آخر الأيام

إلى الأبد … وضمّة

في تصنيفه للحواس اعتبر “ديدرو” ( 1713 ـ 1784م) أنَّ الشمّ هو حاسة الرغبة، هذه الملاحظة تفسر انحيازي للعناق الأول كأجمل بداية للحب، فرائحة الآخر أفيون الذاكرة في مواسم القسوة، وهذه الملاحظةٌ تفسر أيضا الضغينة التي أضمرها لـ “اوغستو بينوشيه” -ديكتاتور تشيلي- الذي قذف بالعم “سانشو” إلى شوارع باريس ليغدو أفضل مدرب لرقصة الفالس وغريمي في آن، إذ ما من عناق أول إلا وكان هو يسابقني إليه، ليس من باب السطو على أحلامي بقدر ما هو بدافع الجاذب الذي كان يتمتع به، جاذب هو مزيج من التبغ وخمر “الروم” والانكسار المشوب بالتحدي الذي تتركه الديكتاتوريات في عيون ضحاياها.

في الحقيقة، لم يكن “المعلم سانشو” غريمي لوحدي، وإنما لثلة من أصدقاء لي، قادهم حظهم العاثر لأنَّ يكون هو معلمهم، وجميعنا كنّا نلقى الضنى لنقنع بعض جميلات “السوربون” ليكنّ شركاءنا في الرقص أملاً بعناق يكون فاتحةً لحبًّ عاثر، لكنهنَّ ما أن يلمحنَّ “المعلم سانشو” حتى يتنافسنَ على الرقص بين ذراعيه كغيمة في حضن فهد مُسن، ويتركننا نتضرع للنيزك.

عشية وفاة الديكتاتور بينوشيه ـ في العاشر من كانون الأول 2006 ـ قرر “المعلم سانشو” العودة إلى تشيلي، وفي حفل الوداع ـ الذي اقتصر على الذكور من تلامذته ـ كشف لنا عن السرّ الذي يجعل من راقص الفالس محطَّ رغبة في العناق لدى نساء الأرض قاطبة: “ما من شبيه للفالس إلا الأوطان، كلّما كرّست طاقتك لخدمتها كلما وجدتها بين ذراعيك… أتقنوا الفالس بروحكم تهفوا النساء إليكم، فالنساء كما الأوطان لا يستجبن إلا لنداء الدم الذي يرقص على إيقاع الرغبة في العناق، كلّ عناق بلا رغبة هو اغتصاب واسألوا الديكتاتوريات”.

في أيلول 2009 دخل “المعلم سانشو” في عناق أبدي مع الأرض التي أحب، على شاهدة قبره نُقشت أبيات للماغوط، أبيات تقول:

“في دمي رقصة الفالس

وفي عظامي عويل كربلاء

وما من قوة في العالم

ترغمني على محبة ما لا أحب

وكراهية ما لا أكره

ما دام هناك

تبغٌ وثقابٌ وشوارع”… اليوم… وغدا … وحتى آخر الأيام .

عصام التكروري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق