خاصملف العدد

واقع الاستثمار في سورية مسبوقاً بـ « لو لم تقع الحرب»: المشكلة في العقلية التي تدير وتخطط للاستثمار!

لو لم تحدث الحرب…!» أين كان يمكن أن يكون موقع سورية من الخارطة الاستثمارية العالمية، و»كيف سيكون الواقع الاستثماري؟» لو أن تلك الحرب لم تعصف بالاستثمارات التي كانت موجودة في السابق، هل كنا سنشهد تصحيحا للخلل لنرتقي إلى ما يقدّم لنا الأفضل.

على الرغم من أن سؤالنا افتراضيا كما عدّه كثيرون…! إلا أنه ضروري لنعرف إن كانت حجة الحرب تصلح فعلا لكل الأخطاء والثغرات.

آثر معظم الاقتصاديين في تحليلاتهم الانطلاق من صعوبات الاستثمار في واقع ما قبل الحرب، وصولا إلى استنتاج مفاده أنه حتى لو لم تحدث الحرب، لا جديد على عقلية الإدارات الحكومية.

إحصائيات

بحسب تقرير الاستثمار السنوي السادس، بلغ عدد المشاريع المشملة بقوانين الاستثمار حوالي 1196 مشروعا وذلك بين عامي 2007 و 2011، تمركز معظمها في ريف دمشق، فقد كان لها النصيب الأكبر بـ 230 مشروعا، تلتها محافظة حلب بـ 141 مشروعا.

كما بلغ عدد مشاريع الاستثمار الأجنبي بالإضافة، إلى المشاريع الأجنبية المشتركة المشملة خلال الفترة الممتدة بين عامي 2007 و2011 حوالي 168 مشروعا، بتكلفة استثمارية تقديرية وصلت إلى 399968 مليون ليرة سورية، ليصبح العدد الإجمالي للمشاريع الأجنبية في سورية بين عامي 1991 و2011 حوالي 295 مشروعا بإجمالي تكلفة استثمارية وصلت إلى 685179 مليون ليرة سورية.

ازدهار وهمي

الأكاديمية والباحثة الاقتصادية رشا سيروب قالت في حديث لـ «الأيام» «إن الازدهار الذي كان موجودا في فترة ما قبل الحرب كان وهمياً، فعلى الرغم من أن معدلات النمو الاقتصادي قد ارتفعت فعلا، خاصة بعد دخول عدد من رؤوس الأموال من الخارج بالقطع الأجنبي، إلا أنّ جميعها توجه نحو قطاع المصارف والتأمين والمشروعات الاستثمارية العقارية، فضلا عن أن طبيعة هذه الاستثمارات كانت ريعية بامتياز، أي لم توجد مشروعات ترتقي بقطاعات الصناعة مثلا».

وأضافت «أما اليوم وخلال الأزمة فإن القطاع الاقتصادي دٌمّر بشكل كبير، ونحن بحاجة إلى استثمارات اقتصادية حقيقية تتمثل في الزراعة لضمان الأمن الغذائي بالحد الأدنى، وكذلك في الصناعة للتخلص من البطالة وخلق منتج وطني يحل محل المستوردات، إلا أنه من الواضح أن الإجراءات الحكومية تسير قدما بما كان موجودا قبل الأزمة، فجميع الاستثمارات اليوم تتجه إلى العقارات والسياحة وقطاع المصارف، والغريب في الأمر أن التصريحات الحكومية الإعلامية تدّعي أنها تتوجه إلى الاقتصاد الحقيقي والذي هو صناعة وزراعة، وأما الواقع فهو مخالف تماما لهذا الادعاء».

ولفتت سيروب إلى أن «القطاع المصرفي ينتعش عادةً عندما ينتعش الاقتصاد الحقيقي، فيكون دوره الأساسي هو دعم وترميم الاقتصاد الحقيقي في مراحل لاحقة، وليس في مراحل أولية وهو ما يؤكد ضرورة التوجه إلى قطاعات الزراعة والصناعة».

الطريقة ذاتها

ورأت سيروب أنه «حتى لو لم تحدث الحرب كنا سنتابع بالطريقة ذاتها التي بدأنا بها، فعلى ما يبدو مهما حدثت تغييرات حكومية ومهما تعدلت القوانين والتشريعات، سيبقى النهج ذاته ولن يتغير».

وأوضحت «لو لم تحدث الحرب لكانت الاستثمارات تحسنت في العاصمة دمشق فقط، وأما بالنسبة إلى باقي المحافظات ستبقى على حالها، خاصة وأنه يوجد ضعف كبير في التخطيطين الإقليمي والمكاني، يرافقه تنمية غير متوازنة في مختلف المحافظات».

وتابعت «لو كان يوجد نهج تنمية اقتصادية لكان من المفترض أن تنتقل بعض المشروعات الاستثمارية أو تخلق على الأقل في المناطق التي لا تزال آمنة، واليوم نجد أن النشاط الوحيد الذي ازدهر في المناطق الآمنة هو المطاعم والكافيهات».

رئيس جمعية العلوم الاقتصادية سنان ديب شارك سيروب الرأي فقد لفت إلى أنه «حتى ولو لم تحدث الحرب لن يتغير الواقع الاستثماري، لأنه مع كل ما حدث بقيت العقلية ذاتها ولم يتغير أي شيء».

مشكلة قائمة

رأى عدد من الخبراء الاقتصاديين أن المشكلة الحالية في الواقع الاستثماري هي ذاتها مشكلة ما قبل الأزمة، والتي تكمن في انعدام كامل للثقة بين الحكومة والمستثمر، فبينما يحاول المستثمر اقتناص أعلى الأرباح، من دون أن يتمم واجباته تجاه الحكومة، تسعى الحكومة إلى التضييق على المستثمر، تحت باب الحرص على المصلحة العامة على حد تعبيرها، لأنها أصلا لا تثق به. ورأى أولئك الخبراء أن من يثبت هذه الثقة هو القضاء والتشريع والإجراءات الإدارية، ولذلك أكثر ما نحتاج اليوم هو استثمارات تلبي أهداف التنمية الحقيقية في المستقبل.

قبل الحرب

أشار الدكتور سنان ديب إلى وجود واقع استثماري صعب في فترة ما قبل الحرب، خاصةً أن بعض المناطق شهدت تمركز للاستثمارات على حساب مناطق أخرى، وهو ما أدى إلى اختلال بالتنمية، ولفت إلى مشاكل كبيرة بيروقراطية وتشريعية وقضائية.

وبيّن أنه «بحسب نوع الاستثمار الذي كان موجودا قبل الأزمة، فقد سيطر الغبن على الاستثمار الصناعي المعتمد على المخرجات الزراعية والحيوانية، خاصةً في المنطقة الشرقية، على الرغم من أهمية وفاعلية فكرة المناطق الصناعية واستثمارها بالشكل الأمثل».

الأزمة الاقتصادية

إضاعة الفرص هي السمة الرئيسية لجميع مؤسساتنا بما فيها الاستثمارية كما يقول الخبير الاقتصادي والعقاري رياض كحالة، الذي رأى أن السؤال الأهم والذي كان من الأفضل طرحه عوضا عن السؤال المطروح، هو أين ستكون سورية لو تمكنت من الاستفادة من الفترة الواقعة قبل عام 2008 أي قبل حدوث الأزمة الاقتصادية العالمية.

ولفت إلى أن تلك الأزمة «جففت أموال الخليج، ولم يعد هناك فائض في رؤوس الأموال، وهو ما أثر على الحركة الاستثمارية في سورية.

وأضاف «دائما كنا نضيع الفرص الموجودة أمامنا، فلقد كان لدينا فرصة كبيرة للتنمية قبل عام 2008 أي قبل الأزمة الاقتصادية العالمية، ولقد ذهبت تلك الفرصة الذهبية من دون الاستفادة منها، الأمر الذي كان له التأثير السلبي على معدلات التضخم».

ولفت إلى أن تلك الأزمة جاءت لتقضي على نواحي الاقتصاد الوطني كافةً، ولو عاد الزمن إلى عام 2011 وتم الاستفادة من دروس تجربة الفترة الواقعة بين عامي 2005 و2008، لربما كان التطور الاقتصادي والسياحي في سورية يفوق التطور في تركيا وأمريكا والغرب.

لجين سليمان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق