جمعيات “خيرية” تتاجر بحزن الناس وتبيع صور بؤسهم بالملايين الصور للمانحين والدولارات للـ “المتطوعين” والجوع لمن تبقى

نور ملحم

  • تنويه: الحالات والأمثلة التي وردت في هذه المادة دقيقة وموثقة، ولدينا أسماء الجمعيات والقائمين عليها، ولم نذكرها صراحة كي لا تكون تبرئة لجمعيات أخرى تقوم بالممارسات ذاتها.

“ذات يوم زارتنا إحدى الجمعيات الخيرية، أخذت بياناتنا كاملة، وسلّمت كل واحد من أطفالي ثلاثة آلاف ليرة، لكنها اشترطت أن تصورهم مع المال، وقالوا لي إن كفيلاً من أهل الخير سيتكفّل بهم، ووقعتُ على أوراق، ووعدوا أن يرسلوا المال كل شهر، ولم يعودوا، لم أعرف ما هو السبب، لكنني ندمت لأنني سمحت لهم أن يصوروا أطفالي ليتاجروا بصورهم”..

ما روته خديجة تكرر بصورة شبه حرفية مع الآلاف الذين يعيشون، في ظل مناخ الحرب، كارثة إنسانية حقيقية، ولا يجدون أمامهم سوى جمعيات إغاثية، تأتي مصحوبة بكاميرات تصوبها إلى وجوههم البائسة، قبل أن تختفي إلى الأبد.

خديجة (52 عاماً) نازحة من دوما، وهي مقيمة، مع أولادها الأربعة، في مركز إيواء الدوير، معتمدة على مساعدات ضئيلة لا تسمن ولا تغني من جوع.

بعد تسع سنوات على الحرب، باتت وسائل التواصل الاجتماعي ومواقع الانترنت متخمة بصور لسوريين يمدون أيديهم لتسلم معونة غذائية، وأطفال لا تتجاوز أعمارهم بضع سنوات، وأحياناً بضعة أشهر، يرفعون علب الحليب فوق رؤوسهم مهللين شاكرين.

تقول خديجة: “كانت المساعدات الغذائية التي تقدمها الجمعيات المصدر الأساسي لنا، خصوصاً حليب الأطفال الذي لم يكن لدي القدرة على شرائه. كنت أذهب في فترة ما بعد الظهر حتى لا يراني أحد، وأرتدي الخمار والعباءة السوداء حتى لا يظهر وجهي حين يصورون. لم يصوروا النساء عن قرب، لكنهم يصورون الأطفال، لم أرد أن يظهر أطفالي في الصور. لكنني لم أستطع الاعتراض لأنني كنت مضطرة”.

وهو المطلوب!

بالرغم من الانتقادات الكثيرة التي وجهت إلى هذا السلوك، فإن معظم الجمعيات تواصل نشر هذه الصور، متذرّعة بأنها توثق عملها على الأرض وتؤكد مصداقيتها في تسليم المساعدات.. لكن المنتقدين يؤكدون أنها، في الحقيقة، تعمل على تسويق نفسها أمام أكبر عدد من الداعمين، وبالطبع فالمحتاجون يدفعون الثمن وحدهم.

يقول يوسف. ح، وهو مصور يعمل مع إحدى الجمعيات الخيرية في دمشق، إن الهدف من هذه الصور جمع أكبر كم من المساعدات المادية، “طُلب مني تصوير الناس المحتاجين، وأن تكون الصور حزينة قدر الإمكان، بدأت بالتصوير في اليوم الأول وكان المستفيدون من أهل منطقتي، وبدأوا يرمقونني بنظرات عتب أو غضب، البعض لم يسلم علي حتى”.

يتابع: “بعد ساعات نفدت الكميات المحددة للتوزيع، فغضب الكثيرون الذين كانوا ينتظرون لساعات، بدأوا يتهمون الجمعية بالسرقة والاستغلال. هذه الجمعية تكسب الكثير من خلال اللعب على العاطفة، وللأسف فالكثير من الجمعيات تتعامل مع الناس كأنها تتصدق عليهم، والبعض يصدقونها، لكن الحقيقة أن الجمعيات هي من تستفيد من الناس”.

حبر على ورق

يبدو أن القرار المتأخر الصادر عن وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، والذي يمنع مديري الجمعيات والمؤسسات الأهلية تصوير عمليات توزيع المساعدات وإظهار المستفيدين منها، لا يزال حبرا على ورق، وهو لم يحل، إلى الآن، دون تحويل العمل الخيري إلى مجال لانتهاك الخصوصية وكرامات المحتاجين.

تقول فاطمة (37 عاماً)، وهي أم لثلاثة أطفال، “لم نتلق أي مساعدة غذائية أو مادية منذ أشهر طويلة. يبدو أننا أصبحنا منسيين”.

وتغلب العشوائية على تقديم المساعدات، كما أنّ تنوع مصادر الدعم فيها، بين منظمات خيرية سورية وأخرى دولية تنسق مع حكومة، يعتبر من أهم المشاكل والمعوقات.

تضيف فاطمة: “الهم الأكبر للجمعيات والمسؤولين هو التقاط الصور معنا ونشرها عبر الفيس بوك، حتى أصبحنا نشعر وكأننا سلعة يتم التسويق لها”.

مفهوم آخر للترف

أقدمت عدة جمعيات خيرية على إيقاف توزيع الحصص الإغاثية والسلال الغذائية التي كانت تقدمها للمستحقين من محتاجين ونازحين بحجة عدم حاجة هذه العائلات للمساعدات، رغم أن معظم هذه الجمعيات تعمل كوسيط بين المنظمات الدولية والمدنيين المستحقين للمساعدات.

وقد أُجريت زيارات عديدة لمركز الدوير من أجل جمع المعلومات وأخذ العديد من الصور للأطفال والمرضى وكبار السن. ويقول أحد المقيمين في المركز إنه حرم من المساعدات بسبب امتلاكه تلفازا وبرادا في الغرفة التي يقيم فيها بالمركز، وهذا يعني، حسب تقييم اللجنة الزائرة، أن وضعه المادي متوسط.

ويتساءل أبو مخلص (70 عاماً) “هل عليّ أن أعيش في خيمة حتى أستحق المساعدات؟”. قبل أن يعود إلى هاجس الجمعيات بالتصوير: “أصبحت مشهورا كنجم، فجميع صفحات الفيس نشرت صوري مع حفيدي الذي لا يتعدى عمره ثلاثة أعوام”.

ويؤكد مدير مركز الدوير إبراهيم حسون عدم تلقي أي نوع من المساعدات الغذائية أو المادية للمحتاجين في المركز، رغم أن عددهم أصبح قليلا جداً ولا يتعدى 100 عائلة، مبيناً أنه خلال شهر رمضان “امتنعت إحدى المطابخ عن إحضار الوجبات المطبوخة بحجة أن الأمر يحتاج إلى موافقة من المحافظة رغم أن الأمر بسيط جداً ولا يكلف أي عناء فهي مجرد وجبات من الرز والبازيلاء”.

ويضيف حسون: “الوضع الاقتصادي والمعيشي سيء جداً للباقيين في المركز، وكثيرون يأتون لالتقاط الصور وجمع البيانات فقط.. معظم الباقين في المركز لا يستطعون العمل بسبب السن أو الإصابة، وفي الوقت الذي يتحايل فيه النازحون على القَدَر لتأمين القليل من المال لسد رمقهم، نجد أن هم الجمعيات وأصحاب الفعاليات الخيرية الوحيد هو نشر أخبار تبرعاتهم، دون أن يكون ذلك العمل حقيقياً على أرض الواقع”.

الفطور التي أنبتتها الحرب

أفرزت الأوضاع الإنسانية المتدهورة في سورية عشرات الجمعيات والمنظمات التي تعمل في المجال الإغاثي، لكن ناشطين يرون أن عمل البعض منها (استخدام كلمة بعض هنا جاء توجساً من قانون الإعلام) شابه الفساد المالي والإداري، إضافة إلى الجهل في أخلاقيات العمل الإنساني، وبحسب الإحصائيات الصادرة عن وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل فأن عدد الجمعيات الخيرية في سورية عام 2010 كان نحو 1461، منها 509 في دمشق، واليوم أصبح هذا العدد 1440 جمعية، 520 منها في دمشق، كما تم منح تراخيص لـ 63 جمعية وإلى عشر مؤسسات أهلية خلال العام الجاري، ليصبح بذلك إجمالي عدد الجمعيات المرخصة في المحافظات 1582 جمعية.

وبعد اتساع نطاق عمل الجمعيات الخيرية ودخولها في عدة مجالات، قامت الوزارة بتصميم برنامج تشبيك بين أغلب الجمعيات لنقل وتبادل المعلومات حتى يتم ضبط عدد الأفراد المستفيدين لدى كل جهة وفتح المجال لوصول الفائدة إلى أكبر عدد ممكن من الناس، ولكن، على ما يبدو، فإن الشيء الوحيد الذي يتم تبادله فعلياً هو صور المحتاجين الواقفين في طوابير هذه الجمعيات!.

ساروجة الشام وشارع الثورة: الحسناء والوحش

لجين عصام سليمان 

لم يَلِقْ بدمشقَ أَنْ تنمو كبنات جيلها من المدن، فهذا “الجهل” واللحاق بالموضة والتزين بالأبنية الشاهقة، لا يناسب المدن الأصيلة بنات العائلات، فإن أرادت أن تنمو كما تريد، لا بد لها أَنْ تعود إلى قلبها… إلى داخل سورها، كي تتوسع خارجه، كما نمت داخله، بِالحكمة والحبِّ نفسيهما.

ولذلك لم تمتلك دمشق حريّة التوسع والامتداد كما تريد، لا لأنَّها مسلوبة الإرادة، بل لأنَّها حرّة بِقدْر ما هي مُهمَّة، وكلّ ما فيها، يمنع عشوائية الانتشار.

 فعندما قررت “ساروجة” يوما أَنْ تخرج خارج سور دمشق القديمة، كان عليها الخروج بشروطٍ تُحافظ عليها وتحميها من نموٍّ جامحٍ قد يَنعكسُ سلباً عليها، فللطموح أساليبه التي على المدن العريقة اتباعها.

وبالفعل لم تمانع “ساروجة” الخروج من أصالتها، فَحافظت على نفسها، بعد أَنْ تحررت من السور، وانتشرت وامتدت كما يناسب دمشق، ولم تكن تعرف عندها أن هناك من سيأتي مُخالفاً قوانينَ الطبيعة، لأنَّه سيبني آماله على الاقتصاد والاستثمار؛ اقتصاد خال من المنازل الدمشقية العريقة، فآثر بناء أبنية شاهقة خنقت المدينة القديمة، ومنعتها من أن تحلم بصوت مرتفع، بسبب إصراره على أَنْ تكون دمشق “الجديدة” في المركز، فشقّ شارع “الثورة” مخترقا ذلك الجمال، وتاركا جرحا كبيرا بعرضه، وعمقه.

لم تستسلم دمشق عندها، ولم ترغب أن يظهر عجزها، فتجمّلت بمظهر “التناقض” وأوحت أنها لا تريد ما حصل، إلا أَنَّ هناك من تدخّل، وأجبرها على التجمّل بألوان لا تناسبها، فبدت متناقضة، كمن يجمّل فتاة عفيفةٍ بأدوات تزيين الراقصة في الملاهي الليلية.

على شارع الثورة، وتحديدا في مدخل ساروجة، يظهر غضب دمشق على المعماريين والمخططين، فبجوار تلك الأبنية الشاهقة، أبنية قديمة، مدمرة ومستكينة، لأنَّها ضعيفة وهناك من أخرجها مما أرادت، وكأن دمشق حين أردات أن تكون حديثة، كان على مخططيها أن يكونوا أبعد نظراً، بشكل لا يجعل العقل والاقتصاد يقسوان على العاطفة.

دمشق غضبت من مخططيها، غضبت من نفسها، فأمسكت بشفرة وبدأت بـ “تشطيب” ذراعها، وها هو شارع الثورة شاهد على ذلك، فقد بقي ندبة في زند دمشق. 

تاريخيا

سميت ساروجة قديما بـ “سويقة ساروجا”، والسويقة هي تصغير لكلمة سوق، وهي عبارة عن سوق صغيرة غير متخصِّصة تلحق بالأحياء السكنية.

ويُقسَم التطور التاريخيُّ للمنطقة إلى أربعٍ مراحل رئيسية، الأولى خلال العهد السلجوقي والزنكي والأيوبي، وهي فترة البداية العمرانية لتوسع هذا الحي، بعد الفتح السلجوقي.

المرحلة الثانية، هي العهد المملوكي وتشكلت خلالها المنطقة السكنية المعروفة بحي سويقة ساروجة بالقرن الرابع عشر.

المرحلة الثالثة في العهد العثماني وقد ظهرت خلاله المنازل الفخمة والقصور، وأما المرحلة الرابعة كانت بعد الحرب العالمية الأولى.

وبحسب الأستاذ الجامعي في كلية الهندسة المعمارية سلمان مهنا فإن “ساروجة” كانت تسمى قديما بـ “اسطنبول الجديدة” لأنها كانت تمثّل الترف والرخاء، لافتا إلى أنه وفي عام 1993 دُرِست الحالة الفيزيائية للمدينة، وتم تقسيمها إلى ثلاث مناطق تراثية، “السور والمنطقة المتحولة حيث بإمكان أي شخص أن يرمم منزله، ويُدخل عليه مداخلة حديثة، والثالثة هي كرجية حداد”

دانيجه – إيكوشار

لا يحتاج المرء إلى البحث كثيرا عن الأسباب التي أوصلت ساروجه إلى هذه الحال، فقد وجَّه كثيرون أصابع الاتهام إلى مخطط “دانجيه – إيكوشار” الصادر عام 1936 لأنه لم يلحظ أي اهتمام بالأحياء الأثرية بشكل عام، وبساروجة بشكل خاص.

وبرأي البعض فإن هذا المخطط فرض نظاما جديدا للبناء، من خلال إشادة بعض المباني الحديثة البيتونية، كالبناء الذي أقيم في موقع بيت المرادي أو البناء الذي أقيم على المحضر رقم /31/ وذلك في فترة الخمسينات من هذا القرن.

وحتى المخطط التنظيمي العام لمدينة دمشق الصادر عام 1968 لم يحافظ على القيمة التاريخية لهذه المنطقة، بل تعامل معها من منطلق موقعها في وسط المدينة.

 ومن خلال هذا المخطط وما تبعه من مخططات تفصيلية متعلقة بمنطقة ساروجة ومحيطها، تم وضع نظام للبناء وتصنيف عمراني جديد (المنطقة التجارية المركزية/ل/) كان له نتائج سلبية كثيرة، كشق الشوارع العريضة التي أزيلت بسببها الكثير من المباني المهمِّة والقيّمة، إضافة إلى إشادة العديد من المباني العالية الحديثة، والتي أساءت إلى البنية العمرانية وقيمتها الأثرية في هذا الحي.

وكذلك فإن بعض البيوت قد هُدّمت وساءت حالتها الفيزيائية في هذه المدَّة، نتيجة هُجرةِ أصحابها، وعدم الاهتمام بصيانتها، كما دُمرت منازل أخرى، وأقيم مكانها أبنية عالية حديثة من قبل فئة لا تدرك أهمية مثل هذه المناطق التاريخية، وتسعى إلى جني الأرباح المادية.

كان من الأفضل..

الأستاذ الجامعي سلمان مهنا، رأى أنَّ المخططات التنظيمية التي أُحدثت في فترة الستينات، كانت نتيجة نظريات أوروبية، طبقت على مدننا بشكل جاهز، وهذه هي الكارثة.

ولفت إلى أنَّ النظريات التي تمّ الاعتماد عليها هي نظريات اقتصادية بحتة، وكان من الأفضل عندها أن نترك دمشق القديمة كما هي، ونقوم ببناء المنشآت التي نريدها. 

وأشار إلى أنَّ “كثيرا من هذه الآثار قد تم بيعها للتجار” ولفت إلى أنَّ “التقاطع الموجود بين شارع الثورة وساروجة، لا يناسب مدينة دمشق، لأن هذه المنطقة كانت تضم بيوتا ممتازة، من الأولى أن نحافظ على نسيجها المعماري، وفي حال الرغبة بالتوسع، بإمكاننا بناء ضواح جديدة، خارج تلك المنطقة”.

 صراع أخلاقي

من مختلف الزوايا: الأخلاقية والعقلانية والأكاديمية.. فإن الحفاظ على النسيج القديم للمدينة التاريخية في ساروجة هو الأفضل على الإطلاق، ولم تكن تلك الأبراج سوى دخيلة على المظهر ككل، ما منع تحقيق انسجام معماري.

ورأى المهندس عبد الناصر عمايري، رئيس لجنة التراث في نقابة المهندسين، أن الأمر هو عبارة عن “صراع أخلاقي بين الحفاظ على ساروجة كشرائح أثرية خارج السور، وبين المصالح الاستثمارية الموجودة”.

وأضاف أنه يوجد على الصعيد المعماري ما يسمّى “بالمناطق الفقيرة، وفي هذا النوع من المناطق، من المفترض ألا يتم بناء أبراج بارتفاعات عالية، خاصة على حدود المدينة القديمة، فهذه الارتفاعات من المفترض أن تكون منسجمة مع بعضها”.

وتابع “المدينة القديمة تشكّل ما يشبه الصحن بالنسبة لقاسيون، لأن ارتفاعاتها منخفضة، وعندما ننشئ حولها أبنية بارتفاعات شاهقة، نظهر وكأننا نخنقها”. 

كما رأت الدكتورة في كلية الهندسية المعمارية عبير عرقاوي أنَّ “شق شوارع عريضة بجوار المدن القديمة، أمر خاطئ على الصعيد التخطيطي، لأنَّنا نجذب السير بشكل أكبر إلى تلك المنطقة”.

وتابعت “في المدن القديمة في أوروبا، حافظوا على المدن القديمة والتراثية، عن طريق بناء حلقة حولها، ليحموا ذلك التراث، ويتوسعوا خارجه بعد ذلك”.

الجهل مسؤول

لم يكن السور هو الحد الفاصل بين دمشق القديمة وخارجها، فالخروج من السور، لا يعني الخروج من القدم، وأما من المسؤول عن تلك الحداثة المشوّهة، فهو الجهل، بحسب رأى كثيرين.

وهنا أكد عمايري أنه “على الرغم من قدم مفاهيم التراث، إلا أنها حديثة بالنسبة إلى المجموع العام، فعلى الرغم من وجود بعَض مَنْ يفهم تلك المفاهيم، إلا أن المجتمع ككل لم يكن يملك هذه الثقافة، وفي أنحاء العالم كافة، بدأت صحوة الحفاظ على التراث العمراني في الثمانينات والسبعينات”.

كما رأت عرقاوي أن “عدم وجود ضوابط معينة أدى الى تهالك النسيج الموجود بساروجة، ولم تتمكن تلك الأبنية الأثرية من الحفاظ على السوية المطلوبة منها، خاصة كونها مبنية من الطين واللبن والخشب، وهذا يحتاج إلى تكافل جهود بين المحافظة والآثار، فالأهالي لا يملكون القدرة المالية للترميم، ولذلك من الضروري أن نفكر بكيفية إنقاذ ساروجا، والحفاظِ على وظيفة السكن فيها”.

الحلول

على ما يبدو فإن هذا التخبط في التخطيط، أنتج مأزقا، ولا بد من التفكير مجددا في كيفية إنقاذ الوضع الراهن، فعلى الرغم من أن الحل صعبٌ، ولكنَّه ليس مستحيلا.

وأما عن المكان المناسب كي نبني دمشق الجديدة بأبراجها العالية، وبنيتها التحتية المتطورة، فكل الأماكن ترحب بشامها، مع ضرورة الانتباه الدائم إلى وجود شرائح أثرية، على المخططين أن يضعوها في حساباتهم عندما يتجهون نحو الحداثة، لأن دراسة هذه الآثار يبني تخطيطا سليما، وضروريا لتنظيم أية منطقة كأية حالة اجتماعية واقتصادية، لا بد من مراعاتها.

وفيما يتعلق بهذا الأمر أكد عبد الناصر عمايري أن “هندسة المدن لم تعد بمعزل عن المفهوم التراثي، ودمشق ليست صحراء، فدبي على سبيل المثال، عندما نهضت، لم تكن تحتوي على شرائح أثرية، ولو كان فيها شيء من الآثار لما نشأت على هذا النحو”

ورأت عرقاوي أنه “من غير الضروري أن تكون دمشق الحديثة في وسط العاصمة بل يوجد لها اماكنها المخصصة ويوجد دراسات تظهر كيف يمكن للنسيج القديم أن يعيش ولكن المشكلة تكمن في أننا نرفض النسيج القديم، ونريد كل ما هو جديد، ولا نملك حلولاً ناجعة بينهما.. حاليا لا نستطيع ان نلغي شارع الثورة، ولكن لدينا خطأ ويوجد نتيجة عمرانية ومعمارية، يجب أن تقدّم لها الحلول على مختلف المستويات”.

وأكدت أنه “على الرغم من وجود إشكالية، إلا أنه يجب علينا أن ننظر إلى الأمر كما هو في الوضع الراهن حاليا، لأن التغيير لم يعد ممكنا بشكل كبير، إلا أن الحل ليس مستحيلا”.

ولن تنجح إدارة تلك المواقع، إن لم تُدمج بسكانها، فإن كان التخطيط من واجب الدولة، فإن الحفاظ على هذه الأماكن يقع على عاتق الدولة والسكان.

وبحسب رأي خبراء واقتصاديين فإن المال المخصص لحماية ساروجة تحديدا، والشرائح الأثرية في دمشق بشكل عام، لم يكن موجودا، حتى قبل الحرب، فإن كانت ميزانية وزارة الثقافة 117 مليون ليرة سورية سنويا، فإن إدارة المواقع الأثرية في سوريا تحتاج إلى ما يزيد عن 117 مليار ليرة.

وفي سبيل الإيضاح قدّم عمايري مثالا على إدارة المناطق الأثرية، بشكل ينشط فيه المفهوم الاقتصادي المرتبط بالحفاظ على الآثار، “كأن ننشر ثقافة لدى سكان إحدى المناطق الأثرية، أنه ومن خلال النهوض بمنطقة معينة، سيأتي المزيد من السياح، وستنتعش المحال التجارية الموجودة فيها مثلا”.

وأكد أنه من غير الممكن تحقيق هذا الاختلاط بين الآثار وسكان مناطقها، بدون وجود إدارة للمواقع الأثرية على مستوى سوريا ككل.

اقتراح

كشفت مصادر خاصة في محافظة دمشق أنه تم وضع حل لمنطقة ساروجة وشارع الثورة، من قبل كلية الهندسة المعمارية في جامعة دمشق، عبر وصل للمدينة القديمة الواقعة ما بين ساروجة والقيمرية، بحيث يتحوّل شارع الثورة إلى نفق في هذه المنطقة.

وأما في منطقة البيوت العربية فيتم وضع تماثيل تشابه المنازل التي تمّ هدمها فيما سبق، مع شرح بسيط عن تاريخ هذه البيوت، بغاية الرجوع تاريخيا إلى هذه الحقبة.

 عذرا دمشق، سامحينا، فالمدن تتوجع بقدر عراقتها، إلا أن النهوض ضروري، فالمهام لم تنته بعد.