أيام الرياضة

غياب الاستراتيجية والعمل الارتجالي والآني سبب تخلفنا

كشفت النهائيات الآسيوية التي أقيمت في الإمارات العربية الغطاء عن أمور كثيرة في عالم كرة القدم، منها ما هو سلبي ومنها الإيجابي، خصوصا في مجال بناء لعبة كرة القدم التي تعدّ واحدة من أهم الرياضات في العالم، والتي تسعى دول كثيرة لاعتلاء صدارتها، من خلال الاستثمار فيها بكل الطرق التي تؤدي إلى الربح على كل الأصعدة.

النهائيات الآسيوية التي انتهت فعالياتها منذ يومين، لن تغلق الدول التي شاركت فيها دفاتر المشاركة بهذه السهولة، فهي تعمل على الاستفادة من هذا الدرس المفيد، والبناء عليه من جديد، لتكون هذه البطولة بوابة العبور إلى العالمية، وبالتالي الوصول إلى عالم «البزنسس» الذي يغطي كل أوجه التفوق الكروي.

تجربة الصين

تسعى الصين بما تملك من ثروة بشرية ومادية لأن تتبوأ صدارة اللعبة على الأقل آسيويا، ولهذا استقدمت أفضل مدرب في العالم الإيطالي ليبي براتب خرافي، لم ينجح في المضي بالصين أكثر من ربع النهائي، وهي الدولة التي وضعت كرة القدم ضمن مناهجها الدراسية، ووضعوا خطة لضخ استثمارات بقيمة 840 مليار دولار حتى عام 2025، مع إنشاء أكبر أكاديمية لكرة القدم في العالم تضم 2500 لاعب، ويشرف عليها مائة مدرب صيني و22 مدربا إسبانيا، وتهدف الخطة إلى تشجيع 50 مليون صيني على ممارسة كرة القدم بحلول العام القادم، ناهيك عن ضخ 150 مليون دولار لتعزيز مكانة الدوري الصيني بجذب نخبة من ألمع نجوم الكرة العالمية إليه.

الصين خرجت بفريق قدم كرة استحقت الاحترام عليه، ولكنها لم تكن راضية عما قدمته فهي تطمح للمزيد، وقد بدأت فور عودتها بمراجعة الأخطاء، للاستفادة من الدرس، من دون البكاء على اللبن المسكوب، لأنها تؤمن بالعمل الصحيح، وعليها أن تواصل تنفيذ الاستراتيجية التي وضعتها لبناء اللعبة.

وما أدراك ما اليابان…؟

في ذات الفندق الذي نزلت فيه، نزل المنتخب الياباني بكل عدته وعتاده، كل شيء يبدو لديهم يسير بانتظام، حشد كبير من المرافقين، وكلّ لديه مهمة محددة للعمل، لاوقت «للسيلفي» لرئيس اتحادهم الذي حضر معهم، ولا للاعبين، ولا لدخول المعجبين والمعجبات.

وأتيحت لي الفرصة لأكون بجانب زميل أجرى حوارا موسعا مع رئيس الاتحاد الياباني للعبة كوزو تاشيما، وكم كان الرجل متواضعا ومتفهما، وقدم حوارا يمتاز بالواقعية والأرقام والدلالات، ولم يطلب من الزميل كتابا أو إذنا أو يمنع أحد من وسائل الإعلام في الحديث معه أو الاستفادة من آرائه، وسأحاول أن أقتبس من ذلك الحوار بعض الكلام المفيد لكرتنا وللقرّاء ليعرفوا كيف يتم بناء اللعبة هناك، حيث كشف عن دخل اتحاده والذي يبلغ 200 مليون دولار سنويا للاتحاد، ومثلها تقريبا لرابطة دوري المحترفين، الأندية هناك لا تعرف الدعم الحكومي، فقط الحكومة تقدّم الدعم اللوجستي للاتحاد بمعدل 2% من دخل الاتحاد، وينفق على المنتخبات وليس الأندية، وأي دعم حكومي لأي نادٍ يكون على شكل القروض المستردة، كل ناد لديه شركة تديره وشركات وطنية تقدّم له الرعاية، واتفاقيات تسويق للتذاكر والمنتجات التجارية التي ترفع الربح، كما أن الاتحاد يحقق دخلا من خلال بيع قمصان المنتخب، ومن التسويق والنقل التلفزيوني للمنتخب، وبطولات الدوري، حيث يوجد في الاتحاد قسم تجاري واستثماري وتسويقي يحقق أرباحا سنوية.

درس الخسارة

خسارة اليابان مع الإمارات في نهائيات آسيا عام 2015 كانت سببا في تغيير استراتيجية عمل الاتحاد، وإعادة تقييم 10 سنوات منها، وهي استراتيجية 2050 حيث تم تغيير العديد من الجوانب، ووضع خطط مرحلية وتسير اليوم بشكل جيد جدا. ومن أهم مرتكزاتها دعم المدرب الوطني.

 وأكد تاشيما، لديكم كل شيء «كعرب» ولكن ليس لديكم التخطيط الاستراتيجي طويل الأمد، لقد دعمنا الأندية لكي تكون مشاركاتها الخارجية قوية، وبمبلغ مليون دولار سنويا، وتوفير الدعم اللوجستي لها مثل التنقل بالطائرات وغيرها، قمنا بتقوية الأندية التي تشارك خارجيا ليكون تمثيلها مشرفا.

واضاف تاشيما، نستثمر كثيرا في الأطفال، لدينا مليون لاعب مسجل في الاتحاد، وفي الأندية المحترفة 3 آلاف لاعب محترف، نقطة القوة في كرتنا هي المدارس، لدينا دوري مدارس قوي للغاية عمره يتجاوز 100 عام تقريبا، العمل الاحترافي بالدوري بدأ عام ،1993 والمنتخب الحالي يضم 60% من اللاعبين القادمين من المدارس وليس الأندية، حيث صعدوا منها للمنتخبات.

الكابتن ماجد

أشار تاشيما إلى أمر مهم بقوله، الكل في الوطن العربي يعرف الكابتن ماجد وهو في اليابان اسمه «كابتن تسوباسا»، وهو المسلسل الأكثر شهرة في هذا البلد، وله الفضل في إلهام كل طفل ياباني، وجعله يريد أن يصبح مثله، وبالمناسبة فريق كابتن تسوباسا هو فريق مدرسي حقيقي، وينافس في دوري المدارس بقوة، وتم استثماره بهذه الطريقة لنشر اللعبة، إضافة إلى كل ما ذكر يعود نشر اللعبة والاهتمام بها لارتباطها في الأحياء المحيطة بها، حيث دخلت الأندية إلى كل بيت ودعت السكان للحضور إليها ومتابعة المباريات، وفتحت أبوابها لجذب المراهقين، ومن هنا باتت كرة القدم ذات شعبية، وبهذا الاهتمام الذي يعود لليابان بالنفع الكثير.

ماذا لدينا…؟

التجربتان اللتان تم إيرادهما، الصينية واليابانية ليستا الوحيدتين في شرق القارة الصفراء التي بنت كرة القدم بتخطيط طويل الأمد، فهناك فيتنام وتايلاند وقيرغيزستان وحتى الهند، وغيرها من الدول الصاعدة التي تسعى لأن تكون قوة فاعلة في كرة القدم العالمية، تسير على الطريق الصحيح لبناء اللعبة والاستفادة منها.

مذ فتحت عيناي على كرة القدم، لم أسمع بعبارة «خطة استراتيجية» أطلقها الاتحاد الرياضي، أو اتحاد كرة القدم، كل ما نسمعه عبارة عن «غثاء أحوى» وتنافس غالبا ما يكون غير نزيه على مقاعد الاتحاد، حيث يتم إبعاد من لا يكون مرغوبا بوجوده، ووصول من يريد أن يتسلق على ظهر كرة القدم للوصول إلى مبتغاه.

تعاقب على إدارة اللعبة أناس كثيرون منذ تأسيس الاتحاد ولغاية الآن، فماذا قدموا وأنجزوا، ومن أنجز بعض الهبّات الساخنة، فهي ليست سوى فورة مبنية على الحماس واستغلال فترة من الدعم لتحقيق نتيجة آنية فقط.

حصولنا على بطولة شباب آسيا ذات يوم، وبطولة غرب آسيا، وبعض المراكز الأخرى، لم تكن لتنم عن عراقة اللعبة، ولا عن همّة رجالها، طبعا لا أعمم على الجميع، فهناك من حاول وعمل، ولكن اليد الواحدة لن تصفق أبدا.

ما نريده خطة عمل واضحة المعالم، استراتيجية المضمون والهدف، يرصد لها كل الإمكانيات، وتوضع ويتم تنفيذها أيا من جاء أو رحل في الاتحاد، لأنها يجب ألا تكون مقرونة بأشخاص، بل بالهدف الأسمى وهو بناء كرة قدم سورية بمستوى عالمي، لتكون أقدامنا راسخة، ورأسنا مرفوع، ولدينا من الكفاءات القادرة على رسم الهدف وتحقيقه، فيما لو توافرت لهم الأرضية الصالحة للعطاء.

بسام جميدة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق