آخر الأيام

التبويس .. كجزء من الهوية الوطنية


غالبا ما يتبادل الغربيون ثلاث قبل، وقيل إنها مرتبطة بالثالوث المقدس، ولأن هوية لبنان فيها ما فيها من تجاذب متطرف لمكونات الهوية الوطنية تراهم إما يتبادلون القبل ثلاثا، أو يقطعون دابرها ويربتون بأيديهم على صدورهم دلالة الإعفاء من مشقة التقبيل.. في أمريكا لا يتبادلون القبل، بل يحضنون بعضهم البعض مع تربيتة على الظهر إن كان السلام من رجل، أو تمسيدة حنونة إن كانت امرأة .. وهذا سلام حميم لكن الاهم انه عملي ويخف نسب عدوى الأمراض التنفسية بما يتناسب مع نمط الحياة الأمريكية. في الأردن تجد نسخة أكثر عاطفية من الأصل الأمريكي حيث يفرقع صوت قبلة يتيمة، تخفف من مخاطر العدوى مع إلغاء حركة التقبيل الثانية للخد الآخر. في الخليج يتبادلون القبل من الخشم، وهذه عادة من الممكن فهمها بالنظر إلى المكانة العالية للأنوف في التاريخ واللغة والأنساب العربية .. وللتدليل على أهمية الأنف في الوجدان العربي يكفي أن ننظر إلى الحالات المتناقضة التي يرمز لها ويختصرها استعمال الأنف، وهاكم بعض الأمثلة : – مرغ أنفه بالتراب ( للإهانة) – رافع مناخيره ( للتكبر) – حشر أنفه ( حشرية) – رغما عن أنفه ( مصادرة الرأي والإرادة) وكان الأنف في الصحراء القاحلة والتي تعيد تشكيل تضاريسها مع كل هبة ريح، دليل متقفي الأثر.. لكل ما تقدم يصبح التقبيل من الخشم تقليدا وطنيا مفهوما، وجزءا أساسيا من التراث الثقافي اللامادي لشعوب تلك المنطقة. في سوريتنا الحبيبة الوسطية والمتوسطة لقلب العالم، كانت الأمور واضحة… السوريون يتبادلون قبلتين، وصلى الله وبارك.. لكن بعد الحرب وبعد أن خفتت أصوات المعارك، تضخمت أصوات القبل، إذ لا يلبث الطرف المقابل أن يلقم وجنتيه وشفتيه بعد أول قبلتين ويشد ذراعك كما لو أنه أخمص بندقية ويلزقك قبلة ثالثة.. تقول في نفسك إن العالم يتعولم وربما جرفنا تيار القبل الثلاث.. لكن مهلا.. فما كان دراكا لا يبلث أن يصبح رشّا، حيث لا يلبث المقبّل أو المقبّلة أن يذخر سلاحه ويطلق عليك زخّة إضافية من القبل الغدارة التي أتتك على حين غرة وأنت تأخذ شهيقا مرتاحا من انتهاء مهمة التقبيل على خير… وبذلك تكون زبدة أمراض الطرف الآخر في جوفك، مع تقصيرك عنه عاطفيا واشتباكك معه إحداثيا ولوجستيا، فما أكثر التصادم مع انهيار الهدنة التقبيلية .. هويتنا التبويسية تحددت عبر عقود بقلبتين .. فلا تكثروهن قبل أن نتوحد على رابطة جديدة حفاظا على هويتنا الوطنية.. وجزء منها التبويس …

ديانا جبور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق