الجماعات حين تأتي فرادى..

د. ناريمان عامر

سأبدأ معك من النهاية، أنت تقرأني الآن وأنت فردٌ مطلق، ربما لا تكون النهاية، فقد تراها بدايةٍ لشيء ما، أو ربما متن موضوع ما، ربما لا تكون شيئاً بكل بساطة، وأنها طريقتك في الحياة فحسب.
تفتنك الـ ربما هنا ذلك أنها لا تقيّدك بجزمٍ للأمور، تطلق الحرية لكل الخيارات.
يسجل التاريخ مشهداً يكون فيه أبيقور مختبئاً وراء أكمة يتابع السيد أفلاطون، وفيما كان أبيقور ينتقد صاحب المذهب الذي اتبعه ملايين البشر لمئات من السنين، ألّف مئات الكتب منغاظاً من تلك الأنا الأفلاطونية التي فيما كانت تزهو بذاتها، وتتغنى بفرادتها، وتؤسس لفن الخطابة كانت في الوقت نفسه تلم شيعتها، تسور مجموعتها تحدد صنوف البشر، ومعادن الناس، هذه الأنا المتفردة، كانت تعمر المدينة الفاضلة، وتضع لبنات تحديد المنطق السليم، تعلم القادة، وتجترئ على الفهم العام.
تنبه أبيقور بحس الخارج عن السرب وغيظ العقل المشاكس إلى الأثر الذي سيحدثه أفلاطون، إلى المجموعات التي ستلحق بركبه، خالف كل نظرات الإعجاب وتجاوز كل الأطروحات المؤيدة للأفلاطونية، ليدافع عن نمطه، ليدافع عن الفرد خارج الإطار، فهجا سماء أفلاطون ومُثله، وردها إلى تصورات غير واقعية، وأكد أن الانسان ابن الطبيعة وأن اللذة هي المتعة بما نحس، لقد قال بالعيش وفقاً للطبيعة. لكن هل كان الانسان غير ذلك قبل الفلسفة؟ لماذا غيّر عيشه؟
بعد موت أبيقور بمدة غير قصيرة انتشر المذهب الأبيقوري في أثينا وبلاد بعيدة عنها، إذ كانت هذه الأفكار حاجة ملحة للعديد من الأفراد ممن دعوا لاحقاً بالأبيقوريين!
إذاً نحن أمام مشهد جدلي مثير؛ فالأنا الأفلاطونية المتفردة أسست لنظم الجماعات وفق مبدأي الخير والشر المنتمين لعالم المثل السماوي غير الملموس، واحتفت بالتنظيم بينما قالت الأنا الأبيقورية المتفردة أيضاً بضرورة العيش وفقاً للذة فلا شيء خارجها، هي الخير والشر هو الألم. ومقياس الخير والشر فردي يحدده الفرد وهو مقياس أرضي يلبي الرغبات. إذاً نحن أولاً أمام نوعين من الآنا، وثانياً أمام تفرد مشترك بينهما، أنا أفلاطونية خارجة عن جماعتها تعي أنها تخط حدود جماعة جديدة وتدعو إليها، وأنا أبيقورية تدعو للخروج عن الجماعة عبر بوابة اللذة الفردية.
سيظهر نيتشه ليوبخ الرواقيين الذين طالبوا بالعيش وفق الطبيعة، ويقول: العيش وفق الطبيعة؟ هل بوسعكم ألا تفعلوا؟ إن ما تدعون إليه هو العيش وفق الطبيعة كما ترونها أنتم، كبرياءكم يريد أن يُملي على الطبيعة أخلاقكم، غروركم وصلفكم جعلكم تعتقدون أن الطبيعة ستدعكم تستبدون بها كما تفعلون مع ذواتكم، أنتم، نعم أنتم، دققوا جيداً بأنفسكم كم تستبدون بذواتكم لتصيغوها على شاكلة الطبيعة كما ترونها!! نعم هذا قول صاحب نظرية الانسان المتفوق!!
ستجد في مكان ما من يشّبه الجماعات بالقطعان، وخصوصيتها بخصوصيّة الحشرات، وستكون الفردانية كمن يحلق عالياً مثل الطيور، وأيضاً ستجد من يرد أن الحشرات غير المنظمة مآلها مآل الصراصير كل على هواه، يمكن أن نسقط عليها قيمنا الانسانية ونقول أنها مشتتة شاردة، تثير غضبنا وقرفنا أيضاً بينما الحشرات المنظمة كالنحل مثلاً نعجب بتقانتها ونتاجها. الحشرات تنتج الحريروالعسل أيضاً!
ضبابيةٌ ما تلف كل ما سبق، أشعر معك أنّه كلامٌ غير منسجم، مفكك، لا يوضح إلى أين تأخذنا هذه السطور، لكنه طريقة خاصة في التعبير عما يجول في الذات المتفردة، وإن نافر قليلاً القواعد التي توافقت عليها الجماعة إذا ما أراد أحد أفرادها مخاطبة باقي أعضاء الجماعة.
سأعترف إني أحاول ـ عبر ركاكة مفتعلة ـ أن أدلل لك هنا، أن الخروج عن النمط وقوانين الجماعة أسمه نشاز، ولطالما حاربت الجماعات الفردانية خوفاً على عقدها من الانفراط، تخيل معي أنك تقرأ نصوصاً تشبه السطور السابقة، وأنه بدعوى الفردانية يحق لكل منا أن يفعل ما يشاء، تخيل معي لو لم يكن هناك المعيار! نتفق أنا وأنت الآن على أن ما سبق ركيك وغير مؤتلف؟ إذاً يبدو أنك من جماعتي، سنتفق ثانية أن الفردانية التي جربتها هي فردانية هشة، نعم هي كذلك، هل توافق معي أن نعود إلى الإطار لنقول ما نريد بكلماتٍ ومنهج توافقنا عليه سلفا؟ هيّا..
تبدو إشكالية الجماعة والفرد إشكالية قديمة، وستبقى ملازمة للفكر البشري، فالانسان اجتماعي بطبعه، ولا يستطيع العيش إلا في جماعة، لكن تطور النوع الإنساني- كما التطور لدى جميع الأنواع- يحتم التطور الجيني، وأيضاً “الميمي”، التطور الجيني الذي يكتسبه بانتقال المجموعات وترحالها ومواجهتها للشروط الطيعية والبيئية، والميمات التي تتطور بتطور الأنساق المعرفية التي تفرضها ضرورة تطور المجتمعات، في كلا الحالين تحدث طفرة جينية أو ميمية حين يتيهئ الظرف لدى فردٍ ما ليشب عن الطوق ويخرج من الإطار، تلتحق به كل جينة أو ميمة لديها قابلية للتطور، لا تنجح تلك الطفرة إلا إذا كانت محمولة على أنا جسمانية ونفسية، إن التفرد كما الجنون، قد يحيل إلى مصحة عقلية أو إلى الخلود في التاريخ، وربما كليهما، وما كان للجماعة أن تتطور دون بروز أفراد كشافة خرجوا عن المألوف، وسلكوا معابر جديدة، ولكل معبرٍ مخاطره، لكن ما من جماعة متينة إلا وأنتجت أفراداً طوروها، وما من أنا فذّة إلا وغيّرت من حولها.
يبقى أن نقول أن الجماعات الأصيلة تشجع الفردانية لعلمها أن البقاء للأصلح، وأن السخيف منها ستذروه الرياح فهذا من طبائع الأشياء.

الفردية أن تكون في الجماعات أحياناً

يعرب العيسى

تحيل كلمة الجماعات الذهن تلقائياً ليفكر بالطبيعة، وتخطر له صور تلك القطعان السارحة في السهوب أو في الأوكار، بدرجات تنظيم متفاوتة، وليست كلمة القطيع هنا شتيمة ـ كما درج ـ بل هي توصيف طبيعي لعملية تطورية راكمتها الحياة عبر ملايين السنين.
تعيش الحملان في قطيع، لا تستطيع غير ذلك، هذا مفهوم من وجهة نظر الطبيعة، فهي كائنات بلا أنياب، وسرعتها محدودة، وقرون ذكورها لها وظيفة جمالية أكثر مما هي قتالية، وفوق كل ذلك لحمها لذيذ، إذا فهي مستهدفة من كثيرين، وتواجدها معاً يقلل من تبعات ضعفها.
لكن الذئاب أيضاً تعيش في قطعان، رغم عدم حاجتها البيولوجية لذلك، حنين جيناتها يقودها، لكنها تترك لكل فرد منها إن ينفر وحيداً إذا ما اشتهى الصيد بمفرده، وأن ينزوي إذا ما تعرض لجرح، وتتركه حتى يشفى كما يشاء.
معظم الطيور لا تنتظم في جماعات إلا حين تهاجر. وحين تبلغ محطة الوصول تعود للتفرق، يأخذ كل ذكر انثاه إلى عشٍ منزوٍ، يغني لها وينجبان طيرين جديدين، سيعرفان بالغريزة أنهما سيحتاجان الجماعة عند الانتقال من البلاد.
في عالم الحشرات المتقدمة يسود نظام صارم يضبط مهام الأفراد بما يخدم الجماعة وسيدة الجماعة، لا معنى لأية خصوصية هناك، الانتحار في سبيل الجماعة فعل نبيل ومشرّف، العمل الدؤوب والمتكرر إلى الأبد هو المهمة المقدسة وهو المعنى وسبب الوجود.
لا أحد يريد ان يكون نملة نشطة تجوب الحقول بحثاً عن حبة حنطة، منذ شروق الشمس وحتى المغيب، ودعاة الجماعات المنظمة، من يريدون نقل تنظيم قبيلة النمل إلى قبائل البشر، هم أولئك الذين يرون انفسهم ملكات، ويريدون تطويعنا لتنفيذ ما يخطر لكم من إبداع، ولا بأس أن يموت البعض منّا في سبيل ذلك، أن يشقى البقية، فدائماً ستجود عقولهم بمزيد من الأفكار.
لم يسبق أن قرأنا أو سمعنا خطاباً أو شعراً أو فلسفة تقول: أحلم أن أكون نحلة نشطة أجمع الرحيق دون كلل، أحتاج فقط ملكة تتحكم بي وتوجهني.
درَسَنا العلماء بوصفنا حيوانات، تنطبق علينا معايير الطبيعة، ووجدوا أننا من تلك الحيوانات التي تعيش وحيدة (رجل وامرأة وبضعة أطفال في كهف)، بطبيعتنا نشبه الضباع أو الثعالب، وانتظامنا في جماعات جاء في مراحل متقدمة من تطورنا، وبالتالي فهو أمر طوعي، نتج عن الحاجة لتحسين عملية الصيد، وما تلاها (من الزراعة وحتى صياغة عقود بيع المشتقات المالية).
لا خيار للنملة في المملكة التي تنتمي إليها، ولا في العمل الذي تؤديه لخدمة هذه المملكة، لكننا نحن البشر قادرون (غالباً) على اختيار وتغيير البلد والحي والمهنة والايديولوجيا والإيمان وتراكب الأسنان ونادي كرة القدم واللغة وحجم الأنف ولون البشرة والذائقة الموسيقية.
وحتى الجماعات الأعمق، مثل الانتماء العرقي والقومي والديني، تركت لنا الحياة فرصة معقولة لتغييرها، على الأقل للتخلي عنها، أو التخفف من أثرها علينا، وغالباً ما نتمكن من ذلك بمجرد إجراء تغيير بسيط مثل الانتقال من المكان، أو الانتظار قليلاً في الزمان، أو صمّ الأذنين ببساطة.
أهم شعراء الزنوجة في ستينات القرن العشرين كانت امرأة بيضاء، ومؤسس فكرة تفوق ألمانيا كان نمساوياً، واحتوت الأحزاب القومية العربية على مؤسسين أكراد وتركمان.
وحتى على المستوى الأكثر طبيعية، فانتمائنا جميعاً للنوع الانساني بمواصفاته البيولوجية، لم يمنع البعض منّا من ان يكونوا نباتيين، بل وينتظموا في جماعات تنظّر لذلك، وتلوم الآخرين.
نحن أفراد، هكذا أنجبتنا الطبيعية، وانتظمنا في جماعات حين احتجنا ذلك، وخيارنا الطوعي في الانتظام ضمن جماعات هو التعبير الأعمق عن فرديتنا، لأننا دخلناها طوعاً، ولأننا تركنا لأنفسنا ـ مع دفع بعض الأثمان ـ خيارالتراجع عن ذلك.
لو لم نكن في الأصل أفرداً، فلم نصّت قوانين الجماعات بوضوح وشدّة وقسوة على عقوبة مغادرتها؟ لأنه لا فعل أكثر فرديةً من مغادرة الجماعات.

لا تهدموا أسوار العالم

د. ناريمان عامر

يقول نيتشه في كتابه “ما وراء الخير والشر” بلسان يسوع ليهوده “القانون للعبيد، أحبّوا الله كما أحبّه، بوصفي ابناً له: ماذا تخصنا، نحن أبناء الله، الأخلاق؟”.

تستوقف هذه العبارة أي قارئ يقوده شغف المعرفة لاستجلاء معاني مفرداتها والكشف عن مآلاتها: “القانون”، “العبيد”، “الله”، “أبناء الله”،”الحب”، “الأخلاق”، “نحن”..

ماهو القانون؟ من هم العبيد؟ ماذا يعني بالله وأبناء الله؟ ما الحب؟ من نحن؟ ماهي الأخلاق التي يتحدث عنها؟ ستغدو الاجابات المحتملة عن كل مما سبق هويات ثقافية متجاورة، أو ربما نجد إجابات فردية تنم عن بصماتٍ جديدة في عالم الفكر الإنساني. وبكلماتٍ أبسط؛ من الإجابات يمكن للعارف أن يميز بين اليميني واليساري، المتدين واللاديني، من المتدينين المسيحي دون سواه، يميّز المحافظ من المتحرر، الجمعي من الفردي، المحب والكاره. وبجهد أكبر تبرز هويات سياسية اقتصادية فقد يمكننا تمييز الليبرالي والليبرالي الجديد والاشتراكي والأممي..

كل تلك التمييزات التي قد نصل إليها تدعى إيديولوجيا الفرد، فالايديولوجيا بتعريفها الأبسط كما وصلت إلينا من كتب الثقافة الوطنية هي جملة الآراء والأفكار والمعتقدات التي يحملها شخص ما وتشكل نظّاراته إلى العالم، فتحدد مساره.

ربما تبدو كلمة نظّارة غريبةً نوعاً ما في هذا السياق، لكنها الأنسب للدلالة على المقصود، تخيّل معي أنك تضع نظارة وردية؛ فإنك حتماً سترى العالم وردياً ولو كانت سماوية ستراه سماوياً، لو كانت بلون الفرح سترى العالم فرحاً، ولو كانت بلون الكآبة ستراه كئيباً.. كذلك تفعل معتقداتك، تشكّل عدساتك التي ترى بها العالم فيأخذ العالم لونها.. وتسير على هديها. لهذه النظارة تاريخ كما كل شيء تقريباً:

 لقد ولدت منذ اللحظة التي بدأ فيها الإنسان الأول يميز ما بين الشيء الطبيعي المنتمي إلى الطبيعة، وما بين الشيء الإنساني الذي ابتكره هو بنفسه، الأشياء الطبيعية والانسجام مع قوانين الطبيعة لا تحتاج إلى نظارة فالعالم هو ما يصل إليه نظر إنسان ذاك الوقت مع بضعة كيلومترات محيطة، والأعمال مقسمة كما هي مقسمة في مملكة الحيوانات لكلٍ عمله الذي يأخذ قيمته من درجة الإنجاز، لكن الكوارث الطبيعية والأخطار المحيطة بالتجمعات البشرية الأولى واللقاء اللاحق بين مجموعات البشر دفع البشر المعنيين بالتخطيط والتفكير إلى تطوير سردياتهم عن ضرورة تسوير أماكن التجمع “عالمهم” مادياً ببناء الحصون، ومعنوياً بتكريس الوضع القائم على تقسيم العمل، وهنا انبثق العرف الاجتماعي الشكل البدائي للنظارة – التي نتحدث عنها – وتميّزت طبقة العارفين التي تحدد لون عدساتها. لقد كان العرف السائد في كل تجمع هو مصدر الحقائق للجميع، وقد استعان العارفون بالآلهة ليمتّنوا الأسوار المبنية حول الوجود وليحيطوا ما ارتأوه بالقدسية التي تمنع تجاوزه بالتلويح بعقاب الآلهة، لكن ومع تصاعد شهوة السلطة والتوسع لدى الإنسان، سرعان ما دُكّت الحصون، والحدث الأهم هنا المواجهة التي حصلت بين الأعراف والسرديات المختلفة،  فمثلاً الرأي القائل أن الألهة خُلقت في الأرض كما قال اليونان، لا يشبه الرأي القائل أن الألهة خَلقت الأرض كما قال معتنقو الديانات التوحيدية، والآلهة التي تتشبه بالبشر وصفاتهم هي غير الإله المنزه عن الصفات. وكذلك القوانين التي احتاجتها المدن حين تشكلها بدت مختلفة بين شرقٍ وغرب، بين حضارةٍ وأخرى، تلك المواجهة أدت بعد زمنٍ غير قليل إلى المواجهة بين التفلسف والدين، بين عقل الإنسان الخالق وخالق العقل، والتي أفضت إلى مصالحة بينهما في روما الامبراطورية العظمى التي اعتنقت المسيحية في نهاية صراعٍ طويل، وأفضت بعد حين إلى غلبة الدين على التفلسف كما في الحضارة الإسلامية، لكن تطور النوع البشري لم يكن ليسمح بثبات الحال، فمع ازدهار العلوم ظن الإنسان أنه وصل لنهاية العالم وأحاطه معرفةً وعندما تلمس الإنسان مقدرته السيطرة على الطبيعة، وقدّر أن أسوار العالم تلك كانت وهماً لرد الخوف وتكريس السلطة؛ بدأ يتملل من القداسة التي طالما زعمت أنها تحميه من غضب السماء، وبسبب إيمانه بقدرة عقله على رد الكوارث وبسبب صعود طبقات طموحة وجدت في سلطة رجال الدين عائقاً؛ كُسرت النظارة التي تحكم علاقة السماء بالأرض لصالح أخرى تتفحص علاقة الأرضيين ببعضهم، واسُتبدلت حصون المدن بحدود الدول الناشئة، دفعت البشرية ثمناً يقدر بالحرب العالمية الأولى في سبيل ترسيم هذه الحدود، ودفعت ثمناً آخر هو الحرب العالمية الثانية في سبيل تكريس هوية وطنية قومية لهذه الحدود. وبعد أن فُصِّلت نظارات تناسب القوانين الوضعيّة الناظمة لعلاقات البشر في تلك الدول تآلف المتفق منها وتنافر المختلف، نشبت حرب جديدة دعيت الحرب الباردة بين معسكريين اختزلا التآلف والتنافر، المعسكر الاشتراكي والمعسكر الامبريالي كصيغتين بارزتين لخلاصة سعي الإنسان لنظم عالمه، انتهت بفوز المعسكر الثاني مع محاولة تعميم نظارته على العالم. وهنا تجدر الإشارة إلى أن التاريخ السابق الذكر للنظارت هو تاريخها في الحضارات الصاعدة والمتتسيدة في الجزء الشمالي الغربي من الوجود الإنساني، وبذلك لا بد من القول أن باقي الحضارات حافظت على نظارتها بنسب متفاوتة وأدخلت تعديلات على عدساتها بما يتناسب مع وضعها، وهكذا لم يكد عصر الانترنت والتواصل الاجتماعي يبدأ حتى وجد البشر – كأفراد وكمجموعات – أنفسهم أمام العالم مؤطراً على شاشة الكمبيوتر أو الهاتف النقال، محمولاً على تشكيلةٍ غير منتهية من النظارات، هذا ما دفع العديد من المفكرين بإطلاق فكرة موت الايديولوجيا، فأمام هذا الانكشاف وبعد أن أصبح العالم قريةً كونية على شاشة محمول، لم يعد الانسان بحاجة النظارات، لكن وعلى ما يبدو أن الأمر لم ينته هنا، فكما هو النظر إلى الشمس مباشرةً مُبهر ومُعمٍ كذلك هو الأمر حين النظر إلى العالم دون أسوار، دون نظارات، إن هذا التنوع الهائل من الأفكار والنظريات والمنظومات الدينية والسياسية والاقتصادية يلفظ العالم إلى العمه، إلى الفوضى، إلى السير على غير هدى، حتى الآن لايزال العديد من البشر متمسكاً بنظارته القديمة فيمكننا تصنيف مجتمع بوصفه دينياً وآخر بوصفه علمانياً وغيره بوصفه ليبرالياً وذاك استبدادياً.. الأمر الذي يتيح للآخر التوافق أو التنافر معه وبالتالي أخذ موقف ايديولوجي والتمسك بنظاراته بنسب متفاوتة.. لكن ماذا لو كسر كل البشر نظاراتهم؟!.

الإنسان يجد معناه في الجماعة، والجماعة لا تصبح كذلك إلا حين تسورها حدود ما، والتطور الفردي والجمعي يحتاج إلى تحديد مسار فلا غنى إذاً عن الايديوجيا، وربما تكون فكرة موتها لحظة احتاجها الإنسان ليتجاوز ذاته، لكنه سيكون بحاجة لصنع نظاراتٍ جديدة، وتمتين أسوار عالمه من جديد.

لذلك تريث قليلاً وأنت تدعو لسحق النظارات، لهدم جدران العالم..

ملاحظة: العبارة التي وردت في بداية المقال هي لاختبار حدة نظرك.

بشرٌ أم مناضلون؟

يعرب العيسى

نبيلٌ للغاية أن نموت من أجل فكرة.

سأرتقي  لذلك، فقط اعثروا لي على واحدة تستحق.

تتشارك كل الأفكار الجديرة بالاستحقاق (من بين تلك التي قابلتها حتى الآن)، في نقطة مركزية، وهي أنها تحمل في داخلها ـ بكل نبل ـ إمكانية إثبات أنها خاطئة، وهذا يجعلها تتشارك أيضاً مجموعة من الملامح الظاهرية مثل الإعلاء من شأن الحياة، وهجاء الموت بأقذع درجات الهجاء، حتى أن بعضها لا يرى سبباً  كافيا للموت سوى الضجر  (أقدمها على الإطلاق يسميه السأم من تكاليف الحياة).

فمن بين ما قابلت من أفكار كانت تلك التي أقنعتي أنها تستحق أن أموت من أجلها، تريد لي أن أعيش، بل وتريد لي أن أعيش سعيداً، وأكثرها لطفاً كانت تهمس قائلة: انغمس فيما تحب، وبمن تحب، فهناك طريقة واحدة لاصلاح العالم، وهي أن تصلح بقعتك منه.

مهما صنعنا من رموز، ومهما رسّخنا هذه الرموز وأحطناها بهالات القداسة، تبقى الايديولوجيا  فكرة خطرت لإنسان، ومهما عظمت هو ـمحض إنسان  عاش محكوماً بزمنه وبيئته، والثقافة التي يتيحها كلاهما، أعجب بفكرته بضع آخرون، وتحولوا ـ لسبب أو لآخر ـ إلى مبشرين ودعاة وحواريين، أو أياً كان اسمهم.

لا يقلل من شأنها أن تكون خطرت له في الحمام، أو أثناء مراقبة الحملان، أو في مغارة، أو نتيجة مناكفة مع أحد، ولا يزيد من شأنها أن يتبعها مليون أو مليار، فهي مؤقتة مثلنا جميعاً  أفراداً وأشجاراً وأمم وقارات.

تشيح الايديولوجيا بوجهها عن الزمن، فهو عنصر مزعج لمن يريد أن يرى في نفسه صفة الأبد، ومزعج أكثر لمن يحب ربط نفسه بالأزل، وهذه نقطة ضعفها الأساسية، فما من ايديولوجيا إلا وتظن بنفسها السرمدية، وتعامل العالم على هذا الأساس.

لقد غفر العلم ذات مرة لاينشتاين خطأ اعتقاده أن الكون ثابت، ولكني أرجّح أن ذلك كان عفواً خاصاً لن يتكرر. ولن يكون بإمكان أصحاب الايديولوجيات أن يحاججوا بقولة الثبات، دون أن يصرخ بوجههم أي طالب فيزياء: لقد كان ذلك خطأً، أما زلتم هناك؟

من عيوب الايديولوجيا البنيوية أنها تحتاج عدواً، ولا يستقيم وجودها دون وجود ذاك العدو، وهذا يجعلها مضطرة لإتيان أفعال ساذجة وتلفيق صفات وأحداث وتصورات، مرةً تعلي من شأن عدوها، وتنسب إليه قدرات أسطورية، لتبرر نفسها، ومرة أخرى تضطر أن تستبدل به صديقاً سابقاً، وتشيطنه.

تقوم إحدى أقدم السير الشعبية العربية (الزير سالم) على فكرة الحاجة لعدو، فطيلة أربعين عاماً تجنب الزير قتل عدوه، لأن موت جسّاس كان يعني موت قضية الزير، وفقدان معنى حياته، ورغم أننا بعد ستة عشر قرناً على تأليف تلك الحكاية بتنا قادرين على النظر إليها بتعقل وتفهّم، لكننا مع ذلك ما زلنا ندور حول جسّاسنا، محاذرين أن نصيبه بأذى، كي لا نفقد “قضيتنا”، وبلاغة تلك الأشعار التي نكتبها لدم كليب.

أصحاب الايديولوجيات وورثتهم، يحتاجون بعضهم، ويشكلون فيما بينهم تحالفاً غير مقونن وغير معلن، فهم يرون أنها جدران العالم التي ترسم المسافات والحدود بين البشر، وهم ذات البشر الذين ولدوا اول ما ولدوا طلقين عراة مشاءين، وولدوا مفطورين على الضجر.

وهم يرون كذلك أن عيوننا البشرية الصغيرة غير قادرة على رؤية العالم بشكل صحيح، وهي معرضة (كما يمكن ان تسمع في أي عيادة عيون) لانحراف وقصر ومدّ ومدّ شيخي وكسل وقذى وخدش… وأن الايديولوجيا هي النظارات التي تحسّن رؤيتنا وتصوبها.

لا بأس ــ ولا بدّ كذلك ـ  من أن يضع واحدنا نظارات الإيديولوجيا على عينيه وهو ينظر إلى العالم، وحتى نحن ـ المتهتكين أعداء الإيديولوجيا ـ  نفعل ذلك أحياناً ونتفهمه دائماً، لكن ما نريده هو حقنا بتغيير نظاراتنا كلما شعرنا بان النظارات التي نلبسها تتعب عيوننا أو حتى كلما نزل “موديل جديد”. وأن لا يستتبع ذلك تهم عظمى من قبيل: المرتد، العميل، الصعلوك الخائن لطبقته..  

تقدم لنا الايديولوجيا شعورين  رائعين:

ـ أنا متميز جداً، لدي فردوس سأصل إليه، حتى أنني لن أكتفي بالجلوس بانتظار موعد الذهاب لهناك، أنا اناضل لأجل ذلك، وأناضل لآخذ معي أكبر قدر ممكن من البسطاء المساكين.

ـ لا أريد الاعتراف بذلك، ولكن في الحقيقة أنا مجرد كائن في الطبيعة، وأنا ضعيف، ولست واثقاً من قدرتي على الذهاب منفرداً، الطريق موحش ومظلم ومجهول، سأمضي مع كل هؤلاء، فإذا تبين أني مخطئ، فسنكون جميعاً مخطئين، وأصلّي أن لا نكون جميعاً مخطئين.

أخبروني عن شيء في هذا الكوكب سوى الايديولوجيا قادر على تحقيق تلك المعجزة، أن يشكل نقطة التقاطع بين نقيصتين بشريتين بهذا التناقض: الغرور والقطيعية.

لو اتفقنا أن القانون ليس ايديولوجيا، فلن يكون “الآخرون هم الجحيم”، وسيعود الضلع لصدر شيئه، كما كان عليه أن يفعل منذ الأزل .

في حكاية غير واضحة النسب يقول الحكيم لتلميذه: لا تمنع نهراً جديداً من التشكل، فيرد التلميذ من قلب حيرته: لن أفعل، ولكن كيف استطيع ذلك أساساً؟ ينظر الحكيم بحب عميق ويوضح: بأن تُحسن الغناء للنهر القديم.

سدنة الايديولوجيا: هذا النقاش هو نوع من أنواع التمارين الذهنية لا أكثر، فانهاء هذا النقاش او تبريده سيحتاج فقط بعض الوقت، وحسمه نهائياً يحتاج فقط أن تستمروا بأداء هذا الغناء الرديء لأنهاركم القديمة.  

لسنا بخير
النقد البنّاء.. للمبتدئين

سلمان عز الدين

كان الوجوم مخيماً على ركاب السرفيس الذين بدوا كمشيعين في مأتم الحياة نفسها. لا كلمة لا ابتسامة لا نظرة ود واحدة.. فقط لكزات أيد متوترة من أجل تمرير الأجرة إلى الأمام.

وحده السائق بدا من عالم آخر. كان يتشبث بابتسامة مشعة، مرحباً بالركاب الصاعدين، ومودعاً المغادرين كأنه واقف على باب بيته. شيئاً فشيئاً سرت العدوى إلى الركاب، فانفكت ألسنتهم وانفرجت شفاههم.

وفي لحظة طيش، أدار السائق مفتاح تشغيل الراديو، فانبرت مذيعة توبخ الركاب على كثرة شكواهم، مؤكدة أن الأمور على ما يرام، وأن الشعور بالأزمات هو مجرد وجهة نظر متشائمة.. فجأة عم صمت مدو، وصار السرفيس برمته على شفا شتيمة قد تلعلع من هنا، أو صفعة قد تنطلق من هناك.

إلى سنوات قليلة خلت، كان الصحفيون الذين ينتقدون انقطاع المياه في صحنايا أو تقنين الكهرباء في السبينة أو انفجار مجرور صرف صحي في نهر عيشة، يخاطرون بوضع أنفسهم تحت شبهة التواطؤ مع الحكومة، على اعتبار أن هذه “الكتابات الجريئة!” لا تفعل شئياً سوى “تنفيس الرأي العام”. وكان الصحفيون “الجريئون” يردون بغضبة المظلوم، ولكن بواقعية المغلوب على أمره: يحطمون طواحين هواء مهجورة، ويذبحون أبقاراً غير مقدسة، بلا صاحب، وتائهة في براري منسية..

 غير أن مذيعة السرفيس إياها، وزملاءها، يجعلون ذكرياتنا مضمخة بالحنين إلى تلك الأيام التي اعتقدناها عصية على التطويب فردوساً مفقوداً، فهم، وبدلاً من التنفيس، لا يتورعون عن النفخ في الجمر بكل ما أوتوا من شعارات وكليشات وأهازيج.. وفيما نحن نأكل البصل يأتي هؤلاء ليجبروننا على أن نتجشأ تفاحاً.

إذاعات وقنوات تلفزيون ومواقع الكترونية كثيرة، باتت مزدحمة بخبراء التغذية الذين يتنافسون على اجتراح طرائق لـ “الدايت”، على اعتبار أن البدانة، لا الفقر، هي الخطر الذي يتهدد أرواح السوريين اليوم. خبراء نفسيون يسعون إلى إنقاذ حياتنا من الرتابة، فينصحوننا بالذهاب إلى أحضان الطبيعة الغناء في الريف، كل نهاية أسبوع (الويك إند يعني)، وإلى البحر ثلاث مرات، على الأقل، في السنة.. أخصائيون تربويون يلحون على ضرورة ألا نفرد لكل واحد من أولادنا غرفة خاصة كي لا نغذي أنانيتهم وشعورهم بالوحدة!.

“حياتنا طبيعية.. طبيعية تماماً”.. هكذا يكرر هؤلاء الإعلاميون وضيوفهم بطريقة وسواسية، حتى بتنا نرتاب في وجود شيء غير طبيعي، ليس في حياتنا غير الطبيعية حتماً، ولكن في هذا “الاستهبال” الذي يستميت في إثبات أن حياتنا طبيعية..

مدرسة الصحافة السائدة الآن لا ترى في قطار الساعة الثانية، الذي يصل في الساعة الثانية، خبراً صحفياً ممتازاً وحسب، بل هي تحتفل (وتدعونا للاحتفال معها) بقطار الثانية الذي يصل، بمعجزة، في الثالثة والنصف.. فرن الخبز فيه خبز، وجرة الغاز فيها غاز، وحنفية الماء تصب ماء (أحياناً).. وإن كنتم لا تعرفون، فهذا هو بالضبط النقد البنّاء.

طرده الأدب واضطهدته الصحافة عن المقال الذي لا يرغب أحد في كتابته

سلمان عز الدين

يقدم «غوغل» ـ دونما قصد ـ فكرة عن الالتباس الذي لا يزال يغلف فن «المقال»، فملاحقة هذه المفردة، عبر محرك البحث الأشهر على الانترنت، تقودك إلى خليط غير متجانس من الأسماء والعناوين والمصادر والكتابات. فمن المازني إلى توماس فريدمان، ومن طه حسين إلى مجدي الجلاد، ومن «جزالة اللغة في المقالة الأدبية» إلى «أسلوب الهرم المقلوب في كتابة المقال الافتتاحي لصحيفة يومية»، ومن «الفرق بين الخاطرة والمقالة» في كتاب ناقد كلاسيكي إلى «الفرق بين الزاوية والعمود» في كتاب أكاديمي لإحدى كليات الإعلام..

ولا تجدي المعاجم والمراجع الورقية في إنقاذك من الحيرة، فالتعاريف الكثيرة لـ «المقال الأدبي» تجعلك تتساءل إن كانت تتحدث عن الشيء نفسه، أما ما اتفق منها على قواسم مشتركة، فهي قلما تتفق مع ما ترسخ في كتابة هذا النوع عبر السنين.

يعرف الدكتور جونسون المقالة بأنها «نزوة عقلية لا ينبغي أن يكون لها ضابط من نظام؛ هي قطعة لا تجري على نسق معلوم، ولم يتم هضمها في نفس كاتبها..».

وكان فرانسيس بيكون قد وصفها بأنها «ملاحظات مختصرة كتبت من غير اعتناء. إنها مذكرات موجزة وأفكار متقطعة يعنى فيها بمعانيها لا بأسلوبها». واللافت أن كثيراً من النقاد المعاصرين رددوا أشياء مشابهة لهذه التعاريف القديمة، مشددين على «عدم الاكتمال، واللا نضج، واللا نظام، والإحاطة بالأبعاد الخارجية للموضوع دون التعمق فيه، وعدم العناية بالأسلوب».. وما يبعث على الدهشة أن كل ذلك لا ينسجم مع حصيلة النتاجات في هذا النوع الكتابي، إذ لطالما فاخر كتاب المقالة بأسلوبهم الأدبي الرفيع وعنايتهم باللغة، كما اشتهر عدد منهم بدقة أفكاره وعمق طروحاته. وسيكون غريباً أن يتقيد كاتب مقال ناشئ بهذه الشروط: «أن يكون غير ناضج ولا يحيط إلا بالمظاهر الخارجية متجنباً العمق والعناية بالأسلوب»!

وبعيداً عن التعريف، العقيم والفائض عن الحاجة أصلاً، فقد عانت المقالة، ومنذ نشأتها في القرن السادس عشر وحتى نهاية عصرها الذهبي في أواسط القرن العشرين، من الاختلاط بفنون وأنواع كتابية أخرى، إذ شهدت الأوساط النقدية العربية سجالات حول رسم الحدود بين المقالة وكل من الخاطرة والخطبة، وكذلك بينها وبين الرسالة والمقامة التراثيتين..

 وشيء من هذا شهدته الأوساط الأدبية الأوربية، حيث دار الحديث حول التخييل في المقالة الأدبية، وما إذا كان ذلك يخرجها من دائرة المقالة إلى دائرة القصة القصيرة (المثال الأشهر هو الجدل حول عدد من نصوص جورج أورويل، ولا سيما «حادثة شنق» و«صيد فيل»)..

غير أن وجه الاختلاط الأبرز يبقى هو الذي يجمع المقال الأدبي مع المقال الصحفي، إذ يؤكد أكاديميون وباحثون أن الاثنين هما اسمان للشيء نفسه، وبالطبع هذا يغضب النقاد ومؤرخي الأدب.

على كل فليس أي من هذه المسائل مما يتسم بالراهنية. إن النقاش هنا يشبه النقاش حول ما إذا كان الماموث فيلاً أو وحيد قرن أو مجرد ماموث وحسب. أجل فإن المقال الأدبي هو نوع منقرض، أو ـ بقليل من التفاؤل ـ آيل للانقراض.

في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر كان العديد من الكتاب البريطانيين والأميركيين يعتبرون أن المقال هو «النوع الأدبي الأصلي وأفضل وسيلة لعرض أفكارهم وتأملاتهم»، ولنتذكر أن إرفينغ واشنطن وإمرسون وثورو.. قد حازوا شهرتهم الكبيرة بوصفهم كتاب مقالات أساساً، وحسب الناقد البريطاني برنارد كريك، فإن مقالات أورويل، لا رواياته، هي التي منحته «العظمة»، و«لقب أفضل كاتب إنكليزي في مرحلة ما بين الحربين»..

وعربياً، فقد كان نجوم الأدب، والفكر والشأن العام.. كتاب مقالات قبل أي شيء آخر: رفاعة الطهطاوي وعبد الله النديم ومحمد عبده والعقاد والمازني وطه حسين وخليل مطران وأديب اسحق وسليم النقاش وأحمد أمين..

أمجاد غابرة.. فالمقالة اليوم باتت عنواناً لطراز عتيق من الكتابة الأدبية، والمؤلفون الذين يصطحبون نتاجاتهم، والتي ليست بقصص أو روايات أو شعر، إلى المطبعة صاروا يفضلون إدراجها تحت تنويعات من العناوين العريضة الأكثر «حداثة»: «نصوص، كتابات، نثر.. ».

 هذا التراجع ليس مقصوراً على المشهد الأدبي العربي، فمعظم الكتابات النقدية الغربية باتت تحصر الأدب في أنواع ثلاثة: «الشعر والقصة الخيالية والمسرح». الشيء الذي دفع الكاتب الأميركي أي. بي. وايت إلى القول إن «كاتب المقال انكب على جنس مهمش ولا بد أن يقنع بالدور الذي فرضه على نفسه بأنه مواطن من الدرجة الثانية».

الكاتب الفرنسي ميشيل دي مونتين (١٥٣٣ ـ ١٥٩٢)، والذي يجمع الدارسون على أنه رائد فن المقال الحديث، قال في مقدمة «محاولات» ـ الكتاب الذي جمع مقالاته ـ «إن ذاتي هي موضوع مقالاتي». ومنذ ذلك اليوم ظلت المقالة ميداناً رحباً لذات الكاتب، الذي كان يجاهر بـ (أناه) ولا يسعى إلى إخفاء أن موضوع مقاله يُعرض من وجهة نظره ووفق رؤيته الذاتية، والذي كان، كذلك، يجد الترف والمتسع من الوقت ليلتقط شخصيات من الشارع، ووقائع من على الرصيف، ونوادر من المقاهي..

وظل الاختلاق الفني حاضراً أيضاً، ولم يكن أحد ليجرؤ على الطلب من توفيق الحكيم أن يسمي مقالته «قصة» لأنه اختلق فيها واقعة مواجهته الموت في دكان حلاق مصاب بعقدة نفسية (عقدة البطيخ). كما لم يكن أحد ليخطر له الطلب من العقاد أن يفصح عن مصادره، أو الطلب من المازني أن يقدم إثباتات للوقائع والأسماء الواردة في مقالاته..

 ذات الكاتب صارت اليوم مما يجب التستر عليه، تحت وطأة التمسح بالموضوعية العلمية (بمناسبة وبدون مناسبة). والانطلاق المرح في «البراح» صار يستفز أعصاب الصحافة المشدودة. أما الاختلاق الفني فبات يلزم الكاتب، أمام ناشريه، بأن يكف عن استخدام مصطلح «مقال».

الخلود قد يُكتَب للمقال أيضاً

كان إميل زولا (1840 ـ 1902) واحداً من أعلام المدرسة الطبيعية في الأدب، والتي ازدهرت في فرنسا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر. كتب الروايات والمسرحيات، وكان حاضراً بقوة في المشهد الثقافي الفرنسي والأوروبي. لكن اليوم لم يتبق الكثير من نتاجاته الأدبية في الذاكرة، رواياته التي ألهبت حماس معاصريه بمضامينها الاجتماعية وتعريتها لأشكال الظلم واللا مساواة، باتت باهتة وتقف في مكان بعيد وراء روايات مواطنيه بلزاك وفلوبير، أما المدرسة الطبيعية فقد غدت جزءاً من تاريخ الأدب وحسب.

غير أن زولا لا يزال اسماً لامعاً، يتم استحضاره في مناسبات كثيرة، ليس بوصفه روائياً أو مسرحيا ولا حتى منظراً أدبيا، بل كونه كاتب المقال الأشهر: «إني اتهم».

نُشر المقال في الصفحة الأولى من صحيفة «لورور»، في 13 كانون الثاني 1898، وقد أعيد نشره مئات المرات كما ترجم إلى مختلف لغات العالم. وفيه يقدم زولا مداخلته التاريخية المدوية في قضية «دريفوس» الشهيرة، التي شغلت فرنسا وقتئذ وقسمت رأيها العام بصورة غير مسبوقة.

عبارات متدفقة كانت أشبه بالسياط، مع تكرار مُوقَّع لعبارة «إني اتهم»، وقد طال الاتهام شرائح واسعة من الطبقة السياسية، والمثقفين، ورجال الدين، والعسكر..

وإذا كانت روايات زولا قد صنفته يسارياً ومعارضاً إلا أنها كانت بلا جريرة أو ثمن، أما مقاله هذا فقد كلفه غالياً: محاكمة تكررت ثلاث مرات، ونفي إلى إنكلترا، ثم موت غامض في بيته المحترق.

في مقال يعود إلى الثلاثينات من القرن العشرين، كتب ألدوس هكسلي عن آل غريكو، ملاحظاً أن الأشخاص في لوحاته يبدون دوماً وكأنهم في بطون الحيتان، ويصرخ الكاتب البريطاني فزعاً: «إنها فكرة غريبة بل أمر رهيب.. أن يتواجد المرء في سجن أحشائي».

وقد كُتبَ الخلود لهذا المقال، والملاحظة المتعلقة بـ «المرء في سجن أحشائي» غدت الصورة الرمزية الأشهر في السجال المستمر حول موقع الكاتب من العالم. وعبر العقود التالية انضم عدد كبير من الكتاب إلى استخدام رمز (يونس في بطن الحوت)، منقسمين في الإجابة حول الموقع الأمثل لوجود الكاتب: في بطن الحوت محمياً من تيارات المحيط الصاخبة ليتسنى له المراقبة بهدوء وروية، أم خارج الحوت، في خضم الأمواج، منخرطاً كبقية (الأسماك ـ البشر) في صراعات العالم، المحيط؟.

في عام 1929 كتب إبراهيم عبد القادر المازني مقالاً بعنوان «طه حسين في ميزان التشكيك»، وفيه يشكك الكاتب المصري الساخر بوجود رجل حقيقي واحد اسمه طه حسين. وهو يصل إلى هذه النتيجة عبر منهج الشك المنطقي، مقارناً بين ثلاثة أشخاص يحملون الاسم نفسه: شيخ وأفندي وأستاذ جامعي، لكل منهم أفكاره وأسلوبه وطريقته في الكلام والنظر إلى العالم. وإضافة إلى هؤلاء ثمة اثنان آخران: أعمى وبصير. الأول يمشي في عالم الظلام، متفنناً في وصف ألوان العتمة، معتمداً في تصوير العالم على الحواس الأخرى التي أرهفها العمى. أما الثاني فهو يتدفق في الوصف البصري للطبيعة والشخوص والشوارع والمباني.. ويتساءل المازني: كيف نوفق بين كل هؤلاء؟ أو ليس من حق الأجيال القادمة أن تشكك في وجود رجل واحد هو طه حسين.

بالطبع فالمازني هنا يحاكي ساخراً منهج عميد الأدب العربي نفسه، والذي أوصله إلى إنكار وجود الشعر الجاهلي، وامرؤ القيس، وقيس بن الملوح والعشرات من الأسماء الراسخة في التراث الجاهلي..

أضحك هذا المقال طه حسين كثيراً، وظل يضحك القراء المصريين والعرب عقوداً طويلة. ومؤخراً تمت استعادته إلى دائرة الضوء، عندما نسبه أحدهم إلى نفسه ونشره في أحد المنتديات على فيسبوك، لتكون المفاجأة: انخرط الكثيرون في النقاش الجاد، وبرر معظمهم هذا الشك، بل أن بينهم من اعترف أنه بالفعل لا يملك دليلاً فعلياً على وجود طه حسين!.

 يعيش عبد السلام العجيلي في ذاكرة القراء السوريين والعرب، برواياته وقصصه، وبمقالاته أيضاً. في 28/6/1985 نشر العجيلي مقالاً في مجلة «الدوحة» تحت عنوان «تقشير الخيار بالسيف البتار»، وهو يكثف السمات التي فتن بها الكاتب السوري الشهير قراء مقالاته: الحكاية الممتعة، الحبكة القصصية، الحوار الذي يفجر الأفكار والمفارقات الذكية، وكذلك شخصية العجيلي الحاضرة على الدوام، والموضوعة، بكل تواضع، على محك النقد والتشكيك.. بل والسخرية.

يلتقي العجيلي بأستاذه القديم صدفة، فيسأله هذا عما يكتب، لينبري الكاتب في استعراض الأفكار الرئيسية لروايته التي يعكف على تأليفها. بوجه واجم وصوت يائس، يقول المعلم تلك العبارة التي صارت عنواناً للمقال: «أنت يا بني تقشر الخيار بسيف بتار».. وعبر حوار مشوق مترع بالطرائف والاستشهادات والمقبوسات، يدور حديث طازج عن مسؤولية الكلمة، ودور الكاتب، ومفهوم الالتزام، وعلاقة الأدب بالسياسة، وسطوة الرقابة والمحظورات..

وهل نستطيع أن نضع أصبعنا على ذاكرتنا ونشير إلى مقال محدد لمحمد الماغوط؟!. مئات المقالات صارت في ذاكرتنا مقالاً واحداً طويلاً، ساحراً، عذباً، غاضباً، وحزيناً.. مقالاً غدا خزاناً لا ينضب ينهل منه السوريون استعارات أدبية، ومفارقات ساخرة، ونكاتاً ذكية، وكلمات شجية..

قراء ينتظرون مقالاً

لاستبعاد شبهة الرثاء أو «الحنين إلى فردوس أدبي مفقود»، فثمة مراهنة هنا على أن المشهد الثقافي الراهن يحتاج عودة المقال الأدبي إلى الحياة، وعلى أن ثمة قراء تائهين يفتشون عن كتابة مفتقدة. أناس ينتمون إلى الصنف الذي أسماه توماس جفرسون «الرجل من العامة»، أو ما نسميه عادة «القارئ العادي، أو القارئ المتوسط، أو رجل الشارع المهتم».. أولئك الذين يمتلكون الفضول والرغبة بالمشاركة المعرفية، ولكنهم ينفرون من لغة الاختصاص المتعالية، ولا يجدون في نظريات الحداثة وما بعد الحداثة أصداء لما يجول في نفوسهم، وبالمقابل فهم لم ينحدروا إلى مستوى الكتب الصفراء ولا إلى مستوى المعجبين بمذيعي الـ «توك شو» (فرسان الرأي الجدد).. لا يتحلون بالجلد على «مقاربات» النخبويين و«رؤاهم»، وفي الوقت نفسه فهم ملوا تمرير إبهامهم من الأسفل إلى الأعلى على شاشة هواتفهم الجوالة لعلهم يعثرون على جديد أو ثمين أو مهم أو ملفت بين ما يجود به أصدقاء الفيسبوك الخمسة آلاف، ونسوا اللهاث وراء مستجدات التلفزيون وتحليلات كتاب الأعمدة الصحفية. قراء يفتقدون اللغة المشحونة بالانفعال، والمكاشفة الحميمية، والطروحات الرفيقة بعقولهم الحائرة ونفوسهم المنهكة. باختصار: إنهم يحتاجون ما أراده عبد الله النديم لمقالاته «.. لا مزخرفة بتورية واستخدام، ولا مفتخرة بفخامة لفظ وبلاغة عبارة ولا تضطر لترجمان يعبر عن موضوعها ولا شيخ يفسر معانيها. وإنما هي في مجلسك كصاحب يكلمك بما تعلم.. ونديم يسامرك بما تحب وتهوى».

كبرياء جائع

سلمان عز الدين 

كنا وحيدين في المقهى الصغير، وبعد ساعة من الأحاديث المتقافزة، أدركنا أننا عبثاً نحاول الهرب، فشرعنا في أحاديث الحرب.

حدثني عن امرأة كانت جارة له طيلة السنة الثالثة من هذه الحرب، أرملة ثلاثينية مات زوجها في معركة لم يخضها، برصاصة لا تعرفه، مخلفاً لها ثلاثة أبناء وديوناً مستحيلة التسديد. 

كانت تعمل في خدمة البيوت، فتخرج عند مطلع الفجر لتعود قبيل هبوط الليل، حاملة ربطة خبز وكيساً صغيراً تتناوب عليه أقراص فلافل وحفنات زيتون وقطع جبن. كان غمٌ بلا حدود يسكن عينيها، وكانت ثياب أولادها وأجسادهم عابقة على الدوام برائحة الفقر. ومع ذلك فقد امتلكت كبرياء عنيداً جعلها تدخل في متاهة من الأكاذيب الصغيرة الساذجة، وترتجل قصصاً لا يصدقها أحد عن حوالات وهمية وأقارب لا وجود لهم.. كل ذلك كي تعفي نفسها من قبول أي مساعدة، بل أي نظرة إشفاق..

في أحد الصباحات، استفاق على أصوات في بيت جارته. كان الطفل يبكي ويصرخ في أمه مذكراً إياها بوعدها: أن تسلق له بيضة يوم الجمعة واليوم هو يوم الجمعة، وكانت هي تحلف له أنها، بعد يومين أو ثلاثة، ستحضر له صحناً كاملاً من البيض، ولكن الطفل غير المقتنع راح يضرب الجدار بقبضتيه محولاً بكاءه إلى عويل، إلى أن هدأته أخيراً بجملة غير مسموعة بدا مفعولها سحرياً..

قال الصديق في المقهى، إنه عندما سمع صوت بابها يفتح وخطواتها تقترب، تمنى أن لا تطرق بابه، أو على الأقل أن تجترح هذه المرة كذبة جديرة بالتصديق وكفيلة بحماية كبريائها.. أقسم الصديق أن طرقاتها على بابه كانت أشبه بضربات مطرقة تحطم قلبه.

في قصة قصيرة عن المانيا بُعيد الحرب العالمية الثانية، تصحو الزوجة على صوت ارتطام في مطبخها. ترتجل سلاحاً ما وتنسل خارج غرفة النوم، وعندما تشعل الضوء تفاجأ بزوجها الذي وقف كغزال مذعور داهمته أضواء سيارة مبهرة. كان فتات الخبز لا يزال عالقاً في شفتيه وعلى حواف المائدة. متلعثماً يعتذر عن إزعاجها زاعماً أنه جاء ليطمئن بعد أن سمع صوتاً مريباً. وسط ذهولها تنتزع ابتسامة تعاطف وتهز رأسها موحية أنها تصدقه. وفي السرير وبينما غط هو في النوم جلست هي لتبكي حتى الصباح، فطيلة الثلاثين سنة هي عمر زواجهما لم يخطر في بالها قط أن زوجها المهيب الصلب يمكن أن تجره معدته إلى هذه المهانة.

في اليوم التالي، وعندما حان موعد الوجبة الوحيدة، أعطته ثلاث قطع من الخبز واكتفت بواحدة، مقسمة أنها لا تحس بالجوع، كان يعرف أنها تكذب وكانت تعرف أنه يعرف، ولكن كان لا بد من هذا التواطؤ كي يحفظ الزوج الجائع ماء وجهه ويخفف من شعوره بالذنب إذ كان يأكل خبز شريكته.

تسببت الحرب، في المانيا وفي غيرها، بالكثير من الأهوال والفظائع: مدن مدمرة، مجازر، محارق.. ما يجعل قصة الزوجين نوعاً من الترف، ومع ذلك فقد قال نقاد وقراء وكتاب كثر إنها، من بين كل حكايا الحرب، الأكثر إثارة للوجع. 

ذلك أن أهوال الحرب تحطم القلوب وربما العقول، لكن الفقر يحطم الكبرياء، وهو أمر لا يغفره الناس للحياة.. ولا لأنفسهم.