أيام السياسة

مصلحة روسيا هي مع إيران لا العكس محاولات الغرب للإيقاع بين دمشق وطهران عبر موسكو… محاربة بالأوهام

إيران الحاضر الدائم في التصريحات والمواقف الأمريكية والإسرائيلية، فلا يكاد يخلو لقاء أو تصريح لكبار مسؤولي الجانبين إلا ويتم الإشارة فيه إلى إيران ودورها ونفوذها و”ضرورة” أن يتم تحجيم هذا الحضور، وطالما أن الحديث عن دور ونفوذ طهران، يذهب الحديث إلى سورية، وبديهي عندئذ أن يرتبط الحديث تاليا بروسيا ودورها هي الأخرى في سورية، وبالنظر إلى عدم قدرة الأطراف المتضررة والمتأثرة من النفوذ الإيراني التواصل مع طهران مباشرة لذلك تلجأ إلى الجانب الروسي عله يستطيع أن يمارس دورا في “الحد”، أو تحجيم ما يسمونه “النفوذ الإيراني في سورية” أو “إخراج إيران من سورية”.

أمريكا ومن خلفها حلفاؤها في المنطقة العربية علاوة على “إسرائيل” بالطبع، يبدون شديدي القلق حيال “تمدد النفوذ الإيراني” في سورية، فما مدى إمكانية حدوث ذلك، وهل يمكن لروسيا أن تقوم بهذه “المهمة” أو هل تستطيع أساسا أن تعمل لفصل حليفين (دمشق وطهران) لم يتحالفا منذ عدة سنوات فقط؟ بل إن علاقاتهما تاريخية وتعود لعقود خلت وحلفهم متعددة الجوانب.

قد يبدو السؤال أو الفرضية (إخراج إيران من سورية) غير منطقي أو يعتريه خطأ افتراضي، لكنه يطرح في الدوائر الغربية والإسرائيلية وكل زيارات بنيامين نتنياهو إلى موسكو صبت في هذا الاتجاه، وكي لا يبدو السؤال خياليا فإن موسكو وطهران لا تخفيان الحديث عن وجود اختلاف في وجهات النظر لكن لا خلاف حول شكل الوجود الإيراني في سورية، مع معرفة طهران بأن أمن “إسرائيل” هو أحد أهم أولويات موسكو.

فكيف ترى القوى السياسية السورية هذه العلاقة بين موسكو وطهران؟ وهل تعتقد بإمكانية أن يتم “البيع” بين البلدين في سورية؟

درزي: موسكو مع دمشق وطهران

الدكتور والكاتب السياسي أحمد الدرزي يعتبر أنه قد يكون هناك خلل في السؤال وكأن دمشق أصبحت فاقدة لإرادتها وقرارها بين حليفين متناقضين، وهي مازالت تحمل صفة الشرعية الدولية، وهي صاحبة القرار النهائي بأي قرار يتخذ. وفي الإجابة يقول: “دمشق وطهران وموسكو عواصم أساسية في صناعة مشهد مواجهة الحرب على سورية وتداعياتها، ويجمع فيما بينها قواسم مشتركة أكبر من مساحة الافتراق، وأولى هذه القواسم هي وحدة التهديدات والاستهدافات التي تتعرض لها، من قبل الولايات المتحدة بالذات ومن الغرب بالعموم، وهي تشمل محاولات تقويض بناء دولها ومجتمعاتها واقتصادياتها باستخدام كل أشكال الحرب المعروفة”.

أضاف، “هذه التهديدات والاستهدافات لن تتوقف حتى تصل الولايات المتحدة إلى الإقرار، بأن العالم أصبح متعدد الأقطاب، وتعترف بأنها تحتاج لشراكات دولية وإقليمية في إدارة كل الملفات، ولكنها تدرك بأن هذا الإقرار قد يدفع نحو انهيارها لإدراكها بأنها ستخسر الورقتين القويتين الوحيدتين لديها،وهما الدولار كعملة وحيدة للتبادل الدولي، والتكنولوجيا العالية”. 

ويلفت الدرزي إلى أنه رغم التباينات المتعددة بين هذه العواصم بما يتعلق بـ “إسرائيل” وأمنها الوجودي وبطبيعة العلاقات الروسية مع خصوم سورية في الرياض والدوحة وتركيا، ومحاولات موسكو أن تحافظ على المصالح الكبيرة مع تركيا ولو على حساب دمشق ووحدة أراضيها وسيادتها واستقلالها، فإن المؤشرات المعلنة كما يرى “تؤكد بأن روسيا ستحسم قرارها بالنهاية وستختار الالتصاق أكثر بدمشق وطهران في خياراتهما المحلية والإقليمية بسبب مجموعة من العوامل الأساسية”.

* استمرار الاستهدافات والتهديدات الغربية لهذه العواصم.

*الفشل القادم بالرهان على إمكانية احتواء موسكو لأنقرة من حساب سورية لتناقض المشروع التركي السلطاني مع المشروع الأوراسي القيصري، وخاصةً أن أنقرة تعتبر نفسها مالكة لأوراق قوة متعددة تستطيع من خلالها الضغط على موسكو، وباستخدام الإسلاميين لاستثارة مسلمي روسيا واستقطابهم، واستثمار القومية التركية للأتراك في روسيا، بالإضافة لورقة موقعها الجيوسياسي الأخطر في العالم.

ويؤكد الدرزي أن ما يجمع بين موسكو وطهران ودمشق جملة من المصالح والاحتياجات.

ويقول: “أول هذه المصالح تتعلق بالتهديدات الإرهابية المشتركة ذات الطابع الإسلامي الأصولي، وثانيها هو طبيعة الشراكات الاقتصادية بما يشمل مصادر الطاقة وطرق نقلها وأسواقها”.

أما الاحتياجات بين هذه العواصم تتعلق بالتكامل فيما بينها بما يتعلق بالأعمال العسكرية لمواجهة التهديدات الإرهابية أو الجيوش، حيث تمتلك موسكو السماء بتكنولوجيا الطيران والأقمار الصناعية، بينما تمتلك دمشق وطهران الأرض بقدرات مقاتليهما”.

ويخلص الباحث الدرزي إلى اعتبار أن القرار النهائي لموسكو لا يستطيع أن يتجاوز قرار دمشق وطهران، ببقاء تحالفهما المتماسك منذ أربعين عاماً رغم كل العواصف التي عصفت بالبلدين، وربما سنجد موسكو في لحظة افتراق الأضداد ستكون مضطرة لحسم خياراتها باتجاه من يحقق لها مصالحها الاستراتيجية وهي لن تكون إلا مع دمشق وطهران.

خدام: لا مصلحة لروسيا بخروج إيران

وفي السياق نفسه يرى الدكتور منذر خدام عضو هيئة التنسيق الوطنية لقوى التغيير الديمقراطي المعارضة “أن الروس ليسوا من الغباء أن يفكروا بإخراج إيران، فضلا عن كونهم لن يقدروا على ذلك”.

ويقول: “الوجود الإيراني ليس مرتبطا بالأزمة فهو سابق عليها، ومنذ الحرب العراقية – الإيرانية ووقوف دمشق إلى جانب إيران تأسس نوع من العلاقات الاستراتيجية بينهما، وبناء على هذه العلاقات صار تبادل الأدوار في خدمة المصالح المشتركة وفي خدمة مصالح كل طرف”.

أضاف: “قبل تفجّر الأزمة كانت العلاقات بين سورية وإيران يؤطرها حلف أطلق عليه “حلف المقاومة”، وعندما تفجرت الأزمة لم يكن متوقعا أبدا أن تتخلى إيران عن سورية التي وقفت إلى جانبها طيلة سنوات حربها مع العراق، هذا عدا عن المصالح الإيرانية الاستراتيجية التي تراكمت في سورية والتي يشكل حزب الله حلقتها الوسطى”.

ولفت عضو هيئة التنسيق إلى أن هذه الحقائق يدركها الروس جيدا، مشيرا في هذا السياق إلى أنه في بداية الأزمة، أي في أواخر عام 2011 التقى وفد هيئة التنسيق المبعوث الخاص للرئيس الروسي نائب وزير الخارجية ميخائيل بوغدانوف في بيروت، حيث قال في حينه: “لو اضطرت إيران سوف ترسل جيشها إلى سورية لمنع سقوط النظام وهي قد نفذت ذلك على طريقتها”.

أضاف خدام: “الروس ليسو من الغباء أن يفكروا بالعمل على خروج إيران من سورية ولا يستطيعون، مع ذلك وربما لاعتبارات تكتيكية وبالتوافق مع الإيرانيين يمكن تقليص الوجود الإيراني في بعض المناطق من سورية كنوع من الإرضاء لإسرائيل، وأيضا لتأمين غطاء سياسي لخروج القوات الأمريكية وغيرها من سورية”.

وختم خدام “بعد إعادة سيطرة الدولة السورية على كامل أراضيها لن يكون هناك أي مبرر ولا داع للوجود العسكري الإيراني، لتستمر العلاقات السياسية والاقتصادية وتتعزز، ولفت إلى أثر زيارة الرئيس بشار الأسد لإيران ثم توقيع اتفاقية لبناء 200 ألف وحدة سكنية وفتح اعتماد لسورية بمبلغ 2 مليار دولار، والخلاصة كما يرى خدام سوف تظل العلاقات بين سورية وإيران قائمة وستتعزز، والروس يدركون ذلك وليس لهم مصلحة بخروج إيران الكامل من سورية.

الأحمد: الفرضية والمصلحة غير متوفرتان

وفي السياق نفسه يرى طارق الأحمد رئيس الدائرة الخارجية في المكتب السياسي للحزب السوري القومي الاجتماعي، أن هذه الفرضية (إخراج إيران من سورية)، تفترض وجود مصلحة روسية لإخراج إيران كنفوذ من سورية، في الوقت الذي تشي الوقائع على الأرض بمقاربة تختلف عن هكذا فرضية لأن إيران وروسيا كانتا متحالفتين خلال الحرب التي شنت على سورية في سياق حالة عالمية-أصبحت متفشية هي محاربة الإرهاب المتشدد الموجود على تخوم روسيا وإيران، وفي الجمهوريات السوفييتية السابقة، وفي مناطق مختلفة إضافة إلى مناطق في العالم العربي- لا يمكن أن تفضي إلى نتيجة بتناقض في المصالح بين البلدين في محاربة الإرهاب.

وقال الأحمد: “لا أعتقد أن مثل هذه الفرضية صالحة للنقاش وبأن روسيا تريد بشكل حقيقي إخراج إيران من سورية وإنما تريد روسيا إجراء ترتيبات معينة، أمنية وإقليمية، تبغي إرساءها في المنطقة، وهناك الكثير من الضجة الإعلامية، ترجح فرضيات من هذا القبيل”.

واستبعد الأحمد أن يكون هناك تناقض صارخ في المصالح الروسية الإيرانية في سورية، أما ما نشاهده في الإعلام حاليا وفي السياسة أحيانا، فيرده الأحمد إلى الحالة الراهنة والبعض منه يندرج في سياق تبلور الموقف لدول أخرى متذبذبة مثل الدول الغربية، والولايات المتحدة كون العلاقة مع إيران مهمة في هذا الإطار.

ويختم بالتأكيد “هذه الفرضية وهذه المصلحة غير متوفرة وإنما موجودة بشكل تكتيكي فقط”.

الأتاسي: تحالف مفيد لروسيا

من جهته، يعتقد الأمين العام لـ “حزب اليسار الديموقراطي السوري” المعارض منصور الأتاسي أن التحالف الثلاثي بين روسيا وتركيا وإيران هو تحالف مفيد حتى الآن لروسيا، ولا يمكن تفجيره أقله الآن، وقال: لقد حاولت روسيا الضغط على إيران عن طريق غض النظر عن الطيران الإسرائيلي لضرب المواقع الإيرانية في سورية، ولكن ذلك لم يؤثر على التواجد الإيراني في سوريه بشكل كبير”.

ويضيف بأن “الحل الروسي المعتمد على اختصار قرارات الأمم بالانتخابات والدستور بما يؤمن إعادة إنتاج النظام يتطلب الدعم الإيراني” كما يقول: وحاجة روسيا للدعم تمنعها من زيادة الضغط على إيران، كل ذلك التقطته السياسة الأمريكية التي بدأت تصعد ضد الوجود الإيراني في سورية، ومنعت الدول العربية من إعادة دمشق إلى الجامعة العربية”.

ولفت المعارض السوري إلى “أن قيام بعض الدول الأوروبية باعتبار حزب الله بشقيه السياسي والعسكري منظمة إرهابية، يؤكد أن الأمريكيين وحلفائهم تأكدوا من عدم جدوى السياسة الروسية تجاه إيران، فانتقلوا إلى الضغط المباشر، لذلك فإن عجز روسيا عن إبعاد إيران الآن سينعكس بمضاعفات سياسية تؤدي إلى إخراج روسيا، وإلى صعوبة استمرار سياستها التي لن تستطيع من تحقيق أهدافها، وهذا الواقع المعقد يتطلب تغييرا في السياسة موسكو غير قادرة عليه”.

الحمال: لا يمكن إنهاء الدور الإيراني

الأمين العام لحزب التنمية الوطني إيناس الحمال يقول: “القوى الدولية المعنية بالتعاطي مع الأزمة السورية، بشكل مباشر أقدر على التحكم بمسارات باقي القوى، و خصوصا في حال التنسيق مع الحكومة السورية والقيادة السورية، مما يمنح أي تحرك أو نشاط شرعيته الوطنية والأخلاقية والسياسية، ولكن ما يجب الحديث عنه و التركيز عليه وبقراءة واعية للمعطيات على الأرض، أن أي قوة إقليمية تشارك في الأزمة السورية، بشكل مباشر أو غير مباشر، يمكن الحد من قوتها وأدائها على الأرض عبر تضعيف وتقوية هذا الدور، و لكن لا يمكن حتى للقوى الدولية العظمى بما فيها الصديق الروسي أن ينهوا أي دور إقليمي بشكل قاطع”.

أضاف الحمال “القوى الإقليمية وفي أولها الإيراني والتركي والعربي الخليجي هي بالأساس يربطها صلات عميقة، بمكونات الشعب العربي السوري، وتمتلك تاريخيا سلسلة من المعطيات لا يمكن تجاوزها ولا محوها مهما تعاظم الضغط الدولي، وخصوصا إذا ارتبط هذا الدور الإقليمي بتنسيق وشرعنة من قبل سورية”.

من هذا المنطلق أساسا يمكن صوغ الإجابة عن الرغبة في إزاحة القوة الإيرانية على الأرض السورية أو الحد منها و إذا كان هذا الأمر واردا فهو يختلف في مدى التطبيق باختلاف الجغرافية السورية، والحاجة الدولية له حيث يمكن أن يكون واردا في الجنوب والوسط السوري، بينما بقاء الدور الإيراني في الشمال السوري وفي حلب هو حاجة للتوازن الإقليمي وأحد أهم عوامل الاستقرار والحل المنطقي للأزمة، بالتنسيق مع حكومة الجمهورية العربية السورية بحيث يتم سحب و تحديد علمي و متوازي لكافة القوى الإقليمية من الأرض السورية.

ويضيف بأن الأقدر على تحديد هذا هو حكومة الجمهورية العربية السورية، ويعد واجبا على الجميع اعتبار هذا العامل حتى من قبل قوى المعارضة السورية التي تبحث عن حل وطني حقيقي وعادل، و لا تلعب دور حصان طروادة من أجل تحقيق مصالح الآخرين وخصوصا العثماني التركي على حساب الجماهير السورية والوطن السوري .

درار: إيران أقوى

من جانبه يعتقد الرئيس المشترك لـ “مجلس سوريا الديمقراطية” رياض درار، أن روسيا وإيران ذاهبتان في سورية إلى تنافس شرس قد يؤدي لخروج أحد الطرفين على حد قوله، مضيفاً أن “إيران في سورية أقوى من روسيا، لأنها تنتشر في مناطق كثيرة ،كما تمتلك الأرض، والنفوذ عسكريا وسياسيا وأمنيا وحتى اجتماعيا ،لأن طهران تتدخل في قضايا كثيرة في مسالة النفوذ الديني، علاوة على أن طهران تدفع لمن يقف إلى جانبها”.

ويعتقد درار أن روسيا متضايقة من النفوذ الإيراني وتريد هي الأخرى أن تكون صاحبة الكلمة الأقوى، لكن سياسة الطرفين ليست متوازية، فكل يذهب باتجاه، روسيا يهمها أمن “إسرائيل” والعلاقة الجيدة معها، بينما طهران على صراع مع “إسرائيل”، وقد يكون صراعا مميتا في لحظة ما…”.

ولفت درار إلى أن “روسيا تريد أيضا أن تكسب الجانب التركي، لأن الأخير يستطيع أن يؤثر على علاقة موسكو مع واشنطن، في إطار الصراع والتنافس بين القوتين الكبيرتين، وهذا يغيظ طهران، لأن روسيا قد تتخلى عن جزء من الأرض السورية لمصلحة تركيا، في الوقت الذي تتنافس فيه مع طهران على مواقع تريد الأخيرة أن تستأثر بها في سورية، وهذا كله برأي درار يؤثر على مستوى العلاقات بين موسكو وطهران في سورية، وهذه العلاقات الذاهبة في المستقبل إلى تنافس شديد”.

المحاربة بالأوهام

تقلبات المصالح بين روسيا وإيران لا ترقى إلى مستوى بيع أحد الطرفين للآخر، وعليه لا تعدو مسألة الحديث عن الانسحاب الإيراني من سورية عن كونها نسيجا هشا من الرغبات والأوهام والأمنيات، ولا تتوافر على الحد الأدنى من المعقولية الممكنة واقعيا، بل كل هذا يقع في إطار رغبة إسرائيلية جامحة…

دمشق وطهران، باتتا اليوم أشد تماسكا وتعاضدا وتدرك أمريكا وروسيا ذلك، وتأكدتا بعد الزيارة الأخيرة للرئيس الأسد إلى طهران عمق التحالف، وقرأتا الرسائل التي حملتها الزيارة ومفادها أن النيل من التحالف السوري الإيراني لا يعدو عن كونه وهماً…

شوكت أبوفخر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق