الغلافملف العدد

لمياء عاصي تكتب عن: الــعــقــوبــات وإنــــارة الــشــمــعــة

إقرار قانون العقوبات الجديد « قيصر» على سورية من قبل الكونغرس الأمريكي، وتمريره لمجلس الشيوخ لإصداره النهائي الذي لم يتم بعد، ينذر بقانون هو الأخطر والأشرس منذ أن بدأت قصة العقوبات الأمريكية على سورية منذ خمسة عقود تقريبا وتحديدا عام 1979، حيث منعت الولايات المتحدة حينها تصدير الأسلحة الأمريكية والتقنيات العسكرية، ثم بعد ذلك شملت كل المعدات ذات التكنولوجيا العالية التي لها استخدامات مزدوجة مدنية وعسكرية، بعد ذلك ازدادت المصارف والهيئات والشخصيات المشمولة بتلك العقوبات، وفي عام 2004 صدر قانون محاسبة سورية، أما بعد عام 2011 فقد اشتدت وطأة العقوبات، وصدرت بتسميات مختلفة عن مقاصدها الحقيقية، والمعروف أنها تهدف بشكل رئيسي لتشديد الحصار الاقتصادي ومحاولة تجويع الشعب السوري كوسيلة وحيدة لإضعاف سورية، وإجبارها على القبول بأية تسوية سياسية، لإنهاء ملف الجولان المحتل وبالتالي التطبيع مع «إسرائيل».

ولكن، اليوم ماذا ستفعل سورية لمواجهة هذه المخاطر والتحديات ضمن إطار أشرس حرب تعرضت لها في تاريخها كله وليس في العصر الحديث فقط؟؟ هل الوسائل القديمة باللجوء إلى دول حليفة بديلة وشركات غير أمريكية ما زالت فعالة للالتفاف على العقوبات وتخفيف أثرها…؟ بالتأكيد قد تكون هناك حلول كثيرة، ولكن تقوية المناعة الاقتصادية الوطنية هي الحل الناجع والأكثر استدامة، وهذا يستلزم بالضرورة رفع نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي، كعامل أساسي في تحديد القدرة الشرائية لدخل الفرد وبالتالي مستواه المعيشي، وفي هذا السياق بمكن أن نذكر النقاط التالية:

أولا: لتمكين وتشجيع الإنتاج المحلي، لا بد من مراجعة السياسات الاقتصادية الانفتاحية والتحرير التجاري الذي لم يعد ممكنا في ظروف الحرب متعددة الأبعاد على سورية، بل لا بد من العودة إلى السياسات الحمائية ولو بشكل جزئي أو انتقائي ووضع القيود على الاستيراد لبعض السلع، لتمكين صناعتنا الوطنية وترميم العجز في ميزاننا التجاري. إن بعض الدول التي كانت رمزا لحرية التجارة الدولية، تقوم اليوم بفرض قيود جمركية وغير جمركية على الواردات، لصالح إنتاجها الوطني وميزانها التجاري، مثل الرسوم الجمركية التي فرضتها الولايات المتحدة على قائمة من السلع التي تستوردها من الصين.

ثانيا: مراجعة الاتفاقيات الاقتصادية بالكامل وإعادة النظر فيها تعدّ أولوية مهمة يجب أن تعمل عليها الحكومة السورية، وأولها اتفاقية التجارة الحرة العربية (غافتا) التي أصبحت نافذة منذ العام 2005، وتنص على السماح بدخول السلع والبضائع ذات المنشأ العربي من دون رسوم جمركية. إن هذه الاتفاقية التي كان هدفها الأساسي هو تشجيع التجارة البينية العربية وتنمية الإنتاج في الدول العربية، قد أسيء استخدامها بشكل أدى إلى حرمان الاقتصاد السوري من مبالغ كبيرة كرسوم جمركية، فقد جرى استيراد البضائع الصينية أو غيرها، من دول عربية على أنها ذات منشأ عربي وبالتالي معفاة من الرسوم الجمركية لدى دخولها إلى سورية، والسبب الذي أدى إلى سوء الاستخدام هذا، أن هذه الدول مثل الإمارات أو لبنان وغيرها تفرض تعرفة جمركية أقل من سورية، البديل المناسب لهذه الاتفاقية هو الاتفاقيات الثنائية للتجارة الحرة، مسبوقة باتفاقيات «الجدار الجمركي الموحد» بشكل يمنع أي محاولة لسوء الاستخدام.

ثالثا: تشجيع كل أشكال الإنتاج الصناعي والزراعي والخدمي، وذلك لن يتم عن طريق إزالة العقبات والمعوقات التي تقف أمام ترخيص المشاريع التجارية والصناعية فقط، بل لا بد أن تكون الدولة شريكا أساسيا في هذه المشاريع الإنتاجية، والخروج عن الذهنية النمطية البيروقراطية الإدارية لتسريع الإجراءات اللازمة لإقامة تلك المشاريع، إضافة إلى سياسة نقدية مرتبطة بالإنتاج والتنمية، خصوصا مساعدة المنتجين بمنحهم القروض والتسهيلات الائتمانية لتمويل مشاريعهم، إن تشجيع الإنتاج الوطني بكل أنواعه، في ظل عقوبات ظالمة، أصبح ضرورة قصوى.

رابعا: مكافحة التهريب، تعدّ مهمة أساسية لتقوية مناعة الاقتصاد الوطني ولتشجيع ورعاية المشاريع الصناعية والزراعية الإنتاجية، وهذه المكافحة تعني بالضرورة زيادة الإجراءات الزجرية والقانونية بحق المهربين، وضبط المنافذ الحدودية من جهة، وقيام الحكومة بتخفيض التعرفة الجمركية على مستورداتها وتوحيد بنودها قدر الإمكان من جهة أخرى، إن التهريب يؤدي إلى حرمان الخزينة العامة للدولة من الرسوم الجمركية، كما يمنح البضائع الأجنبية الفرص المجانية لغزو أسواقنا، حيث أن المنتجات المحلية لا تستطيع منافسة البضائع الأجنبية التي تعبر الحدود من دون دفع رسوم جمركية ومن دون ضرائب من أي نوع، إضافة إلى أن الشركات الكبرى تنتج البضائع والسلع بكميات كبيرة تساعدها في تخفيض الكلفة والبيع بأسعار منافسة، هذا يجعل المنتجين المحليين أمام منافسة غير عادلة وتحديات كبيرة تتمثل في القدرة على البقاء والاستمرار بالإنتاج، في ظل عدم ثبات أسعار المشتقات البترولية ومشاكل استيراد المواد الأولية بسبب تذبذب أسعار الصرف الليرة السورية أمام العملات الأجنبية ولا سيما الدولار الأمريكي. ولكن حتى تكون محاربة التهريب ناجحة وتؤتي ثمارها، لا بد أن يقابلها رفع لمستوى جودة المنتج المحلي، حتى لا يكون المستهلك النهائي ضحية صناعة وطنية رديئة أو فاقدة للمعايير العالمية.

أخيرا، لا بد أن تتضافر الجهود الحكومية والمجتمعية لتأمين المستلزمات الضرورية للحياة وخصوصا الدواء والغذاء بشكل محلي، إن إشعال الشمعة لإنارة حياتنا بدلا من لعن الظلام، هو أول خطوة يجب أن نخطوها جميعا.

لمياء عاصي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق