تحت الضوء

فوضى الصلاحيات تشل حركة المؤسسات… والمركزية الحادة تفتح باباً واسعاً للفساد

مركزية القرار في الوزارات والمؤسسات العامة هي السمة السائدة للأسلوب الإداري المتبع، فكيف تعرقل هذه المركزية والصلاحيات المحدودة للمعاونين والمدراء عمل المؤسسات؟؟

وترجع الصلاحيات الممنوحة خاصة بالنسبة للمعاونين إلى الوزير أو المدير العام، فتكون في حدها الأقصى أحيانا، وتصل إلى حد التهميش في كثير من الأحيان…

فما هي سلبيات هذه المركزية وأسبابها، وهل هناك بالفعل أوجه إيجابية تنتج عن اعتمادها؟

عدم ثقة الإدارة العليا

تقول وزيرة الاقتصاد السابقة الدكتورة لمياء عاصي، أن التقنيات الجديدة في مجال الاتصالات والمعلومات تساعد على انتشار اللامركزية في الإدارة بشكل كبير، لأنها توفر إمكانية التواصل مع الآخرين بوسائل سهلة ومتاحة للجميع، والاطلاع على المعلومات والاقتراحات وطلب تفاصيل أي مشروع أو حيثيات أي موضوع من المحافظات بشكل آني، ومن المعروف في عالم الإدارة أن الصلاحيات الممنوحة لمنصب ما تترافق بالمسؤولية عن القرارات التي يصدرها.

مضيفة أن المركزية تعكس بشكل أساسي عدم ثقة الإدارة العليا أو المركزية بالمدراء المحليين وعدم تحميلهم أي مسؤولية، فأهم سيئات المركزية في الإدارة أنها تؤدي إلى الاتكالية وعدم المبادرة وضياع الأفكار بشكل يؤثر سلباً على عمل الوزارة أو المؤسسة, وأن المدراء في المحافظات لا يتحملون مسؤولياتهم لسبب أساسي أنهم غير قادرين عن اتخاذ أي قرار بشأن أي مشروع أو أي قضية, كما تزيد المركزية دورة المستندات الروتينية مما يطيل الوقت اللازم لإنجاز المعاملات الخاصة بالمواطنين أو المستثمرين ويخفض كفاءتها , إضافة إلى أن الإدارة المركزية لا تحقق أي قيمة مضافة تذكر، لأنها عادة لا تضيف أي شيء للمواضيع التي تأخذ بشأنها قرارات وغالبا ما توقع على الاقتراحات الآتية من المحافظات كما هي ومن دون أي تعديل.

نظام هرمي حاد

من جهته يرى معاون وزير الصناعة السابق بركات شاهين أن مشكلة النظام الإداري في سورية أنه نظام هرمي حاد، قاعدته ضيقة جداً وارتفاعه عال جدا أيضاً، لهذا السبب من الممكن القول إن النظام الإداري مشلول كلياً، وهذا ما أفقد الاقتصاد السوري على سبيل المثال ديناميكيته على مدى نصف القرن الماضي.

 مضيفاً، دائما كنا نرى أن التطوير يبقى ضمن النظام الهرمي، أي أن المضمون يبقى واحدا، وهذا بالنتيجة خلق غياب للشفافية وزيادة في الفساد، ونسمع كثيرا عن دعوات لمكافحة الفساد، وهنا من المفترض أن تعمل هذه الحملات على التأسيس لنظام إداري يفسح المجال للشفافية في العمل، بعيدا عن الإدارة المركزية التي تسمح بحدوث تواكل في اتخاذ القرار، حيث تسمح الهرمية للفاسدين أن يمارسوا كل أنواع الفساد.

من جانب آخر، يشير شاهين إلى أن الضعف الإداري يزيد بسبب غياب الوجوه الإدارية الكفؤة والتي ابتعدت بسبب الهرمية الحادة والنظام الرقابي والقضائي.

ويؤكد شاهين، أن المركزية المتبعة وصلت لحد أن يرفع الوزير طلب إلى رئاسة مجلس الوزراء ليشتري ستائر لمكتبه، على سبيل المثال.

لافتاً إلى أن أي مدير شركة في القطاع العام يحتاج حتى يستورد أصغر آلية أو معدة إلى موافقة اللجنة الاقتصادية في رئاسة مجلس الوزراء، وأعضاء هذه اللجنة ليسوا جميعاً من ذوي الاختصاص، ويتم التصويت على الموافقة بالأكثرية وهذا ما أضاع علينا الكثير من الفرص.

باب الفساد

إشراف الوزير على الكثير من الجزئيات الإجرائية موضوع مرهق للوزير نفسه، وللمؤسسة عموماً، فهناك العديد من الأمور التي لا يستلزم الأمر الرجوع للوزير فيها أو أن ينوب عنه أحد للبت فيها، وهنا يقول وزير الاتصالات السابق عمرو سالم عن تجربته: بعد أسبوع من تعييني كوزير كان حجم البريد الذي يحتاج موافقة وزير ضخما جدا، اكتشفت فيما بعد أن 80 % لا يحتاج إلى موافقة أصلا.

مؤكداً أن هذا نوع من الفساد لأن الموظفين يشترطون وجود موافقة وزير على المواطن حتى يشعر أن الموضوع لن يسير بسهولة وبالتالي يفتح باب الرشاوى والوسائط وغيرها.

ويشير سالم إلى أنه ألغى خلال عمله الموافقات عن بعض المعاملات التي لا تحتاج لها وكان هناك احتجاج صريح من الموظفين على ذلك.

لافتاً إلى أنه كان يعتقد أن العقبات التي تعرقل العمل هي غباء لا مبرر له، ليكتشف بعد ذلك أن هذه العقبات توضع عن سابق إصرار لفتح باب الفساد والمحسوبيات، فالمشكلة الحقيقية هي التعقيد المقصود، وهنا لا ينفي وجود وزراء ومدراء مركزيين.

في الوقت نفسه يؤكد وزير الاتصالات السابق أن القانون الناظم لعمل المؤسسات جيد ويحدد صلاحيات المدراء والوزراء والمعاونين، بغض النظر عن التطبيق، فالواقع أن هناك الحدود بالصرف مثلا، المفروض أن المدير العام هو آمر الصرف وعاقد النفقة، ولكن بحدود مبلغ معين أي أن القانون حدد له الحد الأعلى للصرف وللمعاون الحد الأعلى، وكذلك الأمر بالنسبة للوزير، وفي الوقت نفسه لا يحق للوزير تجاوز المدير العام وتوقيع عقد يتعلق بإدارة هذا المدير دون الرجوع إليه.

إيجابيات المركزية

 من جانب آخر يرى معاون وزير التربية عبد الحكيم حماد، أن للإدارة المركزية سلبيات وايجابيات، فالقرار الاستشاري الذي تشارك فيه مجموعة من الخبرات يؤدي حتما لقرار صحيح، وقد يكون تطبيقه بصيغة المركزية، في الوقت نفسه هناك قرارات تستوجب من متخذها أن يكون قراره مركزي.

موضحاً، كمعاون وزير عندما أتخذ قرارا بشكل فردي قد لا أرى سلبياته أما عندما يكون هناك من يشاركني قد يسلط الضوء على بعض النقاط التي غفلت عنها.

أما ايجابيات موضوع المركزية كما يرى أنصارها, حسب وزيرة الاقتصاد السابقة، فهي الإشراف المباشر على كل كبيرة وصغيرة في كل المحافظات ومنع الفساد, لافتة إلى أنها لا ترى أي جدوى أو ايجابية للإدارة المركزية والتدخل في كل شاردة وواردة لأن لذلك سلبيات كثيرة.

وتضيف عاصي بأن التفويض بالصلاحيات يجب أن يفرض بموجب القانون ولا يخضع لمزاج رأس الوزارة أو المؤسسة، وإمكانية منح المدراء في المحافظات الصلاحيات التي تمكنهم من حل أي موضوع دون اللجوء إلى المركز إلا في حالات قليلة, مما يرفع سوية الأعمال في الوزارة أو المؤسسة, خصوصا إذا كانت سياسة الوزارة واضحة لجميع المدراء بشكل يمكن اتخاذ القرارات في ضوء تلك السياسات والاستراتيجيات.

“معاون وزير”

 هذه الوظيفة الفضفاضة التي تختلف تبعا للصلاحيات التي يمنحها الوزير، هي موضوع إشكالي دائما، فما صلاحيات معاون الوزير وما مهماته؟

يقول معاون وزير الصناعة السابق بركات شاهين إن وظيفة المعاون تختلف من شخص لآخر فمن الممكن أن يكون بواباً للوزير ومن الممكن أن يكون صاحب سلطة تفوق سلطة الوزير، حسب “الدعم”.

مضيفاً، كلمة “معاون” يجب أن تلغى ويحل مكانها النائب سواء نائب وزير أو نائب مدير شركة أو غير ذلك، كما يجب أن يكون تعيين هذا النائب بمرسوم رئاسي يوضح مهامه وصلاحياته، وأن تكون المهام الفنية بيد هذا النائب لأن مهمة الوزير دائما تكون عابرة يغلب عليها الطابع البروتوكولي والسياسي.

ويؤكد شاهين أن المشكلة أن أي وزير عندما يتم تعيينه يخطر له تغيير معاونيه، وهذا ما يجعل المعاونين أنفسهم قلقين من هذا القرار ومترقبين له، وكثير ما نرى أن المدير يخاف من معاونه، فالعلاقة بين الوزير أو المدير ومعاونه لم تكن يوما علاقة حميمية، وهذا بكل تأكيد سيؤثر على العمل.

من جانبه يرى عمرو سالم أن الوزير يستطيع منح المعاونين صلاحيات معينة، القانون يحدد بعض الصلاحيات لكن أغلبية الصلاحيات تعود للوزير، المشكلة أن تسميته “معاون”، وهناك فرق بين المعاون والمدير العام، المدير العام لديه صلاحيات وهو شخصية اعتبارية، و يمثل المؤسسة المسؤول عنها، أما المعاون مهمته معاونة الوزير أو معاونة المدير.

موضحاً، أما “النائب” هنا يختلف الموضوع قليلا مثل نائب وزير الخارجية حاليا، حيث يعين النائب بمرسوم ويكون بمرتبة وزير، له صلاحيات محددة ويستطيع أخذ قرارات بغياب الوزير. ويؤكد وزير الاتصالات السابق أن عدم إعطاء المعاون صلاحيات هو موضوع سلبي، فالحد الأقصى من الصلاحيات التي يحددها القانون يجب أن تكون إلزامية لا أن تترك للوزير، بالنهاية إذا تساوى الوزير مع معاونيه بالصلاحيات يصبح للوزارة عدة وزراء، وغالبا يكلف المعاونين بملفات معينة على أن يرجعوا بالقرارات المهمة للوزير، وهذا طبيعي لأن الوزير بدوره سيعرضها على مجلس الوزراء.

ويشير سالم إلى أنه وبعد التعديل الحكومي الأخير أصبحت تسمية بعض المعاونين، تتم بعد تعيين الوزراء، وهذا جدا إيجابي، فعدم الانسجام الذي من الممكن أن نراه سببه عدم الانسجام بين الوزير والمعاونين لذا لا يعطيهم صلاحيات، أما اليوم أصبح الوزير يقترح معاونيه، وهذا جيد لأنه لا يسمح بأن يبرر الوزير قلة الصلاحيات المعطاة للمعاون بأنه غير كفؤ أو غير منسجم مع استراتيجيته في العمل.

اقتراح…

المشكلة في منصب معاون الوزير, حسب ما تقول لمياء عاصي أنه يأخذ مهامه وصلاحياته من الوزير، أي أن القانون لا يحدد له صلاحيات أو مسؤوليات معينة, والمشكلة الأكبر التي قد تؤدي إلى تهميش معاون الوزير تكون عندما تكون علاقة الوزير بمعاونه غير جيدة, مشيرة إلى أنه كان هناك مقترح بأن يتم تحويل منصب معاون الوزير إلى منصب مدير عام في الوزارة لقطاع معين تتبع له مجموعة من المديريات, وأن يكون لمهام ومسؤوليات هذا المنصب توصيف كامل, ولم يتم العمل بهذا المقترح الذي أجده اليوم ضروريا في تحسين كفاءة المنظومة الإدارية في سورية.

في سياق آخر يختلف معاون وزير التربية الحالي مع الآراء السابقة يقول إن في وزارة التربية تفويضات فعلية للمعاونين تتعلق بالعمل المنوط بهم ولديهم صلاحيات لاتخاذ القرارات التي لا تتعلق بالتعينات والقرارات الرقابية، إضافة إلى القضايا الاستراتيجية والخطوط العامة لعمل الوزارة.

مضيفاً أن المرسوم يحدد مهام معاون الوزير ودوره واضح أكثر من الوظائف الأخرى، كالتأشير على القرارات وبناء الاستراتيجيات وتسهيل عملية صنع القرار، وفي كثير من الأحيان يفوض عن الوزير في غيابه.

حماد والذي مر على وزارة التربية خلال عمله فيها كمعاون منذ ست سنوات، عدة وزراء، يؤكد أن الصلاحيات المفوض بها، لم تختلف نتيجة تغيير الوزير وإنما تختلف حسب المديريات التي يقوم بالإشراف عليها، إلا إذا رأى الوزير أنه يجب أن يتدخل للإشراف المباشر عليها.

فوضى الصلاحيات

فوضى الصلاحيات ومركزية القرار تشل العمل في المؤسسات وتعرقله، حيث تؤدي إلى إطالة وقت إنجاز وتطبيق أي قرار إضافة إلى أنه يفتح الباب لتأثير العلاقات الشخصية على العمل، وبابا آخر للفساد والمحسوبيات… 

لودي علي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق