خاص

وزارة الشؤون الاجتماعية وعام آخر من الخيبات: 80 % من الأهداف لم تتحقق!

أدت قلة الخدمات الاجتماعية المقدمة في سورية إلى زيادة التأثيرات السلبية للحرب السورية على الصعيد الداخلي، ما جعلنا نشهد اكتظاظ شوارعنا بالأطفال المشردين ونزوح الكثير من عائلاتنا لمخيمات اللجوء، وازدحام دور اليتامى بمجهولي النسب ومكتومي القيد.

كما أسهم عدم وجود تأمينات اجتماعية لشرائح واسعة من العمال بانتشار ظاهرة التسريحات التعسفية في الشركات الخاصة، التي شهد إنتاجها هبوطاً كبيراً، ورافق ذلك ظهور جمعيات استغلت اندلاع الحرب لمصالحها الشخصية بغية المتاجرة بالمساعدات الإنسانية وبناء ثروات شخصية وألقاب «بريستيجية».

ولعل حل هذه المشكلات أو الحد من تأثيرها يقع على عاتق وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل التي غابت عن المشهد كلياً خلال الأزمة، وضمناً في العام 2018،  فلم نلحظ لها أي تأثير فعال غير الندوات والمناقشات والحوارات الإعلامية المرفقة بموائد الطعام التي تعمل على تنظيمها، فما يجري -بحسب أحد الخبراء الاجتماعيين- هو تفريغ الوزارة من مضمونها وعملها الجدي، وذلك بعد رمي العديد من الملفات التي كانت مسندة لها على عاتق الوزارات الأخرى كملف الإغاثة الإنسانية وملف المتسولين.

الوزارة لم تحقق 80 % من أهدافها

وفي الحديث عن الإنجازات التي حققتها الوزارة خلال سنة 2018، أكد خبير اجتماعي عمل سابقاً في وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، ورفض التصريح عن اسمه لـ «الأيام» أن الوزارة لم تحقق 80% من الأهداف التي تحدثت عنها، وروّجت لها إعلامياً في بداية العام، وفي مقدمتها ملف المعوقين بكل فئاتهم (السمعية والبصرية والعقلية)، والذي نص المقترح في السنوات السابقة على منحهم معونات مالية تصل لـ 15 ألف ليرة شهرياً لتجاوز عقبات الحياة، لكن ما تم تنفيذه فقط هو تزويد فئة واحدة منهم (مرضى الشلل الدماغي)، بمبلغ غير مجدٍ أساساً حيث تم رفع إعاناتهم بنسبة 40% ليصبح المبلغ الذي يتقاضوه 4200 ليرة سورية فقط بدلاً من 3000 ليرة!!

بالإضافة إلى رفض الوزارة لفكرة تحويل مبالغ الإعانات كافة عن طريق بطاقة صراف آلي وفق حساب توطين بأحد المصارف العامة، بهدف منع استغلالها أو سلبها من قبل الموظفين الفاسدين، والتسريع بعملية منحها بدلا من تجميعها وإعطائها كل 6 أشهر مرة، ليتوقف مشروع البطاقة بعد الخلاف حول تحديد الطرف الذي سيقوم بدفع تكاليف البطاقة، والتي تقدر بـ 300 ليرة سورية.

المعنفات والتخلف العقلي ومجهولو النسب في مكان واحد!

وحول موضوع زيادة أعداد المراكز التي تعنى بشؤون المعوقين أشار الخبير إلى أن أعداد المراكز، مازالت قليلة جداً وموزعة في محافظتين فقط، ففي الحسكة يوجد مركز واحد يعنى بالإعاقات السمعية إلا أنه يستقبل كافة أنواع الإعاقات وذلك لعدم توافر مراكز أخرى، ويقتصر وجود معاهد الإعاقة البصرية على محافظتي دمشق وحلب، كما تم دمج المعهد المعني بشؤون المعنّفات مع معهد التخلف العقلي ومجهولي النسب والأحداث الجانحات في منطقة باب مصلى، وذلك رغم رصد العديد من الميزانيات التي خصصت لزيادة أعداد هذه المراكز ورفع كفاءتها خلال الأعوام السابقة.

أطفالنا ضحية تقاذف المسؤوليات

ولم يختلف الوضع كثيراً في موضوع المتسولين، والأحداث الجانحين، الذين تحاول دائما الوزارة رمي مسؤوليتهم على عاتق الوزارات الأخرى كالداخلية والعدل، فجلّ ما تقدمه الشؤون الاجتماعية للمتسولين هو تقييد حريتهم لفترة محددة من دون أي دور إصلاحي وتربوي يغير وضعهم، ما ساعد على تحويلهم بطريقة غير مباشرة إلى أحداث جانحين وأدى إلى ارتفاع معدل الجريمة بينهم، ولتستمر الكارثة بوضعهم في معهد من المفترض أن يكون «إصلاحي»، إلا أنه يمتلك جميع الصفات التي تتحلى فيها السجون ببنائه المتآكل وخلّوه من الكوادر «الإصلاحية» المؤهلة، وميزانية إطعامه المرصودة والتي حدد فيها جعالة الطفل الواحد بـ»125» ليرة سورية أي ما يعادل سعر نصف «سندويشة الفلافل»، وفق الأسعار المتداولة في الأسواق السورية، وذلك بحجة عدم منحها الميزانية الكافية التي تمكّنها من إتمام دورها على أكمل وجه.

أجور متدنية ومكاتب تشغيل شكلية

وفي الشق العملي فشلت الوزارة في رفع الحد الأدنى للرواتب والأجور المحدد بـ 175. 16 ألف ليرة سورية، أي ما يعادل 32 دولاراً أميركياً وهو حد لا يؤمن الاحتياجات المعيشية الأساسية، فوفق دراسة صدرت مؤخراً فإن مؤشر تكاليف معيشة أسرة في دمشق، مكونة من 5 أشخاص، قد حددت في نهاية الربع الرابع من العام الحالي بمقدار 310 ألف ليرة سورية، وذلك في الوقت الذي اقتصر فيه دور مكاتب التشغيل أيضاً -وبحسب مصدر في الوزارة- على منح رقم ترميز وطني للناجحين في المسابقات التي تجريها الوزارات بدلاً من قيامها بتأمين وظائف للطلبات الهائلة المسجلة لديها منذ سنين.

فساد داخلي وتهميش للكفاءات والخبرات

ولم تفلح الوزارة أيضاً في شق مكافحة الفساد واستقطاب الكفاءات والخبرات، فحسبما أوضح الخبير لـ «الأيام» لم يتم قمع الفساد داخل الوزارة إلا بنسبة 1% ممن ثبت فسادهم، حيث تم رفع العديد من التقارير التي تثبت تورط البعض بقضايا فساد داخلية، إلا أنها قوبلت بالتجاهل والتهميش! وأكبر دليل على ذلك قصة مدير الرقابة الداخلية السابق، الذي رفع فيه وبفساده المئات من التقارير، إلا أنه تُرك عمداً ليهرب إلى خارج القطر ويسرق معه ممتلكات وأموال وملفات تابعة للوزارة، وقصة مديرة الشؤون الإدارية التي ثبتت إدانتها التي قوبلت بإنهاء ندبها فقط وإعادتها إلى الوزارة التي أتت منها.

وأشار الخبير إلى أنه يوجد تضييق شديد على طلاب الدراسات، وانتشار الوساطات والمحسوبيات داخل الوزارة والمديريات الفرعية، والتي تتمثل بكون رئيسة دائرة المعوقين من «الفئة الثانية»، رغم وجود موظفين «فئة أولى» يملكون إجازة جامعية وما فوق (تحت يدها)، وترأس خريجة معهد هندسي منصب مديرة الخدمات الاجتماعية، بدلاً من منح هذا المنصب لأحد الموظفين من ذوي الشهادات الجامعية العليا، في مجال علم الاجتماع وعلم النفس.

حلم سنوي

من المؤكد أن هذه المشكلات ليست وليدة العام السابق فقط بل هي تراكمات لسنوات طويلة من الفساد، نأمل في بداية كل عام بالعمل على حلها للنهوض بمجتمعنا من خلال حفظ حق العمال بالحصول على تأميناتهم، ورفع الحد الأدنى من رواتبهم، وحماية مستقبل أطفالنا المشردين واليتامى، وذوي الاحتياجات الخاصة ومنع تشغيلهم واستغلالهم، وتأمين العمل لشبابنا وعدم السماح بالعمل للجمعيات «الخلبية» التي تتستّر بالعمل الإنساني فيما هي تهين الإنسان والإنسانية وتسعى لمصالحها الشخصية على حساب من تدّعي العمل باسمهم.

ليلاس العجلوني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق