أيام السياسةخاص

سنة لقطف ثمار الحرب في السياسة: زيارة أول رئيس عربي وإعادة افتتاح أول سفارة… والقادم «أعظم»

لطالما ارتبط الملف السياسي السوري بالملف العسكري وخاصة عند اقتراب جلسات التفاوض، لكن العام 2018 كان من الأعوام التي لم تشهد جلسات في جنيف لتبقى سلال دي مستورا معلّقة.

أما فيما يخص أستانة فقد شهد العام 2018 ثلاث جلسات، ليصبح عددها 11 جلسة تفاوض. لم يتغير اللاعبون على الساحة السياسية كثيرا، لكن عددا منهم أظهر نفسه بوضوح على الميدان، وبالتالي في طاولة المفاوضات كما فعلت فرنسا. فيما فضّل الكثيرون «العرب» مثلا، تخفيف الضخ الميداني والاكتفاء بالمفاوضات السياسية، كل ذلك انعكس جلياً في تعمق الخلافات في صفوف المعارضة السورية، وخاصة فيما يتعلق بموضوع اللجنة الدستورية.

نهاية مبشرة

تزاحمت الأحداث السياسية أواخر سنة 2018، حيث اعتبر المراقبون أن سنة 2018 سنة السياسة السورية بامتياز، شهدت العاصمة السورية دمشق في كانون الأول 2018 زيارة أول رئيس عربي للأراضي السورية بعد قطيعة امتدت لأكثر من سبع سنوات. الزيارة التي قام بها الرئيس السوداني عمر البشير، لسورية حملت عددا من الرسائل كانت الأيام اللاحقة لها كفيلة بكشفها، فما كادت الزيارة أن تنتهي حتى بدأت الطلبات تتدفق على دمشق لفتح السفارات العربية، ورفع مستويات التمثيل في خطوة من المتوقع أن تمتد على أيام 2019. وربما تشهد الأراضي السورية زيارات أخرى لعدد من الرؤساء العرب والأجانب، حتى أن المراقبين لم يستبعدوا والحال هذه، إعادة فتح سفارة قطر أو زيارة ملك السعودية لسورية.

بداية دبلوماسية

لم تكن التطورات الأخيرة وليدة لحظات، بل هي نتيجة عمل سنة اعتبرت سنة سياسية سورية بامتياز. فمع نهاية الشهر الأول من 2018 نجحت الدبلوماسية السورية والروسية بعقد مؤتمر سوتشي «مؤتمر الحوار الوطني السوري» الذي دعت إليه روسيا، عقد يوم 30 كانون الثاني في منتجع سوتشي المطل على البحر الأسود، قاطعته المعارضة السورية والولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا. وكان من أبرز مخرجاته الاتفاق على تأسيس لجنة لإعادة صياغة الدستور السوري، ودعوة لإجراء انتخابات ديمقراطية.

كان سبق مؤتمر سوتشي بأيام انعقاد مؤتمر فيينا في محاولة من الدول الغربية استباق نتائج مؤتمر سوتشي، حيث عقدت الجولة التاسعة من المحادثات السورية برعاية الأمم المتحدة بفيينا يومي 25 و26 كانون الثاني، التقى خلالها المبعوث الأممي الخاص بسورية، ستيفان ديمستورا، وفدي الحكومة السورية والمعارضة.

 وقدّمت كل من الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا والأردن والسعودية للمبعوث الأممي الخاص إلى سورية دي ميستورا، مقترحا بعنوان «ورقة غير رسمية»، تهدف إلى إحياء العملية السياسية في جنيف بشأن سورية استنادا للقرار 2254، غير أن الحكومة السورية رفضت المقترح.

الرد برسالتين متطابقتين انتهى

لم يكن شهر شباط أقل حماسة من شهر كانون الثاني، فالأحداث الميدانية في هذا الشهر أكسبت الدولة السورية قوة جديدة. ففي العاشر منه أسقطت الدفاعات الجوية السورية طائرة إسرائيلية أثناء قيامها بغارة على المواقع السورية، ليحمل آذار ونيسان انفراجا على الصعيد الميداني، حيث شهدت العاصمة توقف العلميات العسكرية في محيطها، ليخرج مسلحو «جيش الإسلام» وباقي الفصائل المسلحة من الغوطة باتجاه جرابلس. هذا الاتفاق الذي رعته روسيا حمل بحسب المراقبين قوة وسندا جديدا للدبلوماسية السورية.

قمة سورية – روسية

في الثامن عشر من الشهر الخامس تفاجأ العالم بزيارة خاطفة غير معلنة قام بها الرئيس بشار الأسد إلى الأراضي الروسية، حيث التقى الرئيس بوتين في مدينة سوتشي، هذه الخطوة كانت بمثابة كسر الحصار حول سورية، لتلي ذلك زيارة عدد من الوفود البرلمانية الأوروبية والعربية دمشق. أبرز ما ميز هذا اللقاء هو تعزيز الموقف السوري من قبل الرئيس الروسي، حيث هنأ بوتين الرئيس الأسد على «نجاحات الجيش العربي السوري في مكافحة الجماعات الإرهابية»، ما أتاح «تهيئة ظروف جديدة لاستئناف العملية السياسية على نطاق واسع» بحسب بيان صادر عن الكرملين في حينها.

باب العودة بات مفتوحاً

في السابع والعشرين من الشهر العاشر استقبلت مدينة اسطنبول زعماء كل من روسيا وتركيا وفرنسا وألمانيا لمناقشة الانتقال السياسي في سورية، وتعزيز الهدنة في إدلب شمال البلاد، اللقاء كان بحضور المبعوث الدولي الخاص إلى سورية ستيفان دي ميستورا.

هذا اللقاء أكد على عدد من الملفات أبرزها عودة اللاجئين بعد ضمان التهدئة على الأراضي السورية، وخاصة ما يتعلق بوضع مدينة إدلب.

2018 فصل المسارات

 يرى المحلل السياسي والكاتب مازن بلال في حديثه لـ «الأيام» أنه لا يمكن الحديث عن عام 2018 ضمن نموذج مغلق للأزمة السورية، حيث ينفصل المسار السياسي عن العسكري بشكل غريب، فأي تقدم ميداني لا يعني بالضرورة بداية الحل السياسي، وأي جهد تفاوضي لا يؤدي إلى تحولات على المستوى العسكري أو خفض التصعيد، ففي الأزمة السورية هناك اشتباك دولي لا تعبّر عنه التفاصيل الخاصة بالصراع سواء كان سياسيا أو عسكريا.

 يضيف بلال «عمليا شهد 2018 حدثين أساسيين متلازمين بشكل أو بآخر:

•الأول كان مؤتمر الحوار الوطني في سوتشي الذي شكل للدول الضامنة في آستانة قاعدة، لتحويل عملهم من إطار عسكري إلى سياسي يمكن أن يؤثر على العملية السياسية في جنيف، وانبثق عن المؤتمر اللجنة الدستورية، التي أثارت حراكا دبلوماسيا على مستوى الأمم المتحدة ومفاوضات جنيف.

•الثاني انتهاء المعارك في محيط دمشق، وهو أمر لم يعطِ قوة للدولة فحسب، بل غيّر قواعد التفاوض السياسي الذي ظهر عائما في فوضى التمثيل لفصائل المعارضة، فلم يعد بالإمكان الحديث الآن عن هيئة عليا للتفاوض بنفس الشكل السابق، أو حتى عن الشروط التي كانت قائمة سابقا.

ويضيف بلال بأن التطورات في الأشهر الستة الأولى من 2018 كانت حاسمة لجهة تحول الصراع في سورية، فلم يعد مرتبطا بتغيير السلطة السياسية، بل إدخالها بائتلاف سياسي يمكن أن يخلق توافقا على المستويين الإقليمي والدولي، وبرز هذا الأمر في النقاشات الخاصة بتشكيل اللجنة الدستورية، ومحاولة وضعها ضمن واقع يمكن أن يجعل الدول الأوروبية منخرطة في عملية الخروج من الأزمة، وذلك ضمن ثلاث نقاط عملت عليها روسيا بشكل خاص:

1. استيعاب صدمة استعادة الغوطة الشرقية وتجدد الحديث عن «الملف الكيميائي»، فالعدوان الذي حدث على سورية لم يكن محدودا فقط، بل كان استعراضيا لأبعد الحدود، وعادت موسكو للتعامل مع نفس الموضوع من خلال ملف إدلب، فتم الاتفاق بين تركيا وروسيا في سوتشي على فك الاشتباك الدولي في إدلب.

2.فتح ملف اللاجئين مع عدد من الدول الأوروبية، وذلك من أجل استخدام هذا الموضوع كبوابة لتسوية العلاقات السورية مع العالم، ورغم أن النجاح في هذا الموضوع مازال مثار جدل، لكنه فتح مجالا للحديث عن اللجوء في الدول الإقليمية وعلى الأخص لبنان.

3.مسألة إعادة الإعمار التي تبدو أنها نقطة استقطاب للتعامل مع ملفات الحل السياسي واللجوء في آن، فموسكو تحاول خلق حزمة للحل.

 ويوضح بلال: رغم التطورات فإن طبيعة الحل السياسي لم تتبلور، ومع الانفراجات العسكرية تتجدد الجبهات بشكل غير متوقع، وهذا الأمر يوحي بأن الواقع السياسي مازال متأرجحا، وأن الارتياح الأمني للمواطن السوري لن ينعكس سريعا على الواقع المعيشي، فنحن نعيش حاليا انعكاسات الحرب، ومن الصعب إطلاق الأحكام على الأداء الحكومي، على سبيل المثال بشأن الاستفادة مما يجري، فما خلفته الحرب لا يمكن الخروج منه بإجراءات حكومية، بل ببناء واقع سياسي جديد وبيئة قادرة على دفع المجتمع نحو تحمل تكاليف إعادة الإعمار، وتكريس شكل سورية المستقبلية.

نسرين علاء الدين

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق