مقالات وآراء

المواطن السوري يعيش صراع غربته عن الوطن… واغتراب وطنه عنه

لم تكن ظاهرة الهجرة والاغتراب في المجتمع السوري قبل الحرب من أولويات الكثير من السوريين، خاصة ما بعد عام 2000 لما كانت تشهده البلاد من تطور في جميع نواحي الحياة، فكان معظم الشعب قادر على أن يعيش حياة مليئة بالرغبة والحياة وتحقيق الذات، فالمجتمع السوري بطبعه محب لوطنه وطريقة حياته، والظروف الاقتصادية والتعليمة والحياتية بشكل عام كانت تشجعه على البقاء في أرضه وسط أهله وبيئته وأجوائه الاجتماعية التي يحب.

لكن مع بداية الأزمة السورية وفقدانه للأمان أولاً، وشعوره بالخوف، وسوء الوضع الاقتصادي، واختلاف الآراء السياسية جعل الكثير من السوريين يفكرون بالهجرة، خاصة بعد أن فتحت بعض الدول أبوابها للمهاجرين السوريين، ولعل هذه الظاهرة كانت طبيعية في ظل الحرب والمعارك، لكن ظاهرة الاغتراب والهجرة لم تتوقف رغم استقرار الوضع الأمني، وعودة الحياة شبه الطبيعية في كافة القطاعات الاقتصادية والزراعية والصناعية.. الخ.. 

وفي استطلاع  أجرته “الأيام ” لشرائح مختلفة من المجتمع السوري حول فكرة السفر والهجرة بعد عودة الأمان كانت وجهات النظر مختلفة بين رافض وموافق.

كريم ( طالب في الصف الثالث الثانوي) يقول بأنه بعد انتهائه من هذه المرحلة سيسعى بمنحة إلى الهند أو روسيا، لإتمام دراسته.

أما منصور السيد “مهندس معماري” فيوضح: أنا بقيت في سورية خلال الحرب، رغم أنه كان باستطاعتي الهجرة لكنني لا أستطيع أن أترك ذكرياتي وأيامي الجميلة، ولا يمكنني أن أنكر أنني كنت سعيداً في مراحل حياتي كلها هنا، لكن لا أستطيع تجاهل مستقبلنا في هذه البلد، ولا أن أضحي بمستقبل ولدي الوحيد هنا، البلد غير مستقر، وحتى يعود إلى عافيته سيحتاج إلى وقت طويل، وسيكون على حساب مستقبل ابني، لهذا أنا مع الهجرة للشباب في الوقت الراهن، رغم علمي أنها نوع من الأنانية أن أبدي المصلحة الخاصة على العامة.

كلام منصور توافق عليه الدكتورة الجامعية هبة العابد، مضيفة نعم يجب تفضيل المصلحة الخاصة على العامة، لكن الحكومات التي خاضت وأدارت هذه الأزمة هم من جعلونا نفكر بهذه العقلية، أنا لم أغادر بلدي طيلة الحرب، كنت متمسكة بقراري رغم كل المشاكل التي حصلت بيني وبين زوجي السابق بسبب هذا القرار، خسرت زواجي، فهو كان مع السفر، وكانت النتيجة الانفصال، تضحك د.هبة قائلة: “أنا الآن نادمة ليس على قرار الطلاق، بل على البقاء هنا، فرغم الانتصارات الكبيرة من الناحية الميدانية، إلا أنه من ناحية الأوضاع الاقتصادية والتعليمة والصحية والمعيشية، فمنذ نهاية العام الماضي، وبداية هذا العام لا تبشران بمستقبل جيد للبلد”.

غربتنا في الوطن 

يرى محمد طنجو(موظف قطاع خاص) أنهما خياران أحلاهما مر، فالغربة والهجرة سلبياتها متعبة، فهي عمل وضغط وشوق، و أحياناً ذل خاصة في الوضع الراهن للمواطن السوري، وأما البقاء في هذا البلد فهو الغربة بحد ذاتها، فنحن نعيش الآن في بلد ثان ليس سورية التي عهدناها، الشعب تغير، الألفة ماتت، الوضع المعيشي مذل، ظهرت طبقات وشخصيات جديدة في البلد، هي كفيلة لأن تشعرك بأنك مغترب، فنحن ضائعون بين ويلات الغربة والهجرة، وويلات البقاء والرضوخ لمن يرسمون سورية بسلطاتهم وأموالهم وقراراتهم.

أم راتب “ربة منزل” وأم لثلاثة شباب بكرهم شهيد، تكابر على ضعفها، ودموعها تخون قوتها، تقول أنانية الأمومة تجعلني مع فكرة الغربة، لأضمن أن أولادي لن يتعرضوا لمصير أخيهم، الذي فقدته وهو في زهرة شبابه، لا أحد يعلم إن التحقوا لخدمة العلم كم سيمكثون، أصدقاء راتب أو من بقي منهم على قيد الحياة، منذ عدة أشهر تم تسريحهم، والتحقوا منذ عام 2010، فأنا مع الغربة، أن ينفطر قلبي عليهم وهم بعيدون عن عيني، على أمل أن تتكحل عيني برؤيتهم يوماً ما، أفضل من العيش على ذكراهم.

تجربة لا نكررها

في ظل الحرب هاجر بعض المواطنين من سورية خوفاً من أهوال الحرب، أو من مصير مجهول لخدمة العلم، لكن لم يستطيعوا أن يتحملوا ظروف الغربة والنزوح ومع أول فرصة عادوا.

ناظم “شاب في عمر الثلاثين” كان من أوائل من هاجر في الحرب، حدثنا قائلاً:” لا أريد أن أبيع وطنيات، وخاصة أنني هجرت البلد منذ بداية الحرب، لكن بعد الصعوبات التي واجهتها في غربتي رغم أنني خريج جامعي، لا أستطيع أن أصف بشاعة المشاعر التي تراود المغترب، أنا لست مع الغربة، بأي ظرف نعم نعاني كثيراً حالياً هنا، لكن شعور أنك في وطنك، ولست غريبا! شعور لا يمكن أن تعرف قيمته إلا عندما تعيشه”.

رامي “مهندس ديكور” تجربته مختلفة، فهو مغترب منذ ما قبل الحرب، وعاد عام 2013، يقول رامي: “لم أستطع أن أبقى في الخليج، أهلي يعيشون الحرب، أنا لا أشجع على الهجرة، نعم نحارب حالياً في لقمة عيشنا، لكن لن أشجع أولادي على الهجرة، لم نخلق فقط لنعمل ونؤمن مستقبلنا، الغربة تفقدك العائلة، الحياة الاجتماعية، الألفة، اللمة الحلوة، السعادة ليست مال فقط، السعادة أهل وأصدقاء”.

متجذرون وسنبقى

هاجر جميع أولادي، منذ بداية الحرب، لست نادمة على هذا القرار، فليذهب أولادنا، يتعلموا، يصنعوا مستقبلهم، بطريقتهم، بأسلوب مختلف، ليس لنا الحق بأن نبقيهم هنا، من أجلنا، هنا لن يحققوا ذاتهم، لن يعيشوا برفاهية، هذا البلد لن يعود كما كان، فلقد ذهب منه الحب والصدق والألفة، هذا كان رأي أم فارس (مديرة مدرسة متقاعدة).

والذي وافقها عليه أبو جون، الذي ساهم في سفر أولاده، بعد أن باع كل ممتلكاته هنا، ولم يترك لنفسه إلا بيتا يأويه وراتبه التقاعدي، يقول بحرقة قلب: “لا أريدهما أن يعودا إلى هنا فهذه الحرب القاهرة، ثكلتنا بـ “أم جون” وبالتالي أفقدتنا الحياة والوطن، فهي كانت وطننا، وبرحيلها، لم يبق لنا وطن ولا حياة”. 

أما أبو محمد “مزارع وأب لخمسة شباب ثلاثة منهم شهداء “، كان لكلامه وقع جميل، وحزين في آن معاً، بعزة نفس وفخر يقول:” لم أضحي بأولادي الثلاث، ليهاجر أخوتهم إلى خارج البلد، لم يرووا بدمائهم هذه الأرض، ليتخلى أخوتهم عنها، فكل مواطن واجبه أن يبقى، أن يحارب بطريقته، كل من يريد أن تتغير ملامح سورية الجغرافية والحياتية والاجتماعية والمعيشية، يجب أن نبقى وأن نعمر هذا البلد، وأن نؤمن لأحفادنا سورية القديمة بطريقة أجمل”، مضيفا أن سورية تعرضت للكثير، ولم يغادرها لا أجدادنا ولا آباؤنا، ونحن وأبناؤنا وأحفادنا يجب أن نستمر هنا، نُحارب الآن بانتمائنا ولقمة عيشنا، وسنهزمهم بتجذرنا وإصرارنا على البقاء والمقاومة والعيش، لن يفقدونا سوريتنا، مهما حاولوا، لا لن نهاجر ولن نغترب، وسنبقى ونستمر ونضحي ونحارب، لتعود لسابق عهدها، فهذه أرض الخير والعزة والكرامة”.

جودي دوبا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق