آخر الأيام

فن الإهانة

أكثر ما يثير دهشتي في الفنون أنَّ القائمين على تصنيفها، من كانط إلى سوريو مرورا بهيغل، لم يعتبروا الإهانة فناً رغم أنها من أكثر الفنون حضوراً و تطوراً و مسّاً بالكرامة. مع بداية ظهوره على الأرض اكتفى الإنسان بـ «الشتيمة» للتعبير عن سخطه، لكنه اكتشف مع الزمن أنها لا تجدي مع خصمٍ أطرش، لذلك اخترع «الصفعة» ليكتشف لاحقاً محدودية استعمالها نظراً لاختلاف أحجام البشر، فضلاً عن المخاطر الناجمة عن استعمالها من مسافة قريبة، كذلك لم تُجدِه «البصقة» لأن البعض كان يعتقد أنها رذاذ من السماء، لذلك؛ و نظرا للحاجة «الإنسانية» المُلحة لإهانة الخصم في الحروب، فقد اخترع البشر سبي النساء والتمثيل بالجثث، إلى أن تم اختراع المسدس عندها اضطروا للاقتصاد في الإهانة تطبيقا لقاعدة «لا تهن رجلا يحمل مسدسا» قاعدة تم استنباطها ـ ربما ـ من عبارة مخترع المسدس صموئيل كولت (1839) الذي قال: «الآن يتساوى الشجاع مع الجبان».

مع الزمن، انتقل البشر إلى ممارسة «فن الإهانة» في فترات السلم فاخترعوا ما أستطيع تسميته بـ (الإهانة المؤسساتية) و التي تعني «تفريغ الحقوق من محتواها، عبر تجريد من تثبت لهم من وسائل ممارستها»، والأمثلة عليها كثيرة منها: ممارسة حرية التعبير من دون أن يكون للفكر معنى، الحق في الحياة مقابل ارتفاع نسبة الانتحار بسبب اليأس من مستقبل أفضل، الحق في التطوير والتحديث مقابل تصدي «الصدئ» لهذه المهمة، الحق في التعددية الحزبية مقابل الجمود العقائدي، الحق في الصحة مقابل ثلاجات فارغة إلا من الجليد، الحق في الشفافية مقابل مسؤولين لا يصرحون عن أملاكهم، حق الشعب في ممارسة السيادة عبر مجالس تمثيلية مقابل عجز ممثليه في الدفاع عن حقوقه، الحق في حرية التنقل مقابل غياب وسائله أو تهتك بنيته التحتية أو العجز عن دفع كلفته، الحق في توفر السلع مقابل انعدام القدرة الشرائية، واجب تطوير البحث العلمي مقابل «تطفيش» أصحاب العقول.

«الإهانة المؤسساتية» تنتشر اليوم بنسب متفاوتة في كل دول العالم، خطورتها أنها تُوجه لشعب بأكمله لذلك يردّها عبر تدمير المؤسسات التي وجهتها له، إما بإضعاف الثقة فيها (السترات الصفر نموذجا)، أو بتدميرها بكل الوسائل المُتاحة (الارتهان للخارج ضمنا)، «الإهانة المؤسساتية» تعني دمار الأوطان و لو بعد حين، العزّة لسورية اليوم وغدا وإلى آخر الأيام.

عصام التكروري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق