أيام السياسة

ممارسات تعسفية للقوات التركية وميليشياتها لبناء محمية أخوانية… وقطر تدعم مشروع أردوغان عبر “منظمات إنسانية”

عام على دخول الاحتلال التركي إلى مدينة عفرين والمناطق التابعة لها بريف حلب الشمالي الغربي، مارست من خلالها قوات الاحتلال والميليشيات التي اشتركت في العملية العدوانية التي عرفت في آذار من العام الماضي باسم “غصن الزيتون”، الأمر الذي تسبب بنزوح ما يزيد عن 350 ألف مدني من المنطقة، لتجد حكومة النظام التركي فرصة مناسبة لتوطين عناصر الميليشيات المرتبطة بـ “الأخوان المسلمين” في المنطقة بما يخدم المشروع التركي الرامي لإفراغ المناطق القريبة من الحدود الشمالية لسورية من سكانها الأصليين بما يحقق رؤى رئيس النظام التركي “رجب طيب أردوغان” في كيفية إنهاء ما يسميه بـ “التهديد الكردي للأمن القومي التركي”.

نحو ديموغرافيا جديدة

تقول المصادر الأهلية أن “الغرباء” ممن جلبتهم القوات التركية باتوا يشكلون ما نسبته 35% من سكان ريف حلب الشمالي الغربي، ناهيك عن سيطرة الميليشيات واستيطانها لقرى عدة في محيط البلدة المتوسطة الحجم بريف حلب الشمالي الغربي، إذ تمنع الميليشيات السكان الأصليين من العودة، مع سعي مستمر لتهجير من تبقى منهم من خلال جملة من الممارسات التعسفية.

خلال الأسبوع الماضي، بدأت “المجالس المحلية” التابعة للاحتلال التركي بتنفيذ “مسح عقاري”، العملية ينفذها ما يسمى بـ “مكتب المسح العقاري”، تهدف لإحصاء وتسجيل المنازل الخاوية من سكانها بعد أن تمت عملية تهجيرهم بشكل قسري من قبل الاحتلال التركي وميليشياته خلال شهر آذار من العام الماضي، وبحسب المصادر، فمن المتوقع أن يتم منح هذه المنازل لعائلات الميليشيات المسلحة المرتبطة بالاحتلال التركي، من خلال عملية بيع وفقا لقوانين الاحتلال وميليشياته.

وأمهلت “المجالس المحلية” السكان المحليين حتى نهاية الشهر الحالي، لتقديم الأوراق التي تثبت ملكيتهم للأراضي والمنازل، على أن يتم وضع أي عقار لم يتقدم أصحابه بهذه الأوراق تحت تصرف “مكتب المسح العقاري” بكونه “أوقاف” لـ “المجالس المحلية”، الأمر الذي يعتبر سرقة علنية لأملاك النازحين والمهجرين من مناطق ريف حلب الشمالي الغربي.

وتقول المعلومات التي حصلت عليها “الأيام”، من عدد من سكان المنطقة، إن سلطات الاحتلال التركي وعدت عائلات الميليشيات المرتبطة به، بمنح كل عائلة منها منزلاً ومساحة زراعية تحتوي على 200 شجرة زيتون خلال الأشهر الستة القادمة، وذلك ضمن مساعي قوات الاحتلال التركي لإحداث تغيير ديموغرافي في المنطقة بما يتناسب وسياسات أنقرة تجاه المناطق الشمالية من سورية.

مصادر أهلية تفضل عدم الكشف عن هويتها خلال حديثها لـ “الأيام”، تؤكد أن ميليشيات الاحتلال التركي فرضت مؤخراً على العائلات القاطنة في قرى “شيخ حديد – چَقلا – كاخرة – خليل – قرمتلق”، مبالغ مالية تتراوح بين 50-200 ألف ليرة سورية، تحت مسمى “الزكاة”، وترتبط قيمة المبلغ المفروض على العائلة بحسب كمية “زيت الزيتون” الذي أنتجته العائلة في الموسم الماضي أيضا.

كما فرضت الميليشيات ما أسمته بـ “الدية” على الشبان الذين كانوا قد جندوا سابقاً في صفوف الوحدات الكردية تبعا لقانون “واجب الدفاع الذاتي” الذي فرضته ما تسمى “الإدارة الذاتية” خلال فترة وجودها في مدينة عفرين، ويتراوح مبلغ هذه “الدية” ما بين 1500 – 4000 دولار، بحسب الرتبة التي كان يخدم بها في صفوف الوحدات الكردية، الأمر الذي دفع العديد من العائلات إلى مغادرة قراهم في ريف حلب الشمالي الغربي، بكون الميليشيات وضعوا أمامهم خياري “دفع الدية أو مغادرة المنطقة”.

ولا تميز قوات الاحتلال التركي في ممارساتها بين سوري وآخر، فالمستهدف ليس فقط تهجير الكرد من المنطقة وحسب، بل حتى أبناء العشائر العربية وكل من يمتلك قطعة أرض تريد الميليشيات مصادرتها عليه المغادرة، أو الخضوع للقوانين التعسفية التي تفرضها هذه الميليشيات بدعم من الاحتلال التركي، ولا تقف مثل هذه الممارسات عند قطع أشجار الزيتون أو مصادرة المساحات الزراعية المزروعة بالزيتون، إذ فرضت ما قيمته 1500 ليرة سورية على كل “تنكة زيت” يحتفظ بها السكان من الموسم الماضي.

بطاقة تعريفية

مؤخراً، بدأت سلطات الاحتلال التركي على إجبار السكان المحليين على استصدار “بطاقات تعريف” مما يسمى بـ “المجالس المحلية” التي أنشأها في مدينة عفرين والقرى التابعة لها، في خطوة شمّل بها الاحتلال التركي عائلات الميليشيات المسلحة التي استقدمها من محافظتي حلب وإدلب.

البطاقة التي يتوجب على السكان استصدارها، تأتي كبديل عن “ورقة التنقل”، التي كان يتم تجديدها شهرياً، وتمكن البطاقة المواطن من التنقل بين عفرين وقراها، على أن يتم دفع رسم يتراوح ما بين 500-1000 ليرة سورية، ويقول السكان أن أسباب الاختلاف في قيمة الرسوم بين مجلس محلي وآخر تعود إلى انتشار حالة الفساد بين أعضاء هذه المجالس.

وتأتي الخطوة ضمن مشروع التغيير الديموغرافي الذي تنفذه قوات الاحتلال التركي في المناطق الشمالية القريبة من الحدود، إذ إن البطاقات التعريفية تساوي في الحقوق والواجبات المفترضة ما بين السكان المحليين وعائلات الميليشيات المسلحة التي يتم استقدامها بشكل مستمر.

ويقول بعض السكان المحليين، إن عناصر الميليشيات المسلحة يروجون لمقولة أن النظام التركي يتجه نحو إجراء استفتاء بين السكان لـ “ضم عفرين” إلى الأراضي التركية بشكل قسري، الأمر الذي سيجعل من عناصر الميليشيات المرتبطة بالأخوان المسلمين ورقة رابحة بيد أنقرة في إقامة مثل هذا الاستفتاء الذي يعد خرقا للقوانين والأعراف الدولية.

دعم قطري لمشروع أنقرة

ينشط عدد من المنظمات القطرية في مناطق ريف حلب الشمالي الغربي لتقديم “معونات” ومبالغ مالية لعوائل الميليشيات المسلحة التي خرجت من مناطق متعددة من سورية لتستقر في المنطقة تحت حماية قوات الاحتلال التركي.

المنظمة التي تدعى “عطاء بلا حدود”، من الجنسية القطرية، منحت خلال الأشهر الماضية أسر المسلحين “سلال غذائية”، إضافة لمبلغ 50 دولار أمريكي لكل عائلة مقيمة في ناحية “جنديرس”، على أن يكون هذا المبلغ شهرياً، وذلك بهدف الإبقاء عليهم في المنطقة ضمن خطة تركية لتغير البنية الديموغرافية للمنطقة.

وتعمل جمعية قطرية ثانية تحمل اسم “منظمة قطر لإعادة الأمل للأرامل”، في المخيمات التي تأوي الإرهابيين التابعين لعدد من الميليشيات لتوزيع منشورات تشجعهم على “الزواج بالأرامل”، وروج عناصر هذه الجمعية لمعلومات تفيد بمنح الجمعية المذكورة مبلغ 3000 دولار أمريكي لمرة واحدة لأي شخص يتزوج من “أرملة”، إضافة لمنح مبلغ 200 دولار أمريكي شهريا، لكل “أرملة” تتزوج مرة أخرى.

وتنشط الجمعيات القطرية في المنطقة لتحقيق أهداف النظام التركي، تحجب مساعداتها عن سكان المنطقة الأصليين أياً كان انتمائهم، بحجة أن عائلات المسلحين القادمين بشكل أساسي من أرياف “دمشق – حمص”، أحق بهذه المساعدات، من دون تقديم مبررات منطقية لهذه الأحقية.

تدمير للبنية التحتية

سرقة البنى التحتية في مدينة عفرين والمناطق التابعة لها في ريف حلب الشمالي الغربي، كانت عملية متواصلة خلال عام من الاحتلال، الأمر الذي يتسبب بخسائر مادية ضخمة في مقدرات الدولة السورية.

وعلى سبيل المثال، فإن ميليشيا “السلطان مراد” المنتشرة في ناحية “شرا” والقرى التابعة لها، سرقت خطوط الاتصالات الأرضية التي تربط المنطقة، لتقوم بحرقها واستخراج “النحاس” بهدف بيعه في السوق السوداء للمعادن داخل الأراضي التركية، مشيرة إلى أن تجار المعادن الأتراك يدخلون إلى الأراضي السورية لنقل البضائع التي يشترونها من قادة الميليشيات، كما سرقت الميليشيات محتويات المستودعات من الكابلات في كل من مقر مؤسسة الكهرباء ومركز الاتصالات الرئيسي في مدينة “عفرين”.

خلال عام كامل، عملت الميليشيات على سرقة ما تبقى من محطات توليد ونقل الطاقة الكهربائية في المنطقة، إضافة لسرقة المحولات وخزانات الوقود ولوحات التغذية الكهربائية الأساسية من “سد ميدانكي”، وطالت السرقة أيضاً محتويات محطات ضخ المياه في كل “كمروك – برج عبد الو – تل طويل – جومكه – بابليت”، من لوحات التغذية الكهربائية ومحركات الضخ، وحتى أنابيب النقل الرئيسية، لتبيعها الميليشيات أيضاً لتجار أتراك يقومون بدورهم بعرضها على المؤسسات الحكومية التركية بأسعار بخسة للغاية.

ويقول سكان محليون في حديثهم لـ “الأيام”، إن بيع النحاس أغرى الميليشيات المسلحة لدرجة اقتحام المنازل في المدن والقرى، بحثا عن الأواني المصنوعة من النحاس.

دفن مؤقت… وحلم بـ “قبر”

في المقبرة التي أقامها النازحون من عفرين بمنطقة “حقل الرمي” الواقعة إلى الشمال من حي “الشيخ مقصود” بمدينة حلب، يتم دفن الموتى بـ “التابوت” الأمر الذي يتناقض مع العادات الإسلامية، لكن النازحين يحاولون الحفاظ على رفات الموتى، لأطول فترة ممكنة ليتمكنوا لاحقا من نقلها إلى مقبرة “زيارة حنان” بالقرب من مدينة عفرين.

ويصف المحامي “شيخو بلو” حال العفرينيين بالقول: “في حقل الرمي الذي كانت تقام فيه مهرجانات “نوروز”، شمال حي الشيخ مقصود، يدفن النازحون العفرينيون موتاهم اليوم مع التوابيت المجهزة لنقلها لعفرين يوما ما، حتى الدفن في تراب مقبرة زيارة حنان وباقي مقابر عفرين أصبحت حلما لأهل عفرين”، كما يشير إلى أن النازحين المقيمين في مناطق “تل رفعت – فافين – غيرها من أماكن النزوح”، أقاموا مقابر مماثلة لمقبرة حقل الرمي.

مؤخراً عمدت الميليشيات المسلحة إلى تجريف مجموعة من المقابر في كل من قرى “كوربة” التابعة لناحية “جنديرس”، و”قرية كفر صفرة”، كما تم تدمير مزار الصحابي “عبد الرحمن بن عوف”، والمقابر المحيطة به في قرية “كاني”، كما تم تدمير أكثر من نصف مقبرة قرية “سنارة” التابعة لناحية “الشيخ حديد”.

عملية التدمير المتعمد للمقابر التي تستند فيها الميليشيات إلى الفكر الأخواني، شملت أيضا مقبرة قرية “ميدانكي” التابعة لناحية “شرا”، إضافة لتدمير القبور في عدد كبير من القرى الصغيرة القريبة من الحدود مع “لواء اسكندرونة” المحتل من قبل تركيا، أما أكثر المقابر التي تعرضت لانتهاكات شملت “نبش المقابر”، هي المقبرة التي أنشأتها “الوحدات الكردية” تحت مسمى “مقبرة الشهداء” بالقرب من قرية “معراتية”، لتدفن فيها عناصرها الذين قضوا خلال معارك مختلفة من الشمال السوري، وقالت مصادر محلية إن جثامين الموتى مرمية على قارعة الطريق مع منع قوات الاحتلال التركي وميليشياته لأي شخص من الاقتراب إلى المنطقة لنقل أي جثمان.

اعتداء على المقدسات

خلال الأسبوعين الماضيين، دمرت قوات الاحتلال التركي مرة جديدة مزار “الشيخ حميد” في قرية “قسطل جندو” بريف حلب الشمالي الغربي، مشيرة إلى أن تدمير هذه القوات مزارات ومقامات مقدسة تعود لـ “الإيزيديين” وأقليات كردية أخرى في مناطق متفرقة من ريف حلب الشمالي الغربي الذي تحتله إلى جانب الميليشيات المعروفة باسم “غصن الزيتون”.

وبحسب رواية السكان المحليين، فإن قوات الاحتلال التركي كانت قد دمرت المزار سابقا، إلا أن الأهالي عادوا لترميمه، لتعود القوات التركية وتقوم بتدميره إضافة إلى قطع شجرة تعرف باسم “شجرة الشيخ حميد”، يعتقد السكان ببركتها وقدسيتها.

كما قامت بتدمير أحد المقامات في قرية “معبطلي” يعرف باسم “مقام آف غيري”، إضافة إلى تدمير مقام “أصلان دادا”، الذي يقع إلى الجنوب من قرية “خضريا”، ولم يسلم مزار “شيخموس” بالقرب من قرية “ميدانيات”، ونبشت القبور القديمة المحيطة بالمزار بحثاً عن “الكنوز” التي يشاع بأنها مدفونة فيها، كما تعرض “مزار حنان” التاريخي خلال الفترة الممتدة بين شهر أيلول وكانون الأول من العام الماضي لأعمال حفر وتخريب من قبل الميليشيات المدعومة من قبل الاحتلال التركي، ويأتي ذلك بعد أن كانت المواقع الأثرية في المنطقة قد تعرضت للقصف خلال العملية العدوانية التي انتهت بدخول قوات الاحتلال إلى مدينة عفرين والمناطق التابعة لها في آذار من العام الماضي، ومن هذه المواقع كل من “عين داره الأثري، – النبي هوري – موقع براد الأثري – آثار منطقة خرابي رهزا – كنيسة علبسكي”.

الميليشيات المسلحة المرتبطة عقائديا بجماعة الأخوان المسلمين لم تكتفِ بهدم المقدسات، بل قامت بنبش مقابر المدنيين في قرية “قسطل جندو”، كما أن كامل المقابر الواقعة في المنطقة تعرضت للاعتداء بالجرافات لإزالة الشواهد والقباب المبنية فوقها بحجة أن مثل هذه القباب “مخالفة للشريعة”، وفقا للمعتقدات المتطرفة التي تفرضها الميليشيات المسلحة على سكان المنطقة.

الحقيقة الواحدة…

في الخامس والعشرين من الشهر الماضي، أصدرت جماعة الأخوان المسلمين المحظورة في سورية وعدد كبير من الدول العربية، بيانا دعت فيه النظام التركي لاحتلال جزء من شمال الأراضي السورية تحت مسمى “إقامة المنطقة الآمنة”، فيما تسهم الميليشيات التابعة للنظام التركي والتي باتت تعرف باسم “الجيش الوطني”، بتنفيذ أي عملية عدوانية تقوم بها أنقرة في الأراضي السورية لمحاربة “الوحدات الكردية”، بحجة ارتباطها بحزب العمال الكردستاني الموضوع على لائحة المنظمات الإرهابية الدولية.

وتسعى أنقرة خلال جملة ممارساتها في المناطق التي تحتلها من ريف حلب الشمالي الغربي والشمالي الشرقي، إلى تحويلها إلى منطقة لـ “الأخوان المسلمين” بحماية دولية، الأمر الذي يشرعن وجود الجماعة التي يرتبط اسمها بالكثير من الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب في سورية خصوصا، والعالم العربي عموماً.

مصير أكثر من 300 شاب من المنطقة لا يزال مجهولاً بعد أن كانوا قد سلموا أنفسهم لـ “قوات الاحتلال التركي”، بعد خروج الوحدات الكردية من مدينة “عفرين” خلال شهر آذار من العام الماضي، وبحسب المصادر الأهلية في المنطقة فإن كل مجهولي المصير هم من الذين كانوا قد أجبروا على الالتحاق بالوحدات الكردية، تحت مسمى “واجب الدفاع الذاتي”، أو من الموظفين المدنيين الذين كانوا يعملون لصالح ما يسمى بـ “الإدارة الذاتية” التابعة للوحدات الكردية في عفرين.

محمود عبد اللطيف

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق