آخر الأيام

عن الزواج… وشياطين أخرى

على الرغم من تشابه المصائب التي تنزلُ على رؤوس العباد، إلا أنَّ تعاطيهم معها ليس واحداً، الأمر الذي يفسر تباين مواقف البشر حيال واقعة الزواج، رغم إجماعهم على أنّه ليس عدلاً أنْ يتساوى السعداء مع المتزوجين بدفع الضرائب.

يقضي الإنسان ردحاً من حياته وهو مقتنع بأن « المؤسسة» الزوجية سجن، ليكتشف بعد الزواج بأنَّه على حق، وليكتشف أيضاً بأنَّ «الحياة» الزوجية ليست إلا تبادلاً لدور الضحية، فالمرأة غالباً ضحية الطلاق، على حين أنَّ الرجل غالباً ما يكون ضحية الزواج، مع ملاحظة أنَّ العقل ـ لدى كليهما ـ يلعب دوراً حاسماً في قرار الطلاق، على حين يكون متنحياً لدى اتخاذ قرار الزواج، وإنْ حدث وعاود الناجون من الزواج الكَرّة فقد حُقَّ فيهم القول إنَّ «العقل زينة».

تكمن الفضيلة اليتيمة للزواج بأنّه يكرّس شعورنا العميق بالحاجة للحب، فحال من يبحث عن الحب والزواج معاً، هو كحال الباحث عن العنقاء والغول في قن دجاج، والأكثر تعاسة منه هو ذاك الذي يبحث عن الصداقة في الزواج.

أفهم أسباب نجاح العلاقة الزوجية لدى غالبية السياسيين، فهؤلاء يجيدون لعبة التكاذب مع الخصم، لكن زواج الشعراء يحيرني لأنّه انتحار الدهشة، تحوّل النرجس البري إلى بصل سلموني، وأشبه بطائر حرٍّ دوّخ الشِباك المتمرسة ليسقطه راعٍ أعور بحجرٍ طائش. إنَّ إقدام الأحرار على الزواج لا يجاريه أسفاً إلا شيّ الصقور، أما سواهم فالأمر أشبه بوليمة أرانب كلما غشوها ازدادت آذانهم طولاً، ومع ذلك لا أحد يُنكر أنهم سعداء… سعداء كالقطط في سوق باب الجابية.

أنْ تكون متزوجاً يعني أنْ تمارس التقيّة مع الجمال، أنْ تتنصل من صداقة الورود والليل والوِحدة كي تنفي عنك شُبهة «العاشق»، أنْ تبرز بياناً عائلياً للنساء الوافدات إلى فضاء إبداعك وإلا ستفقد حتى سكينتك باحتساء كأس من الشاي وحيداً في غرفتك، وإذا خطر لك أنْ تكتب مقطوعة بعنوان (عن الزواج… وشياطين أخرى) فعليك أنْ تذيّلها بعبارة تقول: إنَّ الآراء الواردة أعلاه لا صلة لها بالتجربة الشخصية للكاتب، وأنّها نتاج لما قرأ وشاهد وسمع، وأي تشابه بينها وبين حياته الحاليّة هو محضُ صدفة… اليوم… وغداً …. وحتى آخر الأيام.

د.عصام التكروري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق