خاصمال وأعمال

لا زيادة رواتب أو إصلاح ضريبي والدولار يفرم العملة الوطنية

عام مضى على البلاد والعباد، عايش فيه الناس الأتراح دون غيرها، في أزمة طال أمدها، وبالطبع لم يخل العام 2018 كما سابقه من  وعود وزارة المالية وحديثها الدائم عن الإنجازات و»المعجزات» على حد وصف وزيرها.

 عام مضى على تعهدات الوزارة بتحسين الوضع المعيشي للموظفين من خلال زيادة الرواتب، لكن «فرنك» سوري واحد لم يضف إلى سلسلة الأجور، حيث لم تبق حجة لدى الحكومة  لتبرير عدم الزيادة إلا وصاغها المسؤولون بعبارات باتت مكشوفة للجميع  في كل طلة إعلامية. وبين زيادة وعدم وجود زيادة، عاش الموظف على الآمال ليحصد مع نهاية العام خيبات تضاف إلى سجله من كل وزارات ومؤسسات الحكومة، التي وعدته بالكثير لكنها وأدت أغلب تعهداتها مع أفول السنة ورافق ذلك تدهور العملة الوطنية أمام سلة العملات الأجنبية واستمرار النظام الضريبي الظالم على حاله دونما تعديل.

زيادة الراتب وكذبة نيسان

رغم اعتراف وزير المالية مأمون حمدان في مقابلة سابقة مع جريدة «الأيام»، بأن الفقر بالدرجة الأولى قد يفتح أبواب الفساد، يصر على أن «الدولة مع ذلك قادرة على رفع الرواتب، ولكن هناك دعم اجتماعي يقدم ليس فقط للموظفين، وإنما يدعم كل المواطنين، وهذا الدعم يكفي لزيادة الرواتب 200% وليس 100% على الأقل، والحكومة قادرة على ذلك إذا توقف الدعم الاجتماعي، ونقصد بالدعم الخبز والكهرباء والمشتقات النفطية فقط، فهذه يخصص لها 4 مليار كل يوم، أي1400 مليار سنوياً، في حين أن الرواتب والأجور تبلغ بالمتوسط مع التعويضات  نحو 1000 مليار، ولكن إذا أردت زيادة الرواتب فالتعويضات لن ترتفع كلها بنفس النسبة، يعني أنت تتحدث عن الزيادة 100% فستكون الزيادة بحدود 700 مليار، وأنت لديك دعم اجتماعي بحدود 1400 مليار، أي أصبحت الزيادة 200%»  ورغم كل شيء لم ترتفع الرواتب بنسبة 1% للموظفين الحكوميين» والكلام لوزير المالية.

وكان رئيس الحكومة عماد خميس قال، إن الحكومة ستقر زيادة في الرواتب، مضيفاً أن زيادة الرواتب والأجور قد تكون ٢٥ % إلى ٤٠ % وربما تصل إلى ٥٠ %.

في حين ربط وزير المالية بشكل غريب، بين زيادة الرواتب للموظفين وتوفير الطاقة الكهربائية اللازمة لتشغيل المعامل والمصانع وبالتالي «تحريك عجلة الإنتاج في سورية».

تصريحات متناقضة  حول زيادة الأجور

تشدد الخبيرة الاقتصادية د. رشا سيروب على أن وزارة المالية لم تتمكن من القيام بدورها الرئيسي، في استخدام الأدوات المالية المختلفة من ضريبة وإنفاق عام لتحقيق الأهداف الاقتصادية في ضبط الأسعار، وتحسين المستوى المعاشي للمواطن، فقد وقفت وقفة المتفرج وحجمت دورها لتصبح وزارة جباية بالحدود الدنيا التي سمح بها قطاع الأعمال وبالحدود القصوى من الموظفين.

وتعتقد سيروب أن كل ما قامت به الوزارة هو المزيد من التصريحات بالخطط والنوايا التي لم ينفذ منها شيئا لتاريخه، ولا يبرر الحديث (إنما الأعمال بالنيات) عدم قدرة وزارة المالية على تنفيذ ما وعدت وتعهدت به.

بدوره يشرح د. محمد عبد الله (أستاذ الاقتصاد في المعهد الوطني للإدارة العامة) في تصريح لـ «الأيام»، أن الحكومة أصدرت تصريحات متناقضة بالنسبة لإصلاح منظومة الرواتب والأجور، حيث يعد أحد المسؤولين بزيادة قريبة  تارة، ثم يأتي آخر لينفي الأمر لاحقاً، إذ ليست هناك دراسات أو بيانات دقيقة مثل اعتمادات ضريبية وموارد موازنة، ويكتمل التخبط  بتصريح وزير المالية بأن «إذا كان هناك زيادة للأجور سوف يشعر بها المواطن»!!

ويضيف عبد الله «طرحت تحليلات حكومية حول إمكانية زيادة الرواتب على مستويات  قطاعية، كالقطاع الإنتاجي والخدمي، بشكل متتال ومنفصل لكنها لم تحدث».

وترى الوزيرة السابقة لمياء عاصي في مقال لها على صفحات «الأيام»، أنه مع رحيل 2018 فإن المشهد الاقتصادي السوري يبدو ملبداً بالقضايا الشائكة والمتداخلة والمشاكل المزمنة، وأهم ما يتضمنه المشهد ما يلي: استمرار انكماش الناتج المحلي الإجمالي مقارنة بسنوات ما قبل الحرب، وسعر صرف الليرة السورية الذي وصل إلى حاجز الــ 500 ل.س للدولار، وما نجم عنه من تدني القدرة الشرائية لدخل المواطن، الذي جعل الغالبية العظمى من السوريين غير قادرين على تلبية احتياجاتهم الضرورية جدا، فبعد أن كان معدل الرواتب بحدود 245 دولاراً أمريكياً في عام 2007، لا يتجاوز ما يعادل الـ 75 دولاراً في نهاية 2018، وبالتالي فإن انخفاض معدلات الرواتب وارتفاع نسب البطالة التي تجاوزت 53%، جعل نسبة الفقراء في سورية تزيد عن الــ 78% من عدد السكان بحسب كل التصنيفات الدولية لخط الفقر.

نظام ضريبي ظالم من دون تعديل

تورد الخبيرة الاقتصادية رشا سيروب أن جميع السياسات بقيت مجرد حبر على ورق، وإن كان هناك من إنجاز فمن حق المواطن أن يعلم ما هي النسبة التي تم تحقيقها في الحد من التهرب الضريبي، وأين وصل إصلاح النظام الجمركي والبضائع المهربة تملأ الأسواق؟

وتطرح سيروب استفهامات عدة حول النظام الضريبي فماذا حلّ بنظام الأتمتة الشاملة للإدارة الضريبية، وعلى مستوى كل الإجراءات التي تم التصريح مراراً وتكراراً أنه سيكون نافذاً بدءاً من شهر نيسان 2018 (وفقاً لتصريحات متكررة سواء في اجتماعات رسمية أو مقابلات إعلامية)؟

وتبين سيروب أن الاقتصاد السوري شهد تحولات إيجابية خلال سنوات استلام الحكومة الحالية السلطة التنفيذية مقارنة بسنوات الحرب السابقة، والتي لم يتم خلالها تعديل لحقيبة وزارة المالية، أي أن الوقت كان كافياً وملائماً لإحداث أي تحديث أو تطوير مزمع، إلا أن الوزارة آثرت أن تحذو حذو من سبقوها منذ عقود في الحديث عن ضرورة إصلاح النظام الضريبي، وقد تم تشكيل لجنة بهذا الخصوص منذ ما يقارب العام ونصف، برئاسة وزير المالية ولغاية الآن لا نتائج صدرت عن هذه اللجنة، وكما هو معلوم إذا أردت أن تميع موضوعا ما فشكل له لجنة، ويقول المثل إن (الجمل هو حصان صممته لجنة).

تخبط التصريحات نتيجة قصور إعلامي للمسؤولين

ينوه عبد الله بأن التصريحات المتناقضة ليست فقط بالنسبة للأجور بل في كافة القطاعات الاقتصادية المتعلقة بمعيشة المواطن، ويرجع ذلك إلى قصور إعلامي  للمسؤولين الحكوميين بالنسبة للتصريحات، وكأن هناك استخفافا بعقل المواطنين؟

ويشير أستاذ الاقتصاد إلى أن هناك تخبطا اقتصاديا،  فلم تكن التصريحات ذات الصلة بسعر الصرف أقل تخبطاً،  والمستوى العام للأسعار ما زال مرتفعاً، و لم يرافق انخفاض سعر الصرف انخفاض في أسعار السلع والمواد التموينية، وهو أمر يتعلق بالرقابة التموينية من ناحية.

 ويرجع الخبير الاقتصادي التخبط الحاصل إلى قصور «مصرف سورية المركزي» في تأدية واجبه فيما يتعلق بضبط سعر الصرف وتجنب الفروقات الشاسعة بين السعر الرسمي والسعر في السوق الحرة ( السوق السوداء)، وبالتوازي أسهمت زيادة الطلب الكلي على القطع الأجنبي في مرحلة إعادة الإعمار، من دون وجود الموارد والروافد الأساسية للاقتصاد في ارتفاعه وانخفاض قيمة الليرة.

أهم انجازات المركزي: 50 ل.س معدنية

ينتقد عبد الله عمل المصرف حتى بإدارته الجديدة، حيث صرح الحاكم الجديد بإحدى المؤتمرات أنه كان «يراقب عن كثب سعر الصرف»، فأي مواطن يراقب أيضاً، بينما المطلوب هو النتيجة والإنجاز الفعلي على أرض الواقع، ولذا فإن قرارات مجلس النقد والتسليف فيما يتعلق بضبط سعر الصرف تقوم على التخبط والتناقض. وبالنسبة لاسترداد مبالغ القطع الأجنبي التي صرفها التجار يتساءل عبد الله، لماذا لم يصدر قراراً يخص جلسات سياسة التدخل التي كانت تصرف مبالغ بحدود المليون دولار لكل شركة صرافة؟ وهي الكتلة الأكبر من القطع الأجنبي المصروف خلال فترات الأزمة، ليتراجع المصرف مؤخراً عنها.  ويؤكد عبد الله أن سياسة «المركزي» غير واضحة حتى الآن في تثبيت سعر الصرف وفي 2018 كانت عام تخبط «المركزي» سواء بالنسبة لأسعار صرف الحوالات وكل قرارات مجلس النقد والتسليف الناظمة لسعر الصرف، أما انجاز «المركزي»  فاقتصر على إصدار عملة (50) ل.س المعدنية واستبدالها  بالعملات التالفة، في حين أن المرحلة الراهنة تتطلب انجازات تلبي طموحات التجار والمستوردين في مرحلة إعادة الإعمار.

قانون البيوع العقارية لم ينجز

ومن الانجازات التي لم تتحقق، تلمح سيروب إلى طرح وزارة المالية إمكانية تعديل قانون البيوع العقارية، علماً أن هذا المشروع تم طرحه في عهد وزراء المالية السابقين، لكنه لم ير النور، والسؤال الذي يطرح نفسه أليس في جعبة أصحاب القرار أي خيارات ومقترحات أو آراء تختلف عما تم طرحه من قبلهم؟!!

وتعرب سيروب عن استغرابها لعدم التطرق إلى رفد الخزينة العامة للدولة، بموارد من خلال فرض مطارح ضريبية جديدة واضحة للعيان ولا تضر بالعملية الاستثمارية، ظهرت خلال ظروف الحرب، مثل فرض ضريبة على مقتنصي الفرص خلال سنوات الحرب أو ضريبة على تغير مراكز الثروة، خلال الحرب أو على الثراء الفاحش، فدائماً ما يتم طرح حلول سهلة تستنزف المواطن عموماً وذوي الدخل الثابت على وجه الخصوص.

وتشدد رشا سيروب على أن الأوان آن لكي تنظر وزارة المالية إلى دورها كراسم للسياسات الاقتصادية والاجتماعية وليس وزارة جباية أموال.

جُبلت حكومتنا على كثرة الوعود والأمنيات، التي تخدر بها المواطنين في كل عام لينسوا حقوقهم رويداً رويدا، إلى درجة الاستخفاف بعقول الناس والكذب عليهم بإنجازات وهمية ترضي غرور بعض الوزراء فقط، بدلاً من الاعتراف بالمشكلة والعمل على إصلاحها بشفافية، ومن دون مصداقية فإن ثقة الشعب بحكومته تضررت وتراجعت إلى أدنى مستوياتها، وربما ستسوء مستقبلاً ما لم  يتخل المسؤولون عن تقديم الوهم للشعب.

محمد الواوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق