها بعد أن دفعت “خمساً وعشرين ألف ليرة” ثمن حجاب فتح النصيب، أقطع الشارع وأترجّل في السيارة لأعود إلى مكتب الجريدة برفقة خطيبي!.
وفيما أعيد لرئيس التحرير ما تبقّى من سلفة التحقيق الذي أعدّه، أفتح الحجاب محكم اللصق غير آبهة بالجني المستعد للانقضاض عليّ كي يتلبسني.

وبحسب الشيخة، فإن السحر الأسود والسفلي هو أخطر أنواع السحر ولا يمكن لغير المتخصص ممارسته، فهذا النوع من السحر والشعوذة له مداخل وطقوس خاصة به، ويعمل لتسليط الجن السفلي على المسحور باستخدام طلاسم وعبارات تكتب على شيء من “أثر المسحور” كقطعة من ثيابه مثلا، ومن ثم تحرق وتنفخ في الهواء، أو يكتب حجاب خاص له، ويوضع في مكان قريب من “المسحور” فإما يدفن أو يعلق، أو يوضع في الفراش أو الوسادة أو يتم حل السحر في مياه ووضعه في الطعام.

” ألر، آلم، كهيعص، حمعسق..” مجموعة من الألفاظ المبهمة التي يستخدمها السحرة بهدف خداع أبصار المشاهدين لتمرير حيلهم دون أن تنكشف، وذلك لأن إلهاء عين الرائي وأذنه يجعل من الصعب اكتشاف الحيلة وتمييز الدجال.

حاول علماء النفس والاجتماع والأنثروبولوجيا والفلاسفة أن يضعوا تفسيراً واضحاً للممارسات الغريبة التي يقوم بها السحرة، واختلفت الآراء والتفسيرات، لكنهم في النهاية اتفقوا على ارتباطه بالوهم والاحتيال والخرافة ونسبه إلى أمراض نفسية وعضوية، ولاحظوا انتشاره بين الطبقات التي تعاني من الجهل والفقر، كوسيلة لتعبئة هذا الفراغ الذي يعيشون فيه بالتفسيرات والحلول المثيرة للدهشة.
ومن أشهر الأمراض النفسية التي يعرفها أطباء النفس ويعتقد المصاب بها أنها حالات سحر أو مس شيطاني، مرض الشيزوفرينيا وهو اضطراب نفسي يتسم بسلوك اجتماعي غير طبيعي وفشل في تمييز الواقع. تشمل الأعراض الشائعة الوهام واضطراب الفكر والهلوسة السمعية بالإضافة إلى انخفاض المشاركة الاجتماعية والتعبير العاطفي وانعدام الإرادة.

هنالك ثلاثة عناصر يجب أن تتوفر لكي تكتمل دائرة وعمل السحر، وهي: مشعوذ خبير + مادة السحر + الشخص المراد مسه وسحره. إن اكتملت تلك الدائرة فكيف يمكن أن يؤثر السحر على الأشخاص؟. الجواب هو عبر السموم والمهلوسات.

غالباً ما يطلب المشعوذ من الضحية أن يأكل أو يشرب أو يلمس أشياء محددة، قد يضع فيها سموم ومهلوسات تسبب ضرراً للجسم أو الدماغ، فهناك الكثير من المهلوسات والسموم ذات الأصل النباتي، وهي في متناول الجميع ويستطيع السحرة والمشعوذون الحصول عليها من سوق البزورية على سبيل المثال، وحينما تعطى بنسب قليلة تسبب هلوسات طويلة الأمد، ومنها نبتة ست الحسن، والدولكامارا، والسولانين، والفطر السحري.

وفيما تزعم “أم محمد” وأمثالها أن خدعهم نوع من السحر، ينسب أستاذ التاريخ الاجتماعي أوين ديفيز، في كتابه “السحر”، مصطلح السحر إلى الكلمة اليونانية “ماجيا” التي تشير إلى شكل الطقوس التي يؤديها “الماجو” أو “المجوس” وهم كهنة سحرة من الشرق من مملكة بابلية اسمها “كلدو” تقع جنوب العراق أو فارس قديماً، والمجوس كلمة مشتقة بالأساس من الكلمة الفارسية “ماكوز”، وفي بداية القرن الخامس قبل الميلاد باتت كلمة “ماجيا” هي المصطلح الأكثر استخداماً للتعبير عن هذه الممارسات بعد أن استخدمت ألفاظاً مختلفة في الحضارة الإغريقية مثل كلمتي “فارماكا” و”جويتيا”.تربط المراجع الإغريقية بين الديانة الزرادشتية في بلاد فارس والماجوي، بسبب الأوصاف التي لصقت بالزرادشتيين مثل عبدة النار، واتهامهم بنقل هذه الثقافة إلى اليونان والتشكيك بالراحلين إليها على أنهم ذاهبين لتعلم هذه الطقوس.

“الشيخة أم محمد” ليست الوحيدة في هذا المجال، حيث باتت ظاهرة السحر والشعوذة تجتاح المجتمع السوري بازدياد، بالرغم من تأكيد وزارة الأوقاف على لسان مدير التوجيه والإرشاد، الدكتور زكريا الخولي، أن “السحر حرام في الإسلام لأنه باب من أبواب الشرك والاستعانة بالشياطين، وعلى الإنسان أن يستعيذ بالله من شره، فالساحر ومثله الكاهن والعراف يفسد ولا يصلح، ويثير العداوة بين الناس، ولقد تفشى في هذا العصر خطر السحرة والدجالين والمشعوذين، وخاصة أولئك الذين يتلبسون بلباس الدين وهو منهم براء، واختلط شر الذهاب إليهم بمخالفات أخرى للدين بينة”.

أما القانون السوري فعاقب أعمال السحر والشعوذة وما شابهها معتبراً إياها من الأفعال المخلة بالثقة العامة والتي تمس بالشعور العام لأفراد المجتمع الذين ينخدعون عادة بهذه الأعمال، وفرض المشرع عقاباً على ممارسيها، وإذا تعدت نتيجة الفعل إلى آثار أخرى فإن المشرع قد فرض عقوبات لهذه الأفعال تتناسب مع الأثر الجرمي الذي يحدثه الفاعل أو الساحر أو المشعوذ كأن يقوم الساحر باغتصاب امرأة أو يقوم بجعل أحد الأشخاص يتناول مادة تؤدي إلى إيذائه، فعندئذ يعاقب الفاعل وفق النتيجة الجرمية التي يحدثها.

قصص وحكايات بالعشرات جرت، ولا تزال، داخل الدهاليز المعتمة للمجتمع السوري، أبطالها مشعوذون ماهرون اختبأوا خلف ستار الدين، وسيدات جاهلات يعتقدن بأن كل ما يقع لهن، حتى ولو كان كسراً بسيطاً في القدم، هو نوع من السحر قد أوقعه بهنّ أحدهم.

أما ما أنزل على الملكين ببابل، فلا ندري ما هو.. ولو أراد الله تفصيله لنا لفعل، لكنّه لم يفعل فلا يعنينا.. وأما من يحتج لرأيه، بالقول أنّ نبينا محمد عليه السلام قد سحِر، فقد كفر بالقرآن الذي أنزل على محمّد، ووافق قريشاً فيما كانت تقول “إن تتبعون إلا رجلا مسحورا”.

غروبات خطبة وزواج.. للسوريين حصرن “بالنون وليس بالتنوين”

فاطمة عمراني

“ثلاثيني أعزب، موظف، أبحث عن زوجة أربعينية، موظفة، مقبولة الجمال، تقدس الحياة الزوجية، حنونة وروحها مرحة، يفضل من لديها منزل، ليس طمعاً لكن ظروف الحياة صعبة، من ترغب بالسترة وتجد في نفسها الصفات المطلوبة التواصل على الخاص منعاً للإحراج “.

منشور فيسبوكي لـ (عبدو الشامي) “اسم مستعار” على غروب “خطبة وزواج للسوريين فقط” قام بنشره بعد أن خاب أمله في إكمال نصف دينه بالطريقة التقليدية، وعجز عن العثور على “بنت الحلال” في بيوت أقربائه ومعارفه، فلم يجد بداً من اللجوء لـ “الموقع الأزرق” للبحث عن شريكة حياته المستقبلية.

واشترط عبدو على زوجته المحتملة أن تكبره بنحو 10 أعوام، وأن تكون مقتدرة مادياً، لأن “العرائس” الصغيرات غالباً ما يطلبن مهوراً مرتفعة وشروطاً تعجيزية.

منشور آخر في مجموعة “خطبة وزواج أهل الشام” يقول: “صبيتين شاميات الأصل وحدة 20 أدب إنكليزي، وحدة 18 بكالوريا، مجذّبين، التواصل مع الأهل حصراً”.

ويبدو أن إحداهن كانت خجولة، فساعدتها صديقتها بنشر “بوست” في مجموعة “خطبة وزواج” يقول: “عندي رفيقة عمرها 17، بيضة، مجذّبة، عيونها عسلي، إلها غمازات، طولها 160، من الميدان، طلبها شب عندو بيت ملك، تقبل السفر”.

لا تنحصر طلبات وعروض الزواج بالجغرافيا السورية، حيث نشرت فتاة باسم “عطر الشام” في إحدى المجموعات المشابهة: “السلام عليكم، في صبية حموية عزباء مقيمة بالسعودية، عمرها 20، تدرس أدب عربي، طلبها شاب أعزب وجامعي (جامعة وليس معهد) مقيم في الرياض عمره 26 ـ 30 حموي أو حمصي أو شامي”.

الأوضاع المعيشية الصعبة، تدني الدخل، ارتفاع الأسعار، غلاء المهور، ترسخ العادات والتقاليد، والطلبات التعجيزية للفتيات، وظروف أخرى كثيرة كلها ساهمت بفتح نوافذ مواقع التواصل الاجتماعي في سوريا لبناء عتبة البيت الزوجية.

مجموعات بأسماء “خطبة وزواج للسوريين”، “زواج السوريين في العالم”، “زواج وارتباط للسوريين حصراً داخل سوريا”، “زواج السوريين والسوريات بشرع الله” ومجموعات كثيرة لأهداف مشابهة شقت طريقها للمجتمع السوري “لتجمع رؤوسه بالحلال”.

السبب الشائع للجوء الفتيات إلى هذه الطرق هو “شبح العنوسة” الذي يلاحق من بلغت سناً معيناً ولم تحظ بفرصة الزواج والإنجاب، بالرغم من كون هذا السن يختلف من مجتمع إلى آخر.

وكان القاضي الشرعي الأول في دمشق، محمود المعراوي، قد أكد ارتفاع نسبة العنوسة إلى مستويات غير مسبوقة في البلاد، حيث بلغت70 بالمئة.

من جهة أخرى، تتباين أسباب لجوء “القاصر” للزواج الفيسبوكي، ما بين أسباب دينية أو بيئية أو اقتصادية، حيث أكدت الباحثة الاجتماعية، ندى الطويل، أن بعض العائلات الفقيرة قد تدفع بناتها القاصرات للزواج بسبب الفقر والحاجة، بل أن الفتاة نفسها قد ترغب بالزواج للتخلص من كونها عبئاً على كاهل العائلة، كما يلعب الموروث الاجتماعي كالعادات والتقاليد دوراً أساسياً في بحث القاصرات عن “ابن الحلال”، فلا زال عمر الـ 18 يعتبر “عتبة العنوسة” في بعض البيئات السورية، حيث يتوجب على الفتاة الزواج عند بلوغها.

إضافة إلى ذلك ثمة اعتقاد راسخ بأن الزواج يحمي الفتاة من “الانحراف والدخول في طرق ملتوية”، حيث يصبح الزواج حاجة ملحة للحفاظ على شرف العائلة، وقد تلجأ بعض الفتيات إلى ذلك في أعمار صغيرة هرباً من السلطة الذكورية في العائلة وتسلط الأب والأخ، فيما ترغب الغالبية العظمى من هؤلاء الفتيات بأن تكون “عروساً” فقط، بفستان أبيض وحفلة وعريس وسيم، أسوةً ببنات خالاتها وعماتها وبنات الجيران.

الأسباب السابقة مجتمعة، رفعت نسبة زواج القاصرات خلال سنوات الأزمة إلى 13%، بعد أن كانت لا تتجاوز 3%، وارتفعت حالات زواج القاصرات في دمشق من 24 ألفا في عام 2017، إلى 28 ألفا في 2018، بحسب القاضي الشرعي الأول في دمشق.

بالنسبة للشباب، ربما تكون قلة الثقة بالنفس هي الدافع الأساسي للزواج الفيسبوكي، حيث معظم شبَان هذه المجموعات يختبئون خلف حسابات وهمية بعد عجزهم عن إقامة علاقة طبيعية والتعرف إلى فتاة في الواقع.

أيضاً في ظل تبعثر العائلة الواحدة بين عدة دول وفي بعض الأحيان بين عدة قارات، يسعى بعض المغتربين لإيجاد شريكة الحياة بمواصفات ومقاييس معينة يحددونها في منشورات فيسبوكية.

محلياً، لا زال “الزواج الفيسبوكي” مستهجناً من قبل المجتمع السوري، فمواقع التواصل الاجتماعي بيئة خصبة لـ “التسلية” وعدم الجدية، حيث أن الطرفين لا يعرفان بعضهما البعض ولا العوائل تعرف بعضها، وهذا ما يجعل نسبة نجاح الزواج الفيسبوكي قليلة.

 ففي الزواج التقليدي، تعرف الخطَابة عائلات الطرفين، لكن الوسطاء على الانترنت لا يعرفون الغالبية العظمى من الناس في المجموعة، ودورهم ـ إن كان لهم دور ـ لا يتعدى مرحلة بسيطة من الوساطة بين الطرفين، وبطبيعة الحال، لا يصل إلى الدور الذي كانت تقوم به “الخطّابة”.

عالمياً، أضحت المجتمعات في الوقت الحالي أكثر تقبلاً لمثل هذا النوع من العلاقات وخاصة في ظل انتشار مواقع التواصل الاجتماعي، حيث أكدت دراسة أجراها “معهد بيو للبحوث” أن 11 % من الأميركيين البالغين قد استخدموا مواقع الزواج والتعارف على شبكة الإنترنت وأن 38 % من غير المتزوجين يبحثون عن الرفيق المناسب عبر استخدام هذه المواقع.

المحكمة الشرعية في سوريا تجيز “الزواج عن طريق التواصل مع الزوج عبر مواقع التواصل الاجتماعي ووجود والد العروس وشاهدين”، لكنها ترفض فكرة تثبيت عقد الزواج عن طريق مواقع التواصل الاجتماعي في ظل عدم وجود الزوج أو وكيله الشرعي.

الراغبون بزوجة ثانية وثالثة قد يجدون مرادهم أيضاً في هذه المجموعات، فقد طلب “أبو فادي” زوجةً ثانية “دلوعة وملكة جمال” لتجدد شبابه بدلاً عن “أم العيال” وهو بالمقابل سيغرقها بالأموال.

وفيما يلاحظ أن طلبات “تعدد الزوجات” تشكل نسبة لا بأس بها من مضمون مجموعات الزواج الفيسبوكية، أكدت مصادر قضائية وجود ارتفاع هائل بعدد طلبات تثبيت الزواج المقدّمة يومياً إلى القصر العدلي في دمشق، ووصلت نسبة الرجال المتزوجين من امرأة ثانية في البلاد إلى 40 %. 

وعليه، شدد القضاء السوري على تطبيق شروط الزواج في حال كان الرجل سيتزوج من امرأة ثانية وثالثة، حيث سيتم التدقيق على مسألة قدرة الزوج على الإنفاق، وذلك بوجوب أن يصل دخله إلى ما يقارب 500 ألف ليرة سورية للسماح له بالزواج من ثالثة.

ونصت المادة 17 من قانون الأحوال الشخصية على أنه: يحق للقاضي ألّا يأذن للمتزوج بأن يتزوج على امرأته إلا إذا كان لديه مسوغ شرعي، مع توافر القدرة لديه على إعالة أسرتين، وهو ما يسمى بالملاءة المالية أو شرط الكفاية، وهذا يعني أن القانون اعتبر الأصل هو الاقتصار على وجود زوجة واحدة، لذلك وضع ضوابط لمن يريد التعدد لكونه حالة استثنائية.

ويرتبط المسوغ الشرعي، كمبرر للزواج الثاني، بعدة أمور منها عدم قدرة الزوجة على الإنجاب أو مرض الزوجة، وكل هذا يُثبت طبياً، كما أن القدرة على الإنفاق بحاجة لإثبات أيضاً عبر بيان بالراتب أو شهادة شاهدين اثنين.

ولأن الوظيفة العامة في الدولة لا تتيح لأي موظف مهما علت مرتبته ودرجته الزواج بثانية قولاً واحداً، فإن أي موظف في الدولة ممنوع، فعلياً، من تعدد الزوجات.

وبحسب القانون كذلك، يبدو أن الشاب المهندس المتديّن الذي يبحث عن زوجة عشرينية حلبية، في مجموعة “خطبة وزواج للسوريين حصراً” لن يستطيع الزواج من فتاة أحلامه حتى يسدد ديونه!.

خياران لعبور اوتستراد المزة: مشروع تنويري نهضوي شامل أو فتح الأنفاق

شام الحريري

إضافة إلى قدرتهم الأسطورية على الاحتمال، تفترض محافظة دمشق بالسوريين أن يكونوا قادرين على الطيران، وإلا لما كانت غضت النظر عن كل هذا العدد من أنفاق المشاة المغلقة في المدينة.

عبور المشاة فوق الأوتوسترادات يشكل خطراً حقيقياً على مدار الساعة، وهو واحد من العوامل ذات النصيب المرتفع في التسبب بحوادث السير. ويبرر الكثير من المشاة خوضهم لهذه المغامرة اليومية، بعدم وجود المعابر البديلة الآمنة، ذلك أن أنفاق المشاة غير موجودة عملياً، إلا أن الجهات المعنية تفضل الحديث عن مبررات أخرى، مثل اللامبالاة والإهمال والثقافة البالية والاستهتار بقيمة الحياة!. ما يتطلب، والحال هذه، نهضة ثقافية تنويرية شاملة بدلاً من هذا الإجراء البسيط: فتح الأنفاق!.

في السنوات القليلة الماضية تم إغلاق عدد من أنفاق المدينة لظروف أمنية فرضتها الأزمة، ولكن ثمة أسباب أخرى لا علاقة لها بالأزمة، ذلك أن بعض التجار والمستثمرين قد استولوا على أنفاق المشاة ليفتتحوا محلاتهم فيها، محولين ما يفترض أن تكون معابر آمنة إلى أسواق صغيرة، تاركين المشاة يراهنون بأرواحهم في لعبة الوثب على طرق شاسعة أعدت أساساً لسيارات مسرعة لا تعبأ بالمارين. والمفارقة أن أصحاب المحلات إذ يقفلون محالهم ويذهبون إلى النوم، فهم يقفلون الأنفاق أيضاً!.

يقول أبو محمد، وهو أحد سكان المنطقة المجاورة لنفق عرنوس، “أصحاب المحلات في النفق يضعون حججاً غير منطقية لتبرير إغلاقه.. يقولون، مثلاً، إنه يتحول ليلاً إلى دورة مياه، وكأنهم يفعلون ذلك حرصاً على صحتنا، أما أن نموت على الطريق، فوق النفق، فهذا ليس من شأنهم”.

يبرر مدير الأملاك في محافظة دمشق، باسم سلهب، الأمر بـ “عدم قدرة الورشات على مراقبة جميع الأنفاق بالرغم من وجود كشافين”، وهو سرعان ما يرمي الكرة في ملعب المواطن، معولاً عليه ليكون شريكاً في معالجة المشكلة من خلال الشكاوى ليتم إزالة المخالفة، كما حدث في أحد أنفاق مشاة المزة الذي أغلق عبر بوابات حديدية من الطرفين عند الانتهاء من العمل في المحال وكذلك أيام العطل.. وهو إجراء شخصي من قبل أصحاب المحال، وقد تم التعامل معه من قبل المحافظة والبلدية بإزالة المخالفة خلال ٢٤ ساعة، إلا أنه لا يوجد نص قانوني واضح يدين هذه التصرفات”.

منذ أيام قليلة، وبينما كانت امرأة خمسينية تعبر أوتوستراد المزة فاجأتها سيارة مسرعة وأردتها قتيلة.. وتكشف الإحصائيات المتاحة ازدياداً ملحوظاً في عدد الحوادث المشابهة، واللافت أن معظم الطرق التي تشهد مثل هذه الحوادث تحوي أنفاق مشاة خارج الخدمة، ما يجعل الربط بين الأمرين منطقي ووجيه.

يؤكد فرع المرور بدمشق أن الأسباب المتزايدة لحوادث السير المميتة في الأشهر الماضية كان بسبب تزايد خروج الأنفاق وجسور المشاة عن الخدمة، فضلاً عن الأسباب الشخصية من عدم الانتباه والسرعة الزائدة وغيرها، حيث بلغ عدد الحوادث منذ بداية العام الجاري لغاية ٢٥ حزيران ١٥١١ حادثاً، منها ٨٧٨ تسببت بأضرار مادية، و596 تسببت بأضرار جسدية، بينها ٣٧ حادثة وفاة.

وبالمقارنة مع دول الجوار نجد أن سوريا تأتي بالمرتبة الثالثة بعدد الحوادث بعد لبنان والأردن، حيث سجلت غرفة التحكم المروري في لبنان لعام ٢٠١٨حوالي ٤٥٥١ حادثاً مرورياً، أما في الأردن، والذي يصنف الثالث عالمياً بعدد الحوادث، فقد بلغ العدد العام الماضي أكثر من ١٠٠ ألف حادث مروري.

نحن الآن على أعتاب فصل الشتاء، والمرجح أن يزيد عدد الأنفاق المستثمرة من قبل التجار، ما يزيد من حدة هذا السؤال ـ المفارقة: أليست الأنفاق جزءاً من المرافق العامة؟ ولمن المرافق العامة إن لم تكن للعامة؟!.

التسويق الشبكي نصبة الفقراء على الفقراء

فاطمة عمراني 

كل طالب كان شارداً في دروس الرياضيات بالصف السابع؛ كان عليه أن يتلقى عقوبة ما من أستاذه، ومن لم يفعل، فقد جاءت الحياة لتعاقبه الآن وتفرض عليه غرامة قيمتها 55 ألف ليرة!

غرامة متأخرة سيدفعها أولئك الذين لا يعرفون مفهوم المتوالية، ولا يحسبون أربع خطوات للأمام، وإلا فما معنى أن يصدق أشخاص ناضجون خدعة التسويق الشبكي؟ ويظنوا أنهم سيصبحون أثرياء بمجرد إقناع شخصين آخرين بالوقوع في الخطأ ذاته؟

تذكروا رياضيات السابع واحسبوها بالورقة والقلم، وبطريقة أو بأخرى ستجدون أنه حتى يحقق سكان مدينة سورية واحدة الأرباح التي يتوقعونها من هذه الشبكات، فعليهم أن يقنعوا كل سكان الكوكب بالاشتراك مرتين… 

“الدجاجة التي ستبيض ذهباً” كانت الأسلوب الذي من خلاله وجدت شركات التسويق الشبكي طريقها إلى بعض السوريين، مستهدفين بالدرجة الأولى محدودي الدخل من الموظفين وطلاب الجامعات. 

حيث أن تأمين مستلزمات العيش، بأقل جهد ممكن، كان هاجس الآلاف، فكانوا فريسة سهلة أمام شبكات التسويق الشبكي، أو الهرمي، والأشكال المشتقة منها، مع بعض الاختلاف، والتي تعتبر كلها أشكالاً لمخططات بونزي الاحتيالية، نسبة إلى الإيطالي كارلو بونزي الذي اشتهر بجمع الأموال في أميركا بداية القرن العشرين، وحديثاً اشتهر المصرفي الأميركي برنارد مادوف في عملة احتيال كبيرة في سوق المال الأميركية باستخدام مخططات الاحتيال الهرمي «بونزي».

من حيث المبدأ، لن تجد شركة تصرّح بأنها تعمل ضمن مخطط تسويق هرمي أو شبكي، فالتسويق الهرمي محظور تماماً في معظم البلدان والعبارة بحد ذاتها باتت مرتبطة بمعانٍ سلبية، بحيث كان من الضروري تمويهها إلى ”التسويق الشبكي“ أو ”التسويق متعدد الطبقات“ أو حتى ”البيع المباشر“ في بعض الحالات.

ومع كون التسويق الهرمي هو عبارة لن تسمعها من أحد يحاول أن يعرض عليك فرصة مغرية، فالأفضل هو البحث في الإشارات التي تدل على كون الأمر تسويقاً هرمياً.

أتت تسمية التسويق الهرمي من الآلية التي تمر عبرها الأرباح في هذا النوع من التسويق، ففي الأعلى يقع المؤسس وتحته طبقات متتالية ومتزايدة بأضعاف من السابقة لها، مع كون الترتيب الذي يجعل كل طبقة ضعف السابقة لها هو الأكثر انتشاراً عادة، ويليه مباشرة في الانتشار نموذج متوالية الأربعة، أي يجذب الشخص أربعة أشخاص، ثم 16 ثم 256 ثم 1024.

والمبدأ الأساسي لهذا النوع من التسويق هو مبيع منتجات رخيصة للغاية ومجردة من أي قيمة فعلية بأضعاف سعرها الحقيقي كغطاء لما يمكن تسميته ”بيع الفرصة“، فشراء منتج من إحدى شركات التسويق الهرمي يتيح لك التسويق للمنتج المبالغ بسعره أصلاً وجني المال من العمولات.

للوهلة الأولى يبدو الأمر بسيطاً جداً وبريئاً، فمبدأ البيع والتسويق مقابل عمولة هو مبدأ معروف كون العديد من الشركات تعتمده، لكن مبدأ التسويق الهرمي يختلف هنا بتحويل كل مشترٍ للمنتج إلى ما يشبه وكيلاً للبيع يقوم بالترويج للمنتج مجدداً، ومع كون الأرباح تأتيك سواء قمت بالتسويق بنفسك أو أن أحداً اشترى بواسطتك قام بالتسويق، فالأرباح المحتملة تبدو كبيرة جداً ومن الممكن أن تصل نظرياً للملايين خلال وقت قصير من الزمن.

الطريقة الأساسية لجلب المال في التسويق الشبكي هي الاستمرار في جذب المزيد من الزبائن الجدد، وذلك للحصول على العمولات النسبية الصغيرة على المنتجات التي يشترونها، لكن في التسويق الهرمي لا حاجة حقيقية للاستمرار في جذب الزبائن، فطالما أنك تستطيع جني العمولات من الأشخاص الذين سوقت لهم ومن أي شخص تم التسويق له ضمن الشبكة أدناك فلا حاجة للاستمرار الفعلي بالتسويق. وعادة ما تقوم الشركات بوضع ق