قضية

خبراتنا الهندسية ما زالت تنتمي للسبعينات من القرن الماضي: من سينهض بـ “إعادة الإعمار” العتيدة؟

تتالت الكوارث التي كان السبب فيها أخطاء أو جهل أو فساد الجهات الهندسية المشرفة أو المصممة أو المنفذة، فمن انهيارات الأبنية في مناطق لم تتعرض للحرب، إلى طرق حديثة الإنشاء انهارت في أكثر من منطقة إلى مشاريع تفتقد للحد الأدنى من المواصفات المطلوبة…

كل ذلك فيما يرتفع الحديث عن قرب انطلاق عجلة “إعادة الإعمار”، فهل ستكون “خبراتنا الهندسية” التي تصمم ما ينهار بعد أشهر، هي نفسها القائمة على مشاريع إعادة الإعمار؟!

ثلاثة أسباب …

يتحدث بعض الخبراء عن أن خبراتنا الهندسية غير كافية، فيما يشير البعض الآخر إلى أن أدوات التنفيذ غير متوفرة، بينما يقول آخرون لا توجد خبرات هندسية كافية أصلا كي نتحدث عن دراسات صحيحة، لا سيما في ظل الحرب، وعدم وجود رغبة بالعمل أو التطوير من قبل المعنيين.

في الوقت الذي تحضر الحرب كشماعة دائمة عند كل كارثة أو مشكلة من أي نوع، يرى خبراء أن هذا الخراب والذي كان آخر نتائجه الانهيارات المتلاحقة في الأبنية، تتعدد أسبابه بين الإهمال والفساد وقلة الخبرة.

رأى رئيس لجنة التدريب والتأهيل في نقابة المهندسين بدمشق عماد درويش، أن “أي خلل بأي عمل هندسي يعود إلى أحد ثلاثة أسباب أهمها الإهمال والفساد والرشوة”.

 ويوضح درويش أن “الفساد يحدث نتيجة للرشوة والمحسوبيات، وأما الإهمال فمن الممكن أن يكون سببه ضعف المردود، أو الجهل الذي يعود إلى قلة الخبرة، والتي تكون في كثير من الأحيان ناتجة عن أسباب ذاتية”.

ويضيف أنه “عندما يتم تكليف أحد المهندسين بعمل ما، ويكون المردود ضعيف، بشكل لا يغطي نفقات العمل، يعمل كثير من الموظفين بعقلية “يصطفلوا”.

لافتاً إلى أنه “يوجد عدد من المهندسين يعتقدون أنهم يعملون على قدر الراتب الذين يحصلون عليه، وهنا نعود إلى فقدان الرادع الأخلاقي، فمثلا في انهيار الحفة من الممكن أن يكون السبب الرئيسي له عدم تطبيق معايير الدراسات اللازمة”.

غير جاهزين!

يجمع الخبراء الذين تحدثت إليهم “الأيام” على أن إعادة الإعمار ما زالت عبارة عن كلام فقط، ولفتوا إلى أن سورية متأخرة جدا عن المستوى الذي وصلت إليه الدراسات الهندسية في العالم.

أستاذ الطرق في كلية الهندسة المدنية في جامعة تشرين بسام سلطان يعتقد بأننا “ما زلنا غير جاهزين لمرحلة إعادة الإعمار لعدد من الاعتبارات، أهمها أن الإنسان السوري بشكل عام، والمهندس بشكل خاص يحتاج إلى إعادة تأهيل، وبالدرجة الأولى إعادة تأهيل أخلاقي”.

وأكد أنه “حتى على مستوى الخريجين الجدد، فإنهم يبدعون في الخارج، بينما تموت طاقاتهم وتتوقف طموحاتهم في الداخل، خاصة عندما يكلفون بأعمال لا تليق بشهاداتهم، فمثلا المهندسون المفرزون إلى الجامعات لأغراض غير تدريسية، يكلفون بأعمال في شؤون الطلاب، بإمكان أي طالب يحمل شهادة ابتدائية أن يقوم بها”.

كما لفت درويش إلى أننا “غير جاهزين لهذه المرحلة، والسبب الرئيسي يرجع إلى ضعف الكوادر، بالإضافة إلى أن العمل الهندسي لم يأخذ حقه بعد على الصعيد المادي”.

واقع هندسي سيء

في السياق ذاته، يتحدث طالب الدكتوراه في الهندسة الزلزالية في جامعة طهران محمود قطرنجي، قائلا “إن الواقع الهندسي في سورية سيء جدا ويعكس حالة المجتمع، ونستطيع القول إن سورية هندسيا تعيش في العقد السابع من القرن الماضي”.

ولفت إلى أن “الأفكار التي تعلّمها الأساتذة الجامعيون في فترة السبعينيات والثمانينيات، تدرّس ذاتها اليوم في العام الحالي 2019 في الجامعات السورية”.

وأشار قطرنجي إلى أننا بحاجة إلى “قرار حاسم في مجال العمل الهندسي، ويعود السبب الرئيسي في تأخرنا إلى تدني المستوى العلمي للجامعات والمدرسين فيها، وعدم مواكبة التطور والحداثة بالعلوم الهندسية”.

 من جهة أخرى، يرى قطرنجي أن “فقر البحث العلمي، وعدم التوجه نحو إجراء أبحاث علمية حقيقية تواكب الأبحاث العالمية، بالإضافة إلى عدم وجود ثقافة نشر الأبحاث العلمية في المجلات العالمية، سبّب فجوة كبيرة بين مستوى جامعاتنا وعدد من جامعات الدول الأخرى التي كنا نعدها متخلفة علميا”.

وأضاف “لو دققنا أين وصلت جامعات الأردن ومصر والإمارات وبعض الجامعات السعودية، سنعرف أننا نحيا في واقع هندسي مظلم، خاصة في ظل تحول نقابة المهندسين إلى نقابة للسمسرة والتجارة، وهو مرض حقيقي”.

ويتفق عماد درويش مع ما قاله قطرنجي، معتبراً أنه “يوجد تراجع شديد اليوم في الأبحاث الهندسية، والسبب الرئيسي يعود إلى عدم الإنفاق على موضوع البحث العلمي، فحتى في فترة ما قبل الحرب، كان من المفترض أن يخصص للبحث العلمي ميزانية أكبر، فمن غير المعقول أن تخصص الوزارة التي تملك ميزانية تقارب المليار، ما يقارب المليون ليرة فقط للبحث العلمي”.

ويلفت “لدينا مشكلة أن الكوادر الفردية رائعة، ولكن الكوادر الجماعية تفشل وهذا في الغالب سببه الإدارات”.

شروط قاسية

يُجمع عدد كبير من الاختصاصيين أن الجامعات السورية لا تزال غير مهيئة لتمنح شهادة الدكتوراه، وحول هذا الموضوع يقول قطرنجي “إن معظم أهداف طلاب الدكتوراه السوريين، تتمركز في الحصول على تلك الشهادة، كي يصبحوا أساتذة جامعيين، على الرغم من أن الجامعات السورية بالكاد تكون مهيئة لتمنح شهادة (ليسانس) في الهندسة”.

وأكد أنه “يجب وضع شروط قاسية لمنح شهادة الدكتوراه، وذلك من خلال عدم السماح للطالب بالدفاع مالم ينشر مقالتين ( IS ) أو ما يعادلها، خاصة وأن هذا الشرط موجود في كل جامعات العالم لضمان جودة البحث العلمي ورفع مستوى الأبحاث والجامعات”.

ويشير درويش إلى أننا “حتى اليوم نلاحظ عند لجنة الهندسة المدنية أن سوية المهندسين ضعيفة جدا، وهذا الجهل له عدة أسباب منها الكسل، وأحيانا تكون الأسباب خارجة عن قدرة الناس، بسبب تعرض البلاد للحرب، فجامعاتنا كانت أفضل قبل الحرب، وقد اقترحنا العديد من المبادرات كي نقوم بترميم النقص العلمي، إلا أن حجة الحرب كانت موجودة منذ اللحظة الأولى.

ولكن هذه الحجة لم تعد مقنعة إذا علمنا أن بلداً كألمانيا بنى كوادره على الرغم من الحرب التي أتت على كل شيء، ومن هنا كنا نقول دائما “حتى لو استمرت تلك الحرب فالبلد لن تموت، دعونا نعمل، ولكن لا آذان صاغية”.

الدراسات النوعية

يلفت الدكتور بسام سلطان إلى أنه “في الدراسات النوعية، يجب وضع برامج وآليات للتنفيذ، والبحث أولا في إمكانية تنفيذ الدراسات المطلوبة على المستوى المحلي، الأمر الذي يتم الاستغناء عنه في معظم دراساتنا”.

وضرب مثالا على ذلك في مشروع خلف الرازي قائلا “أبحرنا في البناء العالي، وناطحات السحاب مع غياب لكامل الخبرات وآليات التنفيذ في هذا المشروع”.

وتساءل فيما “إذا كانت هكذا مشاريع تناسب زمن الحرب في الوقت الذي تعاني فيه العاصمة من شحٍ للمياه، وهو الأمر الذي يجب دراسته هندسيا بدقة أيضا”.

وتابع “حتى عندما يتباهون بتقنيات البناء الحديثة أو المدن الذكية، لا يسألون أنفسهم، كيف لهذه المدن أن تعمل بدون كهرباء ولو لمدة 5 دقائق، وعلى الرغم من وجود غياب كامل للمنظومة الهندسية الشاملة لدينا، لا نزال نتحدث عن الإعمار.

قصر نظر

حول إعادة الإعمار بيّن قطرنجي أنه “لا توجد نظرة هندسية شاملة لما تتطلبه مشاريع إعادة الإعمار، فحتى اليوم لا تزال النظرة قصيرة المدى، فمفهوم إعادة الإعمار الموجود حاليا هو عبارة عن إعادة المدن إلى ما كانت عليه قبل الحرب، مع بعض التحسينات من حيث المظهر الخارجي”.

“وأما إعادة بناء المدن السورية على طريقة الدول المتطورة، فلا يزال غائبا، فحتى اليوم لا توجد البنى التحتية اللازمة لشبكات الكهرباء والمياه والهاتف والمترو والمطارات”.

وتابع “حتى في فترة ما قبل الأحداث، فإن الواقع المعماري للمدن وانتشار العشوائيات، سبب وجود كارثة عمرانية، والسبب الأساسي في ذلك يعود إلى الفساد الإداري في البلديات”.

القطاع العام يضارب

يتحدث عدد من المهندسين، عن أن القطاع العام شكل عبئا على تنفيذ ودراسة المشاريع الهندسية، خاصة وأنه يدخل كمضارب بالأسعار، محاولا طرح نفسه بشكل دائم كجهة منفذة أو دارسة، بدلا من أن يكون جهة مشرفة قادرة على إدارة المشاريع بكفاءة.

ويعتقد رئيس لجنة التدريب والتأهيل عماد درويش، إلى أن “القطاع العام نما وارتفع على حساب القطاع الخاص”.

بينما يشير آخرون إلى وجود بعض المشاريع التي تصل كلفتها إلى ما يقارب  500 مليون ليرة سورية، فيأتي القطاع العام ويطرح نفسه كجهة منفذة، فينفذ تلك المشاريع بـ 50 مليون ليرة سورية فقط!!

معايير ومتطلبات

كشف مهندسون عن أنه حتى اليوم تتم المفاضلة بين كوارث الانهيار، فتأتي بعض الجهات غير الخبيرة والتي تكون قد صممت على دراسة مشروع ما، وتقول علينا أن ندرس الجسور بشكل أفضل مما ندرس الطرق، لأن انهيار الجسر قد يكون كارثيا، بينما انهيار الطريق ربما يمضي ويمر بشكل خاطف.

وهنا رأى عدد من المهندسين في نقابة دمشق أن مشكلتنا الأساسية تكمن في أن الأمور لا تعطى للاختصاصيين، ولذلك لا يتم تطبيق الحد الأدنى من المعايير التي يجب أن تطبق، وتبقى الكتب والدراسات حبيسة الورق.

الأستاذ في قسم الهندسة الإنشائية في كلية الهندسة المدنية في جامعة دمشق سهيل عبدو، رأى أنه “من الضروري استيفاء الدراسات وتدقيقها وفقا للمعايير والمتطلبات، وإنشاء عقود وفق اشتراطات فنية منسجمة مع المعايير المعمول بها، ووضع أجهزة إشراف متمكنة وفاعلة، مترافقة بضوابط قوية ورادعة، مع ضرورة إيلاء الاهتمام الكافي المادي والإداري للبحث العلمي وربطه بحاجة الدولة والمجتمع”.

دراسات قاصرة

حول قصور الدراسات الهندسية في المرحلة الحالية عن تلبية متطلبات الإعمار، يقول الأستاذ في قسم الطرق والمواصلات في كلية الهندسية المدنية في جامعة دمشق شفيق داوود أنه “في كثير من الأحيان وأثناء تصميم الطرق، لا تتم دراسة طبقة الأساس أو حتى ما تحت الأساس كي تحقق الشروط اللازمة، على الرغم من أنه يجب معرفة الغزارات المرورية التي يتحملها الطريق نتيجة الحمولات الشاذة أو الزائدة، حيث تتم الدراسة والتنفيذ بدون مراقبة الحمولات”.

ولفت إلى أنه “حتى نوعية التربة لا تدرس بشكل كاف، والعينات التي يتم أخذها لا تمثل كامل جسم الطريق، على الرغم من ضرورة أخذ عينات بمسافات محددة، بالإضافة إلى أنه حتى تنفيذ الردميات يكون غير نظامي، فضلا عن أنه في بعض المقالع تكون التربة غير متجانسة، فإذا تراكب عامل واحد أو عاملين من العوامل السابقة من الطبيعي أن تكون النتيجة انهيار المنشأة الهندسية، وهو ما يشير إلى نقص في الدراسة”.

وضرب مثالا على عدم اكتمال الدراسة ما حدث في مدخل محافظة اللاذقية عندما اضطروا إلى نبش التربة 6 مرات، إلى أن قرروا استبدالها بشكل كامل، لأنه من غير المعقول أن تترك نقطة ضعف في المنشأة.

كما لفت إلى أن “الدراسة يجب أن تكون لكل حالة على حدة، بحيث تتم دراستها بشكل مفرد، إلا أنه حتى اليوم لا يتم إجراء دراسات حقيقية وكافية لجسم الطريق، ولا يوجد تدقيق عليها، ودراسة الطرق لا تخضع لنقابة المهندسين، فعند دراسة أي طريق يتم إرسال الدراسة إلى المكتب ليقوم بدراسة حالة عامة، فيقوم المدقق بوضع الختم بشكل فوري من دون معرفة المخاطر المترتبة على ذلك، على الرغم من وجود ما يسمى بنقاط خطر أو نقاط إجبارية يجب دراستها”.

يشاركه في الرأي الخبير الجيولوجي رفيق جبور قائلا “معظم السبور التي يتم أخذها هي عبارة عن سبور نقطية، وعلى الرغم من وجود آلات وأجهزة حديثة، تصور طبقات التربة بشكل كامل، وتسهم في إظهار أماكن وجود التكهفات على مختلف التطبقات الموجودة، إلا أنه حتى اليوم يفضل البعض الاعتماد على السبور”.

في النهاية، لا بد من القول إن الحديث عن إعادة الإعمار يجب ألا ينطلق من الواقع الحالي، وخاصةً على صعيد الدراسات الهندسية، فقبل البدء بهذا العمل الضخم لا بد من تأهيل “البنية التحتية العلمية” بكل ما تعنيه الكلمة، لأن مهندسين فقراء أو جهلة أو فاسدين لا يمكن أن يقوموا بهذه المهمة العظيمة. وأما من يبرر حوادث الانهيارات المتلاحقة للمنشآت الهندسية بالقضاء والقدر، فعليه أن يدرك أن الله لا يقطن في البلاد المتخلفة علميا وهندسيا، فلنرمم الأخلاق قبل الإعمار.

لجين سليمان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق