أيام الفن

الزواج المدني.. قضية اجتماعية تتنكّر لها الرقابة!

من المعروف أن أحد أسباب نجاح الدراما السورية هو طرحها لقضايا اجتماعية شائكة أو الاقتراب أكثر من الممنوع، وهو ما أطلق عليه «تحطيم التابو» سواء على صعيد الدين أو الجنس أو السياسة وهي ما تسعى إلى كبحه مختلف الأنظمة العربية ورقابتها الموظفة.

 ولأن الدراما السورية استطاعت بشكل من الأشكال خلق حالة جدل اجتماعي من خلال طرح الزواج المدني، فإنها بالتالي استطاعت ملامسة للأيقونات الثلاث التي كان ممنوع الاقتراب منها، فالزواج مرتبط بالجنس بشكل مباشر ومجرد طرح القضية، فهو بالتالي نواة نقدية للسلطات الدينية التي تسعى جاهدة لمنع هذه الفكرة، ولا يمكن اعتبار أن السياسة بمنأى عن هذا الطرح أو التغيير، لأنها في النهاية هي المسؤولة عن سن القوانين والتشريعات ومراقبة الطرح ولو بشكل غير مباشر أو علني.

يمكن أن نذكر بعض الأعمال التي لاقت نجاحا وطرحت هذه القضية مثل مسلسل «أحلام كبيرة عام 2004» للمخرج حاتم علي، نص الكاتبة أمل حنا، حيث يتم تفريق البطلين عمر «باسل خياط» ومنى «سلاف فواخرجي» خوفا من تجاوز العادات والتقاليد الاجتماعية الموروثة.

وفي مسلسل «أهل الغرام» الجزء الأول قصة «يا مريم البكر» سيناريو لبنى حداد وإخراج الليث حجو، تهرب ابنة الجيران لين «ديما قندلفت» من حبيبها فادي «قصي خولي» حين تعجز عن مواجهة العادات والتقاليد الشرقية، لكن يعود «أهل الغرام» في جزئه الثالث 2017 ليكمل قصة «يا مريم البكر»، بعنوان جديد « بعدك حبيبي» بنص لنجيب نصير وإخراج المثنى صبح، ويلتقي أبناء الحبيبين بعد مرور ما يزيد عن عقدين من الزمن ليوجها رسالة إلى المجتمع أن الأجيال الجديدة لن تحب بقانون، وإذا كان الزواج بين الطوائف ممنوع فهذا لن يثني حبيبين من البقاء معا، من دون أن يكون الزواج هو الحل الوحيد.

ويمكن اعتبار مسلسل «ليس سرابا» إنتاج سورية الدولية 2008، الأقوى على سبيل الطرح إذ تناول العمل بشكل جريء قانون الأحوال الشخصية والمدنية، مطالبا بالسماح بالزواج المدني، وبنظام تعليمي يبيح للمتعلم البحث عن حقيقته من دون تلقين وتدجين، كما أظهر العمل كيف ينتشر التشدد في كل الطوائف، مطالبا بفصل الدين عن الحياة المدنية والسياسية للمجتمع، كما طرح جرائم الشرف التي عانى منها المجتمع، العمل للكاتب فادي قوشقجي وإخراج المثنى صبح.

من أسف، هناك أعمال حاولت تمرير رسائل مبطنة لكنها كانت صامتة فلم تطرح المشكلة بشكل جدي! واكتفت إلى الإشارة من بعيد وبشكل خجول ولم تضع عقدة أو صراع يشعر فيها المشاهد، بل اكتفت بتمرير خلاف الأديان، وأن سبب عدم الارتباط بين شخصين هو الخلاف بالأديان، لكن من دون أن يحاول النص تبيان أدنى معاناة، بل على العكس تماما كانت توضح لجمهور المشاهدين أن الاستسلام هو الحل الوحيد، من دون أن يكون هناك لزوم للتفكير أو حتى الوقوف عند الحالة، وكأن الطرح مجرد رسالة موجهة للجمهور أن عليه أن يقبل الواقع فقط، والأسوأ هو التناقض في الرسائل التي كانت تمرر عن تآخي الأديان، وتوضح أنه لا فرق بين دين ودين وكأن الارتباط بفرد من غير دين هو لرغبتنا بالدين، لا بالشخص كما شاهدنا في مسلسل الغريب تأليف عبد المجيد حيدر، سيناريو علاء عساف وإخراج عبد المجيد حيدر.

الغريب أنه في مسلسل «باب الحارة» طرحت هذه القضية ولكن لم نشاهد أن هناك مشكلة حقيقية بالنسبة للزواج من طوائف مختلفة، علما أن الفتاة التي أحبها «معتز» عقيد الحارة الجديد كانت يهودية، ولم تكن مسيحية والتي لعبت دورها الفنانة كندا حنا بشخصية «سارة». وشاهدنا كيف كانت تعلم نساء الحارة والأدق نساء الشام، وهي المرة الأولى التي يتم فيه طرح زواج المسلم من يهودية، من ناحية ثانية لم نشاهد أثناء طرح قضايا الزواج المدني موضوع ارتباط شاب مسيحي من فتاة مسلمة، فالكل رغم البحث في المشكلة يحافظ على الذكورة واحتفاظ الرجل بدينه، وهذه نقطة تحسب على الدراما.

التأكيد على دور الدراما في خدمة المجتمع من خلال طرح مجمل القضايا التي تشغله، والحقيقة أن هذا أحد أسباب نجاح الأعمال الدرامية التي لاقت رواجا، وبقيت متابعة سواء من الجمهور السوري أو العربي، فالقضايا التي ذكرناها لا تختلف في البلاد العربية حسب المقولة المشهورة «كلنا في الهم شرق»، خاصة حين يتعلق الموضوع برجال الدين والسياسيين، لكن علينا أن ننتبه من الناقد أو الصحفي الموظف الذي يصر على أن طرح هذه الإشكاليات نوع من الغزو الثقافي الذي ابتليت فيه الدراما العربية، وأن ما يعرض يشوّه مجتمعاتنا، متناسيا أن الفن هو خط الدفاع الأول عن المجتمع، خاصة بالنسبة للمجتمعات العربية التي لا تمتلك حرية التعبير، أو التظاهر، أو مواجهة رجال الدين والسياسة، في حقوق أقل ما يقال عنها شخصية.

لؤي ماجد سلمان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق