أيام الفن

الأدب السوري… منجم ذهب لصناعة دراما ترتقي بذائقة المشاهد

من يتابع قناة سورية دراما يشاهد تسع أعمال درامية تعرض، وهنا نشكر قناة سورية دراما على هذا التنوع بين الاجتماعي والتراجيدي والكوميدي، حتى أن ضمن هذه الأعمال مسلسل مصري يحمل قيم فنية وفكرية عالية، لكن هناك بالمقابل نصف الأعمال التي تعرض سطحية ومن دون أي قيمة تذكر ويقينا هي لا تستحق أن يضيع عليها ساعة بث واحدة.

بالتأكيد لا نحمّل إدارة القناة أي مسؤولية أو نتهمها بالتقصير، فهي تعرض تسعة أعمال، وليس ذنبها أنه كان هذا ما ينتج من أعمال فقط، هل تنتج أعمال ذات قيمة على حساب موظفيها أو تبحث من يقدم لها مساعدات على شكل أعمال تلفزيونية؟!

إذا المشكلة فيما يتم إنتاجه من أعمال، والمتهم هو من ينتج الأعمال سواء كان مؤسسة عامة أو خاصة، كلنا يعرف أن الاستناد على نصوص أدبية في الأعمال التلفزيونية لخدمة الدراما ليس جديدا، وتعود أول تجربة في سورية لعدة عقود خلت أي في سبعينيات القرن الماضي في مسلسل أسعد الوراق بطولة الراحل الفنان هاني الروماني ومنى واصف، سيناريو وحوار الأديب الراحل عبد العزيز هلال عن رواية «الله والفقر» للكاتب صدقي إسماعيل، قام بإخراجه آنذاك المخرج علاء الدين كوكش، وبعد ما يزيد عن ثلاثين عاماً أعيد إنتاجه بتوقيع المخرجة رشا شربتجي، سيناريو هوازن عكو، برؤية جديدة وبساعات عرض تلفزيونية تضاعف العرض الأول عدة مرات تناسب ما عرفناه لاحقاً بالموسم الرمضاني، كما تم إعادة إنتاج مسلسل دليلة والزيبق المستقى من السير الشعبية، وكتاب ألف ليلة وليلة بتوقيع المخرج سمير حسين وللسيناريست ذاته.

 البعض اعتبرها ظاهرة إفلاس فكري عند كتاب النصوص التلفزيونية، والبعض الآخر اعتبرها إعادة إنتاج نصوص أدبية لأهمية ما تطرحه من قضايا ذات مضامين فكرية قريبة من المجتمع، لكن لماذا لا يتم العودة والبحث عن نصوص نثرية جديدة تحمل بين صفحاتها أفكار مختلفة تخدم المجتمع ليتم تحويلها من مادة مكتوبة إلى صورة بصرية؟! ومن لغة الكلام إلى لغة الصورة! لماذا نتعمد إهمال الأعمال الأدبية السورية التي تعبّر عن هوية مجتمعنا؟! ونبحث عن سيناريوهات على قياس وتخيلات بعض جهات الإنتاج المستعربة التي تطلب تفصيل رداء درامي لشهواتها، مع أننا لسنا من خليج بريخت النفطي، وأعمالنا السابقة التي تحولت من نصوص روائية إلى أعمال ومشاهد، تنبض بالصور الحية على يد محترفين بالسيناريو و الإخراج أثبتت نجاحها وتفوقها على الأعمال التي ولدت من فضاءات متخيلة، نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر أعمال الروائي حنا مينا «نهاية رجل شجاع، بقايا صور، والمصابيح الزرق» التي عرضت مؤخراً، والأعمال التي حولها الأديب الراحل ممدوح عدوان إلى الشاشة الصغير كالملحمة الدرامية الشهيرة الزير سالم، و المسلسل المعروف «الدوامة» المأخوذ عن رواية «الضغينة والهوى» للروائي فواز حداد، وقدم أيضاً للدراما التاريخية سيرة الشاعر المتنبي برؤية جديدة أخرجها المثنى صبح، وعن رواية «أحلام الغرس المقدس» قدم المخرج باسل الخطيب العمل الدرامي «أنا القدس» ورواية الأديبة ألفت الإدلبي «دمشق يا بسمة الحزن»، والسنوات العجاف عن رواية «الحفاة وخفي حنين» للروائي الراحل فارس زرور، كما حولت أعمال أدباء إلى دراما تلفزيونية حيث قدم المخرج علاء الدين كوكش «حكايا الليل والنهار» عن أفكار الكاتب الراحل محمد الماغوط، و»أقاصيص المسافر» للقاص زكريا تامر، حولت إلى عمل تلفزيوني درامي بعنوان «حارة الياقوت».

نلاحظ مما ذكرناه الإمكانية التي يتمتع بها الكاتب السوري في تحويل الأعمال الأدبية إلى أعمال تلفزيونية، حتى ولو لم تكن أعمال روائية خالصة، أو أعمال روائية ضعيفة، أو حتى لا ترتقي لتظهر على الشاشة الفضية، وقد حولها الكاتب السوري بمهارة إلى عمل مشوق كرواية «ذاكرة الجسد» التي قدمت لها الكاتبة السورية ريم حنا معالجة درامية حولت من خلالها الثرثرة المجانية إلى سياق درامي، وأضافت عناصر وأحداث، وانفعالات خدمت النص الأصلي، وبخبرة المخرج نجدت أنزور شاهدنا صورة بصرية ورؤية إخراجية أضافت بعداً جديداً للعمل، وقربته لعين المشاهد ورسخته في ذاكرته.

ربما كان على صناع الدراما الاطلاع على ما نمتلك من إرث أدبي ضخم يستطيع أن يطور أعمالنا الدرامية فكرياً واجتماعياً وثقافياً، وبدورها الدراما تحول الأبطال الوهميين إلى أشخاص من لحم ودم، وتحول الفن النثري الأدبي إلى نص فني مرئي، غير قوة الشاشة التي تضاهي مئات دور النشر والمكتبات في وصول الأعمال الأدبية إلى الملايين، وتقدم لمدمني التلقي أعمال أدبية ذات جوانب فكرية وواقعية تزيد من ثقافة المشاهد من ناحية، وتعرفنا على أعمال سورية ولدت من العقل لا من «الخاصرة»، و تبين حالة الحارة «الشعبية» وكيف كانت، والبيت الدمشقي وسكانه، ولم تحمل كل هذا الإسفاف والاستخفاف في عقول المشاهدين .

لؤي ماجد سلمان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق