خاصملف العدد

تحقيق الأمن الغذائي الذاتي.. وارتفاع نسبة النمو ولكن من دون تنمية حقيقية!

يعيش الكثير من السوريين على موجة الحنين إلى لماضي، وكثيراً ما تدور أحاديثهم عن مقارنات اقتصادية معقدة وبسيطة في آن معاً، وعن حال الاقتصاد السوري قبل أن نلج في أزمة 2011، كما أنهم لا يبرحون المناقشة عن الأمن الغذائي وفائض التصدير من القمح والقطن، بالإضافة إلى قيمة الليرة السورية عندما كان الدولار الواحد يعادل 50 ل.س. ويطرح السؤال نفسه على الدوام، هل سيكون الاقتصاد السوري متطوراً ومتقدماً في كافة جوانبه في حال لم تحدث الحرب؟ إن الإجابة على هذا التساؤل تستدعي تحليلاً لمؤشرات الاقتصاد في سنوات الرخاء وإمكانية التنبؤ باتجاهاتها في حال الاستمرارية على نفس النهج.

الطبقة الوسطى تشكل 90 % قبل الأزمة

يرى د. سنان ديب (خبير اقتصادي) أن النهج الاقتصادي المتبع قبل الأزمة هو السوق الاجتماعي، حيث وصلت البلد لمرحلة الأمن الغذائي ومرحلة التطور الصناعي، والإقلاع الخدمي، لكن قبل الأزمة طرحت مسألة الدعم الاجتماعي بعد 2005، وتغيير النهج الاقتصادي وهو إما حاجة محلية أو دولية، على الرغم من أن مؤشرات الاقتصاد السوري قبل التحول كانت إيجابية، بمعنى اكتفاء غذائي ذاتي، وحجم فقر منخفض، يقابلها طبقة وسطى تقترب من 90%.

ويكمل د.علي ديب حديثه «بالمقابل جاء نهج (عبد الله الدردري) وهو أحد المداخل للأزمة السورية، حيث اعتمد نهجه على الرقم المضلل بمعنى تضخيم رقم النمو، في حين ليس المهم هو النمو، وإنما ما هو انعكاسه على التنمية، وما تأثيره على تحسين الطبقة الوسطى وفتح فرص عمل، وأيضاً دخلنا في لغط، مثل الترويج لفكرة أن التجارة قاطرة النمو وغيرها… بحيث شوهت المفاهيم، لدرجة أنه أصبح هناك تلاعبا في الخطط الزراعية، بمعنى كان هناك فوائض زراعية بالنسبة للمحاصيل الاستراتيجية، ففرض اقتصاد السوق لإيصال المواد والآليات إلى الفلاح بطريقة لا تشبه ما كان معتمداً قبل عام 2005، عندما كانت الدولة تؤمن له البذار والأدوات بأسعار مقبولة ثم تسوق له المحصول فيما بعد.

ويطرح د. سنان علي ديب تساؤلاً مفاده: طالما أن الدولة ليس لها ديون وميزانها التجاري رابح، والاقتصاد مكتف ذاتياً من أغلب النواحي، لماذا نغير نهج الاقتصاد؟ هل من أجل مواكبة الحركة العالمية وخاصة أفكار صندوق النقد الدولي الليبرالية؟ التي قد تفرض وصْفات على كل الدول بعيداً عن خصوصية كل دولة، في حين أن ما حصل هو عبارة عن تعويم القطاعات اللاإنتاجية مثل العقارات، وأن السياحة هي قطارة للنمو.

ويشير د.ديب في معرض حديثة عن الحمائية للاقتصاد الوطني، أنه كان هناك تفوق في كثير من الصناعات، وحتى بعض السلع الغذائية، لكن عندما دخلنا في علاقات اقتصادية مع دول الجوار، فقد الفلاح القدرة على التسويق لمحصوله، لأنها منافسة غير شريفة وإغراقية، أما في المجال الصناعي فقد قضت تلك العلاقات على صناعة الأخشاب والألبسة محلياً، وكلها تحت بند عدم الحمائية وحرية السوق.

ويوضح د.ديب أن ما نفذ لم يكن لتوصيات مؤتمر اقتصاد السوق الاجتماعي، وما حدث هو زيادة الفقر وهجر الفلاحين للأراضي في المنطقة الشرقية وزيادة البطالة، وكانت التوقعات بأن يكون حجم النمو الاقتصادي كبيراً لو لم تحدث الحرب، ولكن حجم التنمية سيكون  بالمقابل ضعيفاً لزيادة مؤشرات الفقر.

مؤشرات التنمية لم تتطور قبل الأزمة

بحسب دراسة أجريت في كلية الاقتصاد- جامعة دمشق، عن المؤشرات الاقتصادية للاقتصاد السوري قبل الأزمة وخلالها وحتى في حال لم تحدث حرب، يظهر أن وضع الاقتصاد السوري كان جيدا ظاهرياً قبل الأزمة مع انخفاض في الديون، ووجود احتياطي أجنبي مناسب، إلا أنه واجه تحديات كبيرة خلال السنوات الأخيرة منها: النمو السكاني السريع، عدم فعالية القطاع العام، ازدياد العجز المالي في الموازنة العامة للدولة، انخفاض الإنتاج النفطي، تفشي الفساد على نطاق واسع. وعلى الرغم من نسب النمو المقبولة التي تم تحقيقها منذ عام 2000 حتى 2010، إلا أن المؤشرات التنموية لم تحقق تطوراً حقيقياً يليق باقتصاد يملك كل هذه المقدرات والإمكانات المادية والبشرية.

ودرس البحث الناتج المحلي الإجمالي وفق سلسلة زمنية ما بين أعوام 2000-2015، عبر سيناريوهين: هما السيناريو الاستمراري الذي يقدر الناتج المحلي الإجمالي من عام 2011 -2015 بافتراض أن الاقتصاد السوري لم يمر بالأزمة، وحقق معدلات نمو (4.6%) وهي تعادل متوسط معدل النمو للسنوات العشر السابقة من عام 2000- 2010، بالأسعار الثابتة لعام 2000 لاستبعاد أثر التضخم في نمو الناتج، أما سيناريو الأزمة فلقد اعتمد تقديرات (البنك الدولي) للناتج المحلي الإجمالي بالأسعار الجارية من عام 2011 -2015، بملايين الدولارات الأمريكية لتجاوز تقلبات سعر صرف الليرة السورية التي طرأت خلال فترة الأزمة، وربط الناتج المحلي السوري بعملة أقرب للاستقرار لفهم الأثر المدمر والعميق للأزمة على الاقتصاد والناتج، حيث تظهر الأرقام تآكل ما يقارب ثلاثة أرباع الناتج خلال السنوات الخمس الأولى من الأزمة، أما بالنسبة للناتج المحلي الإجمالي حيث زاد بمعدل 62% خلال السنوات العشر قبل الأزمة، بينما زاد متوسط نصيب الفرد من عام 2000 إلى عام 2010 بمعدل 29% فقط. مع ملاحظة أن الناتج المحلي الإجمالي اعتمد بسعر السوق أي أنه يتضمن أثر التضخم، ولا يظهر تطور حصة الفرد الواحد الحقيقية من الناتج المحلي الإجمالي.

عجز الموازنة يعبر عن ضعف التخطيط قبل الأزمة

وبحسب البحث، فقد تطور حجم الموازنة منذ عام 2003-2011 بشكل لم يتجاوز في السنوات الثلاث الأولى الزيادة المئوية من خانة واحدة (3-8%)، ليرتفع من عام 2007-2011 إلى زيادة مئوية من خانتين (17% -22% )، لتقفز عام 2012 إلى مستوى نمو قياسي زاد عن 100% أي ضعف الموازنة لعام ،2011 وهي حالة مبررة بسبب بدء سنوات الأزمة وما تستلزمه من حجم إنفاق حكومي كبير على الدعم وعلى القطاعات غير المنتجة، كما تكررت هذه القفزات عام 2016، وكان النمو الأكبر لحجم الموازنة الحكومية في عام 2017 حيث حقق نمو بنسبة 162% من موازنة العام الذي سبقه. وإن تضخم حجم الموازنة وطبيعة ما تستلزمه الأزمة من نوعية إنفاق غير منتجة، يستوجب بالضرورة تحقيق معدلات عجز قياسية، ولكن هذا لا يعني أن العجز لم يكن كبيراً جداً في سنوات ما قبل الأزمة، وهو دليل واضح على ضعف التخطيط، كما تزايد حجم العجز في سنوات الأزمة ونسبته إلى حجم الموازنة سجل فيها عام 2013 أكبر عجز موازنة بنسبة تصل إلى 54% من حجم الموازنة.

أعلى نسبة مديونية في عام 2005

شهد عام 2005، بحسب البحث ذاته، أعلى نسبة للمديونية إلى حجم الميزانية من عام 2005 حتى عام 2010، حيث وصلت إلى 17%، إلا أنها تراجعت بشكل متواصل حتى انخفضت لنصف نسبة المديونية السابقة (8 % في عام 2009). وتركز الدين بنسبته الأعلى وبشكل مستمر على طول السلسلة الزمنية على الديون الداخلية، فنسب الاستدانة الخارجية لم تتجاوز 3%، حيث اعتمد على الاستدانة من البنك المركزي.

الدعم الحكومي غير واضح

على الرغم من مستويات العجز المرتفعة التي تعاني منها الميزانية والتي كان أعلاها عام 2005 (ضمن السلسلة المدروسة من 2005 حتى 2010)، يكشف البحث الأكاديمي أن صندوق تثبيت الأسعار له مساهمة كبيرة في هذا العجز، حيث وصل في عام 2009 إلى ما يقارب نصف العجز الكلي. وأن اهتمام الحكومة بتثبيت الأسعار كان ضرورياً في الفترة الانتقالية من نظام التخطيط المركزي إلى نظام السوق الاجتماعي لحماية الطبقات الأكثر هشاشة في المجتمع. إلا أنه من حيث البيان نفسه، فهو متفاوت بشكل كبير وليس له اتجاه محدد، حيث انخفض بين عامي 2005-2006 بمقدار أكثر من النصف (من 25 مليون إلى 7 مليون ل.س تقريباً)، ليعود ويشهد ارتفاعاً كبيراً بين 2008-2009 بأكثر من الضِعف (من 10 مليون إلى 25 مليون ل.س تقريباً). وهو مؤشر على عدم وجود رؤية واضحة للحكومة فيما يخص الدعم. على الرغم أن عجز الميزانية كان باتجاه تنازلي وصل عام 2010 إلى 9% من حجم الميزانية وهي أخفض نسبة عجز حققتها الميزانية.

وعلى الرغم من أن الإنفاق العام الحكومي قد ازداد منذ بداية الأزمة، فقد تراجع من حيث القيمة الحقيقية (مع مراعاة انخفاض قيمة العملة). لتواصل الحكومة دعم السلع الأساسية مثل الخبز والوقود رغم الأزمة والعجز الكبير في الموازنة. حيث بلغت الإعانات الحكومية 386 مليار ليرة سورية (حوالي 3.88 مليار دولار وفقاً لسعر الصرف 1$=180ل.س) في عام 2012. كما زاد الدعم مرة أخرى في عام 2013 إلى 499 مليار ليرة سورية (حوالي 5 مليار دولار أمريكي)، أو 36% من الموازنة العامة. وبعد النظر في رفع الدعم، قررت الحكومة رفع أسعار بعض السلع المدعومة، بما في ذلك الديزل والبنزين والغاز. ومن خلال قراءة سريعة لتوزيع الدعم خلال عام 2015 يظهر أن 76% من قيمة الدعم لصالح دعم المحروقات والطاقة الكهربائية. وحجم الصندوق الوطني للمعونة لا يتجاوز نسبة 1%، وصندوق دعم الإنتاج الزراعي 1%. هذه النسب دليل أن سياسة الدعم في سورية تقوم على أساس الإتاحة وليس الاحتياج. فهي تعمم الدعم لكافة الطبقات المحتاجة وغير المحتاجة وتثقل كاهل الموازنة بعجز أكبر مقابل تقديم الخدمات والسلع بشكل مجاني للجميع، بدل أن تكون أكثر دقةً في الاستهداف. إن نسبة 1% لصندوق المعونة و1% لإنتاج القطاع الزراعي.

التضخم

 ويذكر البحث، أن التضخم ارتفع في عام 2013 لينتقل من 57% في بداية العام ليصل بعد خمسة أشهر فقط إلى 121%، ليعود للانخفاض إلى 13.6% في بداية عام 2014.

ويظهر البحث أن التضخم ازداد في أسعار المواد الغذائية خلال عام 2013 والتضخم الجامح الذي زاد عن ثلاث أضعاف، من شهر آذار إلى شهر آب في نفس العام من نسبة 51.2% – 169% على التوالي.

قيمة الليرة في عام 2013

على الرغم من التدخلات الحكومية، انخفضت قيمة الليرة السورية بشكل ملحوظ في عام 2013، التي بالإضافة إلى تأثير العقوبات، سببت تضخماً مرتفعاً. ونتيجة لذلك، فإن الأسر السورية لاقت صعوبات متزايدة بشراء المواد الأساسية، كما انخفضت قدرتهم الشرائية بشكل ملحوظ. وخسرت الليرة السورية جزءا كبيرا من قيمتها بسبب انحسار العملية الإنتاجية بشكل كبير، واستهلاك الاحتياطات الأجنبية، والعجوزات القياسية التي تحققها الميزانية الحكومية بهدف تمويل الدعم والإنفاق غير الإنتاجي.

معدلات البطالة ترتفع

من جهة أخرى، تراوحت معدلات البطالة في سنوات التي سبقت الأزمة 2003-2010 ما بين 8% – 12% إلا أنه منذ عام 2011 شهد معدل البطالة ارتفاع متواتر وصل إلى 18% في عامي 2012-2013.

معدلات الفقر ازدادت في الأزمة

وفقاً لتقرير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي الصادر عام 2007 حول الفقر السوري، والفقر المدقع، يتأثر حوالي 12٪ من السكان (حوالي 2.4 مليون شخص). وكانت منطقة الشمال الشرقي تقليدياً أفقر منطقة، حيث بلغ معدل الفقر المدقع أكثر من 15.4%. في حين كانت مستويات الفقر في المناطق الوسطى والساحلية منخفضة، مع حوالي 8٪ من السكان في هذه الفئة. الفقر وانعدام الأمن الغذائي هو أكثر انتشاراً بين المزارعين، والبدو، في المناطق القاحلة وشبه القاحلة، ولكن نظراً للصراع، زاد الفقر من 2.2 مليون عام 2010 حتى 3.7 عام 2012. وهذه التقديرات مصاغة عن تأثير الأزمة على الناتج المحلي الإجمالي وليست نتائج مسوحات الفقر، بحسب البحث نفسه. كل هذه المؤشرات، تدل على أن الاقتصاد السوري ورغم أنه كان أفضل في أعوام ما قبل الأزمة إلا أنها تعبر بالضرورة عن خلل هيكلي، ويشير الباحثون إلى أن الاقتصاد السوري كان يمكن أن يحقق نمواً مرتفعاً في حال لم تحدث الحرب، لكن هذا لا يضمن تحقيق تنمية مزدهرة بالمقابل نتيجة عدم الاستفادة من الثروات والإنتاج بالشكل الأمثل.

محمد الواوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق