الغلافملف العدد

سورية في مواجهة الحصار والعقوبات الاقتصادية: ماهي الخيارات والبدائل المفتوحة؟

ليست هي المرة الأولى التي تتعرض فيه سورية للحصار والعقوبات الاقتصادية ولن تكون الأخيرة ضمن المدى المنظور، وعلى الرغم من الآثار السلبية المترتبة على الحصار، إلا أن المطالبات الشعبية والأكاديمية تتمحور جميعها بأن ترقى الحكومة إلى مستوى المخاطر والتحديات عبر إيجاد بدائل داخلية، وتشجيع سياسة الاكتفاء الذاتي الزراعي والصناعي، أي دعم قطاعات الإنتاج الحقيقي، وتمويل المشاريع الصغيرة، وترشيد المستوردات ودعم الأسرة السورية خلال الفترة الحالية، هذه الإجراءات وإن لم تكن كفيلة بكف الأذى الناتج عن هذه العقوبات، فإنها تدعم صمود الشعب والدولة في إحدى أحلك الفترات التي تمر بها البلاد.

عقوبات أحادية الجانب

يشير الخبير الاقتصادي د. حيان سلمان أن العقوبات الاقتصادية تعدّ أحادية الجانب ومفروضة من قبل أمريكا على سورية، وهي لم تصدر عن مجلس الأمن لذلك فهي مخالفة للشرعية الدولية، لكن سورية استطاعت خلال السنوات السبع العجاف مواجهة عقوبات سابقة، من خلال الاعتماد على الاقتصاد الوطني المتنوع من زراعة وصناعة وخدمات، وكانت سورية من أقل دول العالم مديونية، وبالتالي كان قرارها الاقتصادي مستقلاً.

ويشدد سلمان على أن لدى سورية احتياطيات نقدية فاقت في وقت سابق، 22 مليار دولار استخدمت لمواجهة الحصار وتغطية المستوردات، كما تم توقيع اتفاقيات مع الدول الصديقة، وفتح خط ائتماني مع إيران لتغطية النفقات الضرورية، والاعتماد على الاكتفاء الذاتي، بعد أن كانت سورية تصدر لأكثر من 80 دولة من دول العالم.

بدائل لمواجهة العقوبات

ويستشهد سلمان بأنه في مؤتمر مجموعة «البريكس» الأخير، طالبوا بإيجاد عملة بديلة عن الدولار، ومن خلال الوقائع يتبين أن الدولار يتراجع من انهيار إلى انهيار آخر، وخاصة بعد معرفة العالم بأكمله أن الدولار، لم يعد مغطى بالذهب أو الإنتاج، بل أن أمريكا تفرضه بقوتها العسكرية، وهذا دفع هذه الدول للتنسيق بين بعضها البعض لمواجهة العقوبات، ومن الأمثلة؛ الاتفاقية التي وقعت بين الصين وروسيا، بقيمة 52 مليار دولار ولـ 10 سنوات بالعملات المحلية، وهي من أكبر الصفقات العالمية، في حين عقدت صفقات بين روسيا وإيران اعتماداً على مبدأ المقايضة للخروج من سيطرة الدولار، وكذلك بين الهند وروسيا بنفس المبدأ وبالعملة الوطنية.

الأسعار ترتفع بالتوازي مع الدولار

من جهته، يرى د. غسان إبراهيم (أستاذ في كلية الاقتصاد- جامعة دمشق) أن العقوبات الاقتصادية والحظر الدبلوماسي الذي فرض على سورية، كلها مفرزات للحرب، وكل ما يجري هو من تداعياتها سواء التضخم أو التراجع الاحتياطي.

 ويشير إبراهيم إلى أنه بسبب ما حدث على الأرض السورية بين المتحاربين أخذت دولة خارجية حجة لفرض الحظر، لكن تأثير العقوبات يجب أن يكون على المستوردات التي نستوردها، حيث كنا نصدر سابقاً بعكس حالتنا الراهنة، وهذا يعني أننا لا نستطيع أن نصدر أو نستورد من السوق الخارجية، لذلك فهذه المنتجات السورية بقيت في الداخل، وهي لم تبع وبالتالي دخلنا في حالة كساد أو ركود، ونتيجة ذلك يفترض أن تنخفض الأسعار، فكيف لصادراتنا التي لم تصدر، أن ترتفع أسعارها في الداخل بمقدار 10 أضعاف، بما يوازي سعر صرف الدولار تجاه الليرة السورية.

يجب اعتماد حلول ابتكارية

ويوضح خبير اقتصادي حكومي مطلع لصحيفة «الأيام» أن العقوبات تؤثر بشكل كبير عندما تكون لأول مرة وفي أول الأزمة، لكن الاقتصاد السوري اعتمد حقيقة على نفس الحلول التقليدية بدلاً من إيجاد حلول ابتكارية، فإذا أكدت الحكومة مؤخراً قدرتها على زيادة إنتاج أسطوانات الغاز، فهذا يعني أن بإمكانها إيجاد حلول وهذا ما يجب أن تفعله.

ويفسر أساتذة اقتصاديون أن المشكلة لدى الحكومة كونها تعمل من دون أولويات، ولا تعتمد على مواردها الداخلية، فالمواطن البسيط يبحث عن بدائل لمشاكله الداخلية مثل الكهرباء، وهذا ما يجب أن تفعله الحكومة، لذا فالعقوبات موجودة ونعاني منها، لكن بعد 8 سنوات يفترض أن نجد حلولا مختلفة غير تقليدية.

مواجهة العقوبات بإدارة ملفات الاستيراد والتصدير

تصنف الوزيرة السابقة د. لمياء عاصي العقوبات الاقتصادية كحالة عدائية وليست حرباً، ومع ذلك فإن تأثيراتها السلبية على مجمل مناحي الحياة قد تفوق آثار الحرب العسكرية، كما ترى عاصي، ولكن هناك طرق كثيرة عادة ما تتبعها الدول لتجاوز هذه العقوبات، منها اللجوء إلى أطراف وسيطة تقوم من خلالها بتحويل الأموال عبر المصارف العالمية أو إنجاز عمليات الاستيراد والتصدير بطرق مبتكرة وغير مألوفة، ومع أن الموضوع معقد ولكنها سيناريوهات محتملة عادة تلجأ لها الدول التي تعاني العقوبات.

وتذكر د. عاصي بأن تاريخ العقوبات على سورية قديم ويعود إلى عام 1979، حيث فرضت علينا الولايات المتحدة عقوبات متتالية لتشمل مؤسسات وهيئات ومصارف وشخصيات، ولكن العقوبات الأشد وطأة كانت تلك التي فرضتها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وأستراليا وكندا منذ عام 2011 في إطار الحرب على سورية.

ولكن ماذا نفعل لمواجهة العقوبات الاقتصادية؟ تطرح د. عاصي تساؤلها وتقترح إدارة ملفات الاستيراد والتصدير بحرَفية عالية لا تخضع للأسلوب التقليدي والعادي، والاعتماد على مصادر بديلة مثل المصادر الروسية والصينية ومن دول أخرى، كما يمكن الالتفاف على العقوبات، ولكنه سيرتب أعباء مالية إضافية.

ويستذكر د. حيان سلمان أن سورية كانت تنتج قبل الحرب ما يقارب 385 ألف برميل نفط، لتغطية الطلب المحلي مقابل قسم أصغر للتصدير، وكانت تنتج 21 مليون لتر مكعب غاز، لكن الحرب خفضت الإنتاج النفطي إلى 5 آلاف برميل نفط و5 مليون متر مكعب بشكل أثّر على كل القطاعات.

ويبين سلمان أن الدولة بدأت بزيادة الإنتاج في الوقت الحالي بعد إعادة السيطرة على آبار النفط، رغم أنها دون المطلوب، أما الحل الثاني لأزمة المشتقات النفطية فهو اللجوء إلى الاستيراد، ورغم استهداف البواخر النفطية من قبل التحالف الأمريكي، إلا أن الحكومة قلّلت من الأثر السلبي عن طريق تأمين الاحتياجات من الحلفاء، بالإضافة إلى زيادة الاستخراج النفطي.

الشعب يعاني من ويلات الحصار

الخبير الاقتصادي د. سنان علي ديب يوضح في تصريح لـ «الأيام» بأن أسلوب العقوبات والحصار هو أسلوب غير أخلاقي وغير إنساني، وبالمحصلة الشعب هو من يعاني الويلات من هذه الأساليب التي مورست سابقاً على الكثير من الدول، ومنها العراق عندما كان أسلوب النفط مقابل الغذاء وغيره، وما ينجم عنها من فساد ونمو طبقة تجار الأزمات والحروب. هذه العقوبات تشلّ دور الحكومة في تأمين متطلبات المعيشة واستمراريتها، وما حصل ببلدنا أنهم لم يكتفوا بالعقوبات والحصار وإنما ترافق بتدمير البنى الاقتصادية بشكل ممنهج وخاصة مصادر الطاقة.

كما أجبرت ظروف العقوبات الاقتصادية برأي د. علي ديب على غضّ الطرف عن بعض الطرق والتي هي بالظروف الطبيعية مخالفة للأنظمة والقوانين، بغية تأمين ضرورات المعيشة، وكذلك اعتمد على البعض لتأمين الضرورات بالنيابة، وكانت هناك خطوط ائتمانية ولو كانت مقيدة بعض الأحيان فهذه الأساليب استطاعت الالتفاف على العقوبات والحصار.

الحكومة مطالبة بمصارحة الشعب

يلفت د. غسان إبراهيم إلى أنه بسبب الحرب ظهرت قوى اجتماعية (تجار أزمات ومافيات)، وحدث استقطاب كبير بين القائمين على المواد والسلع والبضائع والتجار ومالكيها، فالسبب الأساسي لارتفاع الأسعار هو الاحتكار إلى جانب الحصار.

ويركز إبراهيم على أنه في كل حرب يدفع الفاتورة ذوو الدخل المحدود والفقراء والباحثون عن العمل والمهمشون والبعيدون عن القرار الاقتصادي، لصالح الطرف الآخر الذي يضم تجار الحروب والمحتكرين.

ويعتقد د. إبراهيم أن نظام التقنين كله هو دليل على احتكار المادة وغيابها، وقد لا يكون نتيجة الحظر إنما نتيجة الاحتكار بالدرجة الأولى ثم الحظر.

ويطالب إبراهيم الحكومة بمصارحة الشعب، كما أن الرد على العقوبات يكون ببناء اقتصاد وطني وذاتي.

ويتساءل بالمقابل: لماذا ارتفعت أسعار المنتجات الزراعية رغم أنها تزرع وتنتج داخل سورية؟! في حين كان لدينا اكتفاء ذاتي زراعي خلال فترة الثمانينات، أما اليوم فالناتج الإجمالي المحلي لكل ما ننتجه من بضائع انخفض من 80 مليار دولار خلال الأزمة، إلى حوالي 17 إلى 20 مليار دولار، أي حوالي أربع مرات أقل، وبالتالي من الطبيعي أن ترتفع الأسعار بشكل هائل.

وتقول د. لمياء عاصي أنه «على الرغم من عدم نكران التأثير السلبي للعقوبات الاقتصادية، ومساهمتها بإحداث المآزق الواحد تلو الآخر، سواء في تأمين المشتقات البترولية والغاز ومن ثم الكهرباء، ولكن السؤال الذي يطرحه الكثيرون هو: لماذا لا يوجد مشكلة إلا في عقود الدولة، لم نسمع عن مشكلة أو اختناق في مستوردات القطاع الخاص، فهذا ينبئ بأن إدارة عمليات الاستيراد الحكومية تعاني خللاً ما أو تقصيراً معيناً، إضافة إلى العقوبات التي تؤثر سلباً على الشعب السوري».

وتضيف «إن ضعف الثقة بين الحكومة والشعب بسبب الكثير من الوعود التي لم تنفذ والتصريحات التي أثارت الاستغراب أحياناً، لو استبدلت هذه التصريحات بمكاشفة حقيقية لكان الناس أكثر تفهماً وأكثر صبراً على الواقع المعيشي «.

عقوبات لمنع إعادة الإعمار

يذكّر أساتذة الاقتصاد بأن سورية خضعت للعقوبات بشكل مستمر ودائم، ولم تتوقف غير سنوات قليلة قبل الأزمة، لكن هناك مشكلتين أساسيتين يجب حلهما لمواجه العقوبات الخارجية، وهي التعاطي مع المواطن من قبل الحكومة بشكل راق، وحل مشكلة سوء الإدارة والتوزيع كما يحصل في المشتقات النفطية وغياب العدالة مثل التقنين الكهربائي.

ويقول خبير اقتصادي «إن العقوبات موجودة من حيث التوريدات أو الصناعة لمنع إعادة الإعمار، وهو أمر ندركه جيداً، لذا يجب أن نرقى في التصريحات إلى مستوى الأزمة والحدث، لتكون شفافة مع المواطن».

إدارة الأزمة ضمن الإمكانيات

يشدد د. سنان علي ديب على أن وجود العقوبات لا يعني انعدام الفساد ووجود التقصير، وهذا ما وجدناه بأزمات متتابعة بين أواخر وبداية العام من ثالث سنوات الأزمة إلى ما قبل السنة الماضية، وكانت نتيجة قصور رؤى واستثمار تجار الأزمة و تقاعس بعض الفاسدين وضغوطات أخرى، وهذا ترافق بسوء الأحوال الجوية وزيادة الطلب، لهذا السبب ولعودة الكثير من الأهالي إلى مناطقهم تضاعف الاستجرار من الكهرباء مع محدودية العرض، وهذا ما سبّب بالبداية اختناقات امتزجت مع سوء التوزيع و انعدام ثقافة الأزمات و تأمين الضروريات فقط ومع سوء بالإدارة، وترافق كل ذلك مع استمرار الفاقد الكبير من الكهرباء الذي يقدر بنصف الاستهلاك وكان قبل الأزمة حوالي ٣٦ %.

 ويقول د. ديب «الحق يقال إن ما قدم رغم قلة الإمكانيات وفداحة التدمير بحيث قارب ٥٠٠ مليار دولار، يعدّ إنجازاً وصموداً شعبياً ونجاح إدارة الأزمة ضمن الإمكانيات. ولكن الخطاب غير مقنع للمواطن ويبقى الفساد معرقلاً لتحقيق الإنجازات، مثلما كان مدخلا لتهشيم البنى، ويبقى الانتظار لحكومة إصلاحية تملك الكفاءة والنزاهة».

وللحقيقة فإن أفضل مواجهة لعقوبات تفرض من دول كبرى هو بناء اقتصاد وطني ومحاربة الفساد، ودعم مشاريع صغيرة منتجة للأسرة السورية.

محمد الواوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق